الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                              معلومات الكتاب

                                                                                                                                                                                                                              سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد

                                                                                                                                                                                                                              الصالحي - محمد بن يوسف الصالحي الشامي

                                                                                                                                                                                                                              جزء صفحة
                                                                                                                                                                                                                              الْبَابُ الثَّالِثُ فِي بَدْءِ إِسْلَامِهِمْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ : وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى ذَلِكَ مِنْ أَمْرِهِ كُلَّمَا اجْتَمَعَ لَهُ نَاسٌ بِالْمَوْسِمِ أَتَاهُمْ يَدْعُو الْقَبَائِلَ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى وَإِلَى الْإِسْلَامِ وَيَعْرِضُ عَلَيْهِمْ نَفْسَهُ وَمَا جَاءَهُمْ بِهِ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى مِنَ الْهُدَى وَالرَّحْمَةِ ، وَلَا يَسْمَعُ بِقَادِمٍ يَقْدَمُ مَكَّةَ مِنَ الْعَرَبِ لَهُ اسْمٌ وَشَرَفٌ إِلَّا تَصَدَّى لَهُ وَدَعَاهُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى وَعَرَضَ عَلَيْهِ مَا عِنْدَهُ . وَرَوَى ابْنُ إِسْحَاقَ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ عَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ قَالَ : لَمَّا قَدِمَ أَبُو الْحَيْسَرِ أَنَسُ بْنُ رَافِعٍ [مَكَّةَ] - فِيمَا ذَكَرَهُ ابْنُ إِسْحَاقَ ، وَبَشَّرَ فِيمَا ذَكَرَهُ الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ- فِي فِتْيَةٍ مِنْ قَوْمِهِ بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ يَلْتَمِسُونَ الْحِلْفَ مِنْ قُرَيْشٍ عَلَى قَوْمِهِمْ مِنَ الْخَزْرَجِ ، سَمِعَ بِهِمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَتَاهُمْ فَجَلَسَ إِلَيْهِمْ فَقَالَ لَهُمْ : هَلْ لَكَمَ فِي خَيْرٍ مِمَّا جِئْتُمْ لَهُ؟» . فَقَالُوا لَهُ : وَمَا ذَاكَ؟ قَالَ : «أَنَا رَسُولُ اللَّهِ بَعَثَنِي إِلَى الْعِبَادِ ، أَدْعُوهُمْ إِلَى أَنْ يَعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَأَنْزَلَ عَلَيَّ الْكِتَابَ» ، ثُمَّ ذَكَرَ لَهُمُ الْإِسْلَامُ وَتَلَا عَلَيْهِمُ الْقُرْآنَ ، فَقَالَ إِيَاسُ بْنُ مُعَاذٍ ، وَكَانَ غُلَامًا حَدَثًا : «أَيُّ قَوْمٍ هَذَا وَاللَّهِ خَيْرٌ مِمَّا جِئْتُمْ لَهُ» . فَأَخَذَ أَبُو الْحَيْسَرِ أَنَسُ بْنُ رَافِعٍ حَفْنَةً مِنْ تُرَابِ الْبَطْحَاءِ فَضَرَبَ بِهَا وَجْهَ إِيَاسِ بْنِ مُعَاذٍ ، وَقَالَ : دَعْنَا مِنْكَ فَلَعَمْرِي لَقَدْ جِئْنَا لِغَيْرِ هَذَا . فَصَمَتَ إِيَاسٌ وَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْهُمْ وَانْصَرَفُوا إِلَى الْمَدِينَةِ . وَكَانَتْ وَقْعَةُ بُعَاثَ بَيْنَ الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ ثُمَّ لَمْ يَلْبَثْ إِيَاسُ بْنُ مُعَاذٍ أَنْ هَلَكَ . قَالَ مَحْمُودُ بْنُ لَبِيدٍ : فَأَخْبَرَنِي مَنْ حَضَرَهُ مِنْ قَوْمِي عِنْدَ مَوْتِهِ أَنَّهُمْ لَمْ يَزَالُوا يَسْمَعُونَهُ يُهَلِّلُ اللَّهَ تَعَالَى وَيُكَبِّرُهُ وَيُسَبِّحُهُ حَتَّى مَاتَ ، فَمَا كَانُوا يَشُكُّونَ أَنَّ قَدْ مَاتَ مُسْلِمًا ، لَقَدْ كَانَ اسْتَشْعَرَ الْإِسْلَامَ فِي ذَلِكَ الْمَجْلِسِ حِينَ سَمِعَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا سَمِعَ . وَرَوَى أَبُو زُرْعَةَ الرَّازِيُّ فِي دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ لَهُ بِسَنَدٍ حَسَنٍ ، وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ عَنْ مُعَاذِ بْنِ رِفَاعَةَ بْنِ رَافِعٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّهُ خَرَجَ هُوَ وَابْنُ خَالَتِهِ مُعَاذُ بْنُ عَفْرَاءَ حَتَّى قَدِمَا مَكَّةَ ، فَلَمَّا هَبَطَا مِنَ الثَّنِيَّةِ ، رَأَى رَجُلًا تَحْتَ شَجَرَةٍ . قَالَ : وَهَذَا قَبْلَ خُرُوجِ السِّتَّةِ مِنَ الْأَنْصَارِ ، فَلَمَّا رَأَيْنَاهُ قُلْنَا نَأْتِي هَذَا الرَّجُلَ لِنَسْتَوْدِعَهُ رَاحِلَتَنَا حَتَّى نَطُوفَ بِالْبَيْتِ ، فَجِئْنَا فَسَلَّمْنَا عَلَيْهِ تَسْلِيمَ أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ ، فَرَدَّ عَلَيْنَا تَسْلِيمَ أَهْلِ الْإِسْلَامِ ، وَقَدْ سَمِعْتُ بِالنَّبِيِّ ، فَأَنْكَرْنَا فَقُلْنَا : مَنْ أَنْتَ؟ قَالَ : «انْزِلُوا» فَنَزَلْنَا فَقُلْنَا : أَيْنَ هَذَا الرَّجُلُ الَّذِي يَدَّعِي مَا يَدَّعِي وَيَقُولُ مَا يَقُولُ؟ قَالَ : «أَنَا هُوَ» . قُلْنَا : اعْرِضْ عَلَيْنَا الْإِسْلَامَ ، فَعَرَضَ ، وَقَالَ : مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَالْجِبَالَ؟» قُلْنَا : خَلَقَهُنَّ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ . قَالَ : «فَمَنْ خَلَقَكُمْ؟» قُلْنَا : اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ . قَالَ : «فَمَنْ عَمِلَ هَذِهِ الْأَصْنَامَ الَّتِي تَعْبُدُونَ؟» قُلْنَا : نَحْنُ . قَالَ : «الْخَالِقُ أَحَقُّ بِالْعِبَادَةِ أَوِ الْمَخْلُوقُ؟» قُلْنَا : قَالَ : «فَأَنْتُمْ أَحَقُّ أَنْ تَعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَأَنْتُمْ عَمِلْتُمُوهُنَّ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَعْبُدُوهُ مِنْ شَيْءٍ عَمِلْتُمُوهُ وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى عِبَادَةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَشَهَادَةِ أَلَّا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ، وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ ، وَصِلَةِ الرَّحِمِ وَتَرْكِ الْعُدْوَانِ وَإِنْ غَضِبَ النَّاسُ» . فَقَالَا : لَوْ كَانَ هَذَا الَّذِي تَدْعُو إِلَيْهِ بَاطِلًا لَمَا كَانَ مِنْ مَعَالِي الْأُمُورِ وَمَحَاسِنِ الْأَخْلَاقِ ، فَأَمْسِكْ رَاحِلَتَنَا حَتَّى نَأْتِيَ الْبَيْتَ . فَجَلَسَ عِنْدَهُ مُعَاذُ بْنُ عَفْرَاءَ . قَالَ رَافِعٌ : فَجِئْتُ الْبَيْتَ فَطُفْتُ وَأَخْرَجْتُ سَبْعَةَ أَقْدَاحٍ وَجَعَلْتُ لَهُ بَيْنَهَا قِدْحًا ، فَاسْتَقْبَلْتُ الْبَيْتَ وَقُلْتُ : اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ مَا يَدْعُو إِلَيْهِ مُحَمَّدٌ حَقًّا فَأَخْرِجْ قِدْحَهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ ، فَضَرَبْتُ بِهَا سَبْعَ مَرَّاتٍ ، فَصِحْتُ : «أَشْهَدُ أَلَّا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ» . فَاجْتَمَعَ النَّاسُ عَلَيَّ وَقَالُوا : مَجْنُونٌ رَجُلٌ صَبَأَ ، فَقُلْتُ : بَلْ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ ، ثُمَّ جِئْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَعْلَى مَكَّةَ ، فَلَمَّا رَآنِي مُعَاذُ بْنُ عَفْرَاءَ قَالَ : لَقَدْ جِئْتَ بِوَجْهٍ مَا ذَهَبْتَ بِهِ يَا رَافِعُ ، لَقَدْ جِئْتَ وَآمَنْتَ . وَعَلَّمَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُورَةَ يُوسُفَ ، وَسُورَةَ الْعَلَقِ : اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ ثُمَّ خَرَجْنَا رَاجِعِينَ إِلَى الْمَدِينَةِ . بَيَانُ غَرِيبِ مَا سَبَقَ «الْحِلْفُ» - بِكَسْرِ الْحَاءِ وَسُكُونِ اللَّامِ : الْمُعَاقَدَةُ وَالْمُعَاهَدَةُ عَلَى التَّعَاضُدِ وَالِاتِّفَاقِ . «أَبُو الْحَيْسَرِ» : بِفَتْحِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْمُثَنَّاةِ التَّحْتِيَّةِ بَعْدَهَا سِينٌ مُهْمَلَةٌ ثُمَّ رَاءٌ ، ذَكَرَهُ ابْنُ مَنْدَةَ فِي الصَّحَابَةِ ، وَذَكَرُهُ الْحَافِظُ فِي الْإِصَابَةِ فِي الْأَسْمَاءِ وَفِي الْكُنَى فِي الْقِسْمِ الرَّابِعِ فِيمَنْ ذَكَرَ فِي الصَّحَابَةِ غَلَطًا . «إِيَاسُ بْنُ مُعَاذٍ» : ذَكَرَهُ ابْنُ السَّكَنِ وَابْنُ حِبَّانَ فِي الصَّحَابَةِ ، وَذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ فِي تَارِيخِهِ الْأَوْسَطِ فِيمَنْ مَاتَ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ الْأَوَّلِينَ وَالْأَنْصَارِ . «الثَّنِيَّةُ» : كُلُّ عَقَبَةٍ مَسْلُوكَةٍ . «الْأَقْدَاحُ» : جَمْعُ قِدْحٍ- بِكَسْرِ الْقَافِ- وَهُوَ عُودُ السَّهْمِ إِذَا قُوِّمَ وَإِلَى أَنْ يُرَاشَ فَإِذَا رَكِبَ فِيهِ النَّصْلُ وَرِيشَ فَهُوَ سَهْمٌ ، وَالْمُرَادُ هُنَا السَّهْمُ الَّذِي يَسْتَقْسِمُونَ بِهِ .

                                                                                                                                                                                                                              ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                                                              الخدمات العلمية