الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                              معلومات الكتاب

                                                                                                                                                                                                                              سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد

                                                                                                                                                                                                                              الصالحي - محمد بن يوسف الصالحي الشامي

                                                                                                                                                                                                                              جزء صفحة
                                                                                                                                                                                                                              الْبَابُ الثَّانِي : فِي إِسْلَامِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامِ بْنِ الْحَارِثِ أَبِي يُوسُفَ وَهُوَ مِنْ ذُرِّيَّةِ سَيِّدِنَا يُوسُفَ الصِّدِّيقِ عَلَيْهِ السَّلَامُ ، حَلِيفُ الْقَوَاقِلِ مِنَ الْخَزْرَجِ ، الْإِسْرَائِيلِيُّ ثُمَّ الْأَنْصَارِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ . كَانَ اسْمُهُ الْحُصَيْنَ فَغَيَّرَهُ النَّبِيُّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَكَانَ عَالِمَ أَهْلِ الْكِتَابِ ، وَكَانَ إِسْلَامُهُ فِي الْيَوْمِ الَّذِي دَخَلَ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَارَ أَبِي أَيُّوبَ أَوَّلَ مَا قَدِمَ ، كَمَا فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ عِنْدَ الْبَيْهَقِيِّ . وَرَوَى ابْنُ إِسْحَاقَ عَنْ رَجُلٍ مِنْ آلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : "لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- نَزَلَ بِقُبَاءٍ فِي بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ . فَأَقْبَلَ رَجُلٌ حَتَّى أَخْبَرَ بِقُدُومِهِ . . " الْحَدِيثُ . وَفِيهِ : "فَخَرَجْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَأَسْلَمْتُ وَرَجَعْتُ إِلَى أَهْلِ بَيْتِي . قَالَ الْحَافِظُ عِمَادُ الدِّينِ بْنُ كَثِيرٍ : "فَلَعَلَّهُ رَآهُ أَوَّلَ مَا رَآهُ بِقُبَاءٍ ، وَاجْتَمَعَ بِهِ بَعْدَ مَا صَارَ إِلَى دَارِ بَنِي النَّجَّارِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ" . وَرَوَى الْبُخَارِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ عَنْ أَنَسٍ ، وَابْنُ إِسْحَاقَ عَنْ رَجُلٍ مِنْ آلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ ، وَالْإِمَامُ أَحْمَدُ ، وَيَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ ، وَالْبَيْهَقِيُّ عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ وَعَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، قَالَ : لَمَّا سَمِعْتُ بِرَسُولِ اللَّهِ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَعَرَفْتُ صِفَتَهُ وَاسْمَهُ وَهَيْئَتَهُ وَزَمَانَهُ الَّذِي كُنَّا نَتَوَكَّفَ لَهُ ، فَكُنْتُ مُسِرًّا بِذَلِكَ صَامِتًا عَلَيْهِ حَتَّى قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- الْمَدِينَةَ ، فَلَمَّا قَدِمَ نَزَلَ بِقُبَاءٍ فِي بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ ، فَأَقْبَلَ رَجُلٌ حَتَّى أَخْبَرَ بِقُدُومِهِ ، وَأَنَا فِي رَأْسِ نَخْلَةٍ لِي أَعْمَلُ فِيهَا ، وَعَمَّتِي خَالِدَةُ بِنْتُ الْحَارِثِ تَحْتِي جَالِسَةٌ . فَلَمَّا سَمِعْتُ الْخَبَرَ بِقُدُومِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَبَّرْتُ . فَقَالَتْ عَمَّتِي حِينَ سَمِعَتْ تَكْبِيرِي : "لَوْ كُنْتَ سَمِعْتَ بِمُوسَى بْنِ عِمْرَانَ مَا زِدْتَ" . قُلْتُ لَهَا : "أَيْ عَمَّةُ وَهُوَ ، وَاللَّهِ أَخُو مُوسَى بْنِ عِمْرَانَ ، وَعَلَى دِينِهِ ، بُعِثَ بِمَا بُعِثَ بِهِ" . فَقَالَتْ لَهُ : "يَا ابْنَ أَخِي ، أَهُوَ النَّبِيُّ الَّذِي كُنَّا نُخْبَرُ أَنَّهُ يُبْعَثُ مَعَ نَفَسِ السَّاعَةِ" ؟ قُلْتُ لَهَا : "نَعَمْ" . قَالَتْ : "فَذَاكَ إِذًا" . قَالَ : "فَخَرَجْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَلَمَّا تَبَيَّنْتُ وَجْهَهُ عَرَفْتُ أَنَّهُ لَيْسَ بِوَجْهِ كَذَّابٍ ، فَكَانَ أَوَّلَ شَيْءٍ سَمِعْتُهُ يَقُولُ : "أَفْشُوا السَّلَامَ ، وَأَطْعِمُوا الطَّعَامَ ، وَصِلُوا الْأَرْحَامَ ، وَصَلُّوا بِاللَّيْلِ وَالنَّاسُ نِيَامٌ ، تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ بِسَلَامٍ" . وَعِنْدَ الْبَيْهَقِيِّ عَنْ أَنَسٍ قَالَ : سَمِعَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ بِقُدُومِ النَّبِيِّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَأَتَى النَّبِيَّ فَقَالَ : "إِنِّي سَائِلُكَ عَنْ خِلَالٍ لَا يَعْلَمُهُنَّ إِلَّا نَبِيٌّ : مَا أَوَّلُ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ ، وَمَا أَوَّلُ طَعَامِ أَهْلِ الْجَنَّةِ؟ وَمَا بَالُ الْوَلَدِ يَنْزِعُ إِلَى أَبِيهِ أَوْ إِلَى أُمِّهِ؟ وَمَا هَذَا السَّوَادُ الَّذِي فِي الْقَمَرِ؟" قَالَ : "أَخْبَرَنِي بِهِنَّ جِبْرِيلُ آنِفًا . قَالَ : "جِبْرِيلُ" ؟ قَالَ : "نَعَمْ" . قَالَ "عَدُوُّ الْيَهُودِ مِنَ الْمَلَائِكَةِ" . "ثُمَّ قَرَأَ : قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ [الْبَقَرَةِ 97] قَالَ : "أَمَّا أَوَّلُ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ : فَنَارٌ تَخْرُجُ عَلَى النَّاسِ مِنَ الْمَشْرِقِ [تَسُوقُهُمْ] إِلَى الْمَغْرِبِ ، وَأَمَّا أَوَّلُ طَعَامٍ يَأْكُلُهُ أَهْلُ الْجَنَّةِ : فَزِيَادَةُ كَبِدِ حُوتٍ ، وَأَمَّا الْوَلَدُ : فَإِذَا سَبَقَ مَاءُ الرَّجُلِ مَاءَ الْمَرْأَةِ نَزَعَ الْوَلَدَ ، وَإِذَا سَبَقَ مَاءُ الْمَرْأَةِ مَاءَ الرَّجُلِ نَزَعَتِ الْوَلَدَ ، وَأَمَّا السَّوَادُ الَّذِي فِي الْقَمَرِ : فَإِنَّهُمَا كَانَا شَمْسَيْنِ . قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ [الْإِسْرَاءِ 12] فَالسَّوَادُ الَّذِي رَأَيْتَ هُوَ الْمَحْوُ" . فَقَالَ : "أَشْهَدُ أَلَّا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ" . ثُمَّ رَجَعَ إِلَى أَهْلِ بَيْتِهِ فَأَمَرَهُمْ فَأَسْلَمُوا وَكَتَمَ إِسْلَامَهُ . ثُمَّ خَرَجَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَقَالَ : "يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنَّ الْيَهُودَ قَدْ عَلِمَتْ أَنِّي سَيِّدُهُمْ وَابْنُ سَيِّدِهِمْ ، وَأَعْلَمُهُمْ وَابْنُ أَعْلَمِهِمْ ، وَأَنَّهُمْ قَوْمٌ بُهْتٌ ، وَأَنَّهُمْ إِنْ يَعْلَمُوا بِإِسْلَامِي قَبْلَ أَنْ تَسْأَلَهُمْ عَنِّي بَهَتُونِي ، وَقَالُوا فِيَّ مَا لَيْسَ فِيَّ ، فَأُحِبُّ أَنْ تُدْخِلَنِي بَعْضَ بُيُوتِكَ" . فَأَدْخَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ بَعْضَ بُيُوتِهِ ، وَأَرْسَلَ إِلَى الْيَهُودِ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالَ : "يَا مَعْشَرَ يَهُودَ يَا وَيْلَكُمُ اتَّقُوا اللَّهَ فَوَاللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِنَّكُمْ لَتَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ قَدْ جِئْتُكُمْ بِالْحَقِّ فَأَسْلِمُوا" . فَقَالُوا : مَا نَعْلَمُهُ . فَقَالَ : "أَيُّ رَجُلٍ فِيكُمُ الْحُصَيْنُ بْنُ سَلَامٍ" ؟ قَالُوا : "خَيْرُنَا وَابْنُ خَيْرِنَا وَسَيِّدُنَا وَابْنُ سَيِّدِنَا وَأَعْلَمُنَا وَابْنُ أَعْلَمِنَا" . فَقَالَ : "أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَسْلَمَ؟" قَالُوا : "أَعَاذَهُ اللَّهُ مِنْ ذَلِكَ" . فَقَالَ : "يَا بْنَ سَلَامٍ اخْرُجْ إِلَيْهِمْ" فَخَرَجَ عَبْدُ اللَّهِ فَقَالَ : "أَشْهَدُ أَلَّا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ ، يَا مَعْشَرَ يَهُودَ اتَّقُوا اللَّهَ وَاقْبَلُوا مَا جَاءَكُمْ بِهِ ، فَوَاللَّهِ إِنَّكُمْ لَتَعْلَمُونَ أَنَّهُ لَرَسُولُ اللَّهِ حَقًّا ، تَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَكُمْ فِي التَّوْرَاةِ : اسْمَهُ وَصِفَتَهُ ، فَإِنِّي أَشْهَدُ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ ، وَأُومِنُ بِهِ وَأُصَدِّقُهُ وَأَعْرِفُهُ . قَالُوا : "كَذَبْتَ ، أَنْتَ شَرُّنَا وَابْنُ شَرِّنَا" ، وَانْتَقَصُوهُ . قَالَ : "هَذَا الَّذِي كُنْتُ أَخَافُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَلَمْ أُخْبِرْكَ أَنَّهُمْ قَوْمٌ بُهْتٌ ، أَهْلُ غَدْرٍ وَكَذِبٍ وَفُجُورٍ" ؟ قَالَ : "وَأَظْهَرْتُ إِسْلَامِي وَإِسْلَامَ أَهْلِ بَيْتِي ، وَأَسْلَمَتْ عَمَّتِي خَالِدَةُ بِنْتُ الْحَارِثِ ، وَحَسُنَ إِسْلَامُهَا" .

                                                                                                                                                                                                                              ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                                                              الخدمات العلمية