الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
معلومات الكتاب

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين

مرتضى الزبيدي - محمد بن محمد الحسيني الزبيدي

جزء صفحة
إحياء علوم الدين وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْخَيْرَ وَالشَّرَّ مَقْضِيٌّ بِهِ، وَقَدْ كَانَ مَا قَضَى بِهِ وَاجِبَ الْحُصُولِ بَعْدَ سَبْقِ الْمَشِيئَةِ فَلَا رَادَّ لِحُكْمِهِ وَلَا مُعَقِّبَ لِقَضَائِهِ وَأَمْرِهِ بَلْ كُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ وَحُصُولُهُ بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ مُنْتَظَرٍ ، وَمَا أَصَابَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَكَ وَمَا أَخْطَأَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَكَ وَلْنَقْتَصِرْ عَلَى هَذِهِ المَرَامِزِ مِنْ عُلُومِ الْمُكَاشَفَةِ الَّتِي هِيَ أُصُولُ مَقَامِ التَّوَكُّلِ وَلْنَرْجِعْ إِلَى عِلْمِ الْمُعَامَلَةِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَحَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ . . إتحاف السادة المتقين (وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْخَيْرَ وَالشَّرَّ) كُلٌّ مِنْهُمَا (مَقْضِيٌّ بِهِ) وَمَرْضِيٌّ بِهِ فَالْخَيْرُ بِالذَّاتِ وَالشَّرُّ بِالْعَرَضِ، وَكُلٌّ بِقَدْرٍ وَقَدْ صَارَ مَا قُضِيَ بِهِ وَاجِبَ الْحُصُولِ بَعْدَ سَبْقِ الْمَشِيئَةِ فَلَا رَادَّ لِحُكْمِهِ وَلَا مُعَقِّبَ لِقَضَائِهِ . قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي الْمَقْصِدِ الْأَسْنَى: إِذَا كَانَ مَعْنَى الْحِكْمَةِ تُرَتُّبَ الْأَسْبَابِ وَتَوَجُّهَهَا إِلَى الْمُسَبِّبَاتِ كَانَ الْمُتَّصِفُ بِهَا عَلَى الْإِطْلَاقِ حَكِيمًا مُطْلَقًا; لِأَنَّهُ مُسَبِّبُ كُلِّ الْأَسْبَابِ جُمْلَتِهَا وَتَفْصِيلِهَا وَمِنَ الْحَكَمِ يَتَشَعَّبُ الْقَضَاءُ وَالْقَدَرُ، فَتَدْبِيرُهُ أَصْلُ وَضْعِ الْأَسْبَابِ لِتَتَوَجَّهَ إِلَى الْمُسَبِّبَاتِ هُوَ حُكْمُهُ وَإِيجَادُهُ لِلْأَسْبَابِ الْكُلِّيَّةِ الْأَصْلِيَّةِ الثَّابِتَةِ الْمُسْتَقِرَّةِ الَّتِي لَا تَحُولُ وَلَا تَزُولُ إِلَى وَقْتٍ مَعْلُومٍ كَالْأَرْضِ وَالسَّمَوَاتِ وَالْكَوَاكِبِ وَحَرَكَاتِهَا الْمُتَنَاسِبَةِ الدَّائِمَةِ الَّتِي لَا تَتَغَيَّرُ وَلَا تَنْعَدِمُ إِلَى أَنْ يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ، وَوَضْعُهُ إِيَّاهَا وَنَصْبُهُ لَهَا هُوَ قَضَاؤُهُ وَتَوْجِيهُ هَذِهِ الْأَسْبَابِ بِحَرَكَاتِهَا الْمُتَنَاسِبَةِ الْمَحْدُودَةِ الْمُقَدَّرَةِ الْمَحْسُوبَةِ إِلَى الْمُسَبِّبَاتِ الْحَادِثَةِ مِنْهَا لَحْظَةً بَعْدِ لَحْظَةٍ هُوَ قَدَرُهُ، فَالْحُكْمُ هُوَ التَّدْبِيرُ الْأَوَّلُ الْكُلِّيُّ، وَالْأَمْرُ الْأَزَلِيُّ هُوَ كَلَمْحِ الْبَصَرِ، وَالْقَضَاءُ هُوَ الْوَضْعُ الْكُلِّيُّ لِلْأَسْبَابِ الْكُلِّيَّةِ الدَّائِمَةِ، وَالْقَدَرُ هُوَ تَوْجِيهُ الْأَسْبَابِ الْكُلِّيَّةِ بِحَرَكَاتِهَا الْمَقْدُورَةِ الْمَحْسُوبَةِ إِلَى مُسَبِّبَاتِهَا الْمَعْدُودَةِ الْمَحْدُودَةِ بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ لَا يَزِيدُ وَلَا يَنْقُصُ . وَكَذَلِكَ لَا يَخْرُجُ شَيْءٌ عَنْ قَضَائِهِ وَقَدَرِهِ (بَلْ كُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ) مِنَ الْأَعْمَالِ (مُسْتَطَرٌ) أَيْ: سُطِّرَ فِي اللَّوْحِ رَوَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ قَتَادَةُ: أَيْ: مَحْفُوظٌ مَكْتُوبٌ، رَوَاهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ (وَحُصُولُهُ بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ مُنْتَظَرٍ، وَمَا أَصَابَكَ) مِنَ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ وَالنَّفْعِ وَالضُّرِّ (لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَكَ وَمَا أَخْطَأَكَ) مِنْهَا (لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَكَ) رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالطَّبَرَانِيُّ وَالْبَزَّارُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي الدَّرْدَاءِ: لِكُلِّ شَيْءٍ حَقِيقَةٌ وَمَا بَلَغَ عَبْدٌ حَقِيقَةَ الْإِيمَانِ حَتَّى يَعْلَمَ أَنَّ مَا أَصَابَهُ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَهُ وَمَا أَخْطَأَهُ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَهُ، وَرِجَالُ الطَّبَرَانِيِّ ثِقَاتٌ. فَالْعِلْمُ بِهَذِهِ الْأَشْيَاءِ وَطُمَأْنِينَةُ الْقَلْبِ بِهَا وَسَكِينَةُ الْعَقْلِ عِنْدَ وُرُودِهَا وَأَنْ لَا يَضْطَرِبَ بِالرَّأْيِ وَالْمَعْقُولِ وَلَا يُنَازِعُ بِالتَّشْبِيهِ وَالتَّمْثِيلِ هُوَ مِنْ فَرَائِضِ الْإِيمَانِ لَا يَصِحُّ إِيمَانُ عَبْدٍ حَتَّى يُسَلِّمَ ذَلِكَ كُلِّهِ . وَمِنْهُ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ: الْقَدَرُ نِظَامُ التَّوْحِيدِ فَمَنْ وَحَّدَ اللَّهَ وَكَذَّبَ بِالْقَدَرِ كَانَ تَكْذِيبُهُ بِالْقَدْرِ نَقْصًا فِي التَّوْحِيدِ، فَجَعَلَ الْإِيمَانَ بِالْأَقْدَارِ كُلِّهَا أَنَّهَا مِنَ اللَّهِ تَعَالَى مَشِيئَةً وَحُكْمًا بِمَنْزِلَةِ الْخَيْطِ الَّذِي يَنْتَظِمُ عَلَيْهِ الْحَبُّ، وَأَنَّ التَّوْحِيدَ مُنْتَظِمٌ فِيهِ، فَإِذَا انْقَطَعَ الْخَيْطُ سَقَطَ الْحَبُّ، قَالَ: كَذَلِكَ إِذَا كَذَّبَ بِالْقَدَرِ ذَهَبَ الْإِيمَانُ، فَالتَّوَكُّلُ فَرْضٌ وَفَضْلٌ فَفَرْضُهُ مَنُوطٌ بِالْإِيمَانِ وَهُوَ تَسْلِيمُ الْأَقْدَارِ كُلِّهَا عَلَيْهِ لِلْقَادِرِ وَاعْتِقَادُ أَنَّ جَمِيعَهَا قَضَاؤُهُ وَقَدْرُهُ، وَأَمَّا فَضْلُ التَّوَكُّلِ فَيَكُونُ عَنْ مُشَاهَدَةِ الْوَكِيلِ; لِأَنَّهُ فِي مَقَامِ الْمَعْرِفَةِ بِرُؤْيَةِ عَيْنِ الْيَقِينِ (وَلْنَقْتَصِرْ عَلَى هَذِهِ الْمَرَامِيزِ) أَيِ: الْإِشَارَاتِ (مِنْ عُلُومِ الْمُكَاشَفَةِ الَّتِي هِيَ أُصُولُ مَقَامِ التَّوَكُّلِ) وَعَلَيْهَا بِنَاؤُهُ وَمُسْتَقَرُّهُ (وَلْنَعُدْ إِلَى عِلْمِ الْمُعَامَلَةِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى) . وَلِسِيَاقِ الْمُصَنِّفِ هَذَا مِنْ أَوَّلِ قَوْلِهِ: وَلَا يَتِمُّ هَذَا إِلَّا بِالْإِيمَانِ وَالرَّحْمَةِ إِلَى هُنَا شَوَاهِدُ تَدُلُّ عَلَى صِحَّتِهِ، مِنْ أَقْوَاهَا وَأَقْرَبِهَا إِلَيْهِ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ نَفْسِهِ فِي كِتَابِهِ جَوَاهِرِ الْقُرْآنِ وَهَذَا نَصُّهُ: لَا يَكْفِي الْإِيمَانُ بِالتَّوْحِيدِ فِي إِثَارَةِ حَالَةِ التَّوَكُّلِ حَتَّى يَنْضَافَ إِلَيْهِ الْإِيمَانُ بِالرَّحْمَةِ وَالْجُودِ وَالْحِكْمَةِ إِذْ بِهِ يَحْصُلُ الثِّقَةُ بِالْوَكِيلِ الْحَقِّ، وَهُوَ أَنْ تَعْتَقِدَ جَزْمًا أَوْ يَنْكَشِفَ لَكَ بِالْبَصِيرَةِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَوْ خَلَقَ الْخَلَائِقَ كُلَّهُمْ عَلَى عَقْلِ أَعْقَلِهِمْ بَلْ عَلَى أَكْمَلِ مَا يُتَصَوَّرُ أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِ حَالُ الْعَقْلِ ثُمَّ زَادَهُمْ أَضْعَافَ ذَلِكَ عِلْمًا وَحِكْمَةً، ثُمَّ كَشَفَ لَهُمْ عَنْ عَوَاقِبِ الْأُمُورِ وَأَطْلَعَهُمْ عَلَى أَسْرَارِ الْمَلَكُوتِ وَلَطَائِفِ الْحِكْمَةِ وَدَقَائِقِ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ ثُمَّ أَمَرَهُمْ أَنْ يُدَبِّرُوا الْمُلْكَ وَالْمَلَكُوتَ لَمَا دَبَّرُوهُ بِأَحْسَنَ مِمَّا هُوَ عَلَيْهِ وَلَمْ يُمْكِنْهُمْ أَنْ يَزِيدُوا وَلَا يَنْقُصُوا مِنْهُ جَنَاحَ بَعُوضَةِ، وَلِمَ يَسْتَصْوِبُوا الْبَتَّةَ دَفْعَ مَرَضٍ وَعَيْبٍ وَنَقْصٍ وَفَقْرٍ وَضُرٍّ وَجَهْلٍ وَكُفْرٍ، وَلَا أَنْ يُغَيِّرُوا قِسْمَةَ اللَّهِ مِنْ رِزْقٍ وَأَجَلٍ وَقُدْرَةٍ وَعَجْزٍ وَطَاعَةٍ وَمَعْصِيَةٍ، بَلْ شَاهَدُوا جَمِيعَ ذَلِكَ عَدْلًا مَحْضًا لَا جَوْرَ فِيهِ وَحَقًّا صِرْفًا لَا نَقْصَ فِيهِ وَاسْتِقَامَةً تَامَّةً لَا قُصُورَ فِيهَا وَلَا تَفَاوُتَ، بَلْ كُلُّ مَا يَرَوْنَ نَقْصًا يَرْتَبِطُ بِهِ كَمَالٌ آخَرُ أَعْظَمُ وَلَمْ يَدَّخِرْ فِي إِصْلَاحِهِمْ أَمْرًا . وَهَذَا بَحْرٌ زَاخِرٌ فِي الْمَعْرِفَةِ يُحَرِّكُ أَمْوَاجَهُ سِرُّ الْقَدَرِ الَّذِي مُنِعَ مِنْ ذِكْرِهِ الْمُكَاشَفُونَ وَتَحَيَّرَ فِيهِ الْأَكْثَرُونَ، وَلَا يَعْقِلُهُ إِلَّا الْعَالِمُونَ، وَلَا يَدْرُونَ فِي تَأْوِيلِهِ إِلَّا الرَّاسِخُونَ. هَذَا نَصُّهُ بِحُرُوفِهِ . وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ مِنَ الْجَوَاهِرِ أَيْضًا: قَدْ أَنْكَرَ الرِّضَا جَمَاعَةٌ، وَقَالُوا لَا يُتَصَوَّرُ الرِّضَا بِمَا يُخَالِفُ الْهَوَى وَإِنَّمَا يُتَصَوَّرُ الصَّبْرُ فَقَطْ. وَالْجَوَابُ: أَنَّ الرِّضَا بِالْبَلَاءِ وَبِمَا يُخَالِفُ الطَّبْعَ يُتَصَوَّرُ مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يُدْهِشَهُ مُشَاهَدَةُ الْمَحَبَّةِ وَإِفْرَاطُهَا عَنِ الْإِحْسَاسِ بِالْأَلَمِ، وَالثَّانِي: أَنْ يُحِسَّ بِالْأَلَمِ وَيَكْرَهَهُ بِالطَّبْعِ وَلَكِنْ يَرْضَى بِهِ بِعَقْلِهِ وَإِيمَانِهِ لِمَعْرِفَتِهِ بِجَزَالَةِ الثَّوَابِ عَلَى الْبَلَاءِ كَمَا يَرْضَى بِأَلَمِ الْفَصْدِ وَشُرْبِ الدَّوَاءِ لِعِلْمِهِ بِأَنَّهُ سَبَبُ الشِّفَاءِ حَتَّى أَنَّهُ لَيَفْرَحُ بِمَنْ يُهْدِي إِلَيْهِ الدَّوَاءَ وَإِنْ كَانَ بَشِيعًا، وَكَذَلِكَ يَرْضَى التَّاجِرُ بِمَشَقَّةِ السَّفَرِ وَهُوَ خِلَافُ طَبْعِهِ وَهَذَا أَيْضًا مُشَاهَدٌ مِثْلُهُ فِي الْأَعْرَاضِ الدُّنْيَوِيَّةِ فَكَيْفَ يُنْكَرُ فِي السَّعَادَةِ الْأُخْرَوِيَّةِ . الثَّالِثُ: أَنْ يَعْتَقِدَ أَنَّ لِلَّهِ تَعَالَى تَحْتَ أَقْدَارِهِ أُعْجُوبَةً لَطِيفَةً مِنْ لَطَائِفِهِ، وَذَلِكَ يُخْرِجُ عَنْ قَلْبِهِ لِمَ وَكَيْفَ حَتَّى لَا يَتَعَجَّبَ مِمَّا جَرَى فِي الْعَالِمِ أَنَّ تَعَجُّبَهُ كَتَعَجُّبِ مُوسَى - عَلَيْهِ السَّلَامُ - مِنَ الْخَضِرِ عَنَ السِّرِّ الَّذِي اطَّلَعَ عَلَيْهِ سَقَطَ تَعَجُّبُهُ وَكَانَ تَعَجُّبُهُ بِنَاءً عَلَى مَا خَفِيَ عَنْهُ مِنْ تِلْكَ الْأَسْرَارِ، وَكَذَلِكَ أَفْعَالُ اللَّهِ تَعَالَى . ثُمَّ سَاقَ قِصَّتَيْنِ إِحْدَاهُمَا لِلرَّجُلِ الَّذِي كَانَ يَقُولُ فِي كُلِّ مَا يُصِيبُهُ، الْخَيْرَةُ فِيمَا قَدَّرَهُ اللَّهُ، وَالثَّانِيَةُ لِلْفَارِسِ الَّذِي نَسِيَ صُرَّةً فِيهَا أَلْفَ دِينَارٍ، وَلَوْلَا أَنَّهُ سَيَأْتِي سِيَاقُهَا فِي كِتَابِ الرِّضَا لَذَكَرْتُهُمَا، فَمَنْ أَيْقَنَ بِأَمْثَالِ هَذِهِ الْأَسْرَارِ وَلَمْ يَتَعَجَّبْ مِنْ أَفْعَالِ اللَّهِ تَعَالَى وَتَعَجَّبَ مِنْ جَهْلِ نَفْسِهِ وَلَمْ يَقُلْ: لِمَ؟ وَكَيْفَ؟ فَقَدْ رَضِيَ بِمَا دَبَّرَ اللَّهُ فِي مَلَكُوتِهِ . وَهَهُنَا وُجُوهٌ أَرْبَعَةٌ تَتَشَعَّبُ عَنْ مَحْضِ الْمَعْرِفَةِ بِكَمَالِ الْجُودِ وَالْحِكْمَةِ وَبِكَيْفِيَّةِ تَرْتِيبِ الْأَسْبَابِ الْمُتَوَجِّهَةِ إِلَى الْمُسَبِّبَاتِ وَمَعْرِفَةِ الْقَضَاءِ الْأَوَّلِ الَّذِي هُوَ كَلَمْحَةِ الْبَصَرِ، وَمَعْرِفَةِ الْقَدَرِ الَّذِي هُوَ سَبَبُ ظُهُورِ تَفَاصِيلِ الْقَضَاءِ فَإِنَّهَا رُتِّبَتْ عَلَى أَكْمَلِ الْوُجُوهِ وَأَحْسَنِهَا وَلَيْسَ فِي الْإِمْكَانِ أَحْسَنُ مِنْهَا وَأَكْمَلُ، وَلَوْ كَانَ وَادٍ خَرَّ لَكَانَ بُخْلًا لَا جُودًا وَعَجْزًا يُنَاقِضُ الْقُدْرَةَ وَيَنْطَوِي تَحْتَ ذَلِكَ سِرُّ الْقَدَرِ، وَكَمَا أَنَّ مَنْ عَرَفَ ذَلِكَ لَمْ يَنْطَوِ ضَمِيرُهُ إِلَّا عَلَى الرِّضَا، فَكَذَلِكَ كَلُّ مَا يَجْرِي مِنَ اللَّهِ تَعَالَى وَيَلِي هَذَيْنِ السِّيَاقَيْنِ مَا ذَكَرَهُ فِي كِتَابِهِ الْمُسَمَّى بِالْأَرْبَعِينَ فِي أُصُولِ الدِّينِ . قَالَ فِي الْأَصْلِ التَّاسِعِ مِنْ أُصُولِ الدِّينِ: الرِّضَا بِالْقَضَاءِ أَنَّ الْمُسَبِّبَاتِ رُتِّبَتْ عَلَى الْأَسْبَابِ عَلَى أَكْمَلِ الْوُجُوهِ وَأَحْسَنِهَا وَلَيْسَ فِي الْإِمْكَانِ أَحْسَنُ مِنْهَا وَأَكْمَلُ، وَلَوْ كَانَ لَكَانَ بُخْلًا لَا جُودًا أَوْ عَجْزًا يُنَاقِضُ الْقُدْرَةَ. وَيَلِي هَذِهِ السِّيَاقَاتِ الثَّلَاثَةَ مَا قَالَهُ الشَّيْخُ كَمَالُ الدِّينِ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ الشَّافِعِيُّ الصُّوفِيُّ فِي كِتَابِهِ "مَقَاصِدِ مُنْجِيَاتِ الْإِحْيَاءِ" وَهَذَا نَصُّهُ: بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ مَرَاتِبَ الْإِيمَانِ فَقَالَ: حِينَئِذٍ تَرْجِعُ أَيُّهَا النَّاظِرُ إِلَيْهِ وَيَعْتَمِدُ قَلْبُكَ عَلَيْهِ فَتَزْدَادُ نُورًا بِتَوَجُّهِكَ وَاعْتِمَادِكَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا فَيُشْرِقُ فِي قَلْبِكَ بِهِدَايَتِهِ مَا أَشْرَقَ فِي قُلُوبِ أَنْبِيَائِهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى حَاكِيًا عَنْ نَبِيِّهِ: إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ أَيْ: مُسْتَقِيمٍ فِي أَحْكَامِهِ وَأَقْضِيَتِهِ الَّتِي قَدَّرَهَا فِي أَزَلِهِ وَأَنَّهَا عَلَى أَتَمِّ أَنْوَاعِ الْكَمَالِ وَالْإِتْقَانِ، وَأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَوْ خَلَقَ الْخَلَائِقَ كُلَّهُمْ عَلَى عَقْلِ أَعْقَلِهِمْ وَعِلْمِ أَعْلَمِهِمْ وَأَعْطَاهُمْ مِنَ الْعِلْمِ وَالْحِكْمَةِ مَا تَحْتَمِلُهُ نُفُوسُهُمْ وَأَفَاضَ عَلَيْهِمْ مِنَ الْحِكْمَةِ مَا لَا مُنْتَهَى لِوَصْفِهَا ثُمَّ زَادَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ عَدَدَ جَمِيعِهِمْ عِلْمًا وَحِكْمَةً وَعَقْلًا ثُمَّ كَشَفَ لَهُمْ عَوَاقِبَ الْأُمُورِ وَأَطْلَعَهُمْ عَلَى سَائِرِ الْمَلَكُوتِ، وَعَرَّفَهُمْ دَقَائِقَ اللُّطْفِ وَخَفَايَا الْعُقُوبَاتِ حَتَّى اطَّلَعُوا بِهِ عَلَى الْخَيْرِ وَالشَّرِّ وَالنَّفْعِ وَالضُّرِّ . ثُمَّ أَمَرَهُمْ أَنْ يُدَبِّرُوا الْمُلْكَ وَالْمَلَكُوتَ بِمَا أُعْطُوا مِنَ الْعِلْمِ وَالْحِكْمَةِ وَالْعُلُومِ لِمَا اقْتَضَى تَدْبِيرُ جَمِيعِهِمْ مَعَ التَّعَاوُنِ وَالتَّظَاهُرِ عَلَيْهِ أَنْ يَزِيدُوا فِيمَا دَبَّرَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ الْخَلْقَ بِهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ وَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَى ذَلِكَ بَلْ كُلُّ مَا خَلَقَهُ اللَّهُ مِنَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنْ رَجَعَ فِيهِ الْبَصَرَ وَطَوَّلَ فِيهِ النَّظَرَ مَا يُرَى فِيهِ مِنْ تَفَاوُتٍ وَلَا فُطُورٍ، وَكُلُّ مَا قَسَّمَ اللَّهُ بَيْنَ عِبَادِهِ مِنْ رِزْقٍ وَأَجَلٍ وَسُرُورٍ وَحُزْنٍ وَقُدْرَةٍ وَعَجْزٍ وَإِيمَانٍ وَكُفْرٍ وَطَاعَةٍ وَمَعْصِيَةٍ فَكُلُّهُ عَدْلٌ مَحْضٌ وَحَقٌّ صِرْفٌ; لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يُخْلَقِ النَّاقِصُ لَمْ يُعْرَفِ الْكَامِلُ، وَلَوْلَا خَلْقُ الْبَهَائِمِ لَمَا ظَهَرَ شَرَفُ بَنِي آدَمَ . فَمُقْتَضَى الْحِكْمَةِ وَالْجُودِ خَلْقُ الْكَامِلِ وَالنَّاقِصِ جَمِيعًا وَالْقُدْرَةُ صَالِحَةٌ وَاسِعَةٌ لِغَيْرِ ذَلِكَ، فَلَوْ شَاءَ لَقَطَعَ الْأَسْبَابَ عَنِ الْمُسَبِّبَاتِ وَالْمُسَبِّبَاتِ عَنِ الْأَسْبَابِ وَلَأَوْجَدَ الْعَالَمَ عَلَى هَيْئَةٍ أُخْرَى، وَلَوْ شَاءَ لَخَلَقَ كُلَّهُمْ سُعَدَاءَ أَوْ كُلَّهُمْ أَشْقِيَاءَ، وَلَوْ شَاءَ لَخَلَقَ الْمُسْعَدَ مَشْقِيًّا وَالْمَشْقِيَّ مُسْعَدًا، إِلَّا أَنَّ الْإِرَادَةَ خَصَّصَتْ هَذَا التَّخْصِيصَ وَاللَّهُ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ . وَإِنَّمَا أَوْجَدَتِ الْخَلْقَ الْقُدْرَةُ فِعْلَ مَا خَصَّصَتْهُ الْإِرَادَةُ جَرَتِ الْمَقَادِيرُ فِي الْأَزَلِ وَاسْتَمَرَّتْ فِي الْأَبَدِ وَجَفَّتِ الْأَقْلَامُ بِمَا قُضِيَ عَلَى الْأَنَامِ، فَلَمْ يَتَقَدَّمْ أَحَدٌ مِنْهُمْ قَدْرَ أُنْمُلَةٍ، وَلَمْ يَتَأَخَّرْ إِلَّا بِمَقَادِيرَ سَابِقَةٍ وَكِتَابَةٍ لَاحِقَةٍ، وَلَوْ تَهَيَّأَتْ أَسْبَابُ السَّعَادَةِ كُلُّهَا لِلْأَشْقِيَاءِ لَمَا سَعِدُوا وَلَوْ تَهَيَّأَتْ أَسْبَابُ الشَّقَاوَةِ كُلُّهَا لِلسُّعَدَاءِ لَمَا شَقُوا، وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَرُدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ، بَلْ كُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ، وَحُصُولُهُ بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ مُنْتَظَرٍ وَمَا أَصَابَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَكَ وَمَا أَخْطَأَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَكَ. انْتَهَى . وَفِيهِ تَفْصِيلٌ لِمَا أَجْمَلَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ قِبَلِ صُلُوحِيَّةِ الْقَدَرِ وَسِعَتِهَا لِغَيْرِ مَا ذُكِرَ، وَتَأْوِيلٌ لِقَوْلِهِ الَّذِي أَسْقَطَهُ وَهُوَ لَيْسَ فِي الْإِمْكَانِ أَبْدَعُ مِمَّا أَبْرَزَهُ، وَهُوَ أَنَّ الْإِرَادَةَ خَصَّصَتْهُ هَذَا التَّخْصِيصَ وَسَيَأْتِي لِذَلِكَ مَزِيدٌ فِي بَيَانِ وُجُوهِ التَّأْوِيلِ، وَيَشْهَدُ لِهَذَا مَا قَالَهُ الْإِمَامُ أَبُو الْعَبَّاسِ الْإِقْلِيشِيُّ فِي كِتَابِ الْأَنْبَاءِ فِي شَرْحِ الصِّفَاتِ وَالْأَسْمَاءِ: وَأَمَّا تَأَخُّرُ الْعَالَمِ مَعَ تَمَامِ قُدْرَةِ الْقَادِرِ سُبْحَانَهُ فَمِنْهُ مَا هُوَ ضَرُورِيٌّ وَلَيْسَ بِجَعْلٍ جَاعِلٍ وَمِنْهُ مَا هُوَ اخْتِيَارِيٌّ، وَالضَّرُورِيُّ اسْتِحَالَةُ قَدِيمٍ غَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى فَوَجَبَ بِالضَّرُورَةِ أَنْ يَكُونَ الْعَالَمُ مُتَأَخِّرُ الْوُجُودِ عَنَ اللَّهِ تَعَالَى، وَأَمَّا الِاخْتِيَارِيُّ فَوُجُودُهُ فِي الْوَقْتِ الَّذِي وُجِدَ وَعَلَى الْهَيْئَةِ الَّتِي وُجِدَتْ، وَكَانَ فِي الْإِمْكَانِ أَنْ يُوجَدَ قَبْلَهُ وَبَعْدَهُ وَعَلَى هَيْئَةٍ أُخْرَى إِلَّا أَنَّ الْإِرَادَةَ خَصَّصَتْهُ هَذَا التَّخْصِيصَ، وَاللَّهُ تَعَالَى اخْتَارَ هَذَا التَّخْصِيصَ فَكَانَ فِعْلُهُ وَاقِعًا بِقُدْرَتِهِ وَإِرَادَتِهِ وَاخْتِيَارِهِ، وَلَيْسَ لِفَاعِلٍ سِوَاهُ اسْتِبْدَادٌ فِي إِيرَادِهِ وَإِصْدَارِهِ. انْتَهَى . فَهَذَا أَحَدُ وُجُوهِ أَبِدَعِيَّتِهِ إِذَا تَأَمَّلْتَ عِبَارَتَهُ، وَقَالَ الْمُصَنِّفُ فِي الْمَقْصِدِ الْأَسْنَى فِي شَرْحِ اسْمِهِ الْعَدْلِ: قَالَ مَعْنَاهُ الْعَادِلُ، وَهُوَ الَّذِي يَصْدُرُ مِنْهُ فِعْلُ الْعَدْلِ الْمُضَادِّ لِلظُّلْمِ وَالْجَوْرِ، وَلَنْ يُعْرَفَ الْعَادِلَ مَنْ لَمْ يَعْرِفْ عَدْلَهُ، وَلَا يَعْرِفْ عَدْلَهُ مَنْ لَمْ يَعْرِفْ فِعْلَهُ، فَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَفْهَمَ هَذَا الْوَصْفَ فَيَنْبَغِي أَنْ يُحِيطَ عِلْمًا بِأَفْعَالِ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ إِلَى مُنْتَهَى الثَّرَى حَتَّى إِذَا لَمْ يَرَ فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ ثُمَّ رَجَعَ فَمَا رَأَى مِنْ فُطُورٍ ثُمَّ رَجَعَ كَرَّةً أُخْرَى، فَانْقَلَبَ إِلَيْهِ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ، قَدْ بَهَرَهُ جَمَالُ الْحَضْرَةِ الرُّبُوبِيَّةِ وَحَيْرَةُ اعْتِدَالِهَا وَانْتِظَامِهَا، فَحِينَئِذٍ يُعَلَّقُ بِفَهْمِهِ شَيْءٌ مِنْ مَعَانِي عَدْلِ اللَّهِ . وَقَدْ خَلَقَ أَقْسَامَ الْمَوْجُودَاتِ جُسْمَانِيًّا وَرُوحَانِيًّا كَامِلَهَا وَنَاقِصَهَا وَأَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ وَهُوَ بِذَلِكَ جَوَادٌ، وَرَتَّبَهُ فِي مَوْضِعِهِ اللَّائِقِ بِهِ وَهُوَ بِذَلِكَ عَدْلٌ، فَمِنَ الْأَجْسَامِ الْعِظَامِ فِي الْعَالَمِ الْأَرْضُ وَالْمَاءُ وَالْهَوَاءُ وَالسَّمَوَاتُ وَالْكَوَاكِبُ وَقَدْ خَلَقَهَا وَرَتَّبَهَا فَوَضَعَ الْأَرْضَ فِي أَسْفَلَ وَجَعَلَ الْمَاءَ فَوْقَهَا وَالْهَوَاءَ فَوْقَ الْمَاءِ وَالسَّمَوَاتِ فَوْقَ الْهَوَاءِ وَلَوْ عَكَسَ التَّرْتِيبَ لَبَطَلَ النِّظَامُ، وَلَعَلَّ شَرْحَ وَجْهِ اسْتِحْقَاقِ هَذَا التَّرْتِيبِ فِي الْعَدْلِ وَالنِّظَامِ مِمَّا يَصْعُبُ عَلَى أَكْثَرِ الْأَفْهَامِ، فَلْنَنْزِلْ إِلَى دَرَجَةِ الْعَوَامِّ وَنَقُولُ: لِيَنْظُرَ الْإِنْسَانُ إِلَى بَدَنِهِ فَإِنَّهُ مُرَكَّبٌ مِنْ أَعْضَاءٍ مُخْتَلِفَةٍ كَمَا أَنَّ بَدَنَ الْعَالَمِ مُرَكَّبٌ مِنْ أَجْسَامٍ مُخْتَلِفَةٍ، فَأَوَّلُ اخْتِلَافِهِ أَنَّهُ مُرَكَّبٌ مِنَ الْعَظْمِ وَاللَّحْمِ وَالْجِلْدِ وَجُعِلَ الْعِظَامُ عِمَادًا وَاللَّحْمُ صُوَانًا لَهَا مُكْتَنِفًا لَهَا وَالْجِلْدُ صُوَانًا لِلَّحْمِ، وَلَوْ عُكِسَ هَذَا التَّرْتِيبُ وَأُظْهِرَ مَا بَطَنَ لَبَطَلَ النِّظَامُ وَإِنْ خَفِيَ عَلَيْكَ، وَقَدْ خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ أَعْضَاءٍ مُخْتَلِفَةٍ مِثْلِ الْيَدِ وَالرِّجْلِ وَالْعَيْنِ وَالْأَنْفِ وَالْأُذُنِ فَهُوَ بِخَلْقِ هَذِهِ الْأَعْضَاءِ جَوَادٌ وَبِوَضْعِهَا مَوَاضِعَهَا الْخَاصَّةَ عَدْلٌ; لِأَنَّهُ وَضَعَ الْعَيْنَ فِي أَوْلَى الْمَوَاضِعِ بِهَا مِنَ الْبَدَنِ إِذْ لَوْ خَلَقَهَا عَلَى الْقَفَا أَوْ عَلَى الرِّجْلِ أَوْ عَلَى الْيَدِ أَوْ عَلَى قِمَّةِ الرَّأْسِ لَمْ يَخْفَ مَا يَتَطَرَّقُ إِلَيْهَا مِنَ النُّقْصَانِ وَالتَّعَرُّضِ لِلْآفَةِ . وَكَذَلِكَ خَلَقَ الْيَدَيْنِ وَعَلَّقَهُمَا مِنَ الْمَنْكِبَيْنِ وَلَوْ عَلَّقَهُمَا مِنَ الرَّأْسِ أَوْ مِنَ الرُّكْبَتَيْنِ لَمْ يَخْفَ مَا يَتَوَلَّدُ مِنْهُ مِنَ الْخَلَلِ وَكَذَلِكَ وَضَعَ جَمِيعَ الْحَوَاسِّ عَلَى الرَّأْسِ فَإِنَّهَا جَوَاسِيسُ لِتَكُونَ مُشْرِفَةً عَلَى جَمِيعِ الْبَدَنِ وَلَوْ وَضَعَهَا عَلَى الرِّجْلِ اخْتَلَّ نِظَامُهَا قَطْعًا . وَشَرْحُ ذَلِكَ فِي كُلِّ عُضْوٍ يَطُولُ فَيَنْبَغِي أَنْ تَعْلَمَ أَنَّهُ لَمْ يَخْلُقْ شَيْئًا فِي مَوْضِعِهِ إِلَّا أَنَّهُ مُتَعَيَّنٌ لَهُ وَلَوْ تَيَامَنَ عَنْهُ أَوْ تَيَاسَرَ أَوْ تَسَفَّلَ أَوْ تَعَالَى لَكَانَ نَاقِصًا أَوْ بَاطِلًا أَوْ قَبِيحًا أَوْ خَارِجًا عَنَ التَّنَاسُبِ كَرِيهًا فِي الْمَنَاظِرِ، وَكَمَا أَنَّ الْأَنْفَ خُلِقَ عَلَى وَسَطِ الْوَجْهِ وَلَوْ خُلِقَ عَلَى الْجَبْهَةِ أَوْ عَلَى الْخَدِّ لَتَطَرَّقَ النُّقْصَانُ إِلَى فَوَائِدِهِ . وَرُبَّمَا يَقْوَى فَهْمُكَ عَلَى إِدْرَاكِ حِكْمَتِهِ فَاعْلَمْ أَنَّ الشَّمْسَ أَيْضًا لَمْ يَخْلُقْهَا فِي السَّمَاءِ الرَّابِعَةِ وَهِيَ فِي وَسَطِ السَّمَوَاتِ السَّبْعِ هَزْلًا بَلْ مَا خَلَقَهَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَا وَضَعَهَا إِلَّا مَوْضِعَهَا الْمُسْتَحَقَّ لَهَا لِحُصُولِ مَقَاصِدِهَا مِنْهَا، إِلَّا أَنَّكَ رُبَّمَا تَعْجِزُ عَنْ دَرْكِ الْحِكْمَةِ فِيهَا لِأَنَّكَ قَلِيلُ التَّفَكُّرِ فِي مَلَكُوتِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَجَائِبِهَا، وَلَوْ نَظَرْتَ فِيهَا لَرَأَيْتَ مِنْ عَجَائِبِهَا مَا تُسْتَحْقَرُ مَعَهُ عَجَائِبُ بَدَنِكَ كَيْفَ لَا؟ وَخَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ، وَلَيْتَكَ وَفَّيْتَ بِمَعْرِفَةِ عَجَائِبِ نَفْسِكَ فَتَفَرَّغَتْ لِلتَّأَمُّلِ فِيهَا وَفِيمَا يَكْتَنِفُهَا مِنَ الْأَجْسَامِ فَتَكُونُ مِمَّنْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِمْ سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ . وَمِنْ أَيْنَ لَكَ أَنْ تَكُونَ مِمَّنْ قَالَ فِيهِمْ: وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِنَّمَا تَفْتَحُ أَبْوَابَ السَّمَاءِ لِمَنْ لَمْ يَسْتَغْرِقْهُ هَمُّ الدُّنْيَا . ثُمَّ قَالَ فِي بَيَانِ حَظِّ الْعَبْدِ مِنْ هَذَا الِاسْمِ: وَيَكُونُ الْإِيمَانُ بِهِ قَطْعَ الْإِنْكَارِ وَالِاعْتِرَاضِ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا وَتَمَامُهُ أَنْ لَا يَنْسُبَ شَيْئًا إِلَى الدَّهْرِ وَلَا يَنْسُبَ شَيْئًا مِنَ الْأَشْيَاءِ إِلَى الْفَلَكِ وَلَا يَعْتَرِضُ عَلَيْهِ بِمَا أَجْرَى بِهِ الْعَادَةَ فَجَرَتْ مُسْتَمِرَّةٌ بِحُكْمِهِ وَتَقْدِيرِهِ إِلَى حِينِ يَطْوِيهَا وَيَنْقُضُهَا بَلْ يَعْلَمُ أَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ أَسْبَابٌ مُسَخَّرَةٌ وَأَنَّهَا رُتِّبَتْ وَوُجِّهَتْ إِلَى الْمُسَبِّبَاتِ أَحْسَنَ تَرْتِيبٍ وَتَوَجَّهَتْ بِأَقْصَى وَجْهٍ الْعَدْلِ . وَقَالَ فِي اسْمِهِ تَعَالَى اللَّطِيفِ: وَبِالْجُمْلَةِ فَهُوَ مِنْ حَيْثُ دَبَّرَ الْأُمُورَ حَكِيمٌ، وَمِنْ حَيْثُ أَوْجَدَهَا جَوَادٌ، وَمِنْ حَيْثُ رَتَّبَهَا مُصَوِّرٌ، وَمِنْ حَيْثُ وَضَعَ كُلَّ شَيْءٍ مَوْضِعَهُ عَادِلٌ، وَمِنْ حَيْثُ لَمْ يَتْرُكْ فِيهَا دَقَائِقَ الرِّفْقِ لَطِيفٌ، وَلَنْ يَعْرِفَ حَقِيقَةَ هَذِهِ الْأَسْمَاءِ مَنْ لَمْ يَعْرِفْ حَقِيقَةَ هَذِهِ الْأَفْعَالِ . وَقَالَ فِي اسْمِهِ تَعَالَى الْمُصَوِّرِ: وَأَمَّا اسْمُ الْمُصَوِّرِ فَهُوَ لَهُ مِنْ حَيْثُ رَتَّبَ صُوَرَ الْأَشْيَاءِ أَحْسَنَ تَرْتِيبٍ وَصَوَّرَهَا أَحْسَنَ تَصْوِيرٍ وَهَذَا مِنْ أَوْصَافِ الْفِعْلِ فَلَا يَعْلَمُ حَقِيقَتَهُ إِلَّا مَنْ يَعْلَمُ صُورَةَ الْعَالَمِ عَلَى الْجُمْلَةِ ثُمَّ عَلَى التَّفْصِيلِ، فَإِنَّ الْعَالَمَ كُلَّهُ فِي حُكْمِ شَخْصٍ وَاحِدٍ مُرَكَّبٌ مِنْ أَعْضَاءٍ مُتَعَاوِنَةٍ عَلَى غَرَضٍ مَطْلُوبٍ مِنْهُ وَإِنَّمَا أَعْضَاؤُهُ وَأَجْزَاؤُهُ السَّمَوَاتُ وَالْكَوَاكِبُ وَالْأَرْضُونَ وَمَا بَيْنَهُمَا مِنَ الْمَاءِ وَالْهَوَاءِ وَغَيْرِهِمَا، وَقَدْ رُتَّبَتْ أَجْزَاؤُهُ تَرْتِيبًا مُحْكَمًا لَوْ غُيِّرَ ذَلِكَ التَّرْتِيبُ لَبَطَلَ النِّظَامُ، فَخُصِّصَ بِجِهَةِ الْفَوْقِ مَا يَنْبَغِي أَنْ يَعْلُوَ وَبِجِهَةِ السُّفْلِ مَا يَنْبَغِي أَنْ يَسْفُلَ، وَكَمَا أَنَّ الْبَنَّاءَ يَضَعُ الْحِجَارَةَ أَسْفَلَ الْحِيطَانِ وَالْخَشَبَ فَوْقَهَا لَا بِالِاتِّفَاقِ بَلْ بِالْحِكْمَةِ وَالْقَصْدِ لِإِرَادَةِ الْأَحْكَامِ، وَلَوْ قَلَبَ ذَلِكَ فَوَضَعَ الْحِجَارَةَ فَوْقَ الْحِيطَانِ وَالْخَشَبَ فِي أَسْفَلِهَا لَانْهَدَمَ الْبِنَاءُ وَلَمْ تَثْبُتْ صُورَتُهُ أَصْلًا . وَكَذَلِكَ يَنْبَغِي أَنْ تَفْهَمَ السَّبَبَ فِي عُلُوِّ الْكَوَاكِبِ وَتَسَفُّلِ الْأَرْضِ وَالْمَاءِ وَسَائِرِ أَنْوَاعِ التَّرْتِيبِ فِي الْأَجْزَاءِ الْعِظَامِ مِنْ أَجْزَاءِ الْعَالَمِ وَلَوْ ذَهَبْنَا نِصْفَ أَجْزَاءِ الْعَالَمِ أَوْ تَخْصِيصَهَا ثُمَّ نَذْكُرُ الْحِكْمَةَ فِي تَرْتِيبِهَا لَطَالَ، وَالتَّصْوِيرُ مَوْجُودٌ فِي كُلِّ جُزْءٍ مِنْ أَجْزَاءِ الْعَالَمِ وَإِنْ صَغُرَ حَتَّى فِي النَّمْلَةِ وَالذَّرَّةِ بَلْ فِي كُلِّ عُضْوٍ مِنْ أَعْضَاءِ النَّمْلَةِ . بَلِ الْكَلَامُ يَطُولُ فِي شَرْحِ صُورَةِ الْعَيْنِ الَّتِي هِيَ أَصْغَرُ عُضْوٍ فِي الْحَيَوَانِ، وَمَنْ لَمْ يَعْرِفْ طَبَقَاتِ الْعَيْنِ وَعَدَدَهَا وَهَيْئَتَهَا وَشَكْلَهَا وَمَقَادِيرَهَا وَأَلْوَانَهَا وَوَجْهَ الْحُكْمِ فِيهَا، فَلَنْ يُعْرَفَ مُصَوِّرُهَا إِلَّا بِالرَّسْمِ الْمُجْمَلِ .

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية