الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
معلومات الكتاب

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين

مرتضى الزبيدي - محمد بن محمد الحسيني الزبيدي

جزء صفحة
إحياء علوم الدين وَالثَّالِثُ هُوَ عَالَمُ الْجَبَرُوتِ وَهُوَ بَيْنَ عَالَمِ الْمُلْكِ وَعَالَمِ الْمَلَكُوتِ وَلَقَدْ قُطِعَتْ مِنْهَا ثَلَاثُ مَنَازِلَ فِي أَوَائِلِهَا مَنْزِلَةُ الْقُدْرَةِ وَالْإِرَادَةِ وَالْعِلْمِ وَهُوَ وَاسِطَةٌ بَيْنَ عَالَمِ الْمُلْكِ وَالشَّهَادَةِ وَالْمَلَكُوتِ لِأَنَّ عَالَمَ الْمُلْكِ أَسْهَلُ مِنْهُ طَرِيقًا وَعَالَمُ الْمَلَكُوتِ أَوْعَرُ مِنْهُ مَنْهَجًا وَإِنَّمَا عَالَمُ الْجَبَرُوتِ بَيْنَ عَالَمِ الْمُلْكِ وَعَالَمِ الْمَلَكُوتِ يُشْبِهُ السَّفِينَةَ الَّتِي هِيَ فِي الْحَرَكَةِ بَيْنَ الْأَرْضِ وَالْمَاءِ فَلَا هِيَ فِي حَدِّ اضْطِرَابِ الْمَاءِ وَلَا هِيَ فِي حَدِّ سُكُونِ الْأَرْضِ وَثَبَاتِهَا وَكُلُّ مَنْ يَمْشِي عَلَى الْأَرْضِ يَمْشِي فِي عَالَمِ الْمُلْكِ وَالشَّهَادَةِ ، فَإِنْ جَاوَزَتْ قُوَّتُهُ إِلَى أَنْ يَقْوَى عَلَى رُكُوبِ السَّفِينَةِ كَانَ كَمَنْ يَمْشِي فِي عَالَمِ الْجَبَرُوتِ فَإِنِ انْتَهَى إِلَى أَنْ يَمْشِيَ عَلَى الْمَاءِ مِنْ غَيْرِ سَفِينَةٍ مَشَى فِي عَالَمِ الْمَلَكُوتِ مِنْ غَيْرِ تَتَعْتُعٍ فَإِنْ كُنْتَ لَا تَقْدِرُ عَلَى الْمَشْيِ عَلَى الْمَاءِ فَانْصَرِفْ فَقَدْ جَاوَزْتَ الْأَرْضَ وَخَلَّفْتَ السَّفِينَةَ وَلَمْ يَبْقَ بَيْنَ يَدَيْكَ إِلَّا الْمَاءُ الصَّافِي وَأَوَّلُ عَالَمِ الْمَلَكُوتِ مُشَاهَدَةُ الْقَلَمِ الَّذِي يُكْتَبُ بِهِ الْعِلْمُ فِي لَوْحِ الْقَلْبِ وَحُصُولُ الْيَقِينِ الَّذِي يَمْشِي بِهِ عَلَى الْمَاءِ ، أَمَا سَمِعْتَ قَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ : صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : فِي عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ : لَوِ ازْدَادَ يَقِينًا لَمَشَى عَلَى الْهَوَاءِ ، لَمَّا قِيلَ لَهُ إِنَّهُ كَانَ يَمْشِي عَلَى الْمَاءِ فَقَالَ السَّالِكُ السَّائِلُ قَدْ تَحَيَّرْتُ فِي أَمْرِي وَاسْتَشْعَرَ قَلْبِي خَوْفًا مِمَّا وَصَفَتَهُ مَنْ خَطَرِ الطَّرِيقِ وَلَسْتُ أَدْرِي أُطِيقُ قَطْعَ هَذِهِ الْمَهَامِهِ الَّتِي وَصَفْتَهَا أَمْ لَا ؟ فَهَلْ لِذَلِكَ مِنْ عَلَامَةٍ قَالَ ؟ : نَعَمِ ، افْتَحْ بَصَرَكَ وَاجْمَعْ ضَوْءَ عَيْنَيْكَ وَحَدِّقْهُ نَحْوِي فَإِنْ ظَهَرَ لَكَ الْقَلَمُ الَّذِي بِهِ أَكْتُبُ فِي لَوْحِ الْقَلْبِ فَيُشْبِهُ أَنْ تَكُونَ أَهْلًا لِهَذَا الطَّرِيقِ ، فَإِنَّ كُلَّ مَنْ جَاوَزَ عَالَمَ الْجَبَرُوتِ وَقَرَعَ بَابًا مِنْ أَبْوَابِ الْمَلَكُوتِ كُوشِفَ بِالْقَلَمِ أَمَا تَرَى أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : فِي أَوَّلِ أَمْرِهِ كُوشِفَ بِالْقَلَمِ إِذْ أُنْزِلَ عَلَيْهِ : اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ فَقَالَ السَّالِكُ لَقَدْ فَتَحْتُ بَصَرِي وَحَدَّقْتُهُ فَوَاللَّهِ مَا أَرَى قَصَبًا وَلَا خَشَبًا وَلَا أَعْلَمُ قَلَمًا إِلَّا كَذَلِكَ ، فَقَالَ الْعِلْمُ : لَقَدْ أَبْعَدْتَ النُّجْعَةَ أَمَا سَمِعْتَ أَنَّ مَتَاعَ الْبَيْتِ يُشْبِهُ رَبَّ الْبَيْتِ ، أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا تُشْبِهُ ذَاتُهُ سَائِرَ الذَّوَاتِ فَكَذَلِكَ لَا تُشْبِهُ يَدُهُ الْأَيْدِيَ وَلَا قَلَمُهُ الْأَقْلَامَ وَلَا كَلَامُهُ سَائِرَ الْكَلَامِ وَلَا خَطُّهُ سَائِرَ الْخُطُوطِ ؟ وَهَذِهِ أُمُورٌ إِلَهِيَّةٌ مِنْ عَالَمِ الْمَلَكُوتِ فَلَيْسَ اللَّهُ تَعَالَى فِي ذَاتِهِ بِجِسْمٍ وَلَا هُوَ فِي مَكَانٍ بِخِلَافِ غَيْرِهِ وَلَا يَدُهُ لَحْمٌ وَعَظْمٌ وَدَمٌ بِخِلَافِ الْأَيْدِي وَلَا قَلَمُهُ مِنْ قَصَبٍ وَلَا لَوْحُهُ مِنْ خَشَبٍ وَلَا كَلَامُهُ بِصَوْتٍ وَحَرْفٌ وَلَا خَطُّهُ رَقْمٌ وَرَسْمٌ وَلَا حِبْرُهُ زَاجٌّ وَعَفْصٌ ، فَإِنْ كُنْتَ لَا تُشَاهِدُ هَذَا هَكَذَا فَمَا أَرَاكَ إِلَّا مُخَنَّثًا بَيْنَ فُحُولَةِ التَّنْزِيهِ وَأُنُوثَةِ التَّشْبِيهِ مُذَبْذَبًا بَيْنَ هَذَا وَذَا لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ فَكَيْفَ نَزَّهْتَ ذَاتَهُ وَصِفَاتِهِ تَعَالَى عَنِ الْأَجْسَامِ وَصِفَاتِهَا وَنَزَّهْتَ كَلَامَهُ عَنْ مَعَانِي الْحُرُوفِ وَالْأَصْوَاتِ وَأَخَذْتَ تَتَوَقَّفُ فِي يَدِهِ وَقَلَمِهِ وَلَوْحِهِ وَخَطِّهِ ، فَإِنْ كُنْتَ قَدْ فَهِمْتَ مِنْ قَوْلِهِ : صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ الصُّورَةُ الظَّاهِرَةُ الْمُدْرَكَةُ بِالْبَصَرِ فَكُنْ مُشَبِّهًا مُطْلَقًا كَمَا يُقَالُ كُنْ يَهُودِيًّا صِرْفًا وَإِلَّا فَلَا تَلْعَبْ بِالتَّوْرَاةِ ، وَإِنْ فَهِمْتَ مِنْهُ الصُّورَةَ الْبَاطِنَةَ الَّتِي تُدْرَكُ بِالْبَصَائِرِ لَا بِالْأَبْصَارِ فَكُنْ مُنَزِّهًا صِرْفًا وَمُقَدِّسًا فَحْلًا . إتحاف السادة المتقين (وَالثَّالِثُ عَالَمُ الْجَبَرُوتِ وَهُوَ بَيْنَ عَالَمِ الْمُلْكِ وَالْمَلَكُوتِ) وَهُوَ الْبَرْزَخُ الْمُحِيطُ بِالْآيَاتِ الْحَيَّةِ، هَذَا هُوَ قَوْلُ الْأَكْثَرِينَ وَعِنْدَ أَبِي طَالِبٍ الْمَكِّيِّ عَالَمُ الْجَبَرُوتِ عَالَمُ الْعَظَمَةِ أَيْ: عَالَمُ الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ الْإِلَهِيَّةِ وَيَقْرُبُ مِنْهُ قَوْلُ مَنْ قَالَ الْجَبَرُوتُ هُوَ حَضْرَةُ الْأَسْمَاءِ كَمَا أَنَّ الْمَلَكُوتَ حَضْرَةُ الصِّفَاتِ مِنْ حَيْثُ كَوْنِهَا وَسَائِطَ التَّصَرُّفِ بَيْنَ الْأَسْمَاءِ وَالْأَفْعَالِ كَاللُّطْفِ وَالْقَهْرِ الْمُتَوَسِّطَيْنِ بَيْنَ اللَّطِيفِ وَالْمَلْطُوفِ وَالْقَهَّارِ وَالْمَقْهُورِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: عَالَمُ الْمُلْكِ هُوَ الظَّاهِرُ الْمَحْسُوسُ، وَعَالَمُ الْمَلَكُوتِ هُوَ الْبَاطِنُ فِي الْعُقُولِ وَعَالَمُ الْجَبَرُوتِ هُوَ الْمُتَوَسِّطُ بَيْنَهُمَا الْآخِذُ بِطَرَفِ كُلٍّ مِنْهُمَا، وَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى أَنَّ عَالَمَ الْمُلْكِ هُوَ الْمُدْرَكُ بِالْعُقُولِ وَعَالَمَ الْجَبَرُوتِ هُوَ الْمُدْرَكُ بِالْمَوَاهِبِ . وَقَالَ بَعْضُهُمْ: كُلُّ عَالَمٍ اتَّفَقَ أَهْلُهُ عَلَى كَلِمَةِ حَقٍّ فَهُوَ عَالَمُ الْمُلْكِ وَلَيْسَ ذَلِكَ إِلَّا الْعَالَمَ الْعُلْوِيَّ وَعَالَمَ الْمَلَكُوتِ وَبِاعْتِبَارِ أَنْوَارِ أَهْلِهِ وَتَبَايُنِ مَقَامَاتِهِمْ وَأَحْوَالِهِمْ وَعَالِمُ الْجَبَرُوتِ بِاعْتِبَارِ الْأَنْوَارِ الَّتِي تَهُبُّ عَلَيْهِمْ لِتَقِيَ بِهَا ذَوَاتِهِمْ وَأَرْوَاحَهُمْ وَمَعَارِفَهُمْ وَتَدُومَ بِهَا مَقَامَاتُهُمْ فَتِلْكَ الْأَنْوَارُ كَالْحَافِظَةِ لِجَمِيعِ مَا سَبَقَ مِنْ أَحْوَالِهِمْ، وَقَالَ الْقَاشَانِيُّ: عَالَمُ الْأَمْرِ وَعَالَمُ الْمَلَكُوتِ وَعَالَمُ الْغَيْبِ هُوَ عَالَمُ الْأَرْوَاحِ وَالرُّوحَانِيَّاتِ لِأَنَّهَا وُجِدَتْ بِأَمْرِ الْحَقِّ بِلَا وَاسِطَةِ مَادَّةٍ وَمُدَّةٍ . (وَلَقَدْ قُطِعَتْ مِنْهَا ثَلَاثُ مَنَازِلَ إِذْ فِي أَوَائِلِهَا مَنْزِلُ الْقُدْرَةِ وَالْإِرَادَةِ وَالْعِلْمِ وَهُوَ وَاسِطَةٌ بَيْنَ عَالَمِ الْمُلْكِ وَالْمَلَكُوتِ) آخِذٌ بِطَرَفِ كُلٍّ مِنْهُمَا; (لِأَنَّ عَالَمَ الْمُلْكِ أَسْهَلُ مِنْهُ) أَيْ: مِنْ عَالَمِ الْجَبَرُوتِ (طَرِيقًا) لِتَعَلُّقِهِ بِالظَّاهِرِ الْمَحْسُوسِ (وَعَالَمُ الْمَلَكُوتِ أَوْعَرُ مِنْهُ) أَيْ: مِنْ عَالَمِ الْجَبَرُوتِ (مَنْهَجًا) أَيْ: مَسْلَكًا (وَإِنَّمَا عَالَمُ الْجَبَرُوتِ بَيْنَ عَالَمِ الْمُلْكِ وَالْمَلَكُوتِ يُشْبِهُ السَّفِينَةَ الَّتِي هِيَ فِي الْحَرَكَةِ بَيْنَ الْأَرْضِ وَالْمَاءِ فَلَا هُوَ فِي حَدِّ اضْطِرَابِ الْمَاءِ) وَتَلَاعُبِهِ (وَلَا هُوَ فِي حَدِّ سُكُونِ الْأَرْضِ وَثَبَاتِهَا وَكُلُّ مَنْ يَمْشِي عَلَى الْأَرْضِ يَمْشِي فِي عَالَمِ الْمُلْكِ وَالشَّهَادَةِ، فَإِنْ جَاوَزَتْ قُوَّتُهُ إِلَى أَنْ يَقْوَى عَلَى رُكُوبِ السَّفِينَةِ كَانَ كَمَنْ يَمْشِي فِي عَالَمِ الْجَبَرُوتِ فَإِنِ انْتَهَى إِلَى أَنْ يَمْشِيَ عَلَى الْمَاءِ مِنْ غَيْرِ سَفِينَةٍ مَشَى فِي عَالَمِ الْمَلَكُوتِ مِنْ غَيْرِ تَتَعْتُعٍ) أَيِ: اضْطِرَابٍ (فَإِنْ كُنْتَ لَا تَقْدِرُ عَلَى الْمَشْيِ عَلَى الْمَاءِ فَانْصَرِفْ فَقَدْ جَاوَزْتَ الْأَرْضَ وَخَلَّفْتَ السَّفِينَةَ وَلَمْ يَبْقَ بَيْنَ يَدَيْكَ إِلَّا الْمَاءُ الصَّافِي) مِنْ مُلَابَسَةِ كُدُورَاتِ الْأَرْضِ وَهَكَذَا شَأْنُ مِيَاهِ الْقُدْرَةِ فَإِنَّهَا صَافِيَةٌ أَبَدًا . (وَأَوَّلُ عَالَمِ الْمَلَكُوتِ مُشَاهَدَةُ الْقَلَمِ الَّذِي يُكْتَبُ بِهِ الْعِلْمُ فِي لَوْحِ الْقَلْبِ وَحُصُولُ الْيَقِينِ الَّذِي يَمْشِي بِهِ عَلَى الْمَاءِ، أَمَا سَمِعْتَ قَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي عِيسَى - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لَوِ ازْدَادَ يَقِينًا لَمَشَى عَلَى الْهَوَاءِ، لَمَّا قِيلَ لَهُ إِنَّهُ كَانَ يَمْشِي عَلَى الْمَاءِ) وَرَوَى ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا وَابْنُ عَسَاكِرَ عَنْ فُضَيْلِ بْنِ عِيَاضٍ قَالَ: قِيلَ لِعِيسَى - عَلَيْهِ السَّلَامُ - : بِأَيِّ شَيْءٍ تَمْشِي عَلَى الْمَاءِ؟ قَالَ: بِالْإِيمَانِ وَالْيَقِينِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي آخِرِ كِتَابِ الصَّبْرِ وَالشُّكْرِ أَنَّ الْمَحْفُوظَ: لَوِ ازْدَادَ أَحَدُكُمْ يَقِينًا لَمَشَى عَلَى الْهَوَاءِ . (فَقَالَ السَّالِكُ السَّائِلُ قَدْ تَحَيَّرْتُ فِي أَمْرِي وَاسْتَشْعَرَ قَلْبِي خَوْفًا مِمَّا) وَفِي نُسْخَةٍ بِمَا (وَصَفَتَهُ مَنْ خَطَرِ الطَّرِيقِ وَلَسْتُ أَدْرِي أُطِيقُ قَطْعَ هَذِهِ الْمَهَامِهِ الَّتِي وَصَفْتَهَا أَمْ لَا؟ فَهَلْ لِذَلِكَ مِنْ عَلَامَةٍ؟) أَسْتَدِلُّ بِهَا عَلَى سُلُوكِ هَذَا الطَّرِيقِ؟ (قَالَ: نَعَمِ، افْتَحْ بَصَرَكَ وَاجْمَعْ ضَوْءَ عَيْنَيْكَ وَحَدِّقْهُ نَحْوِي) أَيِ: اصْرِفْهُ عَلَيَّ . (فَإِنْ ظَهَرَ لَكَ الْقَلَمُ الَّذِي بِهِ انْكَتَبْتُ فِي لَوْحِ الْقَلْبِ فَيُشْبِهُ أَنْ تَكُونَ أَهْلًا لِهَذَا الطَّرِيقِ، فَإِنَّ كُلَّ مَنْ جَاوَزَ عَالَمَ الْجَبَرُوتِ وَقَرَعَ أَوَّلَ بَابٍ مِنْ أَبْوَابِ الْمَلَكُوتِ كُوشِفَ بِالْقَلَمِ أَمَا تَرَى الرَّسُولَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي أَوَّلِ أَمْرِهِ كُوشِفَ بِالْقَلَمِ إِذْ أُنْزِلَ عَلَيْهِ: اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ ) وَهُوَ أَوَّلُ مَا نَزَلَ مِنَ الْقُرْآنِ بِمَكَّةَ كَمَا رَوَاهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَالْحَاكِمُ عَنْ أَبِي مُوسَى وَالْبَيْهَقِيُّ عَنْ عَائِشَةَ وَقَالَ مُجَاهِدٌ أَوَّلُ مَا نَزَلَ مِنَ الْقُرْآنِ "اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ" ثُمَّ "ن وَالْقَلَمِ" كَمَا رَوَاهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وَابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ مِثْلَهُ . (فَقَالَ السَّالِكُ قَدْ فَتَحْتُ بَصَرِي وَحَدَّقْتُهُ فَوَاللَّهِ مَا أَرَى قَصَبًا وَلَا خَشَبًا وَلَا أَعْلَمُ قَلَمًا إِلَّا كَذَلِكَ، فَقَالَ الْعِلْمُ: لَقَدْ أَبْعَدْتَ النُّجْعَةَ) يُقَالُ نَجَعَ الْقَوْمُ وَانْتَجَعُوا إِذْ ذَهَبُوا لِطَلَبِ الْكَلَأِ فِي مَوْضِعِهِ، ثُمَّ كَثُرَ اسْتِعْمَالُهُ فِي كُلِّ طَلَبٍ وَالِاسْمُ النُّجْعَةُ بِالضَّمِّ (أَمَا سَمِعْتَ أَنَّ مَتَاعَ الْبَيْتِ يُشْبِهُ رَبَّ الْبَيْتِ، أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا تُشْبِهُ ذَاتُهُ سَائِرَ الذَّوَاتِ وَكَذَلِكَ لَا تُشْبِهُ يَدُهُ الْأَيْدِيَ وَلَا قَلَمُهُ الْأَقْلَامَ وَلَا كَلَامُهُ سَائِرَ الْكَلَامِ وَلَا خَطُّهُ سَائِرَ الْخُطُوطِ؟ وَهَذِهِ أُمُورٌ إِلَهِيَّةٌ مِنْ عَالَمِ الْمَلَكُوتِ فَلَيْسَ اللَّهُ تَعَالَى فِي ذَاتِهِ بِجِسْمٍ وَلَا هُوَ فِي مَكَانٍ) تَعَالَى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ (بِخِلَافِ غَيْرِهِ وَلَا يَدُهُ لَحْمٌ وَلَا عَظْمٌ وَدَمٌ بِخِلَافِ الْأَيْدِي وَلَا قَلَمُهُ مِنْ قَصَبٍ وَلَا لَوْحُهُ مِنْ خَشَبٍ وَلَا كَلَامُهُ صَوْتٌ وَحَرْفٌ وَلَا خَطُّهُ رَقْمٌ وَرَسْمٌ وَلَا حِبْرُهُ زَاجٌّ وَعَفْصٌ، فَإِنْ كُنْتَ لَا تُشَاهِدُ هَذَا هَكَذَا فَمَا أَرَاكَ إِلَّا مُخَنَّثًا) وَفِي نُسْخَةٍ مُتَحَيِّرًا (بَيْنَ فُحُولَةِ التَّنْزِيهِ وَأُنُوثَةِ التَّشْبِيهِ مُذَبْذَبًا بَيْنَ هَذَا وَذَا لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ فَكَيْفَ نَزَّهْتَ ذَاتَهُ وَصِفَاتِهِ عَنِ الْأَجْسَامِ وَصِفَاتِهَا وَنَزَّهْتَ كَلَامَهُ عَنْ مَبَانِي الْحُرُوفِ وَالْأَصْوَاتِ وَأَخَذْتَ تَتَوَقَّفُ فِي يَدِهِ وَقَلَمِهِ وَلَوْحِهِ وَخَطِّهِ، فَإِنْ قَدْ فَهِمْتَ مِنْ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِنَّ اللَّهَ قَدْ خَلَقَ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ) رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالشَّيْخَانِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ: خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ وَطُولُهُ سِتُّونَ ذِرَاعًا، ثُمَّ قَالَ: اذْهَبْ فَسَلِّمْ عَلَى أُولَئِكَ النَّفَرِ. الْحَدِيثَ، وَفِي آخِرِهِ: فَكُلُّ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ عَلَى صُورَةِ آدَمَ فِي طُولِهِ سِتُّونَ ذِرَاعًا فَلَمْ يَزَلِ الْخَلْقُ يَنْقُصُ بَعْدُ حَتَّى الْآنَ. وَهُوَ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ وَحْدَهُ فِي كِتَابِ الِاسْتِئْذَانِ بِلَفْظِ الْمُصَنِّفِ، وَعِنْدَ مُسْلِمٍ وَحْدَهُ: إِذَا قَاتَلَ أَحَدُكُمْ فَلْيَتَجَنَّبِ الْوَجْهَ فَإِنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ، وَعِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ عَلَى صُورَةِ وَجْهِهِ وَعِنْدَ الدَّارَقُطْنِيِّ فَإِنَّ وَجْهَ الْإِنْسَانِ عَلَى صُورَةِ الرَّحْمَنِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي قَوَاعِدِ الْعَقَائِدِ . (الصُّورَةُ الظَّاهِرَةُ الْمُدْرَكَةُ بِالْبَصَرِ فَكُنْ مُشَبِّهًا مُطْلَقًا) فَقَدْ أَثْبَتَّ لَهُ مَا هُوَ مِنْ أَوْصَافِ الْأَجْسَامِ (كَمَا يُقَالُ) فِي الْأَقْوَالِ السَّائِرَةِ (كُنْ يَهُودِيًّا صِرْفًا) أَيْ: خَالِصًا (وَإِلَّا فَلَا تَلْعَبْ بِالتَّوْرَاةِ، وَإِنْ فَهِمْتَ مِنْهُ الصُّورَةَ الْبَاطِنَةَ الَّتِي تُدْرَكُ بِالْبَصِيرَةِ لَا بِالْأَبْصَارِ فَكُنْ مُنَزِّهًا صِرْفًا وَمُقَدِّسًا فَحْلًا) فَالتَّنْزِيهُ مِنْ أَوْصَافِ الْفُحُولِيَّةِ وَالتَّشْبِيهُ مِنْ أَوْصَافِ الْأُنُوثِيَّةِ، وَعَلَى هَذَا فَالْمُنَزِّهُ فَحْلٌ وَالْمُشَبِّهُ مُؤَنَّثٌ، وَهَذَا الَّذِي سَاقَهُ الْمُصَنِّفُ هُوَ عَلَى ظَوَاهِرِ قَوَاعِدِ الشَّرِيعَةِ وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْمُتَكَلِّمِينَ، وَالْمَنْصُوصُ عِنْدَ أَرْبَابِ الْعِرْفَانِ هُوَ الْجَمْعُ بَيْنَ التَّنْزِيهِ وَالتَّشْبِيهِ وَقَدْ أَشَارَ إِلَى ذَلِكَ الشَّيْخُ الْأَكْبَرُ قُدِّسَ سِرُّهُ فِي مَوَاضِعَ مِنْ كِتَابِهِ الْفُصُوصِ، وَقَدْ طَعَنَ عَلَيْهِ عُلَمَاءُ الرُّسُومِ طَعْنًا كُلِّيًّا، وَمَنْشَؤُهُ عَدَمُ الْفَهْمِ وَنَحْنُ نَسُوقُ كَلَامَهُ . قَالَ فِي فَصِّ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - : اعْلَمْ أَنَّ التَّنْزِيهَ عِنْدَ أَهْلِ الْحَقَائِقِ فِي الْجَنَابِ الْإِلَهِيِّ عَيْنُ التَّحْدِيدِ وَالتَّقْيِيدِ، فَالْمُنَزِّهُ إِمَّا جَاهِلٌ وَإِمَّا صَاحِبُ سُوءِ أَدَبٍ وَلَكِنْ إِذَا أَطْلَقَاهُ وَقَالَا بِهِ فَالْقَائِلُ بِالشَّرَائِعِ الْمُؤْمِنُ إِذَا نَزَّهَهُ وَوَقَفَ عِنْدَ التَّنْزِيهِ وَلَمْ يَرَ غَيْرَ ذَلِكَ فَقَدْ أَسَاءَ الْأَدَبَ وَأَكْذَبَ الْحَقَّ وَالرُّسُلَ - عَلَيْهِمُ السَّلَامُ - وَهُوَ لَا يَشْعُرُ، وَيَتَخَيَّلُ أَنَّهُ فِي الْحَاصِلِ وَهُوَ فِي الْفَائِتِ، وَهُوَ كَمَنْ آمَنَ بِبَعْضٍ وَكَفَرَ بِبَعْضٍ، وَلَا سِيَّمَا وَقَدْ عَلِمَ أَنَّ أَلْسِنَةَ الشَّرَائِعِ الْإِلَهِيَّةِ إِذَا نَطَقَتْ فِي الْحَقِّ بِمَا نَطَقَتْ بِهِ إِنَّمَا جَاءَتْ بِهِ فِي الْعُمُومِ عَلَى الْمَفْهُومِ الْأَوَّلِ وَعَلَى الْخُصُوصِ عَلَى كُلِّ مَفْهُومٍ يُفْهَمُ مِنْ وُجُوهِ ذَلِكَ اللَّفْظِ بِأَيِّ لِسَانٍ كَانَ فِي وَضْعِ ذَلِكَ اللِّسَانِ، فَإِنَّ لِلْحَقِّ فِي كُلِّ خَلْقٍ ظُهُورًا خَاصًّا فَهُوَ الظَّاهِرُ فِي كُلِّ مَفْهُومٍ وَهُوَ الْبَاطِنُ مِنْ كُلِّ فَهْمٍ إِلَّا عَنْ فَهْمِ مَنْ قَالَ: إِنَّ الْعَالَمَ صُورَتُهُ وَهُوِيَّتُهُ وَهُوَ الِاسْمُ الظَّاهِرُ كَمَا أَنَّهُ بِالْمَعْنَى رُوحُ مَا ظَهَرَ فَهُوَ الْبَاطِنُ، فَنِسْبَتُهُ لِمَا ظَهَرَ مِنْ صُوَرِ الْعَالَمِ نِسْبَةُ الرُّوحِ الْمُدَبِّرِ لِلصُّورَةِ . فَيُؤْخَذُ فِي حَدِّ الْإِنْسَانِ مَثَلًا بَاطِنُهُ وَظَاهِرُهُ وَكَذَلِكَ كَلُّ مَحْدُودٍ فَالْحَقُّ مَحْدُودٌ بِكُلِّ حَدٍّ، وَصُوَرُ الْعَالَمِ لَا تَنْضَبِطُ وَلَا يُحَاطُ بِهَا وَلَا تُعْلَمُ حُدُودُ كُلِّ صُورَةٍ مِنْهَا إِلَّا قَدْرَ مَا حَصَلَ مِنْهَا لِكُلِّ عَالَمٍ مَنْ صَوَّرَهُ، فَكَذَلِكَ يَجْهَلُ حَدَّ اللَّهِ تَعَالَى فَإِنَّهُ لَا يَعْلَمُ حَدَّهُ إِلَّا مَنْ يَعْلَمُ حَدَّ كُلِّ صُورَةٍ وَهَذَا مُحَالٌ حُصُولُهُ، فَحَدُّ الْحَقِّ مُحَالٌ . وَكَذَلِكَ مَنْ شَبَّهَهُ وَمَنْ نَزَّهَهُ فَقَدْ قَيَّدَهُ وَحَدَّدَهُ وَمَا عَرَفَهُ وَمَنْ جَمَعَ فِي مَعْرِفَتِهِ بَيْنَ التَّنْزِيهِ وَالتَّشْبِيهِ وَصَفَهُ بِالْوَصْفَيْنِ فَقَدْ عَرَفَهُ عَلَى الْإِجْمَالِ; لِأَنَّهُ يَسْتَحِيلُ ذَلِكَ عَلَى التَّفْصِيلِ لِعَدَمِ الْإِحَاطَةِ بِمَا فِي الْعَالَمِ مِنَ الصُّوَرِ، فَقَدْ عَرَفَهُ مُجْمَلًا لَا عَلَى التَّفْصِيلِ، وَلِذَلِكَ رَبَطَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَعْرِفَةَ الْحَقِّ بِمَعْرِفَةِ النَّفْسِ فَقَالَ: مَنْ عَرَفَ نَفْسَهُ عَرَفَ رَبَّهُ. ثُمَّ قَالَ: فَإِنْ قُلْتَ بِالتَّنْزِيهِ مُقَيِّدَا وَإِنْ قُلْتَ بِالتَّشْبِيهِ مُحَدِّدَا وَإِنْ قُلْتَ بِالْأَمْرَيْنِ كُنْتَ مُسَدَّدَا وَكُنْتَ إِمَامًا فِي الْمَعَارِفِ سَيِّدَا فَمَنْ قَالَ بِالْأَشْفَاعِ كَانَ مُشْرِكَا وَمَنْ قَالَ بِالْإِفْرَادِ كَانَ مُوَحِّدَا وَإِيَّاكَ وَالتَّشْبِيهَ إِنْ كُنْتَ ثَانِيَا وَإِيَّاكَ وَالتَّنْزِيهَ إِنْ كُنْتَ مُفْرِدَا قَالَ تَعَالَى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ فَنَزَّهَ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ فَشَبَّهَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ فَشَبَّهَ وَثَنَّى وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ، فَنَزَّهَ وَأَفْرَدَ. انْتَهَى نَصُّهُ مَعَ اخْتِصَارٍ . وَتَقْرِيرُ هَذَا الْكَلَامِ مِنْ وَجْهَيْنِ: الْوَجْهُ الْأَوَّلُ: فَاعْلَمْ أَنَّ الْأَنْبِيَاءَ - عَلَيْهِمُ السَّلَامُ - نَزَّهُوا الْحَقَّ تَعَالَى وَبَالَغُوا فِيهِ وَمَعَ هَذَا فَقَدْ بَلَّغُوا عَنِ اللَّهِ تَعَالَى وَمِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ كَلِمَاتٌ تَدُلُّ عَلَى التَّشْبِيهِ، فَالتَّنْزِيهُ وَارِدٌ عَنْهُمْ وَالتَّشْبِيهُ أَيْضًا صَادِرٌ عَنْهُمْ، فَوَجَبَ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا، فَإِنْ قِيلَ: إِنَّ أَوَّلْنَا أَوْ تَوَقَّفْنَا أَوْ أَسْلَمْنَا عُلِمَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى مَعَ الْجَزْمِ بِأَنَّهُ مُنَزَّهٌ عَنْ شَائِبَةِ الْإِمْكَانِ ارْتَفَعَ التَّشْبِيهُ مُطْلَقًا وَلَمْ يَبْقَ مِنْهُ أَثَرٌ وَبَقِيَ التَّنْزِيهُ الْمُجَرَّدُ الَّذِي لَيْسَ فِيهِ رَائِحَةٌ مِنَ التَّشْبِيهِ، فَكَيْفَ يَجِبُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا؟ وَإِنْ لَاحَظْنَا التَّشْبِيهَ الصِّرْفَ وَلَمْ نَضُمَّ إِلَيْهِ التَّنْزِيهَ الْمَحْضَ لَزِمَ الْجَمْعُ بَيْنَ النَّقِيضَيْنِ; لِأَنَّ التَّنْزِيهَ يَنْفِي التَّشْبِيهَ وَالتَّشْبِيهَ يَرْفَعُ التَّنْزِيهَ، وَالْجَمْعَ بَيْنَ الْإِثْبَاتِ وَالنَّفْيِ فِي أَمْرٍ وَاحِدٍ مِنْ وَجْهٍ وَاحِدٍ مُحَالٌ . وَالْجَوَابُ عَنْهُ فِي مَقَامَيْنِ: الْمَقَامُ الْأَوَّلُ: لَمَّا كَانَتْ هَذِهِ الْعِبَارَاتُ التَّشْبِيهِيَّةُ صَادِرَةً عَنِ الْأَنْبِيَاءِ - عَلَيْهِمُ السَّلَامُ - مِنْ غَيْرِ شَكٍّ وَجَبَ عَلَيْنَا الْإِيمَانُ بِهَا سَوَاءٌ أَوَّلْنَا أَمْ تَوَقَّفْنَا، وَنَحْنُ نَعْنِي بِالتَّشْبِيهِ مُجَرَّدَ الْإِيمَانِ بِتِلْكَ الْعِبَارَاتِ وَلَيْسَ هَذَا اصْطِلَاحًا مُجَرَّدًا فَإِنَّ تِلْكَ الْأَلْفَاظَ تَدُلُّ عَلَى التَّشْبِيهِ بِلَا شَكٍّ غَايَةُ مَا فِي الْبَابِ أَنَّنَا إِمَّا نُؤَوِّلُ أَوْ نَتَوَقَّفُ وَنَكِلُ عِلْمَهَا إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَهَذَا لَا يُنَافِي التَّشْبِيهَ بِهَذَا الْمَعْنَى . الْمَقَامُ الثَّانِي: أَنَّ أَهْلَ السُّنَّةِ أَثْبَتُوا الصِّفَاتِ الزَّائِدَةَ بِقِيَاسِ الْغَائِبِ عَلَى الشَّاهِدِ فَهِيَ مَعًا مُشْتَرِكَةٌ بَيْنَنَا وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى، وَهَذَا الْقَدْرُ مِنَ التَّشْبِيهِ وَافٍ كَافٍ، وَلِهَذَا سَمَّتِ الْمُعْتَزِلَةُ أَهْلَ السُّنَّةِ مُشَبِّهَةً، وَهَذَا بِوَاسِطَةِ قِيَاسِ الْغَائِبِ عَلَى الشَّاهِدِ الَّذِي هُوَ عَيْنُ التَّشْبِيهِ، وَهَذَا الْمَقَامُ أَقْوَى وَأَظْهَرُ مِنَ الْأَوَّلِ; لِأَنَّ فِيهِ التَّشْبِيهَ وَاضِحٌ بِغَيْرِ شُبْهَةٍ وَكُلَّمَا ذَكَرْنَا التَّشْبِيهَ فَهَذَا الْمَعْنَى هُوَ مُرَادُنَا بِهِ لَا غَيْرُ . الْوَجْهُ الثَّانِي: اعْلَمْ أَنَّ الذَّاتَ كَمَا تَقَرَّرَ عِنْدَهُمْ مَبْدَأُ جَمِيعِ الْأَحْكَامِ وَالْآثَارِ وَلَهَا وَجْهُ الْعَيْنِيَّةِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْأَشْيَاءِ وَلَهَا أَيْضًا وَجْهُ الْغَيْرِيَّةِ، فَوَجْهُ الْعَيْنِيَّةِ تَشْبِيهٌ وَوَجْهُ الْغَيْرِيَّةِ تَنْزِيهٌ، وَفِي الْوَاقِعِ أَنَّهُ عَيْنٌ مِنْ وَجْهٍ وَغَيْرٌ مِنْ وَجْهٍ، لَا جَرَمَ كَانَ التَّنْزِيهُ فَقَطْ تَحْدِيدًا وَتَقْيِيدًا أَوِ التَّشْبِيهُ فَقَطْ أَيْضًا تَحْدِيدًا وَتَقْيِيدًا، وَكِلَا الطَّرَفَيْنِ إِفْرَاطٌ وَتَفْرِيطٌ، وَكَمَالُ الِاعْتِدَالِ هُوَ أَنَّ نِسْبَةَ الذَّاتِ مِنْ حَيْثُ هِيَ تَنْزِيهٌ وَمِنْ حَيْثُ الْعَيْنِيَّةُ تَشْبِيهٌ بِحَيْثُ لَا يَكُونُ هَذَا مَانِعًا مِنْ ذَاكَ وَلَا ذَاكَ مِنْ هَذَا . فَإِذًا الْمُنَزِّهُ الصِّرْفُ إِنْ عَلِمَ هَذَا الْمَعْنَى أَوْ لَمْ يَعْلَمْ وَجَرَّدَ التَّنْزِيهَ عَنِ التَّشْبِيهِ فَهُوَ قَلِيلُ الْأَدَبِ، وَالتَّشْبِيهُ الصِّرْفُ الْخَالِي عَنِ التَّنْزِيهِ كُفْرٌ وَضَلَالٌ، فَالتَّنْزِيهُ مِنْ حَيْثُ الذَّاتُ الْمُنَزَّهُ عَنِ الْكَيْفِ وَالتَّشْبِيهُ مِنْ حَيْثُ الْمَعِيَّةُ وَالْمُقَارَنَةُ، وَمَبْدَئِيَّتُهُ لِسَائِرِ الْأَحْكَامِ . وَقَالَ قُدِّسَ سِرُّهُ فِي هَذَا الْفَصْلِ أَيْضًا: لَوْ أَنَّ نُوحًا - عَلَيْهِ السَّلَامُ - جَمَعَ فِي دَعْوَتِهِ بَيْنَ التَّشْبِيهِ وَالتَّنْزِيهِ كَمَا جَمَعَ مُحَمَّدٌ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي آيَةِ "لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ" لَقَبِلُوا وَأَجَابُوا دَعْوَتَهُ كَمَا أَجَابَتْ أُمَّةُ مُحَمَّدٌ مُحَمَّدًا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَإِنَّهُ شَبَّهَهُ وَنَزَّهَهُ فِي آيَةٍ بَلْ فِي نِصْفِ آيَةٍ عَلَى تَقْدِيرِ أَنْ تَكُونَ الْكَافَ غَيْرُ زَائِدَةٍ، فَإِثْبَاتُ الْمِثْلِ تَشْبِيهٌ وَنَفْيُ الْمِثْلِ تَنْزِيهٌ، فَمَا دَعَا مُحَمَّدًا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَوْمَهُ لَيْلًا وَنَهَارًا بَلْ دَعَاهُمْ لَيْلًا فِي نَهَارٍ وَنَهَارًا فِي لَيْلٍ يَعْنِي شَبَّهَ فِي تَنْزِيهٍ وَنَزَّهَ فِي تَشْبِيهٍ. اهـ. وَيُوَضِّحُهُ مَا قَالَهُ الْفَخْرُ الرَّازِيُّ فِي كِتَابِهِ "تَأْسِيسُ التَّقْدِيسِ" وَلَيْسَ فِي الْقُرْآنِ مَا يَدُلُّ عَلَى التَّنْزِيهِ بِطَرِيقِ التَّصْرِيحِ إِلَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَدَلَالَتُهُ عَلَى التَّنْزِيهِ ضَعِيفَةٌ. اهـ . وَكَانَ مُرَادُهُ بِضَعْفِ الدَّلَالَةِ تَعْقِيبَهُ بَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ مَعَ وُجُودِ الْكَافِ; لِأَنَّ الْمَعْنَى مَعَ وُجُودِهِ لَيْسَ مِثْلَ مِثْلِهِ شَيْءٌ، وَأَمَّا قَوْلُ الشَّيْخِ قُدِّسَ سِرُّهُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا يَعْنِي لَيْلَ التَّنْزِيهِ وَنَهَارَ التَّشْبِيهِ فَهُوَ مِنْ بَابِ الْإِشَارَةِ لَا مِنْ بَابِ الْعِبَارَةِ، وَالتَّفْسِيرُ إِذًا لِتَنْزِيهِ نَفْيِ الْمُمَاثَلَةِ وَالْمُشَابَهَةِ وَهُوَ أَمْرٌ سَلْبِيٌّ عَدَمِيٌّ فَلَا يُدْرَكُ مِنَ الذَّاتِ الْمُنَزَّهَةِ إِلَّا السَّلْبُ وَأَمَّا هِيَ فِي حَدِّ ذَاتِهَا فَلَمْ تُدْرَكْ كَمَا أَنَّ الظُّلْمَةَ عِبَارَةٌ عَنِ اللَّيْلِ لِأَنَّهَا أَمْرٌ عَدَمِيٌّ وَلَا يُبْصَرُ فِيهَا شَيْءٌ، فَهُوَ عَدَمُ الْإِدْرَاكِ فِي اللَّيْلِ يُنَاسِبُ التَّنْزِيهَ وَالنَّهَارُ عِبَارَةٌ عَنِ النُّورِ وَالنُّورُ أَمْرٌ وُجُودِيٌّ وَهُوَ يُدْرَكُ وَيُدْرَكُ بِوَاسِطَتِهِ الْأَشْيَاءُ أَيْضًا وَالتَّشْبِيهُ إِثْبَاتُ صِفَاتٍ وُجُودِيَّةٍ حَقِيقِيَّةٍ مِثْلِ السَّمْعِ وَالْبَصَرِ وَالْكَلَامِ وَالْيَدَيْنِ وَغَيْرِهَا وَالصِّفَاتُ الْوُجُودِيَّةُ لَهَا ظُهُورٌ فِي النَّهَارِ فَالنَّهَارُ يُنَاسِبُ النُّورَ . وَفِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا إِنَّ الْإِعْلَانَ تَشْبِيهٌ وَالْإِسْرَارَ تَنْزِيهٌ وَالدَّعْوَةُ قَدْ تَكُونُ إِلَى التَّنْزِيهِ فَقَطْ، وَقَدْ تَكُونُ إِلَى التَّشْبِيهِ فَقَطْ وَالْكَمَالُ فِي الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا وَالتَّنْزِيهُ فَقَطْ مَرْتَبَةٌ عَظِيمَةٌ وَمِنْ مَرَاتِبِ الْكَمَالِ . وَالتَّشْبِيهُ فَقَطْ نَوْعَانِ: أَحَدُهُمَا: مَذْمُومٌ وَهُوَ تَشْبِيهُ الْحَقِّ بِالْخَلْقِ فِي الذَّاتِ كَمَا تَقُولُهُ الْمُجَسِّمَةُ وَهُوَ كُفْرٌ، وَالثَّانِي: مَحْمُودٌ وَهُوَ التَّشْبِيهُ بِمَعْنَى إِثْبَاتِ الصِّفَاتِ الثُّبُوتِيَّةِ لَهُ، وَهَذَا التَّشْبِيهُ أَيْضًا مَرْتَبَةٌ عَظِيمَةٌ وَمِنْ مَرَاتِبِ الْكَمَالِ وَأَكْمَلُهَا الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا وَهَذِهِ الْمَرْتَبَةُ مِنْ خَوَاصِّ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَافْهَمْ ذَلِكَ بِتَدَبُّرٍ وَلَا تَعْجَلْ بِالْإِنْكَارِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ .

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية