الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
معلومات الكتاب

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين

مرتضى الزبيدي - محمد بن محمد الحسيني الزبيدي

جزء صفحة
إحياء علوم الدين كِتَابُ التَّوْحِيدِ وَالتَّوَكُّلِ . وَهُوَ الْكِتَابُ الْخَامِسُ مِنْ رُبْعِ الْمُنْجِيَاتِ مِنْ كِتَابِ إِحْيَاءِ عُلُومِ الدِّينِ . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ . ، الْحَمْدُ لِلَّهِ مُدَبِّرِ الْمُلْكِ وَالْمَلَكُوتِ الْمُنْفَرِدُ بِالْعِزَّةِ وَالْجَبَرُوتِ . الرَّافِعُ لِلسَّمَاءِ بِغَيْرِ عِمَادٍ الْمُقَدِّرُ فِيهَا أَرْزَاقَ الْعِبَادِ الَّذِي صَرَفَ أَعْيُنَ ذَوِي الْقُلُوبِ وَالْأَلْبَابِ عَنْ مُلَاحَظَةِ الْوَسَائِطِ وَالْأَسْبَابِ إِلَى مُسَبِّبِ الْأَسْبَابِ وَرَفَعَ هِمَمَهُمْ عَنِ الِالْتِفَاتِ إِلَى مَا عَدَاهُ وَالِاعْتِمَادِ عَلَى مُدَبِّرٍ سِوَاهُ فَلَمْ يَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ عِلْمًا بِأَنَّهُ الْوَاحِدُ الْفَرْدُ الصَّمَدُ الْإِلَهُ وَتَحْقِيقًا بِأَنَّ جَمِيعَ أَصْنَافِ الْخَلْقِ عِبَادٌ أَمْثَالُهُمْ لَا يُبْتَغَى عِنْدَهُمُ الرِّزْقُ وَأَنَّهُ مَا مِنْ ذَرَّةٍ إِلَّا إِلَى اللَّهِ خَلْقُهَا وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا فَلَمَّا تَحَقَّقُوا أَنَّهُ لِرِزْقِ عِبَادِهِ ضَامِنٌ وَبِهِ كَفِيلٌ تَوَكَّلُوا عَلَيْهِ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ . وَالصَّلَاةُ عَلَى مُحَمَّدٍ قَامِعِ الْأَبَاطِيلِ الْهَادِي إِلَى سَوَاءِ السَّبِيلِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا . أَمَّا بَعْدُ ، فَإِنَّ التَّوَكُّلَ مَنْزِلٌ مِنْ مَنَازِلِ الدِّينِ وَمَقَامٌ مِنْ مَقَامَاتِ الْمُوقِنِينَ بَلْ هُوَ مِنْ مَعَالِي دَرَجَاتِ الْمُقَرَّبِينَ وَهُوَ فِي نَفْسِهِ غَامِضٌ مِنْ حَيْثُ الْعِلْمُ ثُمَّ هُوَ شَاقٌّ مِنْ حَيْثُ الْعَمَلُ وَوَجْهُ غُمُوضِهِ مِنْ حَيْثُ الْفَهْمُ أَنَّ مُلَاحَظَةُ الْأَسْبَابِ وَالِاعْتِمَادَ عَلَيْهَا شِرْكٌ فِي التَّوْحِيدِ وَالتَّثَاقُلُ عَنْهَا بِالْكُلِّيَّةِ طَعْنٌ فِي السُّنَّةِ وَقَدْحٌ فِي الشَّرْعِ وَالِاعْتِمَادُ عَلَى الْأَسْبَابِ مِنْ غَيْرِ أَنْ تَرَى أَسْبَابًا تَغْيِيرٌ فِي وَجْهِ الْعَقْلِ وَانْغِمَاسٌ فِي غَمْرَةِ الْجَهْلِ وَتَحْقِيقُ مَعْنَى التَّوَكُّلِ عَلَى وَجْهٍ يَتَوَافَقُ فِيهِ مُقْتَضَى التَّوْحِيدِ وَالنَّقْلِ وَالشَّرْعِ فِي غَايَةِ الْغُمُوضِ وَالْعُسْرِ وَلَا يَقْوَى عَلَى كَشْفِ هَذَا الْغِطَاءِ مَعَ شِدَّةِ الْخَفَاءِ إِلَّا سَمَاسِرَةُ الْعُلَمَاءِ الَّذِينَ اكْتَحَلُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ تَعَالَى بِأَنْوَارِ الْحَقَائِقِ فَأَبْصَرُوا وَتَحَقَّقُوا ثُمَّ نَطَقُوا بِالْإِعْرَابِ : عَمَّا شَاهَدُوهُ مِنْ حَيْثُ اسْتَنْطَقُوا . وَنَحْنُ الْآنَ نَبْدَأُ بِذِكْرِ فَضِيلَةِ التَّوَكُّلِ عَلَى سَبِيلِ التَّقْدِمَةِ ثُمَّ نُرْدِفُهُ بِالتَّوْحِيدِ فِي الشَّطْرِ الْأَوَّلِ مِنَ الْكِتَابِ وَنَذْكُرُ حَالَ التَّوَكُّلِ وَعَمَلَهُ فِي الشَّطْرِ الثَّانِي . إتحاف السادة المتقين (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَسَلَّمَ، اللَّهُ نَاصِرُ كُلِّ صَابِرٍ) أَحْمَدُ الَّذِي مَنْ تَوَكَّلَ عَلَيْهِ كَفَاهُ مَا نَابَهُ، وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا هَدَاهُ لِتَوْحِيدِهِ وَأَثَابَهُ، وَمَنْ لَجَأَ إِلَيْهِ بِفَقْرِهِ وَزُهْدِهِ نَفَى عَنْهُ أَرَابَهُ، أَحْمَدُهُ عَلَى عَظِيمِ إِحْسَانِهِ وَتَوَالِي فَضْلِهِ وَامْتِنَانِهِ، حَمْدًا يَكُونُ مُوجِبًا لِحُسْنِ الْمَزِيدِ وَمُقَرِّبًا إِلَى الثَّوَابِ الْعَتِيدِ، وَأُومِنُ بِهِ إِيمَانَ مَنْ رَجَاهُ مُوقِنًا وَخَضَعَ لَهُ مُذْعِنًا وَأُخْلِصُ لَهُ مُوَحِّدًا وَلَاذَ بِهِ رَاغِبًا مُجْتَهِدًا، وَأَشْهَدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ إِلَهًا أَلْهَمَ الصَّوَابَ وَأَجْزَلَ لِلْمُتَوَكِّلِ عَلَيْهِ الثَّوَابَ، وَأَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَصَفِيُّهُ وَخَلِيلُهُ الَّذِي بَعَثَهُ بِالْحَقِّ وَأَرْسَلَهُ رَحْمَةً لِلْخَلْقِ وَاخْتَصَّهُ بِعَقَائِلِ كَرَامَاتِهِ وَاصْطَفَاهُ لِمَكَارِمِ رِسَالَاتِهِ، وَأَوْضَحَ بِهِ أَشْرَاطَ الْهُدَى وَجَلَّا بِهِ غَرِيبَ الْعَمَى، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ الْأَبْرَارِ مَا افْتَرَّ رَوْضٌ بَسِيمٌ، وَلَاحَ وَجْهٌ وَسِيمٌ، وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا كَثِيرًا. وَبَعْدُ، فَهَذَا شَرْحُ (كِتَابِ التَّوْحِيدِ وَالتَّوَكُّلِ) وَهُوَ الْخَامِسُ مِنَ الْمُنْجِيَاتِ وَالْخَامِسُ وَالثَّلَاثُونَ مِنْ كُتُبِ الْإِحْيَاءِ لِلْإِمَامِ الرَّبَّانِيِّ وَالْغَوْثِ الصَّمَدَانِيِّ حُجَّةِ الْإِسْلَامِ أَبِي حَامِدٍ الْمُسْتَوْجِبِ لِلْمَحَامِدِ مُحَمَّدِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْغَزَالِيِّ، رَوَى اللَّهُ بِالرَّحْمَةِ ثَرَاهُ وَأَجْزَلَ مِنَ الْمَغْفِرَةِ قِرَاهُ، يَلْعَبُ بِأَلْبَابِ أُولِي النُّهَى وَيُشَوِّقُ الْأَحْبَابَ إِلَى بُلُوغِ دَرَجَةِ الْمُنْتَهَى، إِذْ قَدْ بَيَّنَ مَا أَبْهَمَهُ مِنَ الْفَوَائِدِ الرَّجِيحَةِ لِذَوِي الْأَفْهَامِ الصَّحِيحَةِ، وَرَفَعَ نِقَابَ كَلِمَاتِهِ الْفَصِيحَةِ، وَأُرِيَ فِي تَلْطِيفِ الطِّبَاعِ مَا أَوْرَدَهُ عَلَى سَبِيلِ النَّصِيحَةِ، وَقَدْ أَعْرَضْتُ فِيهِ عَنِ التَّطْوِيلِ اخْتِصَارًا، وَاقْتَصَرْتُ عَلَى مَا سَأُورِدُهُ اقْتِصَارًا، إِيثَارًا فِي التَّخْفِيفِ لَا رَغْبَةً فِي التَّطْفِيفِ، عَلَى أَنَّ صَوْتَ الْمُصَنِّفِ جَهِيرٌ وَفَضْلَهُ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ شَهِيرٌ، فَكَمْ لَهُ مِنْ إِشَارَاتٍ تُلْقَى وَحِكَمٍ تُثْبَتُ وَلَا تُنْفَى وَبَاقِيَاتٌ تُقَرِّبُ إِلَى اللَّهِ زُلْفَى، وَاللَّهَ تَعَالَى أَسْأَلُهُ الْإِعَانَةَ وَالْإِمْدَادَ وَالْهِدَايَةَ إِلَى سَبِيلِ السَّدَادِ إِنَّهُ وَلِيُّ كُلِّ إِحْسَانٍ، وَالْمَلِيُّ بِكُلِّ امْتِنَانٍ . قَالَ الْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) مُعِينِ كُلِّ مُوَحِّدٍ مُتَوَكِّلٍ ذِي قَلْبٍ سَلِيمٍ (الْحَمْدُ لِلَّهِ الْمُدَبِّرِ لِلْمُلْكِ) وَهُوَ عَالِمُ الشَّهَادَةِ مِنَ الْمَحْسُوسَاتِ الطَّبِيعِيَّةِ (وَالْمَلَكُوتِ) وَعَالِمُ الْغَيْبِ الْمُخْتَصُّ بِأَرْوَاحِ النُّفُوسِ (الْمُنْفَرِدُ بِالْعِزَّةِ) وَهِيَ الْغَلَبَةُ الْآتِيَةُ عَلَى كُلِّيَّةِ الظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ (وَالْجَبَرُوتِ) وَهُوَ عَالِمُ الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ الْإِلَهِيَّةِ (الرَّافِعُ لِلسَّمَاءِ بِغَيْرِ عِمَادٍ) تَعْتَمِدُ عَلَيْهِ (الْمُقَدِّرُ فِيهَا أَرْزَاقَ الْعِبَادِ) وَأَقْوَاتَهُمُ الْحِسِّيَّةَ وَالْمَعْنَوِيَّةَ يُشِيرُ بِذَلِكَ إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ . (الَّذِي صَرَفَ أَعْيُنَ ذَوِي الْقُلُوبِ وَالْأَلْبَابِ) الْمُشَاهِدِينَ بِأَنْوَارِ الْغُيُوبِ حَقَائِقَ الْأُمُورِ (عَنْ مُلَاحَظَةِ الْوَسَائِطِ وَالْأَسْبَابِ) الْجَلِيَّةِ وَالْخَفِيَّةِ (إِلَى مُسَبِّبِ الْأَسْبَابِ) وَأَصْلُ السَّبَبِ مَا يُتَوَصَّلُ بِهِ إِلَى الِاسْتِعْلَاءِ ثُمَّ اسْتُعِيرَ لِكُلِّ شَيْءٍ يُتَوَصَّلُ بِهِ إِلَى أَمْرٍ مِنَ الْأُمُورِ فَقِيلَ هَذَا سَبَبُ هَذَا وَهَذَا مُسَبَّبٌ عَلَى هَذَا (وَرَفَعَ هِمَمَهُمْ عَنِ الِالْتِفَافِ إِلَى مَا عَدَاهُ وَ) عَنِ (الِاعْتِمَادِ عَلَى مُدَبِّرٍ سِوَاهُ فَلَمْ يَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ) كُلُّ ذَلِكَ لِكَمَالِ تَوْحِيدِهِمْ وَمَزِيدِ تَوَكُّلِهِمْ كَمَا بَيَّنَهُ الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ (عِلْمًا) مِنْهُمْ يَقِينًا (بِأَنَّهُ) تَعَالَى (الْوَاحِدُ) فَلَا يَصِحُّ عَلَيْهِ التَّجَزِّي وَلَا التَّكَثُّرُ وَلَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ نِسْبَةٌ بِوَجْهٍ (الْفَرْدُ) فَلَا يَخْتَلِطُ بِهِ غَيْرُهُ (الصَّمَدُ) الَّذِي يُصْمَدُ إِلَيْهِ فِي الْأُمُورِ يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ (الْإِلَهُ) جَلَّ وَتَقَدَّسَ عَنِ الْأَشْبَاهِ (وَتَحَقُّقًا) مِنْهُمْ (بِأَنَّ) جَمِيعَ (أَصْنَافِ الْخَلْقِ) أَحْمَرِهَا وَأَسْوَدِهَا (عِبَادٌ أَمْثَالُهُمْ لَا يُبْتَغَى) أَيْ: لَا يُتَطَلَّبُ (عِنْدَهُمُ الرِّزْقُ) كَمَا أَخْبَرَ بِهِ سُبْحَانَهُ فِي كِتَابِهِ وَهُوَ الْحَقُّ فِي آيَتَيْنِ الْأُولَى قَوْلُهُ تَعَالَى: إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ وَالثَّانِيَةُ: قَوْلُهُ تَعَالَى: إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ (وَأَنَّهُ مَا مِنْ ذَرَّةٍ) مِنْ ذَرَّاتِ الْوُجُودِ (لَا إِلَى اللَّهِ خَلْقُهَا) أَيْ: إِبْدَاعُهَا وَتَقْدِيرُهَا كَمَا قَالَ تَعَالَى: وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا (فَلَمَّا تَحَقَّقُوا أَنَّهُ لِرِزْقِ عِبَادِهِ ضَامِنٌ) أَيْ: مُلْتَزِمٌ بِإِعْطَائِهِ إِيَّاهُمْ (وَبِهِ كَفِيلٌ) مُحِيطٌ بِجَمِيعِ جِهَاتِهِ (تَوَكَّلُوا عَلَيْهِ) فِي سَائِرِ الْأُمُورِ وَلَمْ يَخْشَوْا أَحَدًا سِوَاهُ كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي شَأْنِهِمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا ( وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ ) . (وَالصَّلَاةُ عَلَى) سَيِّدِنَا (مُحَمَّدٍ قَاطِعِ) خَبِيثَاتِ (الْأَبَاطِيلِ) بِسَيْفِ الْحَقِّ، وَالْأَبَاطِيلُ: جَمْعُ بَاطِلٍ وَهُوَ كُلُّ مَا يُضَادُّ الْحَقَّ (الْهَادِي) أَيِ: الْمُرْشِدُ (إِلَى سَوَاءِ السَّبِيلِ) وَهُوَ سَبِيلُ التَّوْحِيدِ وَالتَّوَكُّلِ (وَعَلَى آلِهِ) وَصَحْبِهِ (وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا) وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ: وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ دُونَ قَوْلِهِ: وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا، وَفِي الْجُمَلِ الْمَذْكُورَةِ مِنْ أَوَّلِ الْخُطْبَةِ إِلَى آخِرِهَا بَرَاعَةُ الِاسْتِهْلَالِ مِمَّا لَا يَخْفَى عَلَى الْمُمَارِسِ الْمُتَأَمِّلِ لِمَا تَضَمَّنَهُ هَذَا الْكِتَابُ . (أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ التَّوَكُّلَ مَنْزِلٌ) مُنِيفٌ (مِنْ مَنَازِلِ الدِّينِ وَمَقَامٌ) شَرِيفٌ (مِنْ مَقَامَاتِ الْمُوقِنِينَ) وَهُوَ السَّابِعُ مِنْ مَقَامَاتِ الْيَقِينِ عَلَى النَّسَقِ الَّذِي أَوْرَدَهُ صَاحِبُ الْقُوتِ (بَلْ هُوَ مِنْ مَعَالِي دَرَجَاتِ الْمُقَرَّبِينَ) وَلَفْظُ الْقُوتِ: مِنْ أَعْلَى مَقَامَاتِ الْيَقِينِ وَأَشْرَفِ أَحْوَالِ الْمُقَرَّبِينَ (وَهُوَ فِي نَفْسِهِ غَامِضٌ مِنْ حَيْثُ الْعِلْمُ) وَلِغُمُوضِهِ اخْتَلَفَتْ أَقْوَالُ الْمَشَايِخِ فِي حَدِّهِ (ثُمَّ هُوَ شَاقٌّ مِنْ حَيْثُ الْعَمَلُ) بِهِ (وَوَجْهُ غُمُوضِهِ مِنْ حَيْثُ الْفَهْمُ أَنَّ مُلَاحَظَةُ الْأَسْبَابِ وَالِاعْتِمَادَ عَلَيْهَا) بَعْدَ مُلَاحَظَتِهَا (شِرْكٌ فِي التَّوْحِيدِ) عِنْدَ أَهْلِهِ (وَالتَّثَاقُلُ) وَفِي نُسْخَةٍ: التَّبَاعُدُ (عَنْهَا) أَيْ: عَنِ الْأَسْبَابِ (بِالْكُلِّيَّةِ طَعْنٌ فِي السُّنَّةِ وَقَدْحٌ فِي الشَّرْعِ) فَإِنَّ غَالِبَ الْمَأْمُورَاتِ الشَّرْعِيَّةِ مَبْنَاهَا عَلَى الْأَسْبَابِ (وَالِاعْتِمَادُ عَلَى الْأَسْبَابِ مِنْ غَيْرِ أَنْ تَرَى أَسْبَابًا تَغْيِيرٌ فِي وَجْهِ الْعَقْلِ) فَإِنَّ الْعَاقِلَ كَيْفَ يَعْتَمِدُ عَلَى شَيْءٍ وَهُوَ لَا يَرَى بِهِ (وَانْغِمَاسٌ فِي غَمْرَةِ الْجَهْلِ) وَالْغَمْرَةُ مُعْظَمُ الْمَاءِ (وَتَحْقِيقُ مَعْنَى التَّوَكُّلِ عَلَى وَجْهٍ يَتَوَافَقُ فِيهِ مُقْتَضَى التَّوْحِيدِ وَالْعَقْلِ وَالشَّرْعِ فِي غَايَةِ الْغُمُوضِ) أَيِ: الْخَفَاءِ (وَالْعُسْرِ) أَيِ: الشِّدَّةِ (وَلَا يَقْوَى عَلَى كَشْفِ هَذَا الْغِطَاءِ) أَيْ: رَفْعِ هَذَا الْحِجَابِ (مَعَ شِدَّةِ الْخَفَاءِ إِلَّا سَمَاسِرَةُ الْعُلَمَاءِ) أَيِ: الْجَهَابِذَةُ النُّقَّادُ (الَّذِينَ اكْتَحَلُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ تَعَالَى بِأَنْوَارِ الْحَقَائِقِ فَأَبْصَرُوا وَتَحَقَّقُوا ثُمَّ نَطَقُوا بِالْإِعْرَابِ) أَيْ: الْإِظْهَارِ وَالْإِفْصَاحِ (عَمَّا شَاهَدُوهُ) بِبَصِيرَتِهِمْ (مِنْ حَيْثُ اسْتَنْطَقُوا) أَيْ: طَلَبُوا لِبَيَانِهِ (وَنَحْنُ الْآنَ نَبْتَدِئُ بِذِكْرِ فَضِيلَةِ التَّوَكُّلِ عَلَى سَبِيلِ التَّقْدِمَةِ) وَالتَّوْطِئَةِ (ثُمَّ نُرْدِفُهُ بِالتَّوْحِيدِ فِي الشَّطْرِ الْأَوَّلِ مِنَ الْكِتَابِ وَنَذْكُرُ حَالَ التَّوَكُّلِ وَعَمَلَهُ فِي الشَّطْرِ الثَّانِي) مِنْهُ بِعَوْنِ اللَّهِ تَعَالَى وَحُسْنِ تَوْفِيقِهِ .

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية