الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                              معلومات الكتاب

                                                                                                                                                                                                                              سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد

                                                                                                                                                                                                                              الصالحي - محمد بن يوسف الصالحي الشامي

                                                                                                                                                                                                                              جزء صفحة
                                                                                                                                                                                                                              ذِكْرُ مَسِيرِ الْمُسْلِمِينَ وَوَدَاعِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَوَصَّيْتِهِ إِيَّاهُمْ قَالَ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ : «فَتَجَهَّزَ النَّاسُ ثُمَّ تَهَيَّئُوا لِلْخُرُوجِ وَهُمْ ثَلَاثَةُ آلَافٍ . فَلَمَّا حَضَرَ خُرُوجُهُمْ وَدَّعَ النَّاسُ أُمَرَاءَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَسَلَّمُوا عَلَيْهِمْ . فَلَمَّا وُدِّعَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ مَعَ مَنْ وُدِّعَ مِنْ أُمَرَاءِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَكَى ، فَقَالُوا : «مَا يُبْكِيكَ يَا ابْنَ رَوَاحَةَ ؟ » فَقَالَ : «أَمَا وَاللَّهِ مَا بِي حُبُّ الدُّنْيَا وَلَا صَبَابَةٌ بِكُمْ وَلَكِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْرَأُ آيَةً مِنْ كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ يَذْكُرُ فِيهَا النَّارَ : وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا [مَرْيَمُ 71] فَلَسْتُ أَدْرِي كَيْفَ لِي بِالصَّدْرِ بَعْدَ الْوُرُودِ ؟ » فَقَالَ الْمُسْلِمُونَ : «صَحِبَكُمُ اللَّهُ وَدَفَعَ عَنْكُمْ وَرَدَّكُمْ إِلَيْنَا صَالِحِينَ» . فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ : لَكِنَّنِي أَسْأَلُ الرَّحْمَنَ مَغْفِرَةً وَضَرْبَةً ذَاتَ فَرْغٍ تَقْذِفُ الزَّبَدَا أَوْ طَعْنَةً بِيَدَيْ حَرَّانَ مُجْهِزَةً بِحَرْبَةٍ تَنْفُذُ الْأَحْشَاءَ وَالْكَبِدَا حَتَّى يُقَالَ إِذَا مَرُّوا عَلَى جَدَثِيِ يَا أَرْشَدَ اللَّهِ مِنْ غَازٍ وَقَدْ رَشَدَا قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ : ثُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ تَهَيَّئُوا لِلْخُرُوجِ فَأَتَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَوَدَّعَهُ ثُمَّ قَالَ : فَثَبَّتَ اللَّهُ مَا آتَاكَ مِنْ حَسَنٍ تَثْبِيتَ مُوسَى وَنَصْرًا كَالَّذِي نُصِرُوا إِنِّي تَفَرَّسْتُ فِيكَ الْخَيْرَ نَافِلَةً اللَّهُ يَعْلَمُ أَنِّي ثَابِتٌ بَصِرُ أَنْتَ الرَّسُولُ فَمَنْ يُحْرَمْ نَوَافِلَهُ وَالْوَجْهَ مِنْكَ فَقَدَ أَزْرَى بِهِ الْقَدَرُ هَكَذَا أَنْشَدَ ابْنُ هِشَامٍ هَذِهِ الْأَبْيَاتِ وَأَنْشَدَهَا ابْنُ إِسْحَاقَ بِلَفْظٍ فِيهِ إِقْوَاءٌ قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ : «ثُمَّ خَرَجَ الْقَوْمُ وَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُشَيِّعُهُمْ حَتَّى إِذَا وَدَّعَهُمْ وَانْصَرَفَ عَنْهُمْ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : خَلَفَ السَّلَامُ عَلَى امْرِئٍ وَدَّعْتُهُ فِي النَّخْلِ خَيْرِ مُشَيَّعٍ وَخَلِيلِ» وَرَوَى مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ عَنْ خَالِدِ بْنِ يَزِيدَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى قَالَ : خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُشَيِّعًا لِأَهْلِ مُؤْتَةَ حَتَّى بَلَغَ ثَنِيَّةَ الْوَدَاعِ فَوَقَفَ وَوَقَفُوا حَوْلَهُ فَقَالَ : «اغْزُوَا بِاسْمِ اللَّهِ فَقَاتِلُوا عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ بِالشَّامِ وَسَتَجِدُونَ رِجَالًا فِي الصَّوَامِعِ مُعْتَزِلِينَ النَّاسَ فَلَا تَعْرِضُوا لَهُمْ وَسَتَجِدُونَ آخَرِينَ لِلشَّيْطَانِ فِي رُءُوسِهِمْ مَفَاحِصُ فَافْلِقُوهَا بِالسُّيُوفِ ، لَا تَقْتُلُنَّ امْرَأَةً وَلَا صَغِيرًا ضَرَعًا وَلَا كَبِيرًا فَانِيًا وَلَا تَقْرَبُنَّ نَخْلًا وَلَا تَقْطَعُنَّ شَجَرًا وَلَا تَهْدِمُنَّ بَيْتًا» . وَرَوَى مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ [الْوَاقِدِيُّ] عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ [رَفَعَهُ] أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : «أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ وَبِمَنْ مَعَكُمْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ خَيْرًا ، اغْزُوَا بِاسْمِ اللَّهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ لَا تَغْدِرُوا وَلَا تُغَلُّوا وَلَا تَقْتُلُوا وَلِيدًا وَإِذَا لَقِيتُمْ عَدُوَّكُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ فَادْعُوهُمْ إِلَى إِحْدَى ثَلَاثٍ فَأَيَّتَهُنَّ مَا أَجَابُوكُمْ إِلَيْهَا فَاقْبَلُوا مِنْهُمْ وَكُفُّوا عَنْهُمُ الْأَذَى ثُمَّ ادْعُوهُمْ إِلَى التَّحَوُّلِ مِنْ دَارِهِمْ إِلَى دَارِ الْمُهَاجِرِينَ فَإِنْ فَعَلُوا فَأَخْبِرُوهُمْ أَنَّ لَهُمْ مَا لِلْمُهَاجِرِينَ وَعَلَيْهِمْ مَا عَلَى الْمُهَاجِرِينَ ، فَإِنْ أَبَوْا أَنْ يَتَحَوَّلُوا مِنْهَا فَأَخْبَرُوهُمْ أَنَّهُمْ يَكُونُونَ كَأَعْرَابِ الْمُسْلِمِينَ يَجْرِي عَلَيْهِمْ حُكْمُ اللَّهِ [الَّذِي يَجْرِي عَلَى الْمُؤْمِنِينَ] وَلَا يَكُونُ لَهُمْ فِي الْغَنِيمَةِ وَالْفَيْءِ شَيْءٌ إِلَّا أَنْ يُجَاهِدُوا مَعَ الْمُسْلِمِينَ فَإِنْ هُمْ أَبَوْا فَسَلْهُمُ الْجِزْيَةَ ، فَإِنْ فَعَلُوا فَاقْبَلُوا مِنْهُمْ وَكُفُّوا عَنْهُمْ فَإِنْ هُمْ أَبَوْا فَاسْتَعِينُوا بِاللَّهِ عَلَيْهِمْ وَقَاتِلُوهُمْ وَإِنْ حَاصَرْتُمْ أَهْلَ حِصْنٍ أَوْ مَدِينَةٍ فَأَرَادُوكُمْ أَنْ تَجْعَلُوا لَهُمْ ذِمَّةَ اللَّهِ وَذِمَّةَ رَسُولِهِ فَلَا تَجْعَلُوا لَهُمْ ذِمَّةَ اللَّهِ وَلَا ذِمَّةَ رَسُولِهِ وَلَكِنِ اجْعَلُوا لَهُمْ ذِمَّتَكُمْ وَذِمَّةَ آبَائِكُمْ إِنْ تَخْفِرُوا ذِمَمَكُمْ وَذِمَمَ أَصْحَابِكُمْ أَهْوَنُ مِنْ أَنْ تَخْفِرُوا ذِمَّةَ اللَّهِ وَذِمَّةَ رَسُولِهِ» . وَذَكَرَ نَحْوَ مَا سَبَقَ . وَرَوَى مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ مُسْلِمٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى قَالَ : «لَمَّا وَدَّعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ رَوَّاحَةَ قَالَ ابْنُ رَوَاحَةَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ مُرْنِي بِشَيْءٍ أَحْفَظُهُ عَنْكَ قَالَ : «إِنَّكَ قَادِمٌ غَدًا بَلَدًا السُّجُودُ فِيهِ قَلِيلٌ فَأَكْثِرِ السُّجُودَ» قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ : زِدْنِي يَا رَسُولَ اللَّهِ . قَالَ : «اذْكُرِ اللَّهَ فَإِنَّهُ عَوْنٌ لَكَ عَلَى مَا تُطَالِبُ» . فَقَامَ مِنْ عِنْدِهِ حَتَّى إِذَا مَضَى ذَاهِبًا رَجَعَ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وِتْرٌ يُحِبُّ الْوِتْرَ فَقَالَ : «يَا ابْنَ رَوَاحَةَ مَا عَجَزْتَ فَلَا تَعْجِزَنَّ إِنْ أَسَأْتَ عَشْرًا أَنْ تُحْسِنَ وَاحِدَةً» . قَالَ ابْنُ رَوَاحَةَ : لَا أَسْأَلُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا .

                                                                                                                                                                                                                              ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                                                              الخدمات العلمية