الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                              معلومات الكتاب

                                                                                                                                                                                                                              سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد

                                                                                                                                                                                                                              الصالحي - محمد بن يوسف الصالحي الشامي

                                                                                                                                                                                                                              جزء صفحة
                                                                                                                                                                                                                              الْبَابُ الثَّالِثُ وَالْعِشْرُونَ فِي غَزْوَةِ ذِي قَرَدٍ - وَهِيَ الْغَابَةُ وَالسَّبَبُ فِيهَا إِغَارَةُ عُيَيْنَةَ بْنِ حِصْنِ بْنِ حُذَيْفَةَ الْفَزَارِيِّ فِي خَيْلِ غَطَفَانَ عَلَى لَقَاحِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . رَوَى الشَّيْخَانِ ، وَالْبَيْهَقِيُّ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ ، وَمُسْلِمٌ وَابْنُ سَعْدٍ ، وَالْبَيْهَقِيُّ عَنْ إِيَاسِ بْنِ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ كِلَاهُمَا عَنْ سَلَمَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ . وَابْنُ إِسْحَاقَ عَنْ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ وَمَنْ لَا يُتَّهَمُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ عَنْ شُيُوخِهِ ، وَابْنُ سَعْدٍ عَنْ رِجَالِهِ ، أَنَّ لَقَاحَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَتْ عِشْرِينَ لِقْحَةً وَكَانَتْ تَرْعَى الْبَيْضَاءَ وَدُونَ الْبَيْضَاءِ إِلَى الْجَبَلِ ، وَهُوَ طَرِيقُ خَيْبَرَ ، فَأَجْدَبَ مَا هُنَالِكَ فَقَرَّبُوهَا إِلَى الْغَابَةِ تُصِيبُ مِنْ أَثْلِهَا وَطَرْفَائِهَا وَتَغْدُو فِي الشَّجَرِ ، وَكَانَ الرَّاعِي يَؤُوبُ بِلَبَنِهَا كُلَّ لَيْلَةٍ عِنْدَ الْمَغْرِبِ . قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ : وَكَانَ أَبُو ذَرٍّ قَدِ اسْتَأْذَنَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَى لَقَاحِهِ ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكَ مِنْ هَذِهِ الضَّاحِيَةِ أَنْ تُغِيرَ عَلَيْكَ» . وَنَحْنُ لَا نَأْمَنُ مِنْ عُيَيْنَةَ بْنِ حِصْنٍ وَذَوِيِهِ وَهِيَ فِي طَرَفٍ مِنْ أَطْرَافِهِمْ ، فَأَلَحَّ عَلَيْهِ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : «لَكَأَنِّي بِكَ قَدْ قُتِلَ ابْنُكَ وَأُخِذَتِ امْرَأَتُكَ ، وَجِئْتَ تَتَوَكَّأُ عَلَى عَصَاكَ» فَكَانَ أَبُو ذَرٍّ يَقُولُ : عَجَبًا لِي ، إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ : «لَكَأَنِّي بِكَ» وَأَنَا أُلِحُّ عَلَيْهِ ، فَكَانَ - وَاللَّهِ - مَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ أَبُو ذَرٍّ : وَاللَّهُ إِنِّي لَفِي مَنْزِلِنَا ، وَلَقَاحُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدْ رَوَّحَتْ وَعَطَفَتْ وَحَلَبَتْ عَتَمَتَهَا ، وَنِمْنَا ، فَلَمَّا كَانَ اللَّيْلُ أَحْدَقَ بِنَا عُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنٍ فِي أَرْبَعِينَ فَارِسًا ، فَصَاحُوا بِنَا وَهُمْ قِيَامٌ فَأَشْرَفَ لَهُمُ ابْنِي فَقَتَلُوهُ ، وَكَانَتْ مَعَهُ امْرَأَتُهُ وَثَلَاثَةُ نَفَرٍ فَنَجَوْا ، وَتَنَحَّيْتُ عَنْهُمْ ، وَشَغَلَهُمْ عَنِّي إِطْلَاقُ عَقْلِ اللَّقَاحِ ، ثُمَّ صَاحُوا فِي أَدْبَارِهَا ، فَكَانَ آخِرَ الْعَهْدِ بِهَا ، وَلَمَّا قَدِمْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَخْبَرْتُهُ تَبَسَّمَ . وَقَالَ سَلَمَةُ بْنُ الْأَكْوَعِ : خَرَجْتُ قَبْلَ أَنْ يُؤْذَنَ بِالْأُولَى ، وَكَانَتْ لَقَاحُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِذِي قَرَدٍ ، فَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِظَهْرِهِ مَعَ رَبَاحٍ - بِفَتْحِ الرَّاءِ وَبِالْمُوَحَّدَةِ - غُلَامُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَنَا مَعَهُ ، وَخَرَجْتُ بِفَرَسِ طَلْحَةَ أُنَدِّيهِ مَعَ الظُّهْرِ ، فَلَقِيتُ غُلَامًا لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ كَانَ فِي إِبِلٍ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ فَأَخْطَئُوا مَكَانَهَا ، وَاهْتَدَوْا لِلَقَاحِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَخْبَرَنِي أَنَّ لَقَاحَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدْ أَغَارَ عَلَيْهَا عُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنٍ فِي أَرْبَعِينَ فَارِسًا مِنْ غَطَفَانَ . قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ وَابْنُ سَعْدٍ : لَيْلَةَ الْأَرْبِعَاءِ ، قَالَ سَلَمَةُ : فَقُلْتُ : يَا رَبَاحُ اقْعُدْ عَلَى هَذَا الْفَرَسِ ، فَالْحَقْ بِطَلْحَةَ ، وَأَخْبِرْ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ قَدْ أُغِيرَ عَلَى سَرْحِهِ ، وَقُمْتُ عَلَى تَلٍّ بِنَاحِيَةِ سَلْعٍ ، فَجَعَلْتُ وَجْهِي مِنْ قِبَلِ الْمَدِينَةِ ، ثُمَّ نَادَيْتُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ يَا صَبَاحَاهُ أَسْمِعْ مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا ثُمَّ انْبَعَثَ الْقَوْمُ وَمَعِي سَيْفِي وَنَبْلِي ، فَجَعَلْتُ أَرُدُّهُمْ ، وَفِي لَفْظٍ : أَرْمِيهِمْ ، وَأَعْقِرُ بِهِمْ ، وَذَلِكَ حِينَ يَكْثُرُ الشَّجَرُ ، فَإِذَا رَجَعَ إِلَيَّ فَارِسٌ جَلَسْتُ لَهُ فِي أَصْلِ شَجَرَةٍ ، ثُمَّ رَمَيْتُ ، فَلَا يُقْبِلُ عَلَيَّ فَارِسٌ إِلَّا عَقَرْتُ بِهِ ، فَجَعَلْتُ أَرْمِيهِمْ وَأَنَا أَقُولُ : أَنَا ابْنُ الْأَكْوَعِ وَالْيَوْمُ يَوْمُ الرُّضَّعِ فَأَلْحَقُ رَجُلًا فَأَرْمِيهِ وَهُوَ عَلَى رَحْلِهِ فَيَقَعُ سَهْمِي فِي الرَّحْلِ حَتَّى انْتَظَمَتْ كَتِفُهُ فَقُلْتُ : خُذْهَا وَأَنَا ابْنُ الْأَكْوَعِ وَالْيَوْمُ يَوْمُ الرُّضَّعِ فَإِذَا كُنْتُ بِالشَّجَرِ أَحْرَقْتُهُمْ بِالنَّبْلِ ، وَإِذَا تَضَايَقَتِ الثَّنَايَا عَلَوْتُ الْجَبَلَ فَرَمَيْتُهُمْ بِالْحِجَارَةِ ، فَمَا زَالَ ذَلِكَ شَأْنِي وَشَأْنُهُمْ أَتْبَعُهُمْ وَأَرْتَجِزُ حَتَّى مَا خَلَقَ اللَّهُ - تَعَالَى - شَيْئًا مِنْ ظَهْرِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَّا خَلَّفْتُهُ وَرَاءَ ظَهْرِي وَاسْتَنْقَذْتُهُ مِنْ أَيْدِيهِمْ . قَالَ ثُمَّ لَمْ أَزَلْ أَرْمِيهِمْ حَتَّى أَلْقَوْا أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثِينَ رُمْحًا ، وَأَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثِينَ بُرْدَةً يَسْتَخِفُّونَ مِنْهَا ، وَلَا يُلْقُونَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا إِلَّا جَعَلْتُ عَلَيْهِ الْحِجَارَةَ ، وَجَمَعْتُهُ عَلَى طَرِيقِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَتَّى إِذَا اشْتَدَّ الضُّحَى أَتَاهُمْ عُيَيْنَةُ بْنُ بَدْرٍ الْفَزَارِيُّ مُمِدًّا لَهُمْ . وَهُمْ فِي ثَنِيَّةِ ضِيقِهِ ، ثُمَّ عَلَوْتُ الْجَبَلَ ، فَأَنَا فَوْقَهُمْ . فَقَالَ عُيَيْنَةُ : مَا هَذَا الَّذِي أَرَى ؟ قَالُوا : لَقِينَا مِنْ هَذَا الْبَرْحِ مَا فَارَقْنَا بِسَحَرٍ حَتَّى الْآنَ ، وَأَخَذَ كُلَّ شَيْءٍ فِي أَيْدِينَا وَجَعَلَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ ، فَقَالَ عُيَيْنَةُ : لَوْلَا أَنَّ هَذَا يَرَى أَنَّ وَرَاءَهُ طَلَبًا لَقَدْ تَرَكَكُمْ ، وَقَالَ : لِيَقُمْ إِلَيْهِ نَفَرٌ مِنْكُمْ ، فَقَامَ إِلَيَّ أَرْبَعَةٌ مِنْهُمْ فَصَعِدُوا فِي الْجَبَلِ ، فَلَمَّا أَسْمَعْتُهُمُ الصَّوْتَ قُلْتُ لَهُمْ : أَتَعْرِفُونَنِي ؟ فَقَالُوا : وَمَنْ أَنْتَ ، قُلْتُ : أَنَا ابْنُ الْأَكْوَعِ ، وَالَّذِي أَكْرَمَ وَجْهَ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا يَطْلُبُنِي رَجُلٌ مِنْكُمْ فَيُدْرِكُنِي ، وَلَا أَطْلُبُهُ فَيَفُوتُنِي . فَقَالَ رَجُلٌ مِنْهُمْ : إِنِّي أَظُنُّ فَرَجَعُوا .

                                                                                                                                                                                                                              ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                                                              الخدمات العلمية