الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
معلومات الكتاب

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين

مرتضى الزبيدي - محمد بن محمد الحسيني الزبيدي

جزء صفحة
إحياء علوم الدين وَقِيلَ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ أَيْ : بِالسَّابِقَةِ يَعْنِي أَظْهَرْتُهَا . وَقَالَ بَعْضُ السَّلَفِ : إِنَّمَا يُوزَنُ مِنَ الْأَعْمَالِ خَوَاتِيمُهَا . وَكَانَ أَبُو الدَّرْدَاءِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَحْلِفُ بِاللَّهِ مَا مِنْ أَحَدٍ يَأْمَنُ أَنْ يُسْلَبَ إِيمَانُهُ إِلَّا سُلِبَهُ . وَقِيلَ مِنَ الذُّنُوبِ ذُنُوبٌ عُقُوبَتُهَا سُوءُ الْخَاتِمَةِ نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ ذَلِكَ . وَقِيلَ : هِيَ عُقُوبَاتُ دَعْوَى الْوِلَايَةِ وَالْكَرَامَةِ بِالِافْتِرَاءِ . وَقَالَ بَعْضُ الْعَارِفِينَ لَوْ عُرِضَتْ عَلَيَّ الشَّهَادَةُ عِنْدَ بَابِ الدَّارِ وَالْمَوْتُ عَلَى التَّوْحِيدِ عِنْدَ بَابِ الْحُجْرَةِ لَاخْتَرْتُ الْمَوْتَ عَلَى التَّوْحِيدِ عِنْدَ بَابِ الْحُجْرَةِ لِأَنِّي لَا أَدْرِي مَا يُعْرَضُ لِقَلْبِيَ مِنَ التَّغْيِيرِ عَنِ التَّوْحِيدِ إِلَى بَابِ الدَّارِ وَقَالَ بَعْضُهُمْ لَوْ عَرَفْتَ وَاحِدًا بِالتَّوْحِيدِ خَمْسِينَ سَنَةً ثُمَّ حَالَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ سَارِيَةٌ وَمَاتَ لَمْ أَحْكُمُ أَنَّهُ مَاتَ عَلَى التَّوْحِيدِ . وَفِي الْحَدِيثِ : مَنْ قَالَ أَنَا مُؤْمِنٌ فَهُوَ كَافِرٌ ، وَمَنْ قَالَ : أَنَا عَالِمٌ فَهُوَ جَاهِلٌ وَقِيلَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا صِدْقًا لِمَنْ مَاتَ عَلَى الْإِيمَانِ ، وَعَدْلًا لِمَنْ مَاتَ عَلَى الشِّرْكِ وَقَدْ قَالَ تَعَالَى : وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ فَمَهْمَا كَانَ الشَّكُّ بِهَذِهِ الْمَثَابَةِ كَانَ الِاسْتِثْنَاءُ وَاجِبًا لِأَنَّ الْإِيمَانَ عِبَارَةٌ عَمَّا يُفِيدُ الْجَنَّةَ ، كَمَا أَنَّ الصَّوْمَ عِبَارَةٌ عَمَّا يُبَرِّئُ الذِّمَّةَ . وَمَا فَسَدَ قَبْلَ الْغُرُوبِ لَا يُبَرِّئُ الذِّمَّةَ ، فَيَخْرُجُ عَنْ كَوْنِهِ صَوْمًا فَكَذَلِكَ الْإِيمَانُ بَلْ لَا يَبْعُدُ أَنْ يَسْأَلَ عَنِ الصَّوْمِ الْمَاضِي الَّذِي لَا يَشُكُّ فِيهِ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْهُ فَيُقَالُ أَصُمْتَ بِالْأَمْسِ ؟ فَيَقُولُ : نَعَمْ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى إِذِ الصَّوْمُ الْحَقِيقِيُّ هُوَ الْمَقْبُولُ وَالْمَقْبُولُ غَائِبٌ عَنْهُ لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ إِلَّا اللَّهُ تَعَالَى فَمِنْ هَذَا حَسَنُ الِاسْتِثْنَاءُ فِي جَمِيعِ أَعْمَالِ الْبِرِّ وَيَكُونُ ذَلِكَ شَكًّا فِي الْقَبُولِ إِذْ يَمْنَعُ مِنَ الْقَبُولِ بَعْدَ جَرَيَانِ ظَاهِرِ شَرُوطِ الصِّحَّةِ أَسْبَابٌ خَفِيفَةٌ لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهَا إِلَّا رَبُّ الْأَرْبَابِ جَلَّ جَلَالُهُ ، فَيَحْسُنُ الشَّكُّ فِيهِ . فَهَذِهِ وَجَوُهُ حَسَنِ الِاسْتِثْنَاءِ فِي الْجَوَابِ عَنِ الْإِيمَانِ وَهِيَ آخِرُ مَا نَخْتِمُ بِهِ كِتَابَ قَوَاعِدِ الْعَقَائِدِ . تَمَّ الْكِتَابُ بِحَمْدِ اللَّهِ تَعَالَى وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى كُلِّ عَبْدٍ مُصْطَفًى . إتحاف السادة المتقين ثُمَّ شَرَعَ الْمُصَنِّفُ فِي ذِكْرِ آيَاتٍ وَآثَارٍ تَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ فَقَالَ: (وَقِيلَ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى) وَنَصُّ الْقُوتِ: وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: ( وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ ، (أَيْ: بِالسَّابِقَةِ) زَادَ الْمُصَنِّفُ: (أَيْ أَظْهَرْتُهَا) ، وَأَصْلُ السَّكْرَةِ مِنَ السُّكْرِ، بِالضَّمِّ وَهِيَ حَالَةٌ تُعْرِضُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَعَقْلِهِ، (وَقَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: إِنَّمَا تُوزَنُ مِنَ الْأَعْمَالِ خَوَاتِيمُهَا) ، هَكَذَا أَوْرَدَهُ صَاحِبُ الْقُوتِ، وَالْبَحْثُ فِي وَزْنِ الْأَعْمَالِ قَدْ تَقَدَّمَ . (وَكَانَ أَبُو الدَّرْدَاءِ) عُويْمِرُ بْنُ عَامِرٍ الْأَنْصَارِيُّ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- تَقَدَّمَتْ تَرْجَمَتُهُ فِي كِتَابِ الْعِلْمِ (يَحْلِفُ بِاللَّهِ) عَزَّ وَجَلَّ (مَا مِنْ أَحَدٍ أَمِنَ أَنْ يُسْلَبَ إِيمَانُهُ إِلَّا سُلِبَهُ) ، هَكَذَا أَوْرَدَهُ صَاحِبُ الْقُوتِ، وَلَفْظُهُ مَا أَخَذَ، وَقَوْلُهُ سُلِبَهُ بِالْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ، وَالضَّمِيرُ عَائِدٌ إِلَى الْإِيمَانِ، وَإِلَى هَذَا أَشَارَ سَيِّدُنَا الْقُطْبُ الْجِيلَانِيُّ: إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَعْطَانِي سَبْعِينَ مَوْثِقًا أَنِّي لَا أَمْكُرُ بِكَ يَا عَبْدَ الْقَادِرِ، وَفِي كُلِّ مَرَّةٍ أزْدَادُ خَوْفًا، فَهَذَا مَقَامُ الْعَارِفِينَ الْخَائِفِينَ، (وَيُقَالُ مِنَ الذُّنُوبِ ذُنُوبٌ عُقُوبَتُهَا سُوءُ الْخَاتِمَةِ نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ ذَلِكَ) وَنَصُّ الْقُوتِ: وَيُقَالُ: مِنَ الذُّنُوبِ ذُنُوبٌ لَا عُقُوبَةُ لَهَا إِلَّا وَقْتُ الْخَاتِمَةِ، وَهَذَا أَخْوَفُ مَا خَافَ الْعَامِلُونَ مَعَ قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ ، وَقِيلَ: مِنَ الذُّنُوبِ ذُنُوبٌ تُؤَخَّرُ عُقُوبَتُهَا إِلَى وَقْتِ الْخَاتِمَةِ لَا عُقُوبَةَ لَهَا إِلَّا التَّوْحِيدُ فِي آخِرِ نَفَسٍ. (وَقِيلَ: هِيَ عُقُوبَةُ دَعْوَى الْوِلَايَةِ وَالْكَرَامَةِ) ، وَنَصُّ الْقُوتِ: وَقِيلَ هَذَا يَكُونُ عُقُوبَةً لِلدَّعْوَى لِلْوِلَايَةِ وَالْكَرَامَاتِ (بِالِافْتِرَاءِ) عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَلَقَدْ سَمِعْتُ شَيْخَنَا السَّيِّدَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنِ مُصْطَفَى الْعَيْدَرُوسِيَّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- يَقُولُ: سَمِعْتُ شَيْخَنَا الشَّيْخَ مُشَيَّخَ ابْنَ جَعْفَرِ الْعَلَوِيَّ، يَقُولُ: الدَّعْوَى فَضِيحَةٌ وَلَوْ كَانَتْ صَحِيحَةً، يُشِيرُ إِلَى دَعْوَى الْوِلَايَةِ، وَدَعْوَى الْكَرَامَةِ، يَعْنِي وَلَوْ أَثْبَتَ مَا أَرَادَ إِثْبَاتَهُ بِإِظْهَارِ شَيْءٍ مِنْ خَوَارِقَ الْعَادَاتِ، فَإِنَّهُ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ عِنْدَ أَهْلِ الْكَمَالِ، هَذَا إِذَا كَانَ صَحِيحًا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، فَأَمَّا إِذَا كَانَ بِالِافْتِرَاءِ وَالِاخْتِلَاقِ فَهُوَ أَشْبَهُ بِالسِّحْرِ، وَالتَّخْدِيمِ، وَهَذَا يُورِثُ سُوءَ الْخَاتِمَةِ، كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْعُلَمَاءُ . (وَقَالَ بَعْضُ الْعَارِفِينَ) بِاللَّهِ تَعَالَى: (لَوْ عُرِضَتْ عَلَيَّ الشَّهَادَةُ) فِي سَبِيلِ اللَّهِ عِنْدَ بَابِ الدَّارِ (وَ) عُرِضَ عَلَيَّ (الْمَوْتُ عَلَى التَّوْحِيدِ) الْخَالِصِ (عِنْدَ بَابِ الْحُجْرَةِ) الَّتِي دَاخَلِ الدَّارِ (لَاخْتَرْتُ الْمَوْتَ عَلَى التَّوْحِيدِ) إِذْ كَلُّ الصَّيْدِ فِي جَوْفِ الْفَرَا، قِيلَ: لَهُ وَلِمَ قَالَ (لِأَنِّي مَا) وَنَصُّ الْقُوتِ: لِأَنَّنِي لَا (أَدْرِي مَا يُعْرَضُ لِقَلْبِيَ مِنَ التَّغْيِيرِ عَنِ التَّوْحِيدِ) مِنْ بَابِ الْحُجْرَةِ (إِلَى بَابِ الدَّارِ) كَذَا فِي الْقُوتِ . (وَقَالَ بَعْضُهُمْ) أَيِ الْعَارِفِينَ، وَنَصُّ الْقُوتِ: وَقَالَ بَعْضُ الْخَائِفِينَ وَكُلُّ عَارِفٍ بِاللَّهِ خَائِفٌ: (لَوْ عَرَفْتَ وَاحِدًا بِالتَّوْحِيدِ) ، وَنَصُّ الْقُوتِ: لَوْ عَلِمْتَ أَحَدًا أَوْ عَرِفْتَهُ عَلَى التَّوْحِيدِ، (خَمْسِينَ سَنَةً ثُمَّ حَالَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ سَارِيَةٌ) هِيَ الْأُسْطُوَانَةُ، (وَمَاتَ) وَفِي الْقُوتِ: ثُمَّ مَاتَ (مَا أَحْكُمُ) عَلَيْهِ (أَنَّهُ مَاتَ عَلَى التَّوْحِيدِ) لِعِلْمِي بِسُرْعَةِ تُقَلُّبِ الْقُلُوبِ، (وَفِي الْحَدِيثِ: مَنْ قَالَ أَنَا مُؤْمِنٌ فَهُوَ كَافِرٌ، وَمَنْ قَالَ: أَنَا عَالِمٌ فَهُوَ جَاهِلٌ) ، هَكَذَا هُوَ فِي الْقُوتِ . وَقَالَ الْعِرَاقِيُّ: أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ، الشَّطْرُ الْأَخِيرُ مِنْهُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ، وَفِيهِ لَيْثُ بْنُ أَبِي سَلِيمٍ، وَالشَّطْرُ الْأَوَّلُ، رُوِيَ مِنْ قَوْلِ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الصَّغِيرِ بِلَفْظِ: مَنْ قَالَ: أَنَا فِي الْجَنَّةِ، فَهُوَ فِي النَّارِ، وَسَنَدُهُ ضَعِيفٌ، وَرَوَاهُ أَبُو مَنْصُورِ الدَّيْلَمِيُّ فِي مُسْنَدِ الْفِرْدَوْسِ مِنْ حَدِيثِ الْبَرَاءِ، بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ جِدًّا . وَرَوَيْنَاهُ فِي مُسْنَدِ الْحَارِثِ بْنِ أَبِي أُسَامَةَ مِنْ رِوَايَةِ قَتَادَةَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، مَرْفُوعًا، وَهُوَ مُنْقَطِعٌ اهـ . قُلْتُ: هَكَذَا نَقَلَهُ الْحَافِظُ السَّخَاوِيُّ بِتَمَامِهِ فِي الْمَقَاصِدِ إِلَّا أَنَّهُ قَالَ فِي رِوَايَةِ الدَّيْلَمِيِّ: عَنْ جَابِرٍ بَدَلَ الْبَرَاءِ، فَلَا أَدْرِي هُوَ تَصْحِيفٌ فِي نُسْخَةِ الْمَقَاصِدِ، أَوْ تَغْيِيرٌ مِنْهُ قَصْدًا فَلْيُرَاجِعْ . (وَقِيلَ فِي قَوْلِهِ) تَعَالَى، وَفِي الْقُوتِ: كَانَتْ هَذِهِ الْآيَةُ مَبْكَاةً لِلْعَابِدِينَ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ( وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا ) قِيلَ: (صِدْقًا لِمَنْ مَاتَ عَلَى الْإِيمَانِ، وَعَدْلًا لِمَنْ مَاتَ عَلَى الشِّرْكِ) ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ . (وَقَدْ) قَالَ تَعَالَى: وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ ، وَقَالَ تَعَالَى: أُولَئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتَابِ ، وَقَالَ تَعَالَى: وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنْقُوصٍ ، و (قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ ) وَقَالَ تَعَالَى: قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ . (وَمَهْمَا كَانَ الشَّكُّ) فِي الْإِيمَانِ بِهَذِهِ الْمَثَابَةِ (كَانَ الِاسْتِثْنَاءُ) فِيهِ (وَاجِبًا) أَيْ لَازِمًا; (لِأَنَّ الْإِيمَانَ عِبَارَةٌ عَمَّا يُفِيدُ) صَاحِبَهُ (الْجَنَّةَ، كَمَا أَنَّ الصَّوْمَ عِبَارَةٌ عَمَّا يُبَرِّئُ الذِّمَّةَ) ، أَيْ: ذِمَّةَ الرَّبِّ عَنْ عِتْقِ الْعَبْدِ، (وَ) مِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ (مَا فَسَدَ) بِالْإِفْطَارِ (قَبْلَ الْغُرُوبِ لَا يُبَرِّئُ الذِّمَّةَ، فَيَخْرُجُ عَنْ كَوْنِهِ صَوْمًا فَكَذَلِكَ الْإِيمَانُ) إِذَا انْتَقَضَ قَبْلَ الْوَفَاةِ خَرَجَ عَنْ كَوْنِهِ إِيمَانًا . وَسَيَأْتِي لِهَذَا بَحْثٌ مِنْ كَلَامِ السُّبْكِيِّ، (بَلْ لَا يَبْعُدُ) كَذَا فِي النُّسَخِ، وَفِي أُخْرَى بَلْ يَنْقَدِحُ (أَنْ يَسْأَلَ عَنِ الصَّوْمِ الْمَاضِي الَّذِي لَا يَشُكُّ فِيهِ) وَفِي نُسْخَةٍ عَنِ الصَّوْمِ الْمَاضِي لَا لِشَكِّ فِيهِ، (بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْهُ فَيُقَالُ) لَهُ: (أَصُمْتَ بِالْأَمْسِ؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ إِنْ شَاءَ اللَّهُ) ، فَرَبَطَ الشَّرْطِ بِالْمَاضِي وَهُوَ صَحِيحٌ، (إِذِ الصَّوْمُ الْحَقِيقِيُّ) أَيِ: الْمُعْتَدُّ بِهِ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى (هُوَ الْمَقْبُولُ) عِنْدَهُ، (وَالْمَقْبُولُ غَائِبٌ) ، وَفِي نُسْخَةٍ: مُغَيَّبٌ (عَنْهُ لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ) ; لِأَنَّهُ مِنْ أُمُورِ الْآخِرَةِ، وَلَكِنْ يَظْهَرُ فِي بَعْضِ الْأَحْيَانِ بِالْأَمَارَاتِ الدَّالَّةِ عَلَيْهِ، (فَمِنْ هَذَا) السَّبَبِ (يَحْسُنُ الِاسْتِثْنَاءُ فِي جَمِيعِ أَعْمَالِ الْبِرِّ) ، أَيِ: الْخَيْرِ، (وَيَكُونُ ذَلِكَ شَكًّا فِي الْقَبُولِ) وَفِي تَقْيِيدِ الْأَعْمَالِ بِالْبِرِّ رَدٌّ عَلَى الطَّائِفَةِ الْمَشْهُورَةِ بِالْمَرَازِقَةِ بِالدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ، وَغَيْرِهِمْ مِمَّنْ غَلَوْا غَايَةَ الْغُلُوِّ، وَتَجَاوَزُوا عَنِ الْحُدُودِ حَتَّى صَارَ الرَّجُلُ مِنْهُمْ يَسْتَثْنِي فِي كُلِّ شَيْءٍ فَيَقُولُ أَحَدُهُمْ: هَذَا ثَوْبٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، هَذَا جَبَلٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، فَإِذَا قِيلَ لَهُمْ هَذَا لَا شَكَّ فِيهِ يَقُولُونَ لَكِنْ إِذَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يُغَيِّرَهُ . ثُمَّ قَالَ الْمُصَنِّفُ: (إِذْ تَمْنَعُ مِنَ الْقَبُولِ بَعْدَ حِرْمَانِ ظَاهِرِ شَرُوطِ الصِّحَّةِ أَسْبَابٌ خَفِيَّةٌ لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهَا إِلَّا رَبُّ الْأَرْبَابِ، فَيَحْسُنُ الشَّكُّ فِيهِ) بِهَذَا الِاعْتِبَارِ، (فَهَذِهِ وَجَوُهُ حَسَنِ الِاسْتِثْنَاءِ فِي الْجَوَابِ عَنِ الْإِيمَانِ) وَحَاصِلُ مَا فِي الْوَجْهِ الْأَخِيرِ أَنَّ الْإِيمَانَ الَّذِي يَتَعَقَّبُهُ الْكُفْرُ فَيَمُوتُ صَاحِبُهُ كَافِرٌ لَيْسَ بِإِيمَانٍ كَالصَّلَاةِ الَّتِي أَفْسَدَهَا قَبْلَ الْكَمَالِ، وَالصِّيَامِ الَّذِي يُفْطِرُ صَاحِبُهُ قَبْلَ الْغُرُوبِ، وَهَذَا مَأْخَذُ كَثِيرٍ مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ وَغَيْرِهِمْ، وَعِنْدَ هَؤُلَاءِ أَنَّ اللَّهَ يُحِبُّ فِي الْأَزَلِ مَنْ كَانَ كَافِرًا إِذَا عَلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ يَمُوتُ مُؤْمِنًا، فَالصَّحَابَةُ مَا زَالُوا مَحْبُوبِينَ قَبْلَ إِسْلَامِهِمْ، وَإِبْلِيسُ وَمَنِ ارْتَدَّ عَنْ دِينِهِ مَا زَالَ اللَّهُ يُبْغِضُهُ، وَإِنْ كَانَ لَمْ يَكْفُرْ بَعْدُ، وَقَدْ دَفَعَهُ الْحَنَفِيَّةُ بِأَنَّ الْإِيمَانَ إِذَا تَحَقَّقَ بِشُرُوطِهِ كَيْفَ يَكُونُ كَالصَّلَاةِ الَّتِي أَفْسَدَهَا قَبْلَ كَمَالِهَا، وَالصِّيَامِ الَّذِي يُفْطِرُ صَاحِبُهُ قَبْلَ الْغُرُوبِ . قَالَ الْقَوْنَوِيُّ فِي شَرْحِ عَقِيدَةِ الطَّحَاوِيِّ: لَا كَلَامَ فِي الِاسْتِثْنَاءِ لِلْخَاتِمَةِ، وَهُوَ وَاجِبٌ عِنْدَنَا، وَإِنَّمَا الْكَلَامُ فِي الْإِيمَانِ، وَإِنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ، أَيْ بَعْدَ الْإِيمَانِ لَا يَتَبَيَّنُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مُؤْمِنًا قَبْلَ الْكُفْرِ كَإِبْلِيسَ، فَالسَّعِيدُ قَدْ يَشْقَى، وَالشَّقِيُّ قَدْ يَسْعَدُ، وَعِنْدَ الْأَشْعَرِيِّ الْعِبْرَةُ لِلْخَتْمِ، وَلَا عِبْرَةُ لِإِيمَانِ مِنْ وُجِدَ مِنْهُ التَّكْذِيبُ لِلْحَالِ، فَإِنْ كَانَ فِي عِلْمِ اللَّهِ تَعَالَى أَنَّ هَذَا الشَّخْصَ يُخْتَمُ لَهُ بِالْإِيمَانِ، فَهُوَ لِلْحَالِ مُؤْمِنٌ، وَإِنْ كَانَ يَكْفُرُ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، فَإِنْ كَانَ فِي عِلْمِ اللَّهِ تَعَالَى أَنَّهُ يُخْتَمُ لَهُ بِكَفْرٍ يَكُونُ لِلْحَالِ كَافِرًا، وَإِنْ كَانَ مُصَدِّقًا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ . وَقَالُوا: إِنَّ إِبْلِيسَ حِينَ كَانَ مُعَلِّمًا لِلْمَلَائِكَةِ كَانَ كَافِرًا، وَاسْتَدَلُّوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ ، أَيْ كَانَ فِي عِلْمِ اللَّهِ، وَأُجِيبَ عَنِ الْآيَةِ بِأَنَّ مَعْنَاهُ: وَصَارَ مِنَ الْكَافِرِينَ، قَالَ شَارِحُ الْعَقَائِدِ: وَالْحَقُّ أَنَّهُ لَا خِلَافَ فِي الْمَعْنَى يُعْنَى، بَلِ الْخِلَافُ فِي الْمَبْنَى، فَإِذَا أُرِيدَ بِالْإِيمَانِ وَالسَّعَادَةِ مُجَرَّدُ حُصُولِ الْمَعْنَى، أَيِ الْإِذْعَانِ وَقَبُولِ الْعِبَادَةِ فَهُوَ حَاصِلٌ فِي الْحَالِ، وَإِنْ أُرِيدَ مَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ النَّجَاةُ، وَالثَّمَرَاتُ فِي الْمَآلِ فَهُوَ فِي مَشِيئَةِ اللَّهِ تَعَالَى، لَا قَطْعَ بِحُصُولِهِ فِي الْحَالِ، فَمَنْ قَطَعَ بِالْحُصُولِ أَرَادَ الْأَوَّلَ، وَمَنْ فَوَّضَ إِلَى الْمَشِيئَةِ أَرَادَ الثَّانِي اهـ . وَفُهِمَ مِنْهُ أَنَّ الْخِلَافَ بَيْنَ الْفَرِيقَيْنِ لَفْظِيٌّ، وَأَشَارَ إِلَيْهِ السُّبْكِيُّ فِي عَقِيدَتِهِ الَّتِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهَا فِي أَوَّلِ الْكِتَابِ، وَهُوَ قَوْلُهُ: وَلَقَدْ يُؤَوَّلُ خِلَافُهُمَا إِمَّا إِلَى لَفْظٍ كَالِاسْتِثْنَاءِ فِي الْإِيمَانِ، وَذَكَرَ فِيهَا أَنَّ أَبَا مَنْصُورِ الْمَاتْرِيْدِيَّ مَعَ الْأَشَاعِرَةِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ . (وَهِيَ) أَيْ: تِلْكَ الْوُجُوهُ (آخِرُ مَا نَخْتِمُ بِهَا كِتَابَ قُوَاعِدِ الْعَقَائِدِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى) ، وَفِيهِ رَبْطُ الْحَالِ بِالشَّرْطِ، (وَاللَّهُ أَعْلَمُ) أَتَى بِهَا لِلتَّأَدُّبِ بِتَفْوِيضِ الْعِلْمِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى وَلِلتَّبَرُّكِ وَيُوجَدُ هُنَا فِي بَعْضِ النُّسَخِ زِيَادَةُ: "وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى كُلِّ عَبْدٍ مُصْطَفَى مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ وَالسَّمَاءِ"، وَهِيَ زِيَادَةٌ حَسَنَةٌ تُشْبِهُ أَنَّ تَكُونَ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ، إِلَّا أَنِّي مَا وَجَدْتُهَا إِلَّا فِي نُسْخَةٍ، وَلْنَخْتِمْ هَذَا الْكِتَابَ بِفُصُولٍ، مِنْهَا مَا لَهُ تَعَلُّقُ بِمَسْأَلَةِ الِاسْتِثْنَاءِ، وَمِنْهَا مَا لَهُ تَعَلُّقُ بِمَبْحَثِ الْإِيمَانِ، وَمِنْهَا مَا هُوَ مُتَمِّمٌ لِلْكِتَابِ، فَصَارَتِ الْفُصُولُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَنْوَاعٍ . النَّوْعُ الْأَوَّلُ مِنَ الْفُصُولِ الثَّلَاثَةِ مَا يَتَعَلَّقُ بِمَسْأَلَةِ الِاسْتِثْنَاءِ خَاصَّةً. قَالَ الْكَمَالَانِ ابْنُ الْهُمَامِ، وَابْنُ أَبِي شَرِيفٍ: لَا خِلَافُ بَيْنِ الْقَائِلِينَ بِدُخُولِ الِاسْتِثْنَاءِ وَالْمَانِعِينَ فِي أَنَّهُ لَا يُقَالُ: أَنَا مُؤْمِنٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، لِلشَّكِّ فِي ثُبُوتِ الْإِيمَانِ حَالَ التَّكَلُّمِ بِالِاسْتِثْنَاءِ الْمَذْكُورِ، وَإِلَّا كَانَ الْإِيمَانُ مَنْفِيًّا; لِأَنَّ الشَّكَّ فِي ثُبُوتِهِ فِي الْحَالِ كُفْرٌ، بَلْ ثُبُوتُهُ فِي الْحَالِ مَجْزُومٌ بِهِ دُونَ شَكٍّ غَيْرَ أَنَّ بَقَاءَهُ إِلَى الْوَفَاةِ عَلَيْهِ، وَهُوَ الْمُسَمَّى بِإِيمَانِ الْمُوَافَاةِ الَّذِي يُوَافَى الْعَبْدُ عَلَيْهِ مُتَّصِفًا بِهِ آخِرَ حَيَاتِهِ، غَيْرُ مَعْلُومٍ لَهُ، وَلَمَّا كَانَ ذَلِكَ هُوَ الْمُعْتَبَرُ فِي النَّجَاةِ كَانَ هُوَ الْمَلْحُوظُ عِنْدَ الْمُتَكَلِّمِ فِي رَبْطِهِ بِالْمَشِيئَةِ، وَهُوَ أَمْرٌ مُسْتَقْبَلٌ، فَالِاسْتِثْنَاءُ فِيهِ اتِّبَاعًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ فَلَا وَجْهُ لِوُجُوبِ تَرْكِهِ إِلَّا أَنَّهُ لَمَّا كَانَ ظَاهِرُ التَّرْكِيبِ أَمْرَيْنِ الْإِخْبَارُ بِقِيَامِ الْإِيمَانِ بِهِ فِي الْحَالِ، وَإِنَّ الِاسْتِثْنَاءَ يُنَاقِضُ الْإِخْبَارَ بِقِيَامِ الْإِيمَانِ بِهِ فِي الْحَالِ كَانَ تَرْكُهُ أَبْعَدَ عَنِ التُّهْمَةِ بِعَدَمِ الْجَزْمِ بِالْإِيمَانِ فِي الْحَالِ الَّذِي هُوَ كُفْرٌ، فَكَانَ تَرْكُهُ وَاجِبًا لِذَلِكَ . وَأَمَّا مَنْ عُلِمَ قَصْدُهُ بِأَنَّهُ إِنَّمَا اسْتَثْنَى تَبَرُّكًا خَوْفًا مِنْ سُوءِ الْخَاتِمَةِ، فَرُبَّمَا تَعْتَادُ النَّفْسُ التَّرَدُّدَ فِي الْإِيمَانِ فِي الْحَالِ لِكَثْرَةِ إِشْعَارِهَا بِتَرَدُّدِهَا فِي ثُبُوتِ الْإِيمَانِ وَاسْتِمْرَارِهِ، وَهَذِهِ مَفْسَدَةٌ إِذْ قَدْ تَجُرُّ إِلَى وُجُودِ التَّرَدُّدِ آخِرَ الْحَيَاةِ لِلِاعْتِيَادِ بِهِ خُصُوصًا وَالشَّيْطَانُ مُجَرِّدٌ نَفْسَهَ فِي هَلَاكِ ابْنِ آدَمَ لَا شُغْلَ لَهُ سِوَاهُ فَيَجِبُ حِينَئِذٍ تَرْكُهُ اهـ . وَفِيهِ شَيْئَانِ الْأَوَّلُ: قَوْلُهُ فَالِاسْتِثْنَاءُ فِيهِ اتِّبَاعٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى إِلَخْ، لَا يَخْفَى مَا نَحْنُ فِيهِ لَيْسَ دَاخِلًا فِي عُمُومِ مَفْهُومِ الْآيَةِ، لِأَنَّهَا فِي الْأَمْرِ الْمُسْتَقْبَلِ وُجُودُ الْإِبْقَاءِ، وَالْكَلَامُ فِي الِاسْتِثْنَاءِ الْمَوْجُودِ حَالًا عَلَى احْتِمَالِ أَنَّهُ رُبَّمَا يُعْرَضُ لَهُ حَالٌ يُوجِبُ لَهُ زَوَالًا، وَلِهَذَا مَثَّلَ مَشَايِخُنَا هَذَا الِاسْتِثْنَاءَ بِنَحْوِ قَوْلِهِ: أَنَا شَابٌّ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى حَيْثُ يَحْتَمِلُ أَنَّهُ يَصِيرُ شَيْخًا وَهُوَ لَيْسَ تَحْتَهُ طَائِلٌ وَإِدْخَالُهُ تَحْتَ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ الْآيَةُ، لَا يَقُولُ بِهِ قَائِلُ، وَهَذَا الْبَحْثُ أَبْدَاهُ مُلَّا عَلِيُّ الْقَارِيُّ مِنْ أَصْحَابِنَا . وَالثَّانِي أَنَّ إِشْعَارَ اللَّفْظِ فِي نَفْسِهِ إِنَّمَا هُوَ بِاعْتِبَارِ التَّعْلِيقِ، وَهُوَ خِلَافُ الْمَفْرُوضِ، إِذِ الْفَرْضُ قَصْدُ التَّبَرُّكِ لِأَجْلِ إِيمَانِ الْمُوَافَاةِ خَوْفًا مِنْ سُوءِ الْخَاتِمَةِ، وَهَذَا الْبَحْثُ أَبْدَاهُ الْكَمَالُ بْنُ أَبِي شَرِيفٍ، وَحَاصِلُ الْقَوْلِ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَمَّا يَرُدُّ عَلَيْهِ أَنَّ الْمُسْتَثْنِيَ إِذَا أَرَادَ الشَّكَّ فِي أَصْلِ إِيمَانِهِ مُنِعَ مِنَ الِاسْتِثْنَاءِ، وَهَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ، وَأَمَّا إِذَا أَرَادَ أَنَّهُ مُؤْمِنٌ كَامِلٌ، أَوْ مِمَّنْ يَمُوتُ عَلَى الْإِيمَانِ فَالِاسْتِثْنَاءُ حِينَئِذٍ جَائِزٌ إِلَّا أَنَّ الْأَوْلَى تَرْكُهُ بِاللِّسَانِ، وَمُلَاحَظَتُهُ بِالْجِنَانِ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ . (تَنْبِيهٌ) قَوْلُ مَنْ قَالَ: إِنَّ مَنْ شَهِدَ لِنَفْسِهِ بِهَذِهِ الشَّهَادَةِ فَلْيَشْهَدْ لِنَفْسِهِ بِالْجَنَّةِ، فِيهِ أَنَّهُ لَا مَحْذُورُ فِي هَذَا الْمَقَالِ فَإِنَّهُ لَيْسَ مِنْ قَبِيلِ قَوْلِ الْقَائِلِ: أَنَا طَوِيلٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى بَلْ يَنْظُرُ قَوْلَكَ: أَنَا زَاهِدٌ أَنَا مُتَّقٍ، أَنَا تَائِبٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، إِمَّا قَاصِدًا هَضْمَ النَّفْسِ، وَالتَّوَاضُعَ وَهَذَا إِنَّمَا يَتَصَوَّرُ فِي حَقِّ الْأَكَابِرِ، أَوْ قَاصِدًا جَهْلَهُ بِحَقِيقَةِ وُجُودِ شُرُوطِهِ، وَهَذِهِ الْأَشْيَاءُ فِي الْحَالِ، أَوْ نَظَرًا إِلَى مَشِيئَةِ اللَّهِ تَعَالَى مِنَ احْتِمَالِ تَغَيُّرِ الْحَالِ فِي الِاسْتِقْبَالِ، وَلِذَا لَمَّا سُئِلَ أَبُو يَزِيدٍ الْبَسْطَامِيُّ هَلْ لِحْيَتُكَ أَفْضَلُ أَمْ ذَنَبِ الْكَلْبِ، فَقَالَ إِنْ مِتُّ عَلَى الْإِسْلَامِ فَلِحْيَتِي خَيْرٌ، وَإِلَّا فَذَنَبُهُ أَحْسَنُ، وَبِهَذَا يَتَبَيَّنُ أَنَّ مَنْ يَقُولُ: أَنَا مُؤْمِنٌ حَقًّا لَوْ قِيلَ لَهُ: أَنْتَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ حَقًّا لَمْ يَقْدِرْ أَنْ يَقُولَ نَعَمْ، فَإِنَّهُ مِنَ الْأَمْرِ الْمُبْهَمِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية