الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
معلومات الكتاب

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين

مرتضى الزبيدي - محمد بن محمد الحسيني الزبيدي

جزء صفحة
إحياء علوم الدين وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْخَيْرَ وَالشَّرَّ مَقْضِيٌّ بِهِ، وَقَدْ كَانَ مَا قَضَى بِهِ وَاجِبَ الْحُصُولِ بَعْدَ سَبْقِ الْمَشِيئَةِ فَلَا رَادَّ لِحُكْمِهِ وَلَا مُعَقِّبَ لِقَضَائِهِ وَأَمْرِهِ بَلْ كُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ وَحُصُولُهُ بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ مُنْتَظَرٍ ، وَمَا أَصَابَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَكَ وَمَا أَخْطَأَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَكَ وَلْنَقْتَصِرْ عَلَى هَذِهِ المَرَامِزِ مِنْ عُلُومِ الْمُكَاشَفَةِ الَّتِي هِيَ أُصُولُ مَقَامِ التَّوَكُّلِ وَلْنَرْجِعْ إِلَى عِلْمِ الْمُعَامَلَةِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَحَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ . . وَقَوْلُهُ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ قَادِرًا لَكَانَ عَاجِزًا يُنَاقِضُ الْأَهْلِيَّةَ هَذَا صَحِيحٌ وَلَكِنَّا نُحِيلُ هَذَا الْمُدَّعِيَ وَنَقُولُ هُوَ قَادِرٌ عَلَى كُلِّ مُمْكِنٍ وَهَذَا مِنْ جُمْلَةِ الْمُمْكِنَاتِ; لِأَنَّهُ لَا دَلِيلَ عَلَى اسْتِحَالَتِهِ، وَقَوْلُهُ: إِذْ لَوْلَا اللَّيْلُ لَمَا عُرِفَ قَدْرُ النَّهَارِ.... إِلَى آخِرِهِ، كَلَامٌ صَحِيحٌ فِي نَفْسِهِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا أَوْجَدَهُ سُبْحَانَهُ الْآنَ، وَأَمَّا أَنَّهُ تَعَالَى لَا يَقْدِرُ عَلَى التَّعْرِيفِ بِغَيْرِ ذَلِكَ فَلَا وَاللَّهِ، بَلْ هُوَ تَعَالَى قَادِرٌ أَنْ يُعَرِّفَنَا جَمِيعَ الْأَشْيَاءِ الْمُتَضَادَّةِ قَبْلَ كَوْنِهَا . ثُمَّ سَاقَ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي نَظَرِ جِبْرِيلَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - إِلَى الْجَنَّةِ وَكَيْفَ حَفَّهَا بِالْمَكَارِهِ، وَإِلَى النَّارِ وَكَيْفَ حَفَّهَا بِالشَّهَوَاتِ، ثُمَّ قَالَ: فَفِي هَذَا أَمْرَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ خَلَقَ كُلًّا مِنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ عَلَى أَنْقَصَ مِمَّا هِيَ عَلَيْهِ الْآنَ فَعُلِمَ بُطْلَانُ قَوْلِهِ أَنَّهُ إِذَا فَعَلَ لَيْسَ فِي الْإِمْكَانِ أَنْ يَفْعَلَ إِلَّا نِهَايَةَ مَا تَقْتَضِيهِ الْحِكْمَةُ، وَهَذَا كَمَا خَلَقَ الْأَرْضَ دُونَ الرَّوَاسِي ثُمَّ أَنْهَاهَا إِلَى الْحَدِّ الَّذِي أَرَادَهُ وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى أَعْلَى مِنْ ذَلِكَ، وَلَمْ يَكُنْ تَأْخِيرُهُ لَمَّا أَخَّرَ مِنْ بُخْلٍ وَلَا عَجْزٍ - تَعَالَى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ - الثَّانِي: أَنَّهُ يُمْكِنُ مَعْرِفَةُ الشَّيْءِ قَبْلَ إِيجَادِهِ وَمِنْ ثَمَّ تَعْرِفُ بُطْلَانَ قَوْلِهِ: وَلَوْ لَمْ يَخْلُقِ النَّاقِصَ لَمْ يُعْرَفِ الْكَامِلُ، وَلَوْلَا قَوْلُهُ: إِنَّ ذَلِكَ عَدْلٌ فَلَا شَكَّ فِيهِ، وَالْفَضْلُ أَوْسَعُ وَلَوْ جُعِلَ الْأَمْرُ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ لَكَانَ عَدْلًا; لِأَنَّهُ لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ، وَأَمَّا كَوْنُهُ حَقًّا لَا لَعِبَ فِيهِ بِأَنْ يَجْعَلَ بَدَلَ الْكُفْرِ الْإِيمَانَ وَبَدَلَ الْمَعْصِيَةِ الطَّاعَةَ وَنَحْوَ ذَلِكَ، وَلَوْ جَعَلَ بَدَلَ إِيمَانِ الْمُؤْمِنِ كُفْرًا لَكَانَ ذَلِكَ حَقًّا لَا عَيْبَ فِيهِ، وَلَوْ جَعَلَ بَدَلَ تَنْعِيمِ الطَّائِعِ عَذَابًا لَكَانَ عَدْلًا لَا جَوْرَ فِيهِ، هَذَا دِينُ الْإِسْلَامِ الَّذِي لَا رَيْبَ فِيهِ، وَإِنْ كُنَّا نَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يَفْعَلُ ذَلِكَ; لِأَنَّهُ أَخْبَرَ بِخِلَافِهِ وَهُوَ لَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيْهِ . وَأَمَّا قَوْلُهُ فِي الْإِمْلَاءِ: لَيْسَ فِي الْإِمْكَانِ أَبْدَعُ صُوَرِهِ إِلَى. إِلَخْ. فَقَدْ تَقَدَّمَ مَا فِيهِ، وَقَوْلُهُ: وَكَيْفَ يُقْضَى عَلَيْهِ بِالْعَجْزِ فِيمَا لَمْ يَخْلُقْهُ اخْتِيَارًا؟ وَلِمَ لَمْ يُنْسَبْ إِلَيْهِ ذَلِكَ قَبْلَ خَلْقِ الْعَالَمِ؟ وَيُقَالُ: ادِّخَارُ إِخْرَاجِ الْعَالَمِ مِنَ الْعَدَمِ إِلَى الْوُجُودِ عَجْزٌ مِثْلَ مَا قِيلَ فِيمَا ذَكَرْنَاهُ وَمَا الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا مَعْنَاهُ أَنَّ قَوْلَهُ لَوِ ادَّخَرَهُ مَعَ الْقُدْرَةِ لَزِمَ عَلَيْهِ الْعَجْزُ يَلْزَمُ عَلَيْهِ ذَلِكَ بِعَيْنِهِ قَبْلَ إِبْدَاعِ هَذَا الْعَالَمِ، فَإِنَّ اعْتِقَادَ الْمُسْلِمِينَ أَنَّ الْعَالَمَ حَادِثٌ وَلَا شَكَّ أَنَّهُ قَبْلَ إِحْدَاثِهِ كَانَ مُؤَخَّرًا لِإِيجَادِهِ لَهُ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ . فَإِنْ قُلْتَ: إِنَّ كُلَّ تَأْخِيرٍ يُلْزِمُ عَلَيْكَ الْعَجْزَ لَزِمَكَ وَصْفُهُ بِذَلِكَ فِي الْأَزَلِ قَبْلَ خَلْقِ الْعَالَمِ وَإِلَّا فَابْنِ لِقَوْلِكَ وَجْهًا، فَأَجَابَ بِأَنَّ ذَلِكَ التَّأْخِيرَ كَانَ وَاقِعًا تَحْتَ الِاخْتِيَارِ الْمُمْكِنِ حَيْثُ إِنَّ لِلْفَاعِلِ الْمُخْتَارِ أَنْ يَفْعَلَ وَأَنْ لَا يَفْعَلَ، يَعْنِي وَتَأْخِيرُهُ لِأَحْسَنَ مِنْهُ لَيْسَ دَاخِلًا تَحْتَ الْقُدْرَةِ; لِأَنَّهُ مِنْ قِسْمِ الْمُحَالِ الَّذِي لَيْسَ مِنْ شَأْنِ الْقُدْرَةِ أَنْ تَتَعَلَّقَ بِهِ وَذَلِكَ لَا يَلْزَمُ عَلَيْهِ عَجْزٌ; لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ شَأْنِ الْقُدْرَةِ أَنَّ تَتَعَلَّقَ بِهِ وَلَا يَلْزَمَ عَلَيْهِ بُخْلٌ; لِأَنَّهُ لَمْ يَدَّخِرْهُ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ، هَذَا تَقْرِيرُ كَلَامِهِ وَهُوَ نَاقِصٌ; لِأَنَّهُ لَوْ سُلِّمَ لَكَانَ مُخِلًّا بِمَا أُلْزِمَ بِهِ مِنَ الْبُخْلِ وَهُوَ لَازِمٌ فِي الْأَزَلِ قَطْعًا لَوْ صَحَّتْ دَعْوَاهُ وَلَيْسَ عِنْدَهُ جَوَابٌ . فَإِنْ سَلِمَ أَنَّ هَذَا الْعَالَمَ كَانَ تَحْتَ الِاخْتِيَارِ الْمُمْكِنِ، وَكَانَ قَدِ ادَّعَى أَنَّ الِادِّخَارَ مَعَ الْقُدْرَةِ مُحَالٌ وَإِسْقَاطُ الشِّقِّ الَّذِي لَا جَوَابَ عَنْهُ يُرَجِّحُ عِنْدِي أَنَّ هَذَا الْكَلَامَ مَدْسُوسٌ عَلَيْهِ وَلَيْسَ مِنْ كَلَامِهِ هَذَا لَا يَلْزَمُ لَوْ سَلِمَ كَلَامُهُ لَكِنَّهُ غَيْرُ مُسَلَّمٍ بَلْ خُلْقُ عَالَمٍ أَبْدَعَ مِنْ هَذَا الْعَالَمِ مُمْكِنٌ وَلَا يَثْبُتُ الْمُحَالُ بِمُجَرَّدِ الدَّعْوَى بَلْ عَلَى مَنْ يَدَّعِي الْبَيَانَ، وَقَوْلُهُ: فَإِذَا فَعَلَ لَيْسَ فِي الْإِمْكَانِ أَنْ يَفْعَلَ إِلَّا نِهَايَةَ مَا تَقْتَضِيهِ الْحِكْمَةُ الَّتِي عَرَفْنَا أَنَّهَا حِكْمَةُ كَلَامٍ يُنَاقِضُ الْفِعْلَ بِالِاخْتِيَارِ فَهُوَ قَطْعًا قَوْلٌ لَمْ يَقُلْ إِنَّ الْفِعْلَ ذَاتِيٌّ لَا اخْتِيَارِيٌّ أَوْ قَوْلُ مَنْ يَقُولُ إِنَّ الْفَاعِلَ الطَّبِيعَةُ لَا الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ الْمُتَصَرِّفُ الْمُخْتَارُ، وَهُمْ فَرِيقٌ مِنَ الْفَلَاسِفَةِ، وَالْأَوَّلُ قَوْلُ الْقَائِلِينَ مِنْهُمْ بِقِدَمِ الْعَالَمِ بِالزَّمَانِ لَا بِالذَّاتِ، وَيَكْفِي فِي رَدِّهِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَلَقَ الْأَرْضَ أَوَّلًا دُونَ الْجِبَالِ فَلَمَّا مَادَتْ أَرْسَاهَا بِالْجِبَالِ فَسَكَنَتْ، فَلَمْ يَخْلُقْهَا أَوَّلًا عَلَى نِهَايَةِ مَا تَقْتَضِيهِ الْحِكْمَةُ، وَلَقَدْ كَانَ تَعَالَى عَالِمًا بِأَنَّهَا تَضْطَرِبُ إِذْ خَلَقَهَا وَلَكِنَّهُ أَخَّرَ ذَلِكَ لِحِكْمَةٍ عَظِيمَةٍ مِنْهَا تَعْلِيمُنَا أَنْ لَا نَهْتَمَّ بِشَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الدُّنْيَا قَبْلَ الْحَاجَةِ إِلَيْهِ بِالْفِعْلِ . وَمِنْهَا الرَّدُّ عَلَى قَائِلِ هَذِهِ الْمَقَالَةِ حَتَّى لَا تَبْقَى شُبْهَةٌ فِي أَنَّ فِعْلَهُ بِالِاخْتِيَارِ يَخْلُقُ النَّاقِصَ وَالْكَامِلَ وَلَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ. هَذَا آخِرُ مَا نَقَضَ بِهِ الْبِقَاعِيُّ عَلَى الْكُتُبِ الثَّلَاثَةِ . وَقَدْ نَحَا نَحْوَهُ الشَّيْخُ سَيِّدِي أَحْمَدُ بْنُ مُبَارَكٍ حَيْثُ قَالَ فِي الرَّدِّ عَلَى جَوَابِ الْإِمْلَاءِ خَاصَّةً: إِذَا ثَبَتَ لَهُ الِاخْتِيَارُ قَبْلَ الْفِعْلِ فَيَثْبُتُ لَهُ حِينَ الْفِعْلِ وَبَعْدَ الْفِعْلِ سُبْحَانَهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، فَإِذَا كَانَ الِاخْتِيَارُ هُوَ السَّبَبَ فِي تَأْخِيرِ وُجُودِ الْعَالَمِ فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ هُوَ السَّبَبَ فِي تَأْخِيرِ وُجُودِ الْأَبْدَعِ وَالْإِعْرَاضِ عَنْهُ، وَحِينَئِذٍ فَقَوْلُهُ: فَلَيْسَ فِي الْإِمْكَانِ إِلَّا نِهَايَةُ مَا تَقْتَضِيهِ الْحِكْمَةُ يَقْتَضِي أَنَّ الِاخْتِيَارَ مَسْلُوبٌ عِنْدَ الْفِعْلِ، وَأَنَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ فِعْلُ مَا تَقْتَضِيهِ الْحِكْمَةُ، وَحِينَئِذٍ فَيُقَالُ لِأَبِي حَامِدٍ: فَإِذَا كَانَ الْأَبْدَعُ عَدَمَ تَأْخِيرِ وُجُودِ الْعَالَمِ فَلِمَ عَدَلَ عَنْهُ؟ فَيَقُولُ: لَا مَحَالَةَ، فَيُقَالُ: إِنَّمَا عَدَلَ عَنْهُ لِيُثْبِتَ لَهُ الِاخْتِيَارَ، فَيُقَالُ لَهُ: وَكَذَا بَعْدَ الْفِعْلِ إِنَّمَا لَمْ يَجِبْ فِعْلُ الْأَبْدَعِ لِيُثْبِتَ لَهُ الِاخْتِيَارَ، فَإِنْ قَالَ عِنْدَ الْفِعْلِ فَيُسْلَبُ عَنْهُ وَقَبْلَهُ فَيَثْبُتُ لَهُ لَزِمَهُ نَفْيُ وَصْفِ الِاخْتِيَارِ الثَّابِتِ لَهُ أَزَلًا، وَمَا ثَبَتَ قِدَمُهُ اسْتَحَالَ عَدَمُهُ فَهَذِهِ حُجَّةٌ وَاضِحَةٌ عَلَى حُجَّةِ الْإِسْلَامِ. اهـ . قُلْتُ: كُلٌّ مِنْهُمَا دَنْدَنَ حَوْلَ الْحِمَى وَلَمْ يُحِطْ بِمُرَادِ الْمُصَنِّفِ وَلَا حَامَ عَلَى مَا هُوَ بِصَدَدِهِ، وَقَوْلُهُ مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِ الْفُقَهَاءِ: إِنَّ الْأَحْكَامَ تَتْبَعُ الْمَصَالِحَ الرَّاجِحَةَ فَجَعَلَ سَائِرَ الْأَفْعَالِ كَذَلِكَ وَاقِعَةً بِحَسَبِ الْمَصَالِحِ الرَّاجِحَةِ مِنْ غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِنَفْيِ الْقُدْرَةِ أَصْلًا وَلَا لِنَفْيِ الِاخْتِيَارِ عِنْدَ الْفِعْلِ، فَكُلُّ فِعْلٍ أَوْجَدَهُ اللَّهُ تَعَالَى دَلَّ إِيجَادُهُ لَهُ عَلَى أَنَّ الْمَصْلَحَةَ فِي إِيجَادِهِ أَرْجَحُ مِنْهَا فِي عَدَمِ إِيجَادِهِ مَعَ صَلَاحِيَةِ الْقُدْرَةِ قَطْعًا عَدَمَ إِيجَابِهِ، وَكُلُّ مَا لَمْ يُوجَدْ دَلَّ عَدَمُ إِيجَادِهِ لَهُ عَلَى أَنَّ الْمَصْلَحَةَ فِي عَدَمِ إِيجَادِهِ أَرْجَحُ مِنْهَا فِي إِيجَادِهِ مَعَ قُدْرَتِهِ قَطْعًا عَلَى إِيجَادِهِ . هَذَا مَعْنَى كَلَامِهِ فِي الْإِحْيَاءِ وَفِي الْإِمْلَاءِ، وَمَقْصُودُهُ بِذَلِكَ حَثُّ الْعَبْدِ عَلَى مُنْتَهَى مَقَامِ التَّوَكُّلِ الَّذِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مَذْكُورَةٌ فِيهِ، وَعَلَى الرِّضَا بِكُلِّ قَضَاءِ اللَّهِ تَعَالَى كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ سِيَاقُ صَاحِبِ الْقُوتِ، وَمَسَاقُ كَلَامِهِمَا يَدُلُّ عَلَى مَا ذَكَرْتُ حَتَّى لَا يَأْسَى عَلَى شَرٍّ أَصَابَهُ وَلَا خَيْرٍ فَاتَهُ، وَمَنْ ذَا الَّذِي يَقُولُ فِي شَرٍّ أَصَابَهُ أَنَّ الْقُدْرَةَ لَا تَصْلُحُ لِعَدَمِ إِيجَادِهِ أَوْ فِي خَيْرٍ فَاتَهُ أَنَّهَا لَا تَصْلُحُ لِإِيجَادِ هَذَا لَا يَقُولُهُ عَاقِلٌ وَلَا مُسْلِمٌ وَلَا كَافِرٌ، فَإِنَّ أَهْلَ الْمِلَلِ اتَّفَقُوا عَلَى إِثْبَاتِ الْقُدْرَةِ لِلَّهِ تَعَالَى وَلَوْ تَأَمَّلُوا فِيمَا ذَكَرْنَاهُ أَوَّلًا أَنَّ النَّفْيَ فِي كَلَامِهِ لَيْسَ مُنْصَبًّا عَلَى إِمْكَانِ الْوُجُودِ بَلْ عَلَى قَوْلِهِ أَبْدَعَ، لَمْ يَتَوَقَّفُوا فِي فَهْمِ كَلَامِهِ وَلَا جَلَبُوا هَذِهِ الْعِبَارَاتِ الَّتِي لَا طَائِلَ تَحْتَ أَكْثَرِهَا فَإِنَّ النَّفْيَ حِينَئِذٍ وَصْفٌ فِي صِفَاتِ الْمُمْكِنِ لَا الْقُدْرَةِ الْبَتَّةَ . أَلَا تَرَى أَنَّكَ لَوْ قُلْتَ: هَذَا الْفِعْلُ لَيْسَ بِحَسَنٍ هَلْ يَكُونُ فِي نَفْيِكَ الْحُسْنَ عَنْهُ قَدْحٌ فِي الْقُدْرَةِ أَوْ تَعَرُّضٌ لَهَا بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ لَا فَكَذَلِكَ إِذَا قُلْتَ: هَذَا الْمُمْكِنُ لَيْسَ بِأَبْدَعَ وَهَا أَنْتُمْ قَدِ ادَّعَيْتُمْ فِي الْوُجُودِ أَنَّهُ لَيْسَ بِأَبْدَعَ مِمَّا وُجِدَ فَإِنْ كَانَ فِي قَوْلِ الْمُصَنِّفِ قَدْ تَعَرَّضَ لِلْقُدْرَةِ فَهُوَ فِي قَوْلِكُمْ أَيْضًا وَيَلْزَمُكُمْ مَا يَلْزَمُهُ، وَلَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ لَا فِي قَوْلِكُمْ وَلَا فِي قَوْلِهِ مَا يُنَافَى الْقُدْرَةَ أَصْلًا، وَإِنَّمَا النَّفْيُ مُنْصَبٌّ عَلَى وَصْفٍ مِنْ صِفَاتِ الْوُجُودِ أَوِ الْمُمْكِنِ لَا تَعَرُّضَ فِيهِ لِلْقُدْرَةِ أَصْلًا . وَمِنَ الْمُعْتَرِضِينَ مَنِ ادَّعَى أَنَّهُ لَيْسَ الْكَلَامُ فِي أَفْرَادِ مَا يُوجَدُ فِي هَذَا الْعَالَمِ بَلِ الْكَلَامُ إِنَّمَا هُوَ فِي إِمْكَانِ عَالَمٍ آخَرَ غَيْرَ هَذَا الْعَالَمِ وَهُوَ مَمْنُوعٌ، بَلِ الْكَلَامُ إِنَّمَا هُوَ فِي الْأَوَّلِ كَمَا هُوَ مَسَاقُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ تَعُمُّ كَلَامَ الْفَلَاسِفَةِ فِي الثَّانِي وَلَيْسَ هُوَ مُرَادَ الْمُصَنِّفِ، وَمِنْ هُنَا جَاءَ الْغَلَطُ عَلَيْهِ فَظَنُّوا لِاشْتِبَاهِ الْمُقَالَتَيْنِ أَنَّهُمَا تَوَارَدَا عَلَى مَحَلٍّ وَاحِدٍ وَلَيْسَ ذَلِكَ لَا مَحَلًّا وَلَا تَصْوِيرًا وَلَا حُكْمًا . وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ عَدَمِ ذِكْرِهِ فِي السُّؤَالِ الَّذِي تَكَلَّمَ عَلَيْهِ فِي الْإِمْلَاءِ كَلِمَةَ الْعَدْلِ وَاقْتِصَارُهُ عَلَى جُمْلَةِ الْجُودِ خَاصَّةً إِمَّا لِكَوْنِهِ أَبَانَ لَهُمْ عَنْ مُرَادِهِ بِهَا حَالَ التَّدْرِيسِ أَوْ عَرَّفَهُمْ ذَلِكَ لِكَوْنِهِمْ مِنْ أَهْلِ الْفِطْنَةِ الزَّائِدَةِ وَالْخِبْرَةِ بِمَقَاصِدِ الْمُصَنِّفِينَ وَالْمُنَاظِرِينَ فَاسْتَغْنَوْا عَنَ السُّؤَالِ عَنْهَا، وَإِنَّمَا أَوْرَدُوا عَلَيْهِ لُزُومَ مِثْلِ ذَلِكَ مِنْ قِبَلِ إِيجَادِ الْعَالَمِ فَقَطْ وَطَلَبُوا الْفَرْقَ، فَبَيَّنَ لَهُمْ فَرْقٌ مَا بَيْنَ الْحَالَيْنِ وَأَمَّا إِطْلَاقُ لَفْظِ الْبُخْلِ الْوَاقِعَةِ فِي حَيِّزِ الِامْتِنَاعِ فَإِنَّمَا أَرَادَ بِهَا الْمُصَنِّفُ الْمُبَالَغَةَ فِي تَقْرِيبِ الدَّلِيلِ إِلَى الْأَذْهَانِ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: لَا شَكَّ فِي أَنَّ الْبَارِيَ تَعَالَى جَوَادٌ لَا يَبْخَلُ وَهُوَ مُنَزَّهٌ عَنِ الْبُخْلِ، وَالْجَوَادُ لَا يَخُصُّ بِعَطَائِهِ أَحَدًا دُونَ أَحَدٍ إِلَّا لِحُكْمَةٍ. وَقَدْ قَتَّرَ عَلَى أُنَاسٍ كَمَا وَسَّعَ عَلَى آخَرِينَ، فَلَوْ لَمْ يَكُنْ تَقْتِيرُهُ عَلَى أُولَئِكَ لِحِكْمَةٍ وَأَنَّهُ هُوَ الْأَصْلَحُ فِي حَقِّهِمْ; لَكَانَ مُنَافِيًا لِلْجُودِ وَالْفَضْلِ وَهُوَ فِي حَقِّهِ تَعَالَى مُحَالُ تَنَزَّهَ عَمَّا يُنَافِي صِفَةَ الْجُودِ وَالْإِفْضَالِ، وَأَنْتَ إِذَا تَأَمَّلْتَ مَا قَالَهُ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ أَنَّ النُّكْتَةَ فِي الْعُدُولِ عَنْ فَاعِلٍ إِلَى فَعَّالٍ أَنَّ أَدْنَى الظُّلْمِ لَوْ فُرِضَ صُدُورُهُ مِنَ الْبَارِي تَعَالَى لَكَانَ عَظِيمًا بِالْإِضَافَةِ إِلَى جَنَابِهِ، كَمَا يُقَالُ: زَلَّةُ الْعَالِمِ كَبِيرَةٌ، وَجَاءَ النَّفْيُ بِحَسَبِ ذَلِكَ، وَتَأَمَّلْتُ قَوْلَ الْمُتَنَبِّي يُخَاطِبُ بَعْضَ الْكِرَامِ: مَا مِنْ إِذَا وَهَبَ الدُّنْيَا فَقَدْ بَخِلَا يُرِيدُ أَنَّ مَمْدُوحَهُ تَنَاهَى فِي الْكَرَمِ بِحَيْثُ لَوْ وَهَبَ جَمِيعَ مَا حَوَتْهُ الدُّنْيَا كَانَ بِالْإِضَافَةِ إِلَى مَا يَقْتَضِيهِ مَقَامُهُ بُخْلًا، انْحَلَّ عِنْدَكَ الْإِشْكَالُ فِي إِطْلَاقِ هَذِهِ اللَّفْظَةِ .

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية