الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
معلومات الكتاب

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين

مرتضى الزبيدي - محمد بن محمد الحسيني الزبيدي

جزء صفحة
إحياء علوم الدين بَيَانُ تَفْضِيلِ الزُّهْدِ فِيمَا هُوَ مِنْ ضَرُورِيَّاتِ الْحَيَاةِ . اعْلَمْ أَنَّ مَا النَّاسُ مُنْهَمِكُونَ فِيهِ يَنْقَسِمُ إِلَى فُضُولٍ وَإِلَى مُهِمٍّ فَالْفُضُولُ كَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ مَثَلًا إِذْ غَالِبُ النَّاسِ إِنَّمَا يَقْتَنِيهَا لِلتَّرَفُّهِ بِرُكُوبِهَا وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى الْمَشْيِ وَالْمُهِمُّ كَالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَلَسْنَا نَقْدِرُ عَلَى تَفْصِيلِ أَصْنَافِ الْفُضُولِ فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَنْحَصِرُ وَإِنَّمَا يَنْحَصِرُ الْمُهِمُّ الضَّرُورِيُّ وَالْمُهِمُّ أَيْضًا يَتَطَرَّقُ إِلَيْهِ فُضُولٌ فِي مِقْدَارِهِ وَجِنْسِهِ وَأَوْقَاتِهِ فَلَا بُدَّ مِنْ بَيَانِ وَجْهِ الزُّهْدِ فِيهِ ، وَالْمُهِمَّاتُ سِتَّةُ أُمُورٍ الْمَطْعَمُ وَالْمَلْبَسُ وَالْمَسْكَنُ وَأَثَاثُهُ وَالْمُنْكَحُ وَالْمَالُ وَالْجَاهُ يُطْلَبُ لِأَغْرَاضٍ . وَهَذِهِ السِّتَّةُ مِنْ جُمْلَتِهَا وَقَدْ ذَكَرْنَا مَعْنَى الْجَاهِ وَسَبَبَ حُبِّ الْخَلْقِ وَكَيْفِيَّةَ الِاحْتِرَازِ مِنْهُ فِي كِتَابِ الرِّيَاءِ مِنْ رُبْعِ الْمُهْلِكَاتِ وَنَحْنُ الْآنَ نَقْتَصِرُ عَلَى بَيَانِ هَذِهِ الْمُهِمَّاتِ السِّتَّةِ . الْأَوَّلُ الْمَطْعَمُ وَلَا بُدَّ لِلْإِنْسَانِ مِنْ قُوتٍ حَلَالٍ يُقِيمُ صُلْبَهُ وَلَكِنْ لَهُ طُولٌ وَعَرْضٌ فَلَا بُدَّ مِنْ قَبْضِ طُولِهِ وَعَرْضِهِ حَتَّى يَتِمَّ بِهِ الزُّهْدُ ، فَأَمَّا طُولُهُ فَبِالْإِضَافَةِ إِلَى جُمْلَةِ الْعُمْرِ فَإِنَّ مَنْ يَمْلِكُ طَعَامَ يَوْمِهِ فَلَا يَقْنَعُ بِهِ ، وَأَمَّا عَرْضُهُ فَفِي مِقْدَارِ الطَّعَامِ وَجِنْسِهِ وَوَقْتِ تَنَاوُلِهِ أَمَّا طُولُهُ فَلَا يَقْصُرُ إِلَّا بِقِصَرِ الْأَمَلِ ، وَأَقَلُّ دَرَجَاتِ الزُّهْدِ فِيهِ الِاقْتِصَارُ عَلَى قَدْرِ دَفْعِ الْجُوعِ عِنْدَ شِدَّةِ الْجُوعِ وَخَوْفِ الْمَرَضِ ، وَمَنْ هَذَا حَالُهُ فَإِذَا اسْتَقَلَّ بِمَا تَنَاوَلَهُ لَمْ يَدَّخِرْ مِنْ غَدَائِهِ لِعَشَائِهِ وَهَذِهِ هِيَ الدَّرَجَةُ الْعُلْيَا الدَّرَجَةُ الثَّانِيَةُ أَنْ يَدَّخِرَ لِشَهْرٍ أَوْ أَرْبَعِينَ يَوْمًا الدَّرَجَةُ الثَّالِثَةُ أَنْ يَدَّخِرَ لِسَنَةٍ فَقَطْ وَهَذِهِ رُتْبَةُ ضُعَفَاءِ الزُّهَّادِ ، وَمَنِ ادَّخَرَ لِأَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَتَسْمِيَتُهُ زَاهِدًا مُحَالٌ ؛ لِأَنَّ مَنْ أَمَّلَ بَقَاءً أَكْثَرَ مِنْ سَنَةٍ فَهُوَ طَوِيلُ الْأَمَلِ جِدًّا فَلَا يَتِمُّ مِنْهُ الزُّهْدُ إِلَّا إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ كَسْبٌ وَلَمْ يَرْضَ لِنَفْسِهِ الْأَخْذَ مِنْ أَيْدِي النَّاسِ كَدَاوُدَ الطَّائِيِّ فَإِنَّهُ وَرِثَ عِشْرِينَ دِينَارًا فَأَمْسَكَهَا وَأَنْفَقَهَا فِي عِشْرِينَ سَنَةً فَهَذَا لَا يُضَادُّ أَصْلَ الزُّهْدِ إِلَّا عِنْدَ مَنْ جَعَلَ التَّوَكُّلَ شَرْطَ الزُّهْدِ وَأَمَّا عَرْضُهُ فَبِالْإِضَافَةِ إِلَى الْمِقْدَارِ وَأَقَلُّ دَرَجَاتِهِ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ نِصْفُ رِطْلٍ وَأَوْسَطُهُ رِطْلٌ وَأَعْلَاهُ مُدٌّ وَاحِدٌ وَهُوَ مَا قَدَّرَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي إِطْعَامِ الْمِسْكِينِ فِي الْكَفَّارَةِ وَمَا وَرَاءَ ذَلِكَ فَهُوَ مِنِ اتِّسَاعِ الْبَطْنِ ، وَالِاشْتِغَالِ بِهِ وَمَنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الِاقْتِصَارِ عَلَى مُدٍّ لَمْ يَكُنْ لَهُ مِنَ الزُّهْدِ فِي الْبَطْنِ نَصِيبٌ ، وَأَمَّا بِالْإِضَافَةِ إِلَى الْجِنْسِ فَأَقَلُّهُ كُلُّ مَا يَقُوتُ وَلَوْ الْخُبْزَ مِنَ النُّخَالَةِ وَأَوْسَطُهُ خُبْزُ الشَّعِيرِ وَالذُّرَةِ وَأَعْلَاهُ خُبْزُ الْبُرِّ غَيْرِ مَنْخُولٍ فَإِذَا مُيِّزَ مِنَ النُّخَالَةَ وَصَارَ حُوَّارَى فَقَدْ دَخَلَ فِي التَّنَعُّمِ وَخَرَجَ عَنْ آخِرِ أَبْوَابِ الزُّهْدِ فَضْلًا عَنْ أَوَائِلِهِ . وَأَمَّا الْأُدْمُ فَأَقَلُّهُ الْمِلْحُ أَوِ الْبَقْلُ وَالْخَلُّ وَأَوْسَطُهُ الزَّيْتُ أَوْ يَسِيرٌ مِنَ الْأَدْهَانِ أَيَّ دُهْنٍ كَانَ وَأَعْلَاهُ اللَّحْمُ أَيَّ لَحْمٍ كَانَ ، وَذَلِكَ فِي الْأُسْبُوعِ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ فَإِنْ صَارَ دَائِمًا أَوْ أَكْثَرَ مِنْ مَرَّتَيْنِ فِي الْأُسْبُوعِ خَرَجَ . عَنْ آخِرِ أَبْوَابِ الزُّهْدِ فَلَمْ يَكُنْ صَاحِبُهُ زَاهِدًا فِي الْبَطْنِ أَصْلًا . وَأَمَّا بِالْإِضَافَةِ إِلَى الْوَقْتِ فَأَقَلُّهُ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ مَرَّةً وَهُوَ أَنْ يَكُونَ صَائِمًا وَأَوْسَطُهُ . أَنْ يَصُومَ وَيَشْرَبَ لَيْلَةً وَلَا يَأْكُلَ وَيَأْكُلَ لَيْلَةٍ وَلَا يَشْرَبَ وَأَعْلَاهُ أَنْ يَنْتَهِيَ إِلَى أَنْ يَطْوِيَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ أَوْ أُسْبُوعًا وَمَا زَادَ عَلَيْهِ وَقَدْ ذَكَرْنَا طَرِيقَ تَقْلِيلِ الطَّعَامِ وَكَسْرِ شَرَهِهِ فِي رُبْعِ الْمُهْلِكَاتِ وَلْيُنْظَرْ إِلَى أَحْوَالِ رَسُولِ اللَّهِ : صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالصَّحَابَةِ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ فِي كَيْفِيَّةِ زُهْدِهِمْ فِي الْمَطَاعِمِ وَتَرْكِهِمُ الْأُدْمَ . قَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا : كَانَتْ تَأْتِي عَلَيْنَا أَرْبَعُونَ لَيْلَةً وَمَا يُوقَدُ فِي بَيْتِ رَسُولِ اللَّهِ : صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِصْبَاحٌ وَلَا نَارٌ ، قِيلَ لَهَا : فَبِمَ كُنْتُمْ تَعِيشُونَ قَالَتْ : بِالْأَسْوَدَيْنِ التَّمْرِ وَالْمَاءِ وَهَذَا تُرِكَ اللَّحْمُ وَالْمَرَقَةُ وَالْأُدْمُ . وَقَالَ الْحَسَنُ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ : صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَرْكَبُ الْحِمَارَ وَيَلْبَسُ الصُّوفَ وَيَنْتَعِلُ الْمَخْصُوفَ وَيَلْعَقُ أَصَابِعَهُ وَيَأْكُلُ عَلَى الْأَرْضِ . وَيَقُولُ : إِنَّمَا أَنَا عَبْدٌ آكُلُ كَمَا تَأْكُلُ الْعَبِيدُ وَأَجْلِسُ كَمَا تَجْلِسُ الْعَبِيدُ . وَقَالَ الْمَسِيحُ عَلَيْهِ السَّلَامُ : بِحَقٍّ أَقُولُ لَكُمْ : إِنَّهُ مَنْ طَلَبَ الْفِرْدَوْسَ فَخُبْزُ الشَّعِيرِ لَهُ وَالنَّوْمُ عَلَى الْمَزَابِلِ مَعَ الْكِلَابِ كَثِيرٌ . وَقَالَ الْفُضَيْلُ مَا شَبِعَ رَسُولُ اللَّهِ : صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُنْذُ قَدِمَ الْمَدِينَةَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ مِنْ خُبْزِ الْبُرِّ . وَكَانَ الْمَسِيحُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسُلَّم يَقُولُ : يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَيْكُمْ بِالْمَاءِ الْقُرَاحِ وَالْبَقْلِ الْبَرِّيِّ وَخُبْزِ الشَّعِيرِ وَإِيَّاكُمْ وَخَبْزَ الْبُرِّ فَإِنَّكُمْ لَنْ تَقُومُوا بِشُكْرِهِ . وَقَدْ ذَكَرْنَا سِيرَةَ الْأَنْبِيَاءِ وَالسَّلَفِ فِي الْمَطْعَمِ وَالْمَشْرَبِ فِي رُبْعِ الْمُهْلِكَاتِ فَلَا نُعِيدُهُ . وَلَمَّا أَتَى النَّبِيُّ : صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَهْلَ قُبَاءَ أَتَوْهُ بِشَرْبَةٍ مِنْ لَبَنٍ مَشُوبَةٍ بِعَسَلٍ فَوَضَعَ الْقَدَحَ مِنْ يَدِهِ وَقَالَ : أَمَا إِنِّي لَسْتُ أُحَرِّمُهُ وَلَكِنْ أَتْرُكُهُ تَوَاضُعًا لِلَّهِ تَعَالَى . وَأُتِيَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : بِشَرْبَةٍ مِنْ مَاءٍ بَارِدٍ وَعَسَلٍ فِي يَوْمٍ صَائِفٍ فَقَالَ : اعْزِلُوا عَنِّي حِسَابَهَا . وَقَدْ قَالَ يَحْيَى بْنُ مُعَاذٍ الرَّازِيُّ الزَّاهِدُ الصَّادِقُ قُوتُهُ مَا وَجَدَ وَلِبَاسُهُ مَا سَتَرَ وَمَسْكَنُهُ حَيْثُ أَدْرَكَ الدُّنْيَا سِجْنُهُ ، وَالْقَبْرُ مَضْجَعُهُ ، وَالْخَلْوَةُ مَجْلِسُهُ ، وَالِاعْتِبَارُ فِكْرَتُهُ ، وَالْقُرْآنُ حَدِيثُهُ ، وَالرَّبُّ أَنِيسُهُ ، وَالذِّكْرُ رَفِيقُهُ ، وَالزُّهْدُ قَرِينُهُ ، وَالْحُزْنُ شَأْنُهُ ، وَالْحَيَاءُ شِعَارُهُ ، وَالْجُوعُ إِدَامُهُ ، وَالْحِكْمَةُ كَلَامُهُ ، وَالتُّرَابُ فِرَاشُهُ ، وَالتَّقْوَى زَادُهُ ، وَالصَّمْتُ غَنِيمَتُهُ ، وَالصَّبْرُ مُعْتَمَدُهُ ، وَالتَّوَكُّلُ حَسْبُهُ ، وَالْعَقْلُ دَلِيلُهُ ، وَالْعِبَادَةُ حِرْفَتُهُ ، وَالْجَنَّةُ مَبْلَغُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . إتحاف السادة المتقين (بَيَانُ تَفْصِيلِ الزُّهْدِ فِيمَا هُوَ مِنْ ضَرُورِيَّاتِ الْحَيَاةِ ) . (اعْلَمْ) وَفَّقَكَ اللَّهُ تَعَالَى (أَنَّ مَا النَّاسُ مُنْهَمِكُونَ فِيهِ يَنْقَسِمُ إِلَى فُضُولٍ) وَهُوَ مَا زَادَ عَلَى الْحَاجَةِ (وَإِلَى مُهِمٍّ) ضَرُورِيٍّ (وَالْفُضُولُ كَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ) أَيِ: الْمُعَلَّمَةِ أَوِ الْمَرْعِيَّةِ كَمَا فِي الصِّحَاحِ وَقَالَ الْأَزْهَرِيُّ: هِيَ الْمُرْسَلَةُ وَعَلَيْهَا رُكْبَانُهَا (إِذْ غَالِبُ النَّاسِ إِنَّمَا يَقْتَنِيهَا) وَيَتَّخِذُهَا (لِلتَّرَفُّهِ بِرُكُوبِهَا وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى رِجْلَيْهِ) أَوْ عَلَى خَيْلٍ أَقَلَّ مِنْهَا (وَالْمُهِمُّ كَالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَلَسْنَا نَقْدِرُ عَلَى تَفْصِيلِ أَصْنَافِ الْفُضُولِ فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَنْحَصِرُ) لِكَثْرَتِهَا (وَإِنَّمَا يَنْحَصِرُ الْمُهِمُّ الضَّرُورِيُّ) الَّذِي لَا بُدَّ مِنْهُ (وَالْمُهِمُّ) الضَّرُورِيُّ (أَيْضًا تَتَطَرَّقُ إِلَيْهِ فُضُولٌ فِي مِقْدَارِهِ وَجِنْسِهِ وَأَوْقَاتِهِ فَلَا بُدَّ مِنْ بَيَانِ وَجْهِ الزُّهْدِ فِيهِ، وَالْمُهِمَّاتُ سِتَّةُ أُمُورٍ) : الْأَوَّلُ: (الْمَطْعَمُ) وَالْمَشْرَبُ تَابِعٌ لَهُ (وَ) الثَّانِي (الْمَلْبَسُ وَ) الثَّالِثُ (الْمَسْكَنُ وَ) الرَّابِعُ (أَثَاثُهُ وَ) الْخَامِسُ (الْمَنْكَحُ وَ) السَّادِسُ (الْمَالُ وَ) أَمَّا (الْجَاهُ) فَإِنَّهُ (يُطْلَبُ لِأَغْرَاضٍ وَهَذِهِ السِّتَّةُ مِنْ جُمْلَتِهَا) أَيِ: الْأَغْرَاضُ (وَقَدْ ذَكَرْنَا مَعْنَى الْجَاهِ وَسَبَبَ حُبِّ الْخَلْقِ لَهُ وَكَيْفِيَّةَ الِاحْتِرَازِ عَنْهُ فِي كِتَابِ الرِّيَاءِ مِنْ رُبْعِ الْمُهْلِكَاتِ) فَلَا نُعِيدُهُ (وَنَحْنُ الْآنَ نَقْتَصِرُ عَلَى بَيَانِ هَذِهِ الْمُهِمَّاتِ السِّتَّةِ، الْأَوَّلُ الْمَطْعَمُ) فَنَقُولُ (وَلَا بُدَّ لِلْإِنْسَانِ مِنْ قُوتٍ حَلَالٍ يُقِيمُ صُلْبَهُ) وَيُقَوِّيهِ عَلَى الْعِبَادَةِ (وَلَكِنْ لَهُ طُولٌ وَعَرْضٌ فَلَا بُدَّ مِنْ قَبْضِ طُولِهِ وَعَرْضِهِ حَتَّى يَتِمَّ بِهِ الزُّهْدُ، فَأَمَّا طُولُهُ فَبِالْإِضَافَةِ إِلَى جُمْلَةِ الْعُمْرِ) وَفِي نُسْخَةٍ جَمِيعِ الْعُمْرِ (فَإِنَّ مَنْ يَمْلِكُ طَعَامَ يَوْمِهِ فَلَا يَقْنَعُ بِهِ، وَأَمَّا عَرْضُهُ فَفِي مِقْدَارِ الطَّعَامِ وَجِنْسِهِ وَوَقْتِ تَنَاوُلِهِ وَأَمَّا طُولُهُ فَلَا يَقْصُرُ إِلَّا بِقِصَرِ الْأَمَلِ، وَأَقَلُّ دَرَجَاتِ الِاقْتِصَارِ عَلَى قَدْرِ دَفْعِ الْجُوعِ عِنْدَ شِدَّةِ الْجُوعِ وَخَوْفِ الْمَرَضِ، وَمَنْ هَذَا حَالُهُ إِذَا اسْتَقَلَّ بِمَا تَنَاوَلَهُ وَلَمْ يَدَّخِرْ مِنْ غَدَائِهِ لِعَشَائِهِ) وَلَا مِنْ عَشَائِهِ لِغَدَائِهِ (وَهَذِهِ هِيَ الدَّرَجَةُ الْعُلْيَا) كَمَا سَبَقَ فِي الِادِّخَارِ (الثَّانِيَةُ أَنْ يَدَّخِرَ لِشَهْرٍ أَوْ أَرْبَعِينَ يَوْمًا) وَهِيَ الدَّرَجَةُ الْوُسْطَى (الثَّالِثَةُ أَنْ يَدَّخِرَ لِسَنَةٍ فَقَطْ) وَهِيَ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا . (وَهَذِهِ رُتْبَةُ ضُعَفَاءِ الزُّهَّادِ، وَمَنِ ادَّخَرَ لِأَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَتَسْمِيَتُهُ زَاهِدًا مُحَالٌ; لِأَنَّ مَنْ أَمَّلَ بَقَاءً أَكْثَرَ مِنْ سَنَةٍ فَهُوَ طَوِيلُ الْأَمَلِ جِدًّا فَلَا يَتِمُّ مِنْهُ الزُّهْدُ إِلَّا إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ كَسْبٌ وَلَمْ يَرْضَ لِنَفْسِهِ الْأَخْذَ مِنْ أَيْدِي النَّاسِ كَدَاوُدَ) بْنِ نُصَيْرٍ (الطَّائِيِّ) - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - (فَإِنَّهُ وَرِثَ عِشْرِينَ دِينَارًا فَأَمْسَكَهَا) لِنَفْسِهِ (وَأَنْفَقَهَا فِي عِشْرِينَ سَنَةً) رَوَاهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْحِلْيَةِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْعَبَّاسِ، حَدَّثَنَا سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ، حَدَّثَنَا سَهْلُ بْنُ عَاصِمٍ، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ زُفَرَ، أَخْبَرَنِي ابْنُ عَمٍّ لِدَاوُدَ قَالَ: وَرِثَ دَاوُدُ الطَّائِيُّ مِنْ أَبِيهِ عِشْرِينَ دِينَارًا فَأَكَلَهَا فِي عِشْرِينَ سَنَةً. كُلَّ سَنَةٍ دِينَارٌ مِنْهُ يَصِلُ وَمِنْهُ يَتَصَدَّقُ. (فَهَذَا لَا يُضَادُّ أَصْلَ الزُّهْدِ إِلَّا عِنْدَ مَنْ جَعَلَ التَّوَكُّلَ أَصْلَ الزُّهْدِ) وَسَيَأْتِي جَوَابُ أَبِي سُلَيْمَانَ الدَّارَانِيِّ عَنْ هَذَا (وَأَمَّا عَرْضُهُ فَبِالْإِضَافَةِ إِلَى الْمِقْدَارِ وَأَقَلُّ دَرَجَاتِهِ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ نِصْفُ رِطْلٍ وَأَوْسَطُهُ رِطْلٌ وَأَعْلَاهُ مُدٌّ وَاحِدٌ) وَهُوَ رِطْلٌ وَثُلُثٌ بِالْبَغْدَادِيِّ عِنْدَ أَهْلِ الْحِجَازِ فَهُوَ رُبْعُ صَاعٍ; لِأَنَّ الصَّاعَ خَمْسَةُ أَرْطَالٍ وَثُلُثٌ وَالْمُدَّ رِطْلَانِ عِنْدَ أَهْلِ الْعِرَاقِ (وَهُوَ مَا قَدَّرَهُ اللَّهُ فِي طَعَامِ الْمَسَاكِينِ فِي الْكَفَّارَةِ وَمَا وَرَاءَ ذَلِكَ فَهُوَ مِنِ اتِّسَاعِ الْبَطْنِ، وَالِاشْتِغَالِ بِهِ وَمَنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الِاقْتِصَارِ عَلَى مُدٍّ لَمْ يَكُنْ لَهُ مِنَ الزُّهْدِ فِي الْبَطْنِ نَصِيبٌ، وَأَمَّا بِالْإِضَافَةِ إِلَى الْجِنْسِ فَأَقَلُّهُ كُلُّ مَا يَقُوتُ وَلَوْ) كَانَ (الْخُبْزَ) الْمُتَّخَذَ (مِنَ النُّخَالَةِ وَأَوْسَطُهُ خُبْزُ الشَّعِيرِ وَالذُّرَةِ) وَالدُّخْنِ (وَأَعْلَاهُ خُبْزُ الْبُرِّ) مِنْ دَقِيقٍ (غَيْرِ مَنْخُولٍ فَإِذَا مَيَّزْتَ النُّخَالَةَ وَصَارَ حُوَّارَى فَقَدْ دَخَلَ فِي التَّنْعِيمِ وَخَرَجَ مِنْ آخِرِ أَبْوَابِ الزُّهْدِ فَضْلًا عَنْ أَوَائِلِهِ وَأَمَّا الْأُدْمُ فَأَقَلُّهُ الْمِلْحُ) الْجَرِيشُ (أَوِ الْبَقْلُ) مِنْ نَبَاتِ الْأَرْضِ (وَالْخَلُّ) مُنْفَرِدًا وَمَجْمُوعًا (وَأَوْسَطُهُ الزَّيْتُ أَوْ يَسِيرٌ مِنَ الْأَدْهَانِ أَيَّ دُهْنٍ كَانَ وَأَعْلَاهُ اللَّحْمُ أَيَّ لَحْمٍ كَانَ، وَذَلِكَ فِي الْأُسْبُوعِ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ فَإِنْ صَارَ دَائِمًا) فِي كُلِّ يَوْمٍ (أَوْ أَكْثَرَ مِنْ مَرَّتَيْنِ فِي الْأُسْبُوعِ خَرَجَ مِنْ آخِرِ أَبْوَابِ الزُّهْدِ فَلَمْ يَكُنْ صَاحِبُهُ زَاهِدًا فِي الْبَطْنِ أَصْلًا . وَأَمَّا بِالْإِضَافَةِ إِلَى الْوَقْتِ فَأَقَلُّهُ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ مَرَّةً) وَاحِدَةً (وَهُوَ أَنْ يَكُونَ صَائِمًا) فَيُفْطِرَ عَلَيْهِ (وَأَوْسَطُهُ أَنْ يَصُومَ وَيَشْرَبَ لَيْلَةً) عِنْدَ الْإِفْطَارِ (وَلَا يَأْكُلَ وَيَأْكُلَ كُلَّ لَيْلَةٍ) عِنْدَ الْإِفْطَارِ (وَلَا يَشْرَبَ وَأَعْلَاهُ أَنْ يَنْتَهِيَ إِلَى أَنْ يَطْوِيَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ) تِبَاعًا (وَأُسْبُوعًا) تِبَاعًا (وَمَا زَادَ عَلَيْهِ) فَلَا حَدَّ لَهُ (وَقَدْ ذَكَرْنَا طَرِيقَ تَقْلِيلِ الطَّعَامِ وَكَسْرِ شَرَهِهِ فِي رُبْعِ الْمُهْلِكَاتِ فَلَا نُعِيدُهُ وَلْيُنْظَرْ فِي أَحْوَالِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالصَّحَابَةِ) - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ - (فِي كَيْفِيَّةِ زُهْدِهِمْ فَى الْمَطَاعِمِ وَتَرْكِهِمُ الْأُدْمَ قَالَتْ عَائِشَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - : كَانَتْ تَأْتِي عَلَيْنَا أَرْبَعُونَ لَيْلَةً وَمَا يُوقَدُ فِي بَيْتِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِصْبَاحٌ وَلَا نَارٌ، قِيلَ لَهَا: فَبِمَ كُنْتُمْ تَعِيشُونَ قَالَتْ: بِالْأَسْوَدَيْنِ التَّمْرِ وَالْمَاءِ) وَلَفْظُ الْقُوتِ: قَدْ جَاءَتِ الْأَخْبَارُ فِي وَصْفِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَحَالِ أَهْلِ بَيْتِهِ وَأَزْوَاجِهِ: إِنْ كَانَ يَأْتِي عَلَيْهِمُ الْهِلَالُ بَعْدَ الْهِلَالِ ثَلَاثَةُ أَهِلَّةٍ وَلَا تُوقَدُ فِي بُيُوتِ أَزْوَاجِهِ نَارٌ وَلَا يُرَى دُخَانٌ لِخَبْزٍ وَلَا طَبْخٍ، قَالَ عُرْوَةُ فَقُلْتُ: لِعَائِشَةَ يَا أُمَّهْ، فَمَا كَانَتْ عَيْشُكُمْ؟ قَالَتِ: الْأَسْوَدَانِ التَّمْرُ وَالْمَاءُ، وَكَانَ لَنَا جِيرَانٌ مِنَ الْأَنْصَارِ يُرْسِلُونَ إِلَيْنَا بِاللَّبَنِ فِي الْحِينِ بَعْدَ الْحِينِ . قَالَ الْعِرَاقِيُّ: رَوَى ابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ يَأْتِي عَلَى آلِ مُحَمَّدٍ الشَّهْرُ مَا يُرَى فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِهِ دُخَانٌ وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ: مَا يُوقَدُ فِيهِ بِنَارٍ. وَلِأَحْمَدَ: كَانَ يَمُرُّ بِنَا هِلَالٌ وَهِلَالٌ مَا يُوقَدُ فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِهِ نَارٌ، وَفِي رِوَايَةٍ ثَلَاثَةُ أَهِلَّةٍ (وَهَذَا) أَيْ: تَعَيُّشُهُمْ بِالْأَسْوَدَيْنِ (تُرِكَ اللَّحْمُ وَالْمَرَقَةُ وَالْأُدْمُ وَقَالَ الْحَسَنُ) الْبَصْرِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - (كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَرْكَبُ الْحِمَارَ وَيَلْبَسُ الصُّوفَ وَيَنْتَعِلُ الْمَخْصُوفَ وَيَلْعَقُ أَصَابِعَهُ وَيَأْكُلُ عَلَى الْأَرْضِ وَيَقُولُ: إِنَّمَا أَنَا عَبْدٌ آكُلُ كَمَا يَأْكُلُ الْعَبِيدُ وَأَجْلِسُ كَمَا تَجْلِسُ الْعَبِيدُ) . قَالَ الْعِرَاقِيُّ: تَقَدَّمَ دُونَ قَوْلِهِ: إِنَّمَا أَنَا عَبْدٌ، فَإِنَّهُ لَيْسَ مِنْ حَدِيثِ الْحَسَنِ إِنَّمَا هُوَ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ. اهـ . قُلْتُ: وَرَوَى ابْنُ عَسَاكِرَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي أَيُّوبَ: كَانَ يَرْكَبُ الْحِمَارَ وَيَخْصِفُ النَّعْلَ وَيُرَقِّعُ الْقَمِيصَ وَيَلْبَسُ الصُّوفَ وَيَقُولُ مَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي، وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ كَانَ يَجْلِسُ عَلَى الْأَرْضِ وَيَأْكُلُ عَلَى الْأَرْضِ وَيَعْتَقِلُ الشَّاةَ وَيُجِيبُ دَعْوَةَ الْمَمْلُوكِ عَلَى خُبْزِ الشَّعِيرِ، وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ: كَانَ يُرْدِفُ خَلْفَهُ وَيَضَعُ طَعَامَهُ عَلَى الْأَرْضِ وَيُجِيبُ دَعْوَةَ الْمَمْلُوكِ وَيَرْكَبُ الْحِمَارَ، وَرَوَى أَبُو يَعْلَى مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ بِسَنَدٍ حَسَنٍ: آكُلُ كَمَا يَأْكُلُ الْعَبْدُ وَأَجْلِسُ كَمَا يَجْلِسُ الْعَبْدُ، وَعِنْدَ ابْنِ عَدِيٍّ: إِنَّمَا أَنَا عَبْدٌ آكُلُ مَا يَأْكُلُ الْعَبْدُ وَأَشْرَبُ كَمَا يَشْرَبُ الْعَبْدُ. (وَقَالَ عِيسَى - عَلَيْهِ السَّلَامُ - : بِحَقٍّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّهُ مَنْ طَلَبَ الْفِرْدَوْسَ فَخُبْزُ الشَّعِيرِ لَهُ وَالنَّوْمُ عَلَى الْمَزَابِلِ مَعَ الْكِلَابِ كَثِيرٌ) رَوَاهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْحِلْيَةِ وَابْنُ عَسَاكِرَ فِي التَّارِيخِ بِلَفْظِ: قَالَ عِيسَى - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَكْلُ الشَّعِيرِ مَعَ الرَّمَادِ وَالنَّوْمُ عَلَى الْمَزَابِلِ مَعَ الْكِلَابِ لَقَلِيلٌ فِي طَلَبِ الْفِرْدَوْسِ . (وَقَالَ الْفُضَيْلُ) بْنُ عِيَاضٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - (مَا شَبِعَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُنْذُ قَدِمَ الْمَدِينَةَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ مِنْ خُبْزِ الْبُرِّ) وَلَفْظُ الْقُوتِ: فِي الْخَبَرِ: مَا شَبِعَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَهْلُ بَيْتِهِ مِنْ خَبْزِ بُرٍّ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ حَتَّى لَحِقَ بِاللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - وَتَقَدَّمَ فِي أَخْلَاقِ النُّبُوَّةِ . (وَكَانَ عِيسَى - عَلَيْهِ السَّلَامُ - يَقُولُ: يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَيْكُمْ بِالْمَاءِ الْقُرَاحِ وَالْبَقْلِ الْبَرِّيِّ وَخُبْزِ الشَّعِيرِ وَإِيَّاكُمْ وَخَبْزَ الْبُرِّ فَإِنَّكُمْ لَنْ تَقُومُوا بِشُكْرِهِ) كَذَا فِي الْقُوتِ وَرَوَى ابْنُ عَسَاكِرَ مِنْ طَرِيقِ كَعْبِ الْأَحْبَارِ نَحْوَهُ (وَقَدْ ذَكَرْنَا سِيرَةَ الْأَنْبِيَاءِ) - عَلَيْهِمُ السَّلَامُ - (وَالسَّلَفِ) الصَّالِحِ (فِي الْمَطْعَمِ فِي رُبْعِ الْمُهْلِكَاتِ فَلَا نُعِيدُهُ) ثَانِيًا . (وَلَمَّا أَتَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَهْلَ قُبَاءَ أَتَوْهُ بِشَرْبَةٍ مِنْ لَبَنٍ مَشُوبَةٍ بِعَسَلٍ فَوَضَعَ الْقَدَحَ مِنْ يَدِهِ وَقَالَ: أَمَا إِنِّي لَسْتُ أُحَرِّمُهُ وَلَكِنْ أَتْرُكُهُ تَوَاضُعًا لِلَّهِ تَعَالَى) رَوَاهُ الْحَكِيمُ فِي النَّوَادِرِ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَتَاهُ أَوْسُ ابْنُ خَوْلَةَ بِقَدْحٍ فِيهِ لَبَنٌ وَعَسَلٌ فَوَضَعَهُ، وَقَالَ فَذَكَرَهُ وَفِي آخِرِهِ: فَإِنَّهُ مَنْ تَوَاضَعَ لِلَّهِ رَفَعَهُ اللَّهُ وَمَنِ اقْتَصَدَ أَغْنَاهُ اللَّهُ وَمَنْ بَذَّرَ أَفْقَرَهُ اللَّهُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ . (وَأُتِيَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - بِشَرْبَةٍ مِنْ مَاءٍ بَارِدٍ وَعَسَلٍ فِي يَوْمٍ صَائِفٍ) فَذَاقَهَا فَإِذَا مَاءٌ وَعَسَلٌ (فَقَالَ: اعْزِلُوا عَنِّي حِسَابَهَا) اعْزِلُوا عَنِّي مُؤْنَتَهَا. رَوَاهُ جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، حَدَّثَنَا حَوْشَبٌ عَنِ الْحَسَنِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ . (وَقَدْ قَالَ يَحْيَى بْنُ مُعَاذٍ الرَّازِيُّ) - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - (الزَّاهِدُ الصَّادِقُ قُوتُهُ مَا وَجَدَ وَلِبَاسُهُ مَا سَتَرَ وَمَسْكَنُهُ حَيْثُ أَدْرَكَ) أَيْ: حَيْثُ يُدْرِكُهُ اللَّيْلُ يَأْوِي (الدُّنْيَا سِجْنُهُ، وَالْقَبْرُ مَضْجَعُهُ، وَالْخَلْوَةُ مَجْلِسُهُ، وَالِاعْتِبَارُ فِكْرَتُهُ، وَالْقُرْآنُ حَدِيثُهُ، وَالرَّبُّ أَنِيسُهُ، وَالذِّكْرُ رَفِيقُهُ، وَالزُّهْدُ قَرِينُهُ، وَالْحُزْنُ شَأْنُهُ، وَالْحَيَاءُ شِعَارُهُ، وَالْجُوعُ إِدَامُهُ، وَالْحِكْمَةُ كَلَامُهُ، وَالتُّرَابُ فِرَاشُهُ، وَالتَّقْوَى زَادُهُ، وَالصَّمْتُ غَنِيمَتُهُ، وَالصَّبْرُ مُعْتَمَدُهُ، وَالتَّوَكُّلُ حَسْبُهُ، وَالْعَقْلُ دَلِيلُهُ، وَالْعِبَادَةُ حِرْفَتُهُ، وَالْجَنَّةُ مَبْلَغُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى) فَقَدْ أَدْرَجَ فِيهِ جُمْلَةً مِنَ الْمَقَامَاتِ: الِاعْتِبَارُ وَالْحُزْنُ وَالْحَيَاءُ وَالصَّبْرُ وَالتَّوَكُّلُ وَالتَّقْوَى، وَقَالَ ذُو النُّونِ الْمِصْرِيُّ: الزَّاهِدُ قُوتُهُ مَا وَجَدَ وَثَوْبُهُ مَا سَتَرَ وَبَيْتُهُ مَا آوَاهُ وَمَالُهُ وَقْتُهُ .

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية