إحياء علوم الدين
ومما يكره التظاهر بالحب بسبب أن المحب إن كان عارفا وعرف أحوال الملائكة في حبهم الدائم وشوقهم اللازم الذي به يسبحون الليل والنهار لا يفترون ولا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون لاستنكف من نفسه ومن إظهار حبه وعلم قطعا أنه من أخس المحبين في مملكته وأن حبه أنقص من حب كل محب لله .
قال بعض الكاشفين من المحبين : عبدت الله تعالى ثلاثين سنة بأعمال القلوب والجوارح ، على بذل المجهود واستفراغ الطاقة ، حتى ظننت أن لي عند الله شيئا ، فذكر أشياء من مكاشفات آيات السموات ، في قصة طويلة قال في آخرها : فبلغت صفا من الملائكة بعدد جميع ما خلق الله من شيء ، فقلت : من أنتم ؟ فقالوا : نحن المحبون لله : عز وجل : نعبده هاهنا منذ ثلاثمائة ألف سنة ما خطر على قلوبنا قط سواه ولا ذكرنا غيره ، قال : فاستحييت من أعمالي فوهبتها لمن حق عليه الوعيد تخفيفا عنه في جهنم .
فإذا ، من عرف نفسه وعرف ربه واستحيا منه حق الحياء خرس لسانه عن التظاهر بالدعوى .
نعم ؛ يشهد على حبه حركاته وسكناته وإقدامه وإحجامه وتردداته ، كما حكي عن الجنيد أنه قال : مرض أستاذنا السري رحمه الله فلم نعرف لعلته دواء ولا عرفنا لها سببا فوصف لنا طبيب حاذق فأخذ ، قارورة مائه ، فنظر إليها الطبيب وجعل ينظر إليه مليا ، ثم قال لي : أراه بول عاشق قال الجنيد : فصعقت وغشي علي ووقعت القارورة من يدي ، ثم رجعت إلى السري فأخبرته ؛ فتبسم ، قال : قاتله الله ! ما أبصره ! قلت : يا أستاذ وتبين ، المحبة في البول ؟! قال : نعم .
وقد قال السري مرة لو : شئت أقول ما أيبس جلدي على عظمي ولا سل جسمي إلا حبه ، ثم غشي عليه .
وتدل الغشية على أنه أفصح في غلبة الوجد ومقدمات الغشية فهذه مجامع علامات الحب وثمراته .
ومنها الأنس والرضا ، كما سيأتي .


