الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
معلومات الكتاب

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين

مرتضى الزبيدي - محمد بن محمد الحسيني الزبيدي

جزء صفحة
إحياء علوم الدين

بيان ما قاله الشيوخ في أحوال التوكل   .

ليتبين أن شيئا منها لا يخرج عما ذكرنا ، ولكن كل واحد يشير إلى بعض الأحوال ، فقد قال أبو موسى الديلي قلت لأبي يزيد ما التوكل ؟  فقال : ما تقول أنت ؟ قلت : إن أصحابنا يقولون : لو أن السباع والأفاعي : عن يمينك ويسارك ، ما تحرك لذلك سرك فقال أبو يزيد : نعم هذا قريب ولكن لو أن أهل الجنة في الجنة يتنعمون وأهل النار في النار يعذبون ، ثم وقع بك تمييز بينهما خرجت من جملة التوكل فما ذكره أبو موسى فهو خبر عن أجل أحوال التوكل وهو المقام الثالث ، وما ذكره أبو يزيد عبارة عن أعز أنواع العلم الذي هو من أصول التوكل ، وهو العلم بالحكمة وأن ما فعله الله تعالى فعله بالواجب فلا تمييز بين أهل النار وأهل الجنة ، بالإضافة إلى أصل العدل والحكمة وهذا أغمض أنواع العلم ، ووراءه سر القدر وأبو يزيد قلما يتكلم إلا عن أعلى المقامات وأقصى الدرجات وليس ترك الاحتراز عن الحيات شرطا في المقام الأول من التوكل ، فقد احترز أبو بكر رضي الله عنه : في الغار إذ سد منافذ الحيات إلا أن يقال : فعل ذلك برجله ولم يتغير بسببه سره : أو يقال : إنما فعل ذلك شفقة في حق رسول الله : صلى الله عليه وسلم : لا في حق نفسه ، وإنما يزول التوكل بتحرك سره وتغيره لأمر يرجع إلى نفسه وللنظر في هذا مجال ولكن سيأتي بيان أن أمثال ذلك وأكثر منه لا يناقض التوكل ، فإن حركة السر من الحيات هو الخوف ، وحق المتوكل أن يخاف مسلط الحيات ؛ إذ لا حول للحيات ولا قوة لها إلا بالله ، فإن احترز لم يكن اتكاله على تدبيره وحوله وقوته في الاحتراز ، بل على خالق الحول والقوة والتدبير .

وسئل ذو النون المصري عن التوكل فقال : خلع الأرباب  وقطع الأسباب فخلع الأرباب إشارة إلى علم التوحيد وقطع الأسباب إشارة إلى الأعمال وليس فيه تعرض صريح للحال وإن كان اللفظ يتضمنه فقيل له : زدنا فقال : إلقاء النفس في العبودية وإخراجها من الربوبية وهذا إشارة إلى التبري من الحول والقوة فقط .

التالي السابق



الخدمات العلمية