الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
معلومات الكتاب

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين

مرتضى الزبيدي - محمد بن محمد الحسيني الزبيدي

جزء صفحة
إحياء علوم الدين وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْخَيْرَ وَالشَّرَّ مَقْضِيٌّ بِهِ، وَقَدْ كَانَ مَا قَضَى بِهِ وَاجِبَ الْحُصُولِ بَعْدَ سَبْقِ الْمَشِيئَةِ فَلَا رَادَّ لِحُكْمِهِ وَلَا مُعَقِّبَ لِقَضَائِهِ وَأَمْرِهِ بَلْ كُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ وَحُصُولُهُ بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ مُنْتَظَرٍ ، وَمَا أَصَابَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَكَ وَمَا أَخْطَأَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَكَ وَلْنَقْتَصِرْ عَلَى هَذِهِ المَرَامِزِ مِنْ عُلُومِ الْمُكَاشَفَةِ الَّتِي هِيَ أُصُولُ مَقَامِ التَّوَكُّلِ وَلْنَرْجِعْ إِلَى عِلْمِ الْمُعَامَلَةِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَحَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ . . تَنْبِيهٌ قَالَ الشَّيْخُ سَيِّدِي أَحْمَدُ بْنُ مُبَارَكٍ فِي آخِرِ كَلَامِهِ عَلَى هَذِهِ الْمَقَالَةِ: فَالْحَاصِلُ أَنَّ مَا نُسِبَ إِلَيْهِ فِي الْمَسْأَلَةِ إِنْ كَانَ دَلِيلُهُ الظُّلْمَ الْمُنَاقِضَ لِلْعَدْلِ فَقَدْ نَفَاهُ فِي مَوَاضِعَ مِنْ كِتَابِهِ الْإِحْيَاءِ، وَإِنْ كَانَ دَلِيلُهُ الْبُخْلَ فَقَدْ نَفَاهُ فِي كِتَابِهِ الِاقْتِصَادِ، وَإِنْ كَانَ دَلِيلُهُ عَلَى أَنَّهُ يُخَالِفُ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أَبْطَلَهُ فِي الْإِحْيَاءِ وَفِي الِاقْتِصَادِ، وَإِنْ كَانَ دَلِيلُهُ الِاسْتِحْسَانَ الْعَقْلِيَّ وَمُرَاعَاةَ الصَّلَاحِ وَالْأَصْلَحِ فَقَدْ أَبْطَلَهُ فِيهِمَا وَفِي الْقِسْطَاسِ، وَإِنْ كَانَ دَلِيلُهُ الِاسْتِحْسَانَ الْمُتَّفَقَ عَلَيْهِ الَّذِي عَوَّلَ عَلَيْهِ السَّيِّدُ السَّمْهُودِيُّ فَقَدْ أَبْطَلْنَاهُ فِيمَا سَبَقَ، وَإِنْ كَانَ دَلِيلُهُ مَا سَبَقَ فِي الْعِلْمِ وَالْمَشِيئَةِ كَمَا عَوَّلَ عَلَيْهِ الْمَذْكُورُ أَيْضًا فَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّهُ مُصَادَرَةٌ عَلَى الْمَطْلُوبِ، وَإِنْ كَانَ دَلِيلُهُ أَنَّ النَّاقِصَ لَا يَصْدُرُ عَنِ الْكَامِلِ فَقَدْ بَيَّنَّا بُطْلَانَهُ فِيمَا سَبَقَ. اهـ . وَقَدْ فُهِمَ مِنْ كَلَامِهِ أَنَّ الْمَسْأَلَةَ بَاطِلَةٌ بِسَائِرِ وُجُوهِهَا وَلَيْسَ لَهَا مَوْضِعٌ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ تُحْمَلُ عَلَيْهِ، وَأَنَّهُ مَحْكُومٌ عَلَيْهَا بِالْفَسَادِ وَهُوَ أَمْرٌ عَجِيبٌ وَلَوْ فُتِحَتْ لَهُ كُوَّةٌ إِلَى عَالَمِ الْمَلَكُوتِ لَشَاهَدَ مَا شَاهَدَهُ الصَّالِحُونَ وَيَكْشِفُ لَهُ مِنْ أَسْرَارِهِ مَا كُشِفَ لِلْعَارِفِينَ، وَقَدْ فَهِمُوا قَوْلَهُ تَعَالَى: وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ وَعَقَلُوا قَوْلَ الْمُبَلِّغِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: إِنَّ اللَّهَ كَرِهَ لَكُمُ الْبَيَانَ كُلَّ الْبَيَانِ. فَحَقِيقَةُ بَيَانِ الْبَيَانِ مُحَرَّمٌ عِنْدَ ذَوِي الْإِيقَانِ، وَمَقَامُ الصَّالِحِينَ يَقْصُرُ عَنْ شَهَادَةِ الشَّاهِدِينَ، وَقَدْ سَمِعَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَجُلًا يَقُولُ: اللَّهُمَّ أَرِنَا الدُّنْيَا كَمَا تَرَاهَا، فَقَالَ: لَا تَقُلْ هَكَذَا، فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرَى الدُّنْيَا كَمَا تَرَاهَا، وَلَكِنْ قُلِ: اللَّهُمَّ أَرِنِي الدُّنْيَا كَمَا يَرَاهَا الصَّالِحُ مِنْ عِبَادِكَ، فَالصَّالِحُونَ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ، لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ، وَلَا يَشُكُّ هُوَ وَلَا نَحْنُ وَلَا مَنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنَ الْإِيمَانِ أَنَّ الْإِمَامَ أَبَا حَامِدٍ الْغَزَالِيَّ مِنْ أَكَابِرِ أَهْلِ الْبَاطِنِ، وَهَذِهِ الْمَقَالَةُ قَدْ نُسِبَتْ إِلَيْهِ وَاعْتَاصَ فِي فَهْمِهَا أَهْلُ الظَّاهِرِ، فَالْأَوْلَى التَّسْلِيمُ لَهُ إِذْ لَيْسَ أَهْلُ الظَّاهِرِ حُجَّةً عَلَى أَهْلِ الْبَاطِنِ فِي شَيْءٍ إِلَّا وَهُمْ عَلَيْهِمْ حُجَّةٌ فِي مِثْلِهِ . وَالْإِيمَانُ ظَاهِرٌ وَبَاطِنٌ وَالْعِلْمُ مُحْكَمٌ وَمُتَشَابِهٌ وَلِأَنَّ أَهْلَ الْبَاطِنِ أَبْعَدُ عَنِ الْهَوَى وَأَقْرَبُ إِلَى التَّوْفِيقِ وَأَوْفَقُ لِإِصَابَةِ الْحَقِيقَةِ لِزُهْدِهِمْ فِي الدُّنْيَا وَلِضِعْفِ شَاهِدِ غَلَبَةِ النَّفْسِ وَالْهَوَى عَلَيْهِمْ وَهَذَا لَا يَفْطَنُ لَهُ الْغَافِلُونَ وَلَا يَشْهَدُهُ الْعَمُّونَ . وَكَانَ أَبُو سُلَيْمَانَ الدَّارَانِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى يَقُولُ: إِذَا لَاحَظْتَ الْأَشْيَاءَ مِنْ فَوْقُ وَجَدْتَ لَهَا طَعْمًا آخَرَ، وَقَالَ بَعْضُ الْعَارِفِينَ: إِذَا رَأَيْتَ الْأَشْيَاءَ كُلَّهَا كَشَيْءٍ وَاحِدٍ مِنْ مَعْدِنٍ وَاحِدٍ بِعَيْنٍ وَاحِدٍ رَأَيْتَ مَا لَمْ تَرَ قَبْلَ ذَلِكَ، وَسَمِعْتَ مَا لَمْ تَسْمَعْ، وَفَهِمْتَ مَا لَمْ تَفْهَمُ الْخَلْقُ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا تَرَى الْعَجَبَ حَتَّى لَا تَرَى عَجَبًا فَإِذَا لَمْ تَرَ عَجَبًا رَأَيْتَ الْعَجَبَ . وَقَدْ أَفَدْنَاكَ بِحَمْدِ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ غَرَائِبِ مَا عِنْدَنَا وَإِلَى اللَّهِ يُرَدُّ الْعِلْمُ فِيمَا دَقَّ وَجَلَّ وَظَهَرَ وَاسْتَتَرَ، وَإِنَّمَا يَنْطِقُ اللِّسَانُ بِمَا أَنْطَقَهُ اللَّهُ بِهِ وَهُوَ مُسْتَعْمَلٌ بِمَا اسْتَعْمَلَهُ اللَّهُ بِهِ، إِذْ كُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ . وَقَدِ انْتَهَى الْكَلَامُ عَلَى مَقَالَةِ الْإِمَامِ إِنْجَازًا لِمَا وَعَدْنَا بِهِ آنِفًا، فَأَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يَصْرِفَ عَنَّا الْكُدُورَاتِ وَيَحْمِيَنَا مِنْ مُضِلَّاتِ الْأَهْوَاءِ فِي مَجَارِي الْمَقْدُورَاتِ، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا وَمَوْلَانَا مُحَمَّدٍ سَيِّدِ الْبَشَرِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أُولِي الْعَزْمِ وَالظَّفَرِ، وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا دَائِمًا أَبَدًا، وَحَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ، وَنَسْأَلُهُ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ .

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية