الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
معلومات الكتاب

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين

مرتضى الزبيدي - محمد بن محمد الحسيني الزبيدي

جزء صفحة
إحياء علوم الدين وَأَمَّا بِالْإِضَافَةِ إِلَى خَفَايَا مَا يَتْرُكُهُ فَلَا نِهَايَةَ لِلزُّهْدِ فِيهِ إِذْ لَا نِهَايَةَ لِمَا تَتَمَتَّعُ بِهِ النَّفْسُ فِي الْخَطَرَاتِ وَاللَّحَظَاتِ وَسَائِرِ الْحَالَاتِ لَا سِيَّمَا خَفَايَا الرِّيَاءِ فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ إِلَّا سَمَاسِرَةُ الْعُلَمَاءِ بَلِ الْأَحْوَالُ الظَّاهِرَةُ أَيْضًا دَرَجَاتُ الزُّهْدِ فِيهَا لَا تَتَنَاهَى فَمِنْ أَقْصَى دَرَجَاتِهِ زُهْدُ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ : إِذْ تَوَسَّدَ حَجَرًا فِي نَوْمِهِ فَقَالَ لَهُ الشَّيْطَانُ أَمَا كُنْتَ تَرَكْتَ الدُّنْيَا فَمَا الَّذِي بَدَا لَكَ ؟ قَالَ : وَمَا الَّذِي تَجَدَّدَ قَالَ تَوَسُّدُكَ الْحَجَرَ أَيْ : تَنَعَّمْتَ بِرَفْعِ رَأْسِكَ عَنِ الْأَرْضِ فِي النَّوْمِ فَرَمَى الْحَجَرَ وَقَالَ خُذْهُ مَعَ مَا تَرَكْتُهُ لَكَ . وَرُوِيَ عَنْ يَحْيَى بْنِ زَكَرِيَّا عَلَيْهِمَا السَّلَامُ : أَنَّهُ لَبِسَ الْمُسُوحَ حَتَّى ثُقِبَ جِلْدُهُ تَرْكًا لِلتَّنَعُّمِ بِلِينِ اللِّبَاسِ وَاسْتِرَاحَةِ حِسِّ اللَّمْسِ فَسَأَلَتْهُ أُمُّهُ أَنْ يَلْبَسَ مَكَانَ الْمَسْحِ جُبَّةً مِنْ صُوفٍ فَفَعَلَ فَأَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إِلَيْهِ يَا يَحْيَى آثَرْتَ عَلَيَّ الدُّنْيَا فَبَكَى وَنَزَعَ الصُّوفَ وَعَادَ إِلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ . وَقَالَ أَحْمَدُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى الزُّهْدُ زُهْدُ أُوَيْسٍ بَلَغَ مِنَ الْعُرْيِ أَنْ جَلَسَ فِي قَوْصَرَّةٍ . وَجَلَسَ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ : فِي ظِلِّ حَائِطِ إِنْسَانٍ فَأَقَامَهُ صَاحِبُ الْحَائِطِ فَقَالَ مَا أَقَمْتَنِي أَنْتَ إِنَّمَا أَقَامَنِي الَّذِي لَمْ يَرْضَ لِي أَنْ أَتَنَعَّمَ بِظِلِّ الْحَائِطِ فَإِذًا دَرَجَاتُ الزُّهْدِ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا لَا حَصْرَ لَهَا وَأَقَلُّ دَرَجَاتِهِ الزُّهْدُ فِي كُلِّ شُبْهَةٍ وَمَحْظُورٍ . وَقَالَ قَوْمٌ الزُّهْدُ هُوَ الزُّهْدُ الْحَلَالِ فِي الشُّبْهَةِ وَالْمَحْظُورِ ، فَلَيْسَ ذَلِكَ مِنْ دَرَجَاتِهِ فِي شَيْءٍ ثُمَّ رَأَوْا أَنَّهُ لَمْ يَبْقَ حَلَالٌ فِي أَمْوَالِ الدُّنْيَا فَلَا يُتَصَوَّرُ الزُّهْدُ الْآنَ . فَإِنْ قُلْتَ : مَهْمَا كَانَ الصَّحِيحُ هُوَ أَنَّ الزُّهْدَ تَرْكُ مَا سِوَى اللَّهِ ، فَكَيْفَ يُتَصَوَّرُ ذَلِكَ مَعَ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَاللِّبْسِ وَمُخَالَطَةِ النَّاسِ وَمُكَالَمَتِهِمْ وَكُلُّ ذَلِكَ اشْتِغَالٌ بِمَا سِوَى اللَّهِ تَعَالَى ؟ فَاعْلَمْ أَنَّ مَعْنَى الِانْصِرَافِ عَنِ الدُّنْيَا إِلَى اللَّهِ تَعَالَى هُوَ الْإِقْبَالُ بِكُلِّ الْقَلْبِ عَلَيْهِ ذِكْرًا وَفِكْرًا وَلَا يُتَصَوَّرُ ذَلِكَ إِلَّا مَعَ الْبَقَاءِ وَلَا بَقَاءَ إِلَّا بِضَرُورِيَّاتِ النَّفْسِ فَمَهْمَا اقْتَصَرْتَ مِنَ الدُّنْيَا عَلَى دَفْعِ الْمُهْلِكَاتِ عَنِ الْبَدَنِ وَكَانَ غَرَضُكَ الِاسْتِعَانَةَ بِالْبَدَنِ عَلَى الْعِبَادَةِ لَمْ تَكُنْ مُشْتَغِلًا بِغَيْرِ اللَّهِ فَإِنَّ مَا لَا يُتَوَصَّلُ إِلَى الشَّيْءِ إِلَّا بِهِ فَهُوَ مِنْهُ ، فَالْمُشْتَغِلُ بِعَلَفِ النَّاقَةِ وَبِسَقْيِهَا فِي طَرِيقِ الْحَجِّ لَيْسَ مُعْرِضًا عَنِ الْحَجِّ ، وَلَكِنْ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ بَدَنُكَ فِي طَرِيقِ اللَّهِ مِثْلَ نَاقَتِكَ فِي طَرِيقِ الْحَجِّ وَلَا غَرَضَ لَكَ فِي تَنَعُّمِ نَاقَتِكَ بِاللَّذَّاتِ بَلْ غَرَضُكَ مَقْصُورٌ عَلَى دَفْعِ الْمُهْلِكَاتِ عَنْهَا حَتَّى تَسِيرَ بِكَ إِلَى مَقْصِدِكَ فَكَذَلِكَ يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ فِي صِيَانَةِ بَدَنِكَ عَنِ الْجُوعِ وَالْعَطَشِ الْمُهْلِكِ بِالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَعَنِ الْحَرِّ وَالْبَرْدِ الْمُهْلِكِ بِاللِّبَاسِ وَالْمَسْكَنِ فَتَقْصُرُ عَلَى قَدْرِ الضَّرُورَةِ وَلَا تَقْصِدَ التَّلَذُّذَ بَلِ التَّقَوِّيَ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ تَعَالَى فَذَلِكَ لَا يُنَاقِضُ الزُّهْدَ بَلْ هُوَ شَرْطُ الزُّهْدِ وَإِنْ قُلْتَ : فَلَا بُدَّ وَأَنْ أَتَلَذَّذَ بِالْأَكْلِ عِنْدَ الْجُوعِ فَاعْلَمْ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَضُرُّكَ إِذَا لَمْ يَكُنْ قَصْدُكَ التَّلَذُّذَ ، فَإِنَّ شَارِبَ الْمَاءِ الْبَارِدِ قَدْ يَسْتَلِذُّ الشُّرْبَ وَيَرْجِعُ حَاصِلُهُ إِلَى زَوَالِ أَلَمِ الْعَطَشِ وَمَنْ يَقْضِي حَاجَتَهُ قَدْ يَسْتَرِيحُ بِذَلِكَ . وَلَكِنْ لَا يَكُونُ ذَلِكَ مَقْصُودًا عِنْدَهُ وَمَطْلُوبًا بِالْقَصْدِ فَلَا يَكُونُ الْقَلْبُ مُنْصَرِفًا إِلَيْهِ فَالْإِنْسَانُ قَدْ يَسْتَرِيحُ فِي قِيَامِ اللَّيْلِ بِتَنَسُّمِ الْأَسْحَارِ وَصَوْتِ الْأَطْيَارِ وَلَكِنْ إِذَا لَمْ يَقْصِدْ طَلَبَ مَوْضِعٍ لِهَذِهِ الِاسْتِرَاحَةِ فَمَا يُصِيبُهُ مِنْ ذَلِكَ بِغَيْرِ قَصْدٍ لَا يَضُرُّهُ وَلَقَدْ كَانَ فِي الْخَائِفِينَ مَنْ طَلَبَ مَوْضِعًا لَا يُصِيبُهُ فِيهِ نَسِيمُ الْأَسْحَارِ خِيفَةً مِنَ الِاسْتِرَاحَةِ بِهِ وَأُنْسِ الْقَلْبِ مَعَهُ فَيَكُونُ فِيهِ أُنْسٌ بِالدُّنْيَا وَنُقْصَانٌ فِي الْأُنْسِ بِاللَّهِ بِقَدْرِ وُقُوعِ الْأُنْسِ بِغَيْرِ اللَّهِ وَلِذَلِكَ كَانَ دَاوُدُ الطَّائِيُّ لَهُ جُبٌّ مَكْشُوفٌ فِيهِ مَاؤُهُ فَكَانَ لَا يَرْفَعُهُ مِنَ الشَّمْسِ وَيَشْرَبُ الْمَاءَ الْحَارَّ وَيَقُولُ : مَنْ وَجَدَ لَذَّةَ الْمَاءِ الْبَارِدِ شَقَّ عِلْيَهِ مُفَارَقَةُ الدُّنْيَا فَهَذِهِ مَخَاوِفُ الْمُحْتَاطِينَ وَالْحَزْمُ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ الِاحْتِيَاطُ فَإِنَّهُ وَإِنْ كَانَ شَاقًّا فَمُدَّتُهُ قَرِيبَةٌ وَالِاحْتِمَاءُ مُدَّةٌ يَسِيرَةٌ لِلتَّنَعُّمِ عَلَى التَّأْبِيدِ لَا يَثْقُلُ عَلَى أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ الْقَاهِرِينَ لِأَنْفُسِهِمْ بِسِيَاسَةِ الشَّرْعِ الْمُعْتَصِمِينَ بِعُرْوَةِ الْيَقِينِ فِي مَعْرِفَةِ الْمُضَادَّةِ الَّتِي بَيْنَ الدُّنْيَا وَالدِّينِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ . إتحاف السادة المتقين (وَأَمَّا بِالْإِضَافَةِ إِلَى خَفَايَا مَا يَتْرُكُهُ فَلَا نِهَايَةَ لِلزُّهْدِ فِيهِ إِذْ لَا نِهَايَةَ لِمَا تَتَمَتَّعُ بِهِ النَّفْسُ فِي الْخَطَرَاتِ وَاللَّحَظَاتِ وَسَائِرِ الْحَالَاتِ لَا سِيَّمَا خَفَايَا الرِّيَاءِ فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ إِلَّا سَمَاسِرَةُ الْعُلَمَاءِ) أَيْ: نُقَّادُهُمْ وَجَهَابِذَتُهُمْ، وَفِي الْقُوتِ: وَمِنْ أَفْضَلِ الزُّهْدِ الزُّهْدُ فِي الرِّيَاسَةِ عَلَى النَّاسِ وَفِي الْمَنْزِلَةِ وَالْجَاهِ عِنْدَهُمْ، وَالزُّهْدُ فِي حُبِّ الثَّنَاءِ وَالْمَدْحِ مِنْهُمْ; لِأَنَّ هَذِهِ الْمَعَانِيَ هِيَ أَكْبَرُ أَبْوَابِ الدُّنْيَا عِنْدَ الْعُلَمَاءِ، فَالزُّهْدُ فِيهَا هُوَ زُهْدُ الْعُلَمَاءِ، كَانَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ يَقُولُ الزُّهْدُ فِي الرِّيَاسَةِ وَمَدْحِ الْخَلْقِ أَشَدُّ مِنَ الزُّهْدِ فِي الدِّينَارِ وَالدِّرْهَمِ قَالَ: لِأَنَّ الدِّينَارَ وَالدِّرْهَمَ قَدْ يُبْذَلَانِ فِي طَلَبِ ذَلِكَ، وَكَانَ يَقُولُ: هَذَا بَابٌ غَامِضٌ لَا يَتَبَصَّرُ بِهِ إِلَّا سَمَاسِرَةُ الْعُلَمَاءِ . وَقَالَ الْفُضَيْلُ: نَقْلُ الصُّخُورِ مِنَ الْجِبَالِ أَيْسَرُ مِنْ إِزَالَةِ رِيَاسَةٍ قَدْ ثَبَتَتْ فِي قَلْبِ جَاهِلٍ، قُلْتُ: وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ أَبِي الْحَوَارِيِّ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ خَلَفٍ قَالَ: الْوَرَعُ فِي الْمَنْطِقِ أَشَدُّ مِنْهُ فِي الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَالزُّهْدُ فِي الرِّيَاسَةِ أَشَدُّ مِنْهُ فِي الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ لِأَنَّكَ تَبْذُلُهُمَا فِي طَلَبِ الرِّيَاسَةِ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ يُوسُفَ بْنِ أَسْبَاطٍ نَحْوُهُ كَمَا فِي الْحِلْيَةِ . (بَلِ الْأُمُورُ الظَّاهِرَةُ أَيْضًا دَرَجَاتُ الزُّهْدِ فِيهَا لَا تَتَنَاهَى فَمِنْ أَقْصَى دَرَجَاتِهَا زُهْدُ عِيسَى - عَلَيْهِ السَّلَامُ - إِذْ تَوَسَّدَ حَجَرًا فِي نَوْمِهِ فَقَالَ لَهُ الشَّيْطَانُ أَمَا كُنْتَ تَرَكْتَ الدُّنْيَا فَمَا الَّذِي بَدَّلَكَ؟ قَالَ: وَمَا الَّذِي تَجَدَّدَ قَالَ تَوَسُّدُكَ الْحَجَرَ أَيْ: تَنَعَّمْتَ بِرَفْعِ رَأْسِكَ عَنِ الْأَرْضِ فِي النَّوْمِ فَرَمَى الْحَجَرَ وَقَالَ خُذْهُ فِيمَا تَرَكْتُهُ لَكَ) وَلَفْظُ الْقُوتِ: وَلَا نِهَايَةَ لِلزُّهْدِ عِنْدَ طَائِفَةٍ مِنَ الْعَارِفِينَ; لِأَنَّهُ قَدْ يَقَعُ عَنْ نِهَايَةِ مَعَارِفِهِمْ بِدَقَائِقِ أَبْوَابِ الدُّنْيَا وَخَفَايَا لَوَائِحِ الْهَوَى، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: نِهَايَةُ الزُّهْدِ أَنْ تَزْهَدَ فِي كُلِّ شَيْءٍ وَتَتَوَرَّعَ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ لِلنَّفْسِ فِيهِ مُتْعَةٌ وَبِهِ رَاحَةٌ، فَهَذَا كَمَا رُوِيَ عَنْ عِيسَى - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَنَّهُ قَدْ وَضَعَ تَحْتَ رَأْسِهِ حَجَرًا فَكَأَنَّهُ لَمَّا ارْتَفَعَ رَأْسُهُ عَنِ الْأَرْضِ اسْتَرَاحَ بِذَلِكَ فَعَارَضَهُ إِبْلِيسُ فَقَالَ: يَا ابْنَ مَرْيَمَ أَلَيْسَ تَزْعُمُ أَنَّكَ زَهِدْتَ فِي الدُّنْيَا؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَهَذَا الَّذِي وَطَّأْتَهُ تَحْتَ رَأْسِكَ مِنْ أَيِّ شَيْءٍ هُوَ؟ قَالَ: فَرَمَى عِيسَى بِالْحَجَرِ وَقَالَ هَذَا لَكَ مَعَ مَا تَرَكْتُ. اهـ . قُلْتُ: أَخْرَجَهُ ابْنُ عَسَاكِرَ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ قَالَ: إِنَّ عِيسَى - عَلَيْهِ السَّلَامُ - مَرَّ بِهِ إِبْلِيسُ يَوْمًا وَهُوَ مُتَوَسِّدٌ حَجَرًا وَقَدْ وَجَدَ لَذَّةَ النَّوْمِ فَقَالَ لَهُ يَا عِيسَى أَتَزْعُمُ أَنَّكَ لَا تُرِيدُ شَيْئًا مِنْ عَرَضِ الدُّنْيَا؟ فَقَامَ عِيسَى - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فَأَخَذَ الْحَجَرَ وَرَمَى بِهِ وَقَالَ: هَذَا لَكَ مَعَ الدُّنْيَا. (وَ) مِثْلُهُ (رَوَى عَنْ يَحْيَى بْنِ زَكَرِيَّا - عَلَيْهِمَا السَّلَامُ - أَنَّهُ لَبِسَ الْمُسُوحَ حَتَّى نُقِبَ جِلْدُهُ) أَيْ: أَثَّرَ فِيهِ لِخُشُونَتِهِ، وَكَانَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - قَدْ طَلَبَ مِنْ أُمِّهِ ذَلِكَ حِينَ مَرَّ بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ وَرَأَى الرُّهْبَانَ لَابِسِينَ ذَلِكَ (تَرْكًا لِلتَّنَعُّمِ بِلِينِ اللِّبَاسِ وَاسْتِرَاحَةِ حِسِّ اللَّمْسِ فَسَأَلَتْهُ أُمُّهُ أَنْ يَلْبَسَ مَكَانَ الْمَسْحِ جُبًّا مِنْ صُوفٍ) لِأَنَّهُ أَلْيَنُ مِنَ الشَّعْرِ (فَفَعَلَ) طَاعَةً لِأُمِّهِ; لِأَنَّهُ كَانَ بَارًّا بِهَا (فَأَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إِلَيْهِ يَا يَحْيَى آثَرْتَ عَلَيَّ الدُّنْيَا فَبَكَى وَنَزَعَ الصُّوفَ وَعَادَ إِلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ) وَلَبِسَ مَدْرَعَتَهُ مِنَ الشَّعْرِ نَقَلَهُ صَاحِبُ الْقُوتِ . (وَقَالَ أَحْمَدُ) بْنُ حَنْبَلٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - (الزُّهْدُ زُهْدُ أُوَيْسٍ) الْقَرَنِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - (بَلَغَ مِنَ الْعُرْيِ إِلَى أَنْ جَلَسَ فِي قَوْصَرَّةٍ) نَقَلَهُ صَاحِبُ الْقُوتِ; وَالْقَوْصَرَّةُ بِالتَّخْفِيفِ وَالتَّثْقِيلِ وِعَاءُ التَّمْرِ يُتَّخَذُ مِنْ قَصَبٍ (وَجَلَسَ عِيسَى - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فِي ظِلِّ حَائِطِ إِنْسَانٍ فَأَقَامَهُ صَاحِبُ الْحَائِطِ فَقَالَ مَا أَقَمْتَنِي أَنْتَ إِنَّمَا أَقَامَنِي الَّذِي لَمْ يَرْضَ لِي أَنْ أَتَنَعَّمَ بِظِلِّ الْحَائِطِ) رَوَاهُ ابْنُ عَسَاكِرَ عَنْ أَبِي سُلَيْمَانَ الدَّارَانِيِّ قَالَ بَيْنَمَا عِيسَى - عَلَيْهِ السَّلَامُ - يَمْشِي فِي يَوْمٍ صَائِفٍ وَقَدْ مَسَّهُ الْحَرُّ وَالشَّمْسُ وَالْعَطَشُ فَجَلَسَ فِي ظِلِّ خَيْمَةٍ فَخَرَجَ إِلَيْهِ صَاحِبُ الْخَيْمَةِ فَقَالَ يَا عَبْدَ اللَّهِ قُمْ مِنْ ظِلِّنَا، فَقَامَ عِيسَى وَجَلَسَ فِي الشَّمْسِ، وَقَالَ: لَيْسَ أَنْتَ الَّذِي أَقَمْتَنِي إِنَّمَا أَقَامَنِي الَّذِي لَمْ يُرِدْ أَنْ أُصِيبَ مِنَ الدُّنْيَا شَيْئًا (فَإِذَا دَرَجَاتُ الزُّهْدِ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا لَا حَصْرَ لَهَا) إِذًا لَا نِهَايَةَ لِمَعَارِفِ الزَّاهِدِينَ بِدَقَائِقِ أَبْوَابِ الدُّنْيَا وَخَفَايَا لَوَائِحِ الْهَوَى (وَأَقَلُّ دَرَجَاتِهِ الزُّهْدُ فِي كُلِّ شُبْهَةٍ وَمَحْظُورٍ) وَهُوَ زُهْدُ الْوَارِعِينَ بِهِ يُكْمِلُ إِيمَانَهُمْ كَمَا سَبَقَ قَرِيبًا . (وَقَالَ قَوْمٌ الزُّهْدُ هُوَ الزُّهْدُ فِي الْحَلَالِ لَا فِي الشُّبَهِ وَالْمَحْظُورِ، فَلَيْسَ ذَلِكَ مِنْ دَرَجَاتِهِ فِي شَيْءٍ ثُمَّ رَأَوْا أَنَّهُ لَمْ يَبْقَ حَلَالٌ فِي أَمْوَالِ الدُّنْيَا فَلَا يُتَصَوَّرُ الزُّهْدُ الْآنَ) رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْهُمْ يُوسُفُ بْنُ أَسْبَاطٍ قَالَ صَاحِبُ الْحِلْيَةِ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ قُتَيْبَةَ، حَدَّثَنَا الْمُسَيِّبُ بْنُ وَاضِحٍ، حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ أَسْبَاطٍ عَنِ الزُّهْدِ مَا هُوَ؟ قَالَ: أَنْ تَزْهَدْ فِيمَا أَحَلَّ اللَّهُ فَأَمَّا مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَإِنِ ارْتَكَبْتَهُ عَذَّبَكَ اللَّهُ. وَحَدَّثَنَا أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ حَيَّانَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ مَنْصُورٍ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ الطَّنَافِسِيُّ، حَدَّثَنَا سَهْلٌ أَبُو الْحَسَنِ، سَمِعْتُ يُوسُفَ بْنَ أَسْبَاطٍ يَقُولُ: لَوْ أَنَّ رَجُلًا فِي تَرْكِ الدُّنْيَا مِثْلُ أَبِي ذَرٍّ وَسَلْمَانَ وَأَبِي الدَّرْدَاءِ مَا قُلْنَا لَهُ زَاهِدٌ; لِأَنَّ الزُّهْدَ لَا يَكُونُ إِلَّا فِي الْحَلَالِ الْمَحْضِ وَالْحَلَالُ الْمَحْضُ لَا يُعْرَفُ الْيَوْمَ. (فَإِنْ قُلْتَ: مَهْمَا كَانَ الصَّحِيحُ هُوَ أَنَّ الزُّهْدَ هُوَ تَرْكُ مَا سِوَى اللَّهِ، فَكَيْفَ يُتَصَوَّرُ ذَلِكَ مَعَ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَاللِّبْسِ وَمُخَالَطَةِ النَّاسِ وَمُكَالَمَتِهِمْ وَكُلُّ ذَلِكَ اشْتِغَالٌ بِمَا سِوَى اللَّهِ؟ فَاعْلَمْ أَنَّ مَعْنَى) الْعُزُوفِ وَ (الِانْصِرَافِ مِنَ الدُّنْيَا إِلَى اللَّهِ تَعَالَى هُوَ الْإِقْبَالُ بِكُلِّ الْقَلْبِ عَلَيْهِ ذِكْرًا وَفِكْرًا) وَالتَّوَجُّهُ بِكُنْهِ الْهِمَّةِ إِلَيْهِ (وَلَا يُتَصَوَّرُ ذَلِكَ إِلَّا مَعَ الْبَقَاءِ وَلَا بَقَاءَ إِلَّا بِضَرُورِيَّاتِ النَّفْسِ) مِمَّا تَحْتَاجُ إِلَيْهِ اضْطِرَارًا (فَمَهْمَا اقْتَصَرْتَ مِنَ الدُّنْيَا عَلَى دَفْعِ الْمُهْلِكَاتِ عَنِ الْبَدَنِ وَكَانَ) قَصْدُكَ وَ (غَرَضُكَ الِاسْتِعَانَةَ بِالْبَدَنِ عَلَى الْعِبَادَةِ لَمْ تَكُنْ مُشْتَغِلًا بِغَيْرِ اللَّهِ فَإِنَّ مَا لَا يُتَوَصَّلُ إِلَى الشَّيْءِ إِلَّا بِهِ فَهُوَ مِنْهُ، فَالْمُشْتَغِلُ بِعَلَفِ النَّاقَةِ وَبِسَقْيِهَا) وَرِعَايَتِهَا فِي خِدْمَتِهَا (فِي طَرِيقِ الْحَجِّ لَيْسَ مُعْرِضًا عَنِ الْحَجِّ، وَلَكِنْ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ بَدَنُكَ فِي طَرِيقِ اللَّهِ مِثْلَ نَاقَتِكَ فِي طَرِيقِ الْحَجِّ وَلَا غَرَضَ لَكَ فِي تَنَعُّمِ نَاقَتِكَ بِالذَّاتِ بَلْ غَرَضُكَ مَقْصُورٌ عَلَى دَفْعِ الْمُهْلِكَاتِ عَنْهَا حَتَّى تَحْمِلَكَ وَتَسِيرَ بِكَ إِلَى مَقْصِدِكَ فَكَذَلِكَ يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ فِي صِيَانَةِ بَدَنِكَ عَنِ الْجُوعِ وَالْعَطَشِ الْمُهْلِكِ بِالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَعَنِ الْحَرِّ وَالْبَرْدِ الْمُهْلِكِ بِاللِّبَاسِ وَالْمَسْكَنِ فَتَقْتَصِرَ عَلَى قَدْرِ الضَّرُورَةِ وَلَا تَقْصِدَ التَّلَذُّذَ) وَالتَّنَعُّمَ (بَلِ التَّقَوِّيَ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ تَعَالَى فَذَلِكَ لَا يُنَاقِضُ الزُّهْدَ بَلْ هُوَ شَرْطُ الزُّهْدِ) لِأَنَّهُ بِهِ حُصُولُهُ . (وَإِنْ قُلْتَ: فَلَا بُدَّ وَأَنْ أَتَلَذَّذَ بِأَكْلٍ ذَلِكَ عِنْدَ الْجُوعِ فَاعْلَمْ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَضُرُّكَ إِذَا لَمْ يَكُنْ قَصْدُكَ التَّلَذُّذَ، فَإِنَّ شَارِبَ الْمَاءِ الْبَارِدِ قَدْ يَتَلَذَّذُ بِالشُّرْبِ وَيَرْجِعُ حَاصِلُهُ إِلَى زَوَالِ أَلَمِ الْعَطَشِ وَمَنْ يَقْضِي حَاجَتَهُ قَدْ يَسْتَرِيحُ بِذَلِكَ، وَلَكِنْ لَا يَكُونُ ذَلِكَ مَقْصُودًا عِنْدَهُ وَمَطْلُوبًا بِالْقَصْدِ فَلَا يَكُونُ الْقَلْبُ مُنْصَرِفًا إِلَيْهِ فَالْإِنْسَانُ قَدْ يَسْتَرِيحُ بِقِيَامِ اللَّيْلِ بِتَنَسُّمِ الْأَسْحَارِ وَصَوْتِ الطُّيُورِ) النَّاغِيَةِ (وَلَكِنْ إِذَا لَمْ يَقْصِدْ طَلَبَ مَوْضِعٍ لِهَذِهِ الِاسْتِرَاحَةِ فَمَا يُصِيبُهُ مِنْ ذَلِكَ بِغَيْرِ قَصْدِهِ لَا يَضُرُّهُ وَلَقَدْ كَانَ فِي الْخَائِفِينَ) مِنَ الزَّاهِدِينَ (مَنْ طَلَبَ) لِنَفْسِهِ (مَوْضِعًا لَا يُصِيبُهُ فِيهِ نَسِيمُ الْأَسْحَارِ خِيفَةً مِنَ الِاسْتِرَاحَةِ بِهِ وَأُنْسِ الْقَلْبِ مَعَهُ فَيَكُونُ فِيهِ أُنْسٌ إِلَى الدُّنْيَا وَنُقْصَانٌ) فِي الْأُنْسِ بِاللَّهِ (بِقَدْرِ وُقُوعِ الْأُنْسِ بِغَيْرِ اللَّهِ) . وَيُرْوَى أَنَّ اللَّهَ أَوْحَى إِلَى مُوسَى - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَنَّ "بِرُخَّ" يَعْنِي: الْأَسْوَدَ الَّذِي كَانَ مُوسَى اسْتَسْقَى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ، نِعْمَ الْعَبْدُ هُوَ إِلَّا أَنَّ فِيهِ عَيْبًا، قَالَ: وَمَا هُوَ؟ قَالَ: يُعْجِبُهُ نَسِيمُ السَّحَرِ فَيَسْكُنُ إِلَيْهِ وَمَنْ أَحَبَّنِي لَمْ يُعْجِبْهُ شَيْءٌ أَوْ لَمْ يَسْكُنْ إِلَى الشَّيْءِ فَعَابَهُ بِاسْتِرَاحَةِ النَّفْسِ إِلَى رَوْحِ الْفَضَاءِ وَنَقَصَهُ عَنِ التَّمَامِ بِسُكُونِ قَلْبِهِ إِلَى نَسِيمِ السَّحَرِ . (وَلِذَلِكَ كَانَ) أَبُو سُلَيْمَانَ (دَاوُدُ) بْنُ نُصَيْرٍ (الطَّائِيُّ) - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - (لَهُ حُبٌّ مَكْسُورٌ) وَهُوَ بِضَمِّ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ الْخَابِيَةُ لِلْمَاءِ جَمْعُهُ حِبَابٌ بِالْكَسْرِ وَحِبَبَةٌ مِثْلُ عِنَبَةٍ (فِيهِ مَاؤُهُ فَكَانَ لَا يَرْفَعُهُ مِنَ الشَّمْسِ وَيَشْرَبُ الْمَاءَ الْحَارَّ وَيَقُولُ: مَنْ وَجَدَ لَذَّةَ الْمَاءِ الْبَارِدِ شَقَّ عِلْيَهِ مُفَارَقَةُ الْحَيَاةِ) قَالَ أَبُو نُعَيْمٍ: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ أَحْمَدَ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي الْحَوَارِيِّ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا سُلَيْمَانَ الدَّارَانِيَّ يَقُولُ: كَانَ دَاوُدُ الطَّائِيُّ لَهُ دِنَانٌ دَنٌّ لِلْمَاءِ وَدَنٌّ لِلْخُبْزِ، فَأَمَّا دَنُّ الْمَاءِ فَكَانَ قَدْ جَعَلَهُ فِي الْأَرْضِ لِئَلَّا يُصِيبَهُ الرَّوْحُ فَيَبْرُدَ، وَرُوِيَ مِنْ طَرِيقِ حَفْصِ بْنِ عُمَرَ الْجُعْفِيِّ قَالَ: دَخَلَ رَجُلٌ عَلَى دَاوُدَ الطَّائِيِّ فَقَالَ: يَا أَبَا سُلَيْمَانَ أَنَا عَطْشَانُ قَالَ: اخْرُجْ وَاشْرَبْ فَجَعَلَ يَدُورُ فِي الدَّارِ وَلَمْ يَجِدْ مَاءً فَرَجَعَ إِلَيْهِ فَقَالَ: يَا أَبَا سُلَيْمَانَ لَيْسَ فِي الدَّارِ حُبٌّ وَلَا جَرَّةٌ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ غَفْرًا، بَلْ هُنَاكَ مَاءٌ قَالَ: فَخَرَجَ يَلْتَمِسُ فَإِذَا دَنٌّ مِنْ هَذَا الْأَصِيصِ الَّذِي يُفْعَلُ فِيهِ الطِّينُ وَقِطْعَةُ خَزَفَةٍ أَسْفَلَ كُوزٍ فَأَخَذَ تِلْكَ الْخَزَفَةَ يَغْرِفُ بِهَا فَإِذَا مَاءٌ حَارٌّ كَأَنَّهُ يَغْلِي لَمْ يَقْدِرْ أَنْ يُسِيغَهُ فَرَجَعَ إِلَيْهِ فَقَالَ: يَا أَبَا سُلَيْمَانَ مِثْلُ هَذَا الْحَرِّ النَّاسُ يَكَادُونَ يَنْسَلِخُونَ وَدَنٌّ مَدْفُونٌ فِي الْأَرْضِ وَكُوزٌ مَكْسُورَةٌ فَلَوْ كَانَتْ جَرِيرَةً وَقُلَّةً؟ فَقَالَ: دَاوُدُ حُبٌّ حَيْرَى وَجَرَّةٌ مَلَارِيةٌ وَقِلَالٌ مُنْشَقَّةٌ وَجَارِيَةٌ حَسْنَاءُ وَأَثَاثٌ وَنَاضٌّ وَفُضُولٌ، لَوْ أَرَدْتُ هَذَا الَّذِي يَشْغَلُ الْقَلْبَ لَمْ أَسْجُنْ نَفْسِي هَهُنَا إِنَّمَا أَطْلَقْتُ نَفْسِي عَنْ هَذِهِ الشَّهَوَاتِ وَسَجَنْتُ نَفْسِي حَتَّى يُخْرِجَنِي مَوْلَايَ مِنْ سِجْنِ الدُّنْيَا إِلَى رَوْحِ الْآخِرَةِ. وَرُوِيَ مِنْ طَرِيقِ سَهْلِ بْنِ سُلَيْمَانَ النِّيلِيِّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ الْأَعْرَجُ أَوْ غَيْرُهُ قَالَ: أَتَيْتُ دَاوُدَ فَصَلَّيْتُ مَعَهُ الْمَغْرِبَ ثُمَّ تَبِعْتُهُ إِلَى دَارِهِ. فَذَكَرَ الْحَدِيثَ وَفِيهِ ثُمَّ قَامَ دَاوُدُ إِلَى شَنٍّ فِي الدَّارِ فِي يَوْمٍ صَائِفٍ فَأَخَذَ يَشْرَبُ مِنْهُ فَقُلْتُ: يَا أَبَا سُلَيْمَانَ لَوْ أَمَرْتَ أَنْ يُبَرَّدَ لَكَ هَذَا الْمَاءُ؟ فَقَالَ: أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ الَّذِي يُبَرَّدُ لَهُ الْمَاءُ فِي الصَّيْفِ وَيُسَخَّنُ لَهُ فِي الشِّتَاءِ لَا يُحِبُّ لِقَاءَ اللَّهِ . (فَهَذِهِ مَخَاوِفُ الْمُحْتَاطِينَ) لِدِينِهِمْ (وَالْحَزْمُ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ الِاحْتِيَاطُ فَإِنَّهُ وَإِنْ كَانَ شَاقًّا فَمُدَّتُهُ قَرِيبَةٌ وَالِاحْتِمَاءُ مُدَّةٌ يَسِيرَةٌ لِلتَّنَعُّمِ عَلَى التَّأْبِيدِ لَا يَثْقُلُ عَلَى أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ الْقَاهِرِينَ أَنْفُسَهُمْ بِسِيَاسَةِ الشَّرْعِ الْمُعْتَصِمِينَ بِعُرْوَةِ الْيَقِينِ فِي مَعْرِفَةِ الْمُضَادَّةِ الَّتِي بَيْنَ الدُّنْيَا وَالدِّينِ) وَاللَّهُ الْمُوَفِّقُ .

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية