الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                              معلومات الكتاب

                                                                                                                                                                                                                              سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد

                                                                                                                                                                                                                              الصالحي - محمد بن يوسف الصالحي الشامي

                                                                                                                                                                                                                              جزء صفحة
                                                                                                                                                                                                                              ذِكْرُ مَسِيرِ الْمُسْلِمِينَ بَعْدَ وَدَاعِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ : ثُمَّ مَضَى النَّاسُ . قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ : قَالُوا : كَانَ زَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ يَقُولُ- وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ : حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ أَنَّهُ حَدَّثَ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَالَ : «كُنْتُ يَتِيمًا فِي حِجْرِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَوَاحَةَ فَلَمْ أَرَ وَلِيَّ يَتِيمٍ كَانَ خَيْرًا مِنْهُ فَخَرَجْنَا إِلَى مُؤْتَةَ فَكَانَ يُرْدِفُنِي خَلْفَهُ عَلَى حَقِيبَةِ رَحْلِهِ فَوَ اللَّهِ إِنَّهُ لَيَسِيرُ لَيْلَةً إِذْ سَمِعْتُهُ وَهُوَ يُنْشِدُ أَبْيَاتَهُ هَذِهِ : إِذَا أَدَّيْتِنِي وَحَمَلْتِ رَحْلِي مَسِيرَةَ أَرْبَعٍ بَعْدَ الْحِسَاءِ فَشَأْنُكِ أَنْعُمٌ وَخَلَاكِ ذَمٌّ وَلَا أَرْجِعْ إِلَى أَهْلِي وَرَائِي وَآبَ الْمُسْلِمُونَ وَغَادَرُونِي بِأَرْضِ الشَّامِ مُشْتَهِيَ الثَّوَاءِ وَرَدُّكِ كُلَّ ذِي نَسَبٍ قَرِيبٍ إِلَى الرَّحْمَانِ مُنْقَطِعِ الْإِخَاءِ هُنَالِكَ لَا أُبَالِي طَلْعَ بَعْلٍ وَلَا نَخْلٍ أَسَافِلُهَا رِوَاءِ قَالَ : فَلَمَّا سَمِعَتْهُنَّ مِنْهُ بَكَيْتُ فَخَفَقَنِي بِالدَّرَّةِ وَقَالَ : «مَا عَلَيْكَ يَا لُكَعُ أَنْ يَرْزُقَنِي اللَّهُ الشَّهَادَةَ فَأَسْتَرِيحَ مِنَ الدُّنْيَا وَنَصْبِهَا وَهُمُومِهَا وَأَحْزَانِهَا وَتَرْجِعَ بَيْنَ شُعْبَتَيِ الرَّحْلِ» . زَادَ ابْنُ إِسْحَاقَ : قَالَ ثُمَّ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ فِي بَعْضِ شِعْرِهِ وَهُوَ يَرْتَجِزُ : يَا زَيْدَ زَيْدَ الْيَعْمَلَاتِ الذُّبَّلِ تَطَاوَلَ اللَّيْلُ هُدِيتَ فَانْزِلِ زَادُ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ : ثُمَّ نَزَلَ مِنَ اللَّيْلِ ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ وَدَعَا فِيهِمَا دُعَاءً طَوِيلًا ثُمَّ قَالَ : يَا غُلَامُ . قُلْتُ : لَبَّيْكَ . قَالَ : هِيَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ الشَّهَادَةُ . قَالُوا : وَلَمَّا فَصَلَ الْمُسْلِمُونَ مِنَ الْمَدِينَةِ سَمِعَ الْعَدُوُّ بِمَسِيرِهِمْ فَتَجَمَّعُوا لَهُمْ وَقَامَ فِيهِمْ شُرَحْبِيلُ بْنُ عَمْرٍو فَجَمَعَ أَكْثَرَ مِنْ مِائَةِ أَلْفٍ ، وَقَدَّمَ الطَّلَائِعَ أَمَامَهُ . فَلَمَّا نَزَلَ الْمُسْلِمُونَ وَادِي الْقُرَى بَعَثَ أَخَاهُ سَدُوسَ بْنَ عَمْرٍو فِي خَمْسِينَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ فَاقْتَتَلُوا وَانْكَشَفَ أَصْحَابُ سَدُوسٍ وَقَدْ قُتِلَ ، فَشَخَصَ أَخُوهُ . وَمَضَى الْمُسْلِمُونَ حَتَّى نَزَلُوا مُعَانَ مِنْ أَرْضِ الشَّامِ . وَبَلَغَ النَّاسَ أَنَّ هِرَقْلَ قَدْ نَزَلَ مَآبَ مِنْ أَرْضِ الْبَلْقَاءِ فِي مِائَةِ أَلْفٍ مِنَ الرُّومِ وَانْضَمَّ إِلَيْهِمْ مِائَةُ أَلْفٍ أُخْرَى مِنْ لَخْمٍ وَجُذَامٍ وَقَبَائِلِ قُضَاعَةَ مِنْ بَلْقَيْنَ وَبَهْرَاءَ وَبِلِيٍّ عَلَيْهِمْ وَرَجُلٌ مِنْ بِلِيٍّ ثُمَّ أَحَدُ إِرَاشَةَ يُقَالُ لَهُ مَالِكُ بْنُ رَافِلَةَ . فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ الْمُسْلِمِينَ أَقَامُوا عَلَى مُعَانَ لَيْلَتَيْنِ يُفَكِّرُونَ فِي أَمْرِهِمْ ، وَقَالُوا نَكْتُبُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَنُخْبِرُهُ بِكَثْرَةِ عَدُّوِنَا فَإِمَّا أَنْ يَمُدَّنَا بِالرِّجَالِ وَإِمَّا أَنْ يَأْمُرَنَا بِأَمْرٍ فَنَمْضِي لَهُ . فَشَجَّعَ النَّاسُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ رَوَّاحَةَ فَقَالَ : «يَا قَوْمُ وَاللَّهِ إِنَّ الَّتِي تَكْرَهُونَ لَلَّتِي خَرَجْتُمْ تَطْلُبُونَ الشَّهَادَةَ ، وَمَا نُقَاتِلُ النَّاسَ بِعَدَدٍ وَلَا قُوَّةٍ وَلَا كَثْرَةٍ وَمَا نُقَاتِلُهُمْ إِلَّا بِهَذَا الدِّينِ الَّذِي أَكْرَمَنَا اللَّهُ بِهِ ، فَانْطَلِقُوا فَإِنَّمَا هِيَ إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ إِمَّا ظُهُورٌ وَإِمَّا شَهَادَةٌ وَلَيْسَتْ بِشَرِّ الْمَنْزِلَتَيْنِ» . فَقَالَ النَّاسُ : صَدَقَ وَاللَّهِ ابْنُ رَوَاحَةَ . فَمَضَى النَّاسُ حَتَّى إِذَا كَانُوا بِتُخُومِ الْبَلْقَاءِ لَقِيَتْهُمْ جُمُوعُ هِرَقْلٍ مِنَ الرُّومِ وَالْعَرَبِ بِقَرْيَةٍ مِنْ قُرَى الْبَلْقَاءِ يُقَالُ لَهَا مَشَارِفُ ، ثُمَّ دَنَا الْعَدُوُّ ، وَانْحَازَ الْمُسْلِمُونَ إِلَى قَرْيَةٍ يُقَالُ لَهَا مُؤْتَةُ ، فَالْتَقَى النَّاسُ عِنْدَهَا . فَتَعَبَّأَ لَهُمُ الْمُسْلِمُونَ . وَرَوَى أَبُو يَعْقُوبَ إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْقَرَّابِ فِي تَارِيخِهِ عَنْ بَرْذَعِ بْنِ زَيْدٍ قَالَ : قَدِمَ عَلَيْنَا وَفْدُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى مُؤْتَةَ وَعَلَيْهِمْ زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ وَجَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ ، وَخَرَجَ مَعَهُمْ مِنَّا عَشْرَةٌ إِلَى مُؤْتَةَ يُقَاتِلُونَ مَعَهُمْ . قَدْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَاهُمْ أَنْ يَأْتُوا فَرَكِبَتِ الْقَوْمَ ضَبَابَةٌ فَلَمْ يُبْصِرُوا حَتَّى أَصْبَحُوا عَلَى مُؤْتَةَ . وَرَوَى مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ : «شَهِدْتُ مُؤْتَةَ فَلَمَّا دَنَا الْعَدُوُّ مِنَّا رَأَيْنَا مَا لَا قِبَلَ لِأَحَدٍ بِهِ مِنَ الْعَدَدِ وَالْعُدَدِ وَالسِّلَاحِ وَالْكُرَاعِ وَالدِّيبَاجِ وَالْحَرِيرِ وَالذَّهَبِ فَبَرِقَ بَصَرِي فَقَالَ لِي ثَابِتُ بْنُ أَقْرَمَ : «يَا أَبَا هُرَيْرَةَ كَأَنَّكَ تَرَى جُمُوعًا كَثِيرَةً» . قُلْتُ : نَعَمْ . قَالَ : إِنَّكَ لَمْ تَشْهَدْ مَعَنَا بَدْرًا ، إِنَّا لَمْ نُنْصَرْ بِالْكَثْرَةِ . قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ : وَتَعَبَّأَ الْمُسْلِمُونَ لِلْمُشْرِكِينَ ، فَجَعَلُوا عَلَى مَيْمَنَتِهِمْ رَجُلًا مِنْ عُذْرَةَ يُقَالُ لَهُ قُطْبَةُ بْنُ قَتَادَةَ ، وَعَلَى مَيْسَرَتِهِمْ رَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ يُقَالُ لَهُ عَبَايَةُ بْنُ مَالِكٍ- [قَالَ ابْنُ هِشَامٍ] وَيُقَالُ لَهُ عُبَادَةُ بْنُ مَالِكٍ .

                                                                                                                                                                                                                              ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                                                              الخدمات العلمية