الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                              معلومات الكتاب

                                                                                                                                                                                                                              سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد

                                                                                                                                                                                                                              الصالحي - محمد بن يوسف الصالحي الشامي

                                                                                                                                                                                                                              جزء صفحة
                                                                                                                                                                                                                              تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ : قَالَ الْحَافِظُ لَيْسَ فِي قَوْلِ أُسَامَةَ تَعَشِّيًا إِلَخْ مَا قَدْ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ أَمِيرَ الْجَيْشِ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ قَوْلِ الْبُخَارِيِّ «بَابُ بَعْثِ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ إِلَى الْحُرَقَاتِ» وَقَدْ ذَكَرَ أَهْلُ الْمَغَازِي سَرِيَّةَ غَالِبِ بْنِ زَيْدٍ وَسَرِيَّةَ غَالِبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ اللَّيْثِيِّ إِلَى الْمَيْفَعَةِ فِي رَمَضَانَ سَنَةَ سَبْعٍ وَقَالُوا : إِنَّ أُسَامَةَ قَتَلَ الرَّجُلَ فِي هَذِهِ السَّرِيَّةِ . قَالَ : ثَبَتَ أَنَّ أُسَامَةَ كَانَ أَمِيرَ الْجَيْشِ ، فَالَّذِي صَنَعَهُ الْبُخَارِيُّ هُوَ الصَّوَابُ ، لِأَنَّهُ مَا أُمِّرَ إِلَّا بَعْدَ قَتْلِ أَبِيهِ بِغَزْوَةِ مُؤْتَةَ وَذَلِكَ فِي رَجَبٍ سَنَةَ ثَمَانٍ ، وَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ أَنَّهُ كَانَ أَمِيرَهَا رُجِّحَ مَا قَالَهُ أَهْلُ الْمَغَازِي . وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ : هَذِهِ السَّرِيَّةُ يُقَالُ لَهَا سَرِيَّةُ غَالِبِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ ، وَكَانَتْ فِي رَمَضَانَ سَنَةَ سَبْعٍ فِيمَا ذَكَرَهُ ابْنُ سَعْدٍ عَنْ شَيْخِهِ ، وَكَذَا ذَكَرَهُ ابْنُ إِسْحَاقَ فِي الْمُغَازِي ، قَالَ : حَدَّثَنِي شَيْخٌ مِنْ أَسْلَمَ عَنْ رِجَالٍ مِنْ قَوْمِهِ قَالُوا : بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَالِبَ بْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ إِلَى أَرْضِ بَنِي مُرَّةَ وَبِهَا مِرْدَاسُ بْنُ نَهِيكٍ حَلِيفٌ لَهُمْ مِنْ بَنِي الْحُرَقَةِ فَقَتَلَهُ أُسَامَةُ فَهَذَا يُبَيِّنُ السَّبَبَ فِي قَوْلِ أُسَامَةَ «بَعَثَنَا إِلَى الْحُرَقَاتِ [مِنْ جُهَيْنَةَ وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ قِصَّةَ الَّذِي قُتِلَ ثُمَّ مَاتَ فَدُفِنَ وَلَفَظَتْهُ الْأَرْضُ غَيْرُ قِصَّةِ أُسَامَةَ لِأَنَّهُ عَاشَ بَعْدَ ذَلِكَ دَهْرًا طَوِيلًا] وَتَرْجَمَ الْبُخَارِيُّ فِي الْمُغَازِي «بَابُ بَعْثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ إِلَى الْحُرَقَاتِ مِنْ جُهَيْنَةَ» فَجَرَى الدَّاوُدِيُّ فِي شَرْحِهِ عَلَى ظَاهِرِهِ فَقَالَ فِيهِ «تَأْمِيرُ مَنْ لَمْ يَبْلُغْ» وَتُعُقِّبَ مِنْ وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا أَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ تَصْرِيحٌ بِأَنَّ أُسَامَةَ كَانَ الْأَمِيرَ إِذْ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ جَعَلَ التَّرْجَمَةَ بِاسْمِهِ لِكَوْنِهِ وَقَعَتْ لَهُ تِلْكَ الْوَاقِعَةُ لَا لِكَوْنِهِ كَانَ الْأَمِيرَ إِلَخْ مَا ذَكَرَهُ الْحَافِظُ قَدْ قَالَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ : الصَّحِيحُ مَا ذَكَرَهُ أَهْلُ الْمَغَازِي مُخَالِفًا لِظَاهِرِ تَرْجَمَةِ الْبُخَارِيِّ أَنَّ أَمِيرَهَا أُسَامَةُ وَلَعَلَّ الْمَصِيرَ إِلَى مَا فِي الْبُخَارِيِّ فَهُوَ الرَّاجِحُ بَلِ الصَّوَابُ انْتَهَى . وَرَوَى ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ السُّدِّيِّ قَالَ بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَرِيَّةً عَلَيْهَا أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ فَذَكَرَ الْقِصَّةَ وَرَوَى ابْنُ سَعْدٍ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ بَرْقَانَ قَالَ حَدَّثَنَا الْحَضْرَمِيُّ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْيَمَامَةِ قَالَ بَلَغَنِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ عَلَى جَيْشٍ فَذَكَرَ الْقِصَّةَ . الثَّانِي : قَالَ النَّوَوِيُّ الْفَاعِلُ فِي قَوْلِهِ : «أَقَالَهَا» هُوَ الْقَلْبُ وَمَعْنَاهُ : أَنَّكَ إِنَّمَا كُلِّفْتَ الْعَمَلَ بِالظَّاهِرِ وَمَا يَنْطِقُ بِهِ اللِّسَانُ وَأَمَّا الْقَلْبُ فَلَيْسَ لَكَ طَرِيقٌ إِلَى مَعْرِفَةِ مَا فِيهِ ، فَأَنْكَرَ عَلَيْهِ الْعَمَلَ بِمَا ظَهَرَ مِنَ اللِّسَانِ فَقَالَ : «أَفَلَا شَقَقْتَ عَنْ قَلْبِهِ لِتَنْظُرَ هَلْ كَانَتْ فِيهِ حِينَ قَالَهَا وَاعْتَقَدَهَا أَوْ لَا» وَالْمَعْنَى أَنَّكَ إِذَا كُنْتَ لَسْتَ قَادِرًا عَلَى ذَلِكَ فَاكْتَفِ مِنْهُ بِاللِّسَانِ . الثَّالِثُ : قَالَ الْخَطَابِيُّ لَعَلَّ أُسَامَةَ تَأَوَّلَ قَوْلَهَ تَعَالَى : فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا وَلِذَلِكَ عَذَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ يُلْزِمْهُ دِيَةً وَلَا غَيْرَهَا . وَقَالَ الْحَافِظُ : لَعَلَّهُ حَمَلَ نَصَّ النَّفْعِ عَلَى عُمُومِهِ دُنْيَا وَأُخْرَى ، وَلَيْسَ ذَلِكَ الْمُرَادَ لِلْفَرْقِ بَيْنَ الْمَقَامَيْنِ أَنَّهُ فِي مِثْلِ تِلْكَ الْحَالَةِ يَنْفَعُهُ نَفْعًا مُقَيَّدًا بِأَنْ يَجِبَ الْكَفُّ عَنْهُ حَتَّى يَخْتَبِرَ أَمْرَهُ هَلْ قَالَ ذَلِكَ خَالِصًا مِنْ قَلْبِهِ أَوْ خَشْيَةً مِنَ الْقَتْلِ ، وَهَذَا الْخِلَافُ مَا لَوْ هَجَمَ عَلَيْهِ الْمَوْتُ [وَوَصَلَ خُرُوجُ الرُّوحِ إِلَى الْغَرْغَرَةِ ، وَانْكَشَفَ الْغِطَاءُ فَإِنَّهُ إِذَا قَالَهَا لَمْ تَنْفَعْهُ بِالنِّسْبَةِ لِحُكْمِ الْآخِرَةِ] وَهُوَ الْمُرَادُ مِنَ الْآيَةِ . الرَّابِعُ : قَوْلُ الْخَطَابِيِّ : لَمْ يَلْزَمْهُ دِيَةٌ وَلَا كَفَّارَةٌ فَتَوَقَّفَ فِيهِ الدَّاوُدِيُّ وَقَالَ : لَعَلَّهُ سَكَتَ عَنْهُ لِعِلْمِ السَّامِعِ أَوْ كَانَ قَبْلَ نُزُولِ آيَةِ الدِّيَةِ وَالْكَفَّارَةِ . وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ : لَا يَلْزَمُ مِنَ السُّكُوتِ عَدَمُ الْوُقُوعِ ، لَكِنْ فِيهِ بَعْدٌ ، لِأَنَّ الْعَادَةَ جَرَتْ بِعَدَمِ السُّكُوتِ عَنْ مَثَلِ ذَلِكَ إِنْ وَقَعَ . قَالَ فَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ شَيْءٌ ، لِأَنَّهُ كَانَ مَأْذُونًا مِنْ أَجْلِ الْقَتْلِ فَلَا يَضْمَنُ مَا أَتْلَفَهُ مِنْ نَفْسٍ وَلَا مَالٍ كَالْخَائِنِ وَالطَّبِيبِ ، وَلِأَنَّ الْمَقْتُولَ كَانَ مِنَ الْعَدُوِّ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الْمُسْلِمِينَ يَسْتَحِقُّ دِيَتَهُ . قَالَ وَهَذَا يَتَمَشَّى عَلَى بَعْضِ الْآرَاءِ إِلَخْ مَا ذَكَرَهُ وَتَقَدَّمَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ لِأَهْلِ مِرْدَاسٍ بِدِيَةٍ . الْخَامِسُ : قَوْلُ أُسَامَةَ : «حَتَّى تَمَنَّيْتُ أَنِّي لَمْ أَكُنْ أُسْلِمُ قَبْلَ ذَلِكَ الْيَوْمِ» أَيْ أَنَّ إِسْلَامِي كَانَ ذَلِكَ الْيَوْمَ ، لِأَنَّ الْإِسْلَامَ يَجُبُّ مَا قَبْلَهُ فَتَمَنَّى أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الْوَقْتُ أَوَّلَ دُخُولِهِ فِي الْإِسْلَامِ لِيَأْمَنَ مِنْ جَرِيرَةِ تِلْكَ الْفِعْلَةِ وَلَمْ يُرِدْ بِهِ تَمَنِّي أَنَّهُ لَا يَكُونُ مُسْلِمًا قَبْلَ ذَلِكَ قَالَ الْقُرْطُبِيُّ وَفِيهِ إِشْعَارٌ بِأَنَّهُ كَانَ اسْتَصْغَرَ مَا سَبَقَ لَهُ قَبْلَ ذَلِكَ مِنْ عَمَلٍ صَالِحٍ فِي مُقَابَلَةِ هَذِهِ الْفِعْلَةِ لِمَا سَمِعَ مِنَ الْإِنْكَارِ الشَّدِيدِ ، وَإِنَّمَا أَوْرَدَ ذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ الْمُبَالَغَةِ . السَّادِسُ : فِي بَيَانِ غَرِيبِ مَا سَبَقَ : الْحُرَقَاتِ : بِضَمِّ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِ الرَّاءِ وَالْقَافِ وَالْفَوْقِيَّةِ بَطْنٌ مِنْ جُهَيْنَةَ نِسْبَةً إِلَى الْحُرَقَةِ وَاسْمُهُ جُهَيْشُ بْنُ عَامِرِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ مُودِعَةَ الْحَضْرَمِيِّ بْنِ جُهَيْنَةَ قَالَ ابْنُ الْكَلْبِيِّ : سُمِّيَ بِذَلِكَ لِوَقْعَةٍ كَانَتْ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مُرَّةَ بْنِ عَوْفِ بْنِ سَعْدٍ فَأَحْرَقُوهُمْ بِالسِّهَامِ لِكَثْرَةِ مَنْ حَرَقُوا مِنْهُمْ . بُرْقَانُ : بِضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ وَسُكُونِ الرَّاءِ وَبِالْقَافِ . الْحَضْرَمِيُّ : بِفَتْحِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الضَّادِ الْمُعْجَمَةِ وَفَتْحِ الرَّاءِ . صَبَّحْنَا الْقَوْمَ : هَجَمْنَا عَلَيْهِمْ صَبَاحًا قَبْلَ أَنْ يَشْعُرُوا بِنَا . مِرْدَاسٌ : بِكَسْرِ الْمِيمِ . نَهِيكٌ : بِفَتْحِ النُّونِ وَكَسْرِ الْهَاءِ وَسُكُونِ التَّحْتِيَّةِ وَهَذَا الْقَوْلُ جَرَى عَلَيْهِ ابْنُ الْكَلْبِيِّ وَجَزَمَ بِهِ ابْنُ بَشْكُوالٍ ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : مِرْدَاسُ بْنُ عَمْرٍو الْفَدَكِيُّ وَبِهِ جَزَمَ أَبُو الْفَضْلِ بْنُ طَاهِرٍ . حَامِيَتُهُمْ : نَاصِرُهُمْ وَمَانِعُهُمْ . فَغَشِينَا : بِفَتْحِ الْغَيْنِ وَكَسْرِ الشِّينِ الْمُعْجَمَتَيْنِ : لَحِقْنَا بِهِ حَتَّى تَغَطَّى بِنَا . «أَنَا وَرَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَار ِ» قَالَ الْحَافِظُ : لَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِ الْأَنْصَارِيِّ . غُنَيْمَةٌ لَهُ : بِالتَّصْغِيرِ . آوَى : لَجَأَ الْكَهْفَ . أَنْظِرْنِي : أَخِّرْنِي .

                                                                                                                                                                                                                              ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                                                              الخدمات العلمية