الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
معلومات الكتاب

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين

مرتضى الزبيدي - محمد بن محمد الحسيني الزبيدي

جزء صفحة
إحياء علوم الدين

بيان أعمال المتوكلين   .

اعلم أن العلم يورث الحال ، والحال يثمر الأعمال وقد يظن أن معنى التوكل ترك الكسب بالبدن ، وترك التدبير بالقلب  والسقوط على الأرض كالخرقة الملقاة ، وكاللحم على الوضم ، وهذا ظن الجهال ، فإن ذلك حرام في الشرع ، والشرع قد أثنى على المتوكلين فكيف ينال مقام من مقامات الدين بمحظورات الدين بل نكشف الغطاء عنه ونقول : إنما يظهر تأثير التوكل في حركة العبد وسعيه بعلمه إلى مقاصده وسعي العبد باختياره إما أن يكون لأجل جلب نافع هو ، مفقود عنده كالكسب ، أو لحفظ نافع هو موجود عنده كالادخار ، أو لدفع ضار لم ينزل به ، كدفع الصائل والسارق والسباع ، أو لإزالة ضار قد نزل به كالتداوي من المرض ، فمقصود حركات العبد لا تعدو : هذه الفنون الأربعة ، وهو جلب النافع ، أو حفظه ، أو دفع الضار ، أو قطعه ، فلنذكر شروط التوكل ودرجاته في كل واحد منها مقرونا بشواهد الشرع الفن الأول في جلب النافع فنقول فيه : الأسباب التي بها يجلب النافع على ثلاث درجات : مقطوع به ، ومظنون ظنا يوثق به ، وموهوم وهما لا تثق النفس به ثقة تامة ، ولا تطمئن إليه ، الدرجة الأولى : المقطوع به ، وذلك مثل الأسباب التي ارتبطت المسببات بها بتقدير الله ومشيئته ، ارتباطا مطردا لا يختلف كما أن الطعام إذا كان موضوعا بين يديك وأنت جائع محتاج ولكنك لست تمد اليد إليه ، وتقول : أنا متوكل ، وشرط التوكل ترك السعي ومد اليد إليه سعي وحركة ، وكذلك مضغه بالأسنان ، وابتلاعه بإطباق أعالي الحنك على أسافله فهذا جنون محض ، وليس من التوكل في شيء ، فإنك إن انتظرت أن يخلق الله تعالى فيك شبعا دون الخبز ، أو يخلق في الخبز حركة إليك ، أو يسخر ملكا ليمضغه لك ، ويوصله إلى معدتك فقد جهلت سنة الله تعالى وكذلك لو لم تزرع الأرض وطمعت في أن يخلق الله تعالى نباتا من غير بذر أو تلد زوجتك من غير وقاع ، كما ولدت مريم عليها السلام فكل ذلك جنون وأمثال هذا مما يكثر ولا يمكن إحصاؤه أليس ، التوكل في هذا المقام بالعمل ، بل بالحال والعلم ، أما العلم فهو أن تعلم أن الله تعالى خلق الطعام واليد والأسنان وقوة الحركة ، وأنه هو الذي يطعمك ويسقيك ، وأما الحال فهو أن يكون سكون قلبك واعتمادك على فعل الله تعالى لا على اليد والطعام ، وكيف تعتمد على صحة يدك ، وربما تجف في الحال وتفلج وكيف تعول على قدرتك ، وربما يطرأ عليك في الحال ما يزيل عقلك ، ويبطل قوة حركتك وكيف تعول على حضور الطعام ، وربما يسلط الله تعالى .

من يغلبك عليه أو يبعث حية تزعجك عن مكانك ، وتفرق بينك وبين طعامك وإذا احتمل أمثال ذلك ، ولم يكن لها علاج إلا بفضل الله تعالى فبذلك فلتفرح ، وعليه فلتعول فإذا كان هذا حاله وعلمه ، فليمد اليد فإنه متوكل .

التالي السابق



الخدمات العلمية