الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
معلومات الكتاب

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين

مرتضى الزبيدي - محمد بن محمد الحسيني الزبيدي

جزء صفحة
إحياء علوم الدين وَقَوْلٌ بِلَا طَمَعٍ وَعِزٌّ بِلَا رِيَاسَةٍ وَقَالَ أَيْضًا الزَّاهِدُ لِلَّهِ يَسْعَطُكَ الْخَلَّ وَالْخَرْدَلَ وَالْعَارِفُ يُشِمُّكَ الْمِسْكَ وَالْعَنْبَرَ . وَقَالَ لَهُ رَجُلٌ : مَتَى أَدْخُلُ حَانُوتَ التَّوَكُّلِ وَأَلْبَسُ رِدَاءَ الزُّهْدِ وَأَقْعُدُ مَعَ الزَّاهِدِينَ ؟ فَقَالَ إِذَا صِرْتَ مِنْ رِيَاضَتِكَ لِنَفْسِكَ فِي السِّرِّ إِلَى حَدٍّ لَوْ قَطَعَ اللَّهُ عَنْكَ الرِّزْقَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ لَمْ تَضْعُفْ فِي نَفْسِكَ فَأَمَّا مَا لَمْ تَبْلُغْ هَذِهِ الدَّرَجَةَ فَجُلُوسُكَ عَلَى بِسَاطِ الزَّاهِدِينَ جَهْلٌ ثُمَّ لَا آمَنُ عَلَيْكَ أَنْ تَفْتَضِحَ وَقَالَ أَيْضًا الدُّنْيَا كَالْعَرُوسِ وَمَنْ يَطْلُبُهَا مَاشِطَتُهَا وَالزَّاهِدُ فِيهَا يُسَخِّمُ وَجْهَهَا وَيَنْتِفُ شَعْرَهَا وَيَخْرُقُ ثَوْبَهَا وَالْعَارِفُ يَشْتَغِلُ بِاللَّهِ تَعَالَى وَلَا يَلْتَفِتُ إِلَيْهَا . وَقَالَ السَّرِيُّ مَارَسْتُ كُلَّ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الزُّهْدِ فَنِلْتُ مِنْهُ مَا أُرِيدُ إِلَّا الزُّهْدَ فِي النَّاسِ فَإِنِّي لَمْ أَبْلُغْهُ وَلَمْ أُطِقْهُ . وَقَالَ الْفُضَيْلُ رَحِمَهُ اللَّهُ جَعَلَ اللَّهُ الشَّرَّ كُلَّهُ فِي بَيْتٍ وَجَعَلَ مِفْتَاحَهُ حُبَّ الدُّنْيَا وَجَعَلَ الْخَيْرَ كُلَّهُ فِي بَيْتٍ وَجَعَلَ مِفْتَاحَهُ الزُّهْدَ فِي الدُّنْيَا . فَهَذَا مَا أَرَدْنَا أَنْ نَذْكُرَهُ مِنْ حَقِيقَةِ الزُّهْدِ وَأَحْكَامِهِ وَإِذَا كَانَ الزُّهْدُ لَا يَتِمُّ إِلَّا بِالتَّوَكُّلِ فَلْنَشْرَعْ فِي بَيَانِهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . إتحاف السادة المتقين (وَ) الثَّانِيَةُ (قَوْلٌ بِلَا طَمَعٍ) أَيْ: عَاجِلٌ وَلَا آجِلٌ فَيُخْلِصُ فِي أَقْوَالِهِ كَمَا يُخْلِصُ فِي أَعْمَالِهِ (وَ) الثَّالِثَةُ (عِزٌّ بِلَا رِيَاسَةٍ) بِأَنْ يَكُونَ عَزِيزًا عَنْ أَنْ يُذِلَّ نَفْسَهُ فِي طَلَبِ الدُّنْيَا فَيَتَعَاطَى الْأُمُورَ الْخَسِيسَةَ الَّتِي تُزْرِي بِقَدْرِهِ فَلَا يَكُونُ عِزُّهُ إِلَّا بِمَوْلَاهُ وَرُبَّمَا أَغْنَاهُ بِهِ بِفَضْلِهِ عَمَّنْ سِوَاهُ، وَهَذَا الْقَوْلُ نَقَلَهُ الْقُشَيْرِيُّ وَلَفْظُهُ: وَقَالَ يَحْيَى بْنُ مُعَاذٍ لَا يَبْلُغُ أَحَدٌ حَقِيقَةَ الزُّهْدِ حَتَّى تَكُونَ فِيهِ ثَلَاثُ خِصَالٍ فَذَكَرَهَا، وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْمُرَادَ بِحَقِيقَتِهِ هِيَ غَلَبَةُ أَحْوَالِهِ عَلَى الْقَلْبِ فَلَا يَكُونُ حَدًّا جَامِعًا لِلزُّهْدِ، وَلِذَلِكَ عَبَّرَ الْمُصَنِّفُ عَنْهَا بِالْعَلَامَةِ . (وَقَالَ أَيْضًا الزَّاهِدُ بِاللَّهِ) لَكَوْنِ قَلْبِهِ امْتَلَأَ بِهَوَانِ الدُّنْيَا عِنْدَ اللَّهِ وَكَثْرَةِ آفَاتِهَا بِحَيْثُ إِنَّكَ تَجِدُ أَكْثَرَ كَلَامِهِ فِي بَيَانِ نَقَائِصِهَا كَأَنَّهُ (يَسْعَطُكَ) يَا طَالِبَهَا (الْخَلَّ وَالْخَرْدَلَ) مِنْ حَيْثُ أَنَّهُ يُؤْلِمُكَ بِكَلَامِهِ وَيُنَكِّدُ عَلَيْكَ مَا أَنْتَ فِيهِ وَيُصَغِّرُ قَدْرَكَ (وَالْعَارِفُ) بِاللَّهِ لِكَوْنِ قَلْبِهِ قَدِ امْتَلَأَ بِمَعْرِفَتِهِ بِجَمَالِهِ وَبِجَلَالِهِ وَتَوَالِي إِنْعَامِهِ وَأَفْضَالِهِ عَلَى خَلْقِهِ بِحَيْثُ إِنَّكَ تَجِدُ أَكْثَرَ كَلَامِهِ فِي بَيَانِ ذَلِكَ كَأَنَّهُ (يُشِمُّكَ الْمِسْكَ وَالْعَنْبَرَ) مِنْ حَيْثُ أَنَّهُ يُرَغِّبُكَ فِي نَيْلِ الْمَقَامَاتِ وَيَشْرَحُ صَدْرَكَ بِذِكْرِ فَضْلِ اللَّهِ وَنِعَمِهِ عَلَى خَلْقِهِ فَكُلٌّ مِنَ الزَّاهِدِ وَالْعَارِفِ تَكَلَّمَ بِمَا غَلَبَ عَلَيْهِ مِنْ أَحْوَالِهِ وَهَذَا الْقَوْلُ نَقَلَهُ الْقُشَيْرِيُّ هَكَذَا وَلَفْظُ الْقُوتِ: يَنْشُرُ عَلَيْكَ الْمِسْكَ وَالْعَنْبَرَ (وَقَالَ لَهُ) أَيْ: لِيَحْيَى بْنِ مُعَاذٍ (رَجُلٌ: مَتَى أَدْخُلُ حَانُوتَ التَّوَكُّلِ وَأَلْبَسُ رِدَاءَ الزُّهْدِ وَأَقْعُدُ مَعَ الزَّاهِدِينَ؟) وَفِي بَعْضِ نُسَخِ الرِّسَالَةِ وَسُئِلَ أَيْضًا: مَتَى أَبْلُغُ حَقِيقَةَ الزُّهْدِ وَأَقْعُدُ مَعَ الزَّاهِدِينَ (فَقَالَ إِذَا صِرْتَ) أَيْ: وَصَلْتَ (مِنْ رِيَاضَتِكَ لِنَفْسِكَ فِي السِّرِّ إِلَى حَدٍّ لَوْ قَطَعَ اللَّهُ عَنْكَ الرِّزْقَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ لَمْ تَضْعُفْ فِي نَفْسِكَ فَأَمَّا لَمْ تَبْلُغْ هَذِهِ الدَّرَجَةَ فَجُلُوسُكَ فِي بِسَاطِ الزَّاهِدِينَ جَهْلٌ ثُمَّ لَا آمَنُ عَلَيْكَ أَنْ تَفْتَضِحَ) بَيْنَهُمْ نَقَلَهُ الْقُشَيْرِيُّ فِي الرِّسَالَةِ وَهُوَ تَنْبِيهٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِلْعَبْدِ أَنْ يَقْطَعَ الْأَسْبَابَ وَيَتَجَرَّدَ عَنْهَا حَتَّى يَجِدَ مِنْ نَفْسِهِ قُوَّةً عَلَى الصَّبْرِ عَلَى أَلَمِ الْجُوعِ نَحْوَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ وَلَا يَجِدَ مِنْهَا الضَّعْفَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَإِلَّا كَانَ مَغْرُورًا وَمُعَرِّضًا نَفْسَهُ إِلَى سُؤَالِ الْخَلْقِ وَلَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا مِنْ عَلَامَاتِ الزُّهْدِ لَا أَنَّهُ مِنْ حَقِيقَتِهِ . (وَقَالَ أَيْضًا الدُّنْيَا كَالْعَرُوسِ) الْمَجْلُوَّةِ تَرَاهَا الْأَبْصَارُ وَتُحِبُّهَا الْقُلُوبُ وَتَمْدَحُهَا الْأَلْسُنُ مِنْ حَيْثُ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَلَقَهَا وَجَمَّلَهَا بِالْمَالِ وَالْبَنِينَ وَغَيْرِهَا (وَمَنْ يَطْلُبُهَا) وَيُعَمِّرُهَا (مَاشِطَتُهَا) مِنْ حَيْثُ أَنَّهُ يُدَبِّرُهَا حُسْنًا لِلْمَغْرُورِينَ (وَالزَّاهِدُ فِيهَا يُسَخِّمُ) أَيْ: يُسَوِّدُ (وَجْهَهَا وَيَنْتِفُ شَعْرَهَا) الَّذِي هُوَ مِنْ جُمْلَةِ الزِّينَةِ (وَيَخْرُقُ ثَوْبَهَا) مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ لَمَّا عَرَفَ نَقْصَهَا وَفَنَاءَهَا وَقَطْعَهَا لِلْعَبْدِ عَنْ عِبَادَتِهِ اشْتَغَلَ بِتَزْهِيدِ الْخَلْقِ فِيهَا وَتَقْبِيحِ مَحَاسِنِهَا (وَالْعَارِفُ) بِاللَّهِ (يَشْتَغِلُ بِاللَّهِ) تَعَالَى لَا يَلْتَفِتُ إِلَيْهَا لِكَمَالِ شُغْلِهِ بِاللَّهِ وَبِمَعْرِفَتِهِ بِجَمَالِهِ وَجَلَالِهِ وَمُنَاجَاتِهِ عَنْ ذَمِّهَا فَضْلًا عَنْ مَدْحِهَا وَهَذَا الْقَوْلُ نَقَلَهُ الْقُشَيْرِيُّ أَيْضًا، وَلِيَحْيَى بْنِ مُعَاذٍ: نُتَفُ كَلَامٍ فِي مَقَامِ الزُّهْدِ وَالْمَحَبَّةِ غَيْرُ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَعْضُهُ وَسَيَأْتِي بَعْضُهُ فِي خَاتِمَةِ الْكِتَابِ . (وَقَالَ السَّرِيُّ) السَّقَطِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - (مَارَسْتُ كُلَّ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الزُّهْدِ) فَنِلْتُ مِنْهُ مَا أُرِيدُهُ كَالزُّهْدِ فِي الْمَطْعَمِ وَالْمَلْبَسِ وَالْمَنَامِ وَفُضُولِ الْكَلَامِ (إِلَّا الزُّهْدَ فِي النَّاسِ) أَيْ: فِي لِقَائِهِمْ وَالتَّبَسُّطِ مَعَهُمْ وَالِاسْتِئْنَاسِ فِي مُحَادَثَتِهِمْ (فَإِنِّي لَمْ أَبْلُغْهُ وَلَمْ أُطِقْهُ) أَيْ: لِعِزَّتِهِ نَقَلَهُ الْقُشَيْرِيُّ، وَهَذَا أَيْضًا مِنْ عَلَامَاتِ الزُّهْدِ وَقَدْ جَعَلَهُ الْبَعْضُ حَدًّا لَهُ كَمَا تَقَدَّمَ . (وَقَالَ الْفُضَيْلُ) بْنُ عِيَاضٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - (جَعَلَ اللَّهُ الشَّرَّ كُلَّهُ فِي بَيْتٍ وَجَعَلَ مَفَاتِحَهُ حُبَّ الدُّنْيَا) وَلِذَلِكَ جَعَلَ أَسَاسَ كُلِّ خَطِيئَةٍ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: أُصُولُ الشَّرِّ ثَلَاثَةٌ: الْحِرْصُ وَالْحَسَدُ وَحُبُّ الدُّنْيَا، وَفُرُوعُهُ سِتَّةٌ: طَلَبُ الرِّيَاسَةِ وَالْفَخْرِ وَالثَّنَاءِ، وَحُبُّ الرَّاحَةِ وَالطَّعَامِ وَالنَّوْمِ (وَجَعَلَ الْخَيْرَ كُلَّهُ فِي بَيْتٍ وَجَعَلَ مِفْتَاحَهُ الزُّهْدَ فِي الدُّنْيَا) فَإِذَا أَعْرَضَ الْعَبْدُ عَنْهَا تَيَسَّرَتْ لَهُ الْخَيْرَاتُ كُلَّهَا وَهَذَا الْقَوْلُ نَقَلَهُ الْقُشَيْرِيُّ فِي الرِّسَالَةِ بِسَنَدِهِ قَالَ سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ سَمِعْتُ الْفُضَيْلَ بْنَ عِيَاضٍ يَقُولُ فَذَكَرَهُ وَعَزَاهُ صَاحِبُ الْقُوتِ إِلَى سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ وَالْفُضَيْلِ أَيْ: أَنَّ هَذَا الْقَوْلَ قَدْ رُوِيَ عَنْ كُلٍّ مِنْهُمَا . (فَهَذَا مَا أَرَدْنَا أَنْ نَذْكُرَهُ مِنْ حَقِيقَةِ الزُّهْدِ وَأَحْكَامِهِ) وَثَمَرَاتِهِ (وَإِذَا كَانَ الزُّهْدُ لَا يَتِمُّ إِلَّا بِالتَّوَكُّلِ) لِكَوْنِهِ شَرْطًا فِيهِ (فَلْنَشْرَعْ فِي بَيَانِهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى) وَلْنَخْتِمْ هَذَا الْبَابَ بِفُصُولٍ فِيهَا بَيَانٌ لِمَا أَبْهَمَهُ الْمُصَنِّفُ وَتَفْصِيلٌ لِمَا أَجْمَلَهُ وَمَزِيدٌ لِمَا أَشَارَ إِلَيْهِ تَارَةً وَتَرَكَهُ أُخْرَى فَنَقُولُ

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية