الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
معلومات الكتاب

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين

مرتضى الزبيدي - محمد بن محمد الحسيني الزبيدي

جزء صفحة
إحياء علوم الدين وَالزَّاهِدُ هُوَ الَّذِي يَرَى تَفَاوُتَهُ بِالْإِضَافَةِ إِلَى نَفْسِهِ لَا إِلَى غَيْرِهِ وَأَمَّا الْعَمَلُ الصَّادِرُ عَنْ حَالِ الزُّهْدِ فَهُوَ تَرْكُ وَاحِدٍ ؛ لِأَنَّهُ بَيْعٌ وَمُعَامَلَةٌ وَاسْتِبْدَالٌ لِلَّذِي هُوَ خَيْرٌ بِالَّذِي هُوَ أَدْنَى فَكَمَا أَنَّ الْعَمَلَ الصَّادِرَ مِنْ عَقْدِ الْبَيْعِ هُوَ تَرْكُ الْمَبِيعِ وَإِخْرَاجُهُ مِنَ الْيَدِ وَأَخْذُ الْعِوَضِ ، فَكَذَلِكَ الزُّهْدُ يُوجِبُ تَرْكَ الْمَزْهُودِ فِيهِ بِالْكُلِّيَّةِ وَهِيَ الدُّنْيَا بِأَسْرِهَا مَعَ أَسْبَابِهَا وَمُقَدِّمَاتِهَا وَعَلَائِقِهَا فَيُخْرِجُ مِنَ الْقَلْبِ حُبَّهَا وَيُدْخِلُ حُبَّ الطَّاعَاتِ وَيُخْرِجُ مِنَ الْعَيْنِ وَالْيَدِ مَا أَخْرَجَهُ مِنَ الْقَلْبِ ، وَيُوَظِّفُ عَلَى الْيَدِ وَالْعَيْنِ وَسَائِرِ الْجَوَارِحِ وَظَائِفَ الطَّاعَاتِ ، وَإِلَّا كَانَ كَمَنْ سَلَّمَ الْمَبِيعَ وَلَمْ يَأْخُذِ الثَّمَنَ ، فَإِذَا وَفَّى بِشَرْطِ الْجَانِبَيْنِ فِي الْأَخْذِ وَالتَّرْكِ فَلْيَسْتَبْشِرْ بِبَيْعِهِ الَّذِي بَايَعَ بِهِ ، فَإِنَّ الَّذِي بَايَعَهُ بِهَذَا الْبَيْعِ وَفِيٌّ بِالْعَهْدِ فَمَنْ سَلَّمَ حَاضِرًا فِي غَائِبٍ ، وَسَلَّمَ الْحَاضِرَ وَأَخَذَ يَسْعَى فِي طَلَبِ الْغَائِبِ ، سَلَّمَ إِلَيْهِ الْغَائِبَ حِينَ فَرَاغِهِ مِنْ سَعْيِهِ ، إِنْ كَانَ الْعَاقِدُ مِمَّنْ يُوثَقُ بِصِدْقِهِ وَقُدْرَتِهِ وَوَفَائِهِ بِالْعَهْدِ وَمَا دَامَ مُمْسِكًا لِلدُّنْيَا لَا يَصِحُّ زُهْدُهُ أَصْلًا ، وَلِذَلِكَ لَمْ يَصِفِ اللَّهُ تَعَالَى إِخْوَةَ يُوسُفَ بِالزُّهْدِ فِي بِنْيَامِينَ وَإِنْ كَانُوا قَدْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَعَزَمُوا عَلَى إِبْعَادِهِ كَمَا عَزَمُوا عَلَى يُوسُفَ حَتَّى تَشَفَّعَ فِيهِ أَحَدُهُمْ فَتُرِكَ وَلَا وَصَفَهُمْ أَيْضًا بِالزُّهْدِ فِي يُوسُفَ عِنْدَ الْعَزْمِ عَلَى إِخْرَاجِهِ بَلْ عِنْدَ التَّسْلِيمِ وَالْبَيْعِ ، فَعَلَامَةُ الرَّغْبَةِ وَالْإِمْسَاكِ وَعَلَامَةُ الزُّهْدِ وَالْإِخْرَاجِ فَإِنْ أَخْرَجْتَ عَنْ الْيَدِ بَعْضَ الدُّنْيَا دُونَ الْبَعْضِ فَأَنْتَ زَاهِدٌ فِيمَا أَخْرَجْتَ فَقَطْ ، وَلَسْتَ زَاهِدًا مُطْلَقًا ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَكَ مَالٌ وَلَمْ تُسَاعِدْكَ الدُّنْيَا لَمْ يُتَصَوَّرْ مِنْكَ الزُّهْدُ لِأَنَّ مَا لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ لَا يَقْوَى عَلَى تَرْكِهِ وَرُبَّمَا يَسْتَهْوِيكَ الشَّيْطَانُ بِغُرُورِهِ وَيُخَيِّلُ إِلَيْكَ أَنَّ الدُّنْيَا وَإِنْ لَمْ تَأْتِكَ فَأَنْتَ زَاهِدٌ فِيهَا فَلَا يَنْبَغِي أَنْ تَتَدَلَّى بِحَبْلِ غُرُورِهِ دُونَ أَنْ تَسْتَوْثِقَ وَتَسْتَظْهِرَ بِمَوْثِقٍ غَلِيظٍ مِنَ اللَّهِ ، فَإِنَّكَ إِذَا لَمْ تُجَرِّبْ حَالَ الْقُدْرَةِ فَلَا تَثِقْ بِالْقُدْرَةِ عَلَى التَّرْكِ عِنْدَهَا ؛ فَكَمْ مِنْ ظَانٍّ بِنَفْسِهِ كَرَاهَةَ الْمَعَاصِي عِنْدَ تَعَذُّرِهَا فَلَمَّا تَيَسَّرَتْ لَهُ أَسْبَابُهَا مِنْ غَيْرِ مُكَدِّرٍ وَلَا خَوْفٍ مِنَ الْخَلْقِ وَقَعَ فِيهَا ، وَإِذَا كَانَ هَذَا غُرُورُ النَّفْسِ فِي الْمَحْظُورَاتِ فَإِيَّاكَ أَنْ تَثِقَ بِوَعْدِهَا فِي الْمُبَاحَاتِ وَالْمَوْثِقُ الْغَلِيظُ الَّذِي تَأْخُذُهُ عَلَيْهَا أَنْ تُجَرِّبَهَا مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ فِي حَالِ الْقُدْرَةِ ، فَإِذَا وَفَّتْ بِمَا وَعَدَتْ عَلَى الدَّوَامِ مَعَ انْتِقَاءِ الصَّوَارِفِ وَالْأَعْذَارِ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا فَلَا بَأْسَ أَنْ تَثِقَ بِهَا وُثُوقًا مَا وَلَكِنْ تَكُونُ مِنْ تَغَيُّرِهَا أَيْضًا عَلَى حَذَرٍ ، فَإِنَّهَا سَرِيعَةُ النَّقْضِ لِلْعَهْدِ قَرِيبَةُ الرُّجُوعِ إِلَى مُقْتَضَى الطَّبْعِ . إتحاف السادة المتقين (وَالزَّاهِدُ هُوَ الَّذِي يَرَى تَفَاوُتَهُ بِالْإِضَافَةِ إِلَى نَفْسِهِ لَا إِلَى غَيْرِهِ) ، وَسَاقَ صَاحِبُ الْقُوتِ هَذَا الْحَدِيثَ وَاسْتَنْبَطَ مِنْهُ مَعْنًى آخَرَ فَقَالَ: وَإِظْهَارُ سِرِّ الْمَلَكُوتِ مَعْصِيَةٌ، إِذِ اللَّهُ تَعَالَى لَمْ يَأْمُرْ بِهِ، وَلَمْ يَأْذَنْ فِيهِ، فَسُبْحَانَ مَنْ خَصَّ الشَّاهِدِينَ الَّذِينَ عِنْدَهُ فِي ظِلِّهِ بِمَعْنًى مِنْ شَهَادَتِهِ، كَمَا أَعْطَاهُمْ حِيطَةً بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ فَأَحَاطَ عِلْمَهُمْ بِمَا شَاءَ لَمَّا أَحَاطَ لَهُمْ مَا شَاءَ، وَلِذَلِكَ قَالَ صَاحِبُ السِّرِّ الَّذِي عِنْدَهُ حَقِيقَةُ الْخَبَرِ لِلرَّجُلِ الَّذِي قَالَ: اللَّهُمَّ أَرِنِي الدُّنْيَا كَمَا تَرَاهَا، فَقَالَ: لَا تَقُلْ، ثُمَّ سَاقَ الْحَدِيثَ، ثُمَّ قَالَ: فَهَذَا عَلَى نَحْوِ مَا أَمَرَ الْآخَرَ بِهِ، إِذْ قَالَ لَهُ: أَوْصِنِي، قَالَ: اسْتَحْيِ مِنَ اللَّهِ كَمَا تَسْتَحِي مِنْ رَجُلٍ صَالِحٍ. فَهَذَا الَّذِي يُمْكِنُهُ مَعْرِفَتُهُ، إِذْ كَانَ حَقِيقَةُ الْحَقِّ مُمْتَنِعَةً وَكُنْهُ صِفَاتِهِ الْمُوجِبَةِ لِلْحَيَاءِ وَغَيْرِهِ مُحْتَجِبَةً، فَرَدَّهُ إِلَى مَا يَعْلَمُ وَخَاطَبَهُ بِمَا يَعْقِلُ. اهـ . وَهَذَا مَا يَتَعَلَّقُ بِأَحَدِ طَرَفَيِ الْحَالِ وَهُوَ الْعِلْمُ، ثُمَّ شَرَعَ فِي بَيَانِ الطَّرَفِ الثَّانِي الَّذِي هُوَ الْعَمَلُ، فَقَالَ: (وَأَمَّا الْعَمَلُ الصَّادِرُ عَنْ حَالِ الزُّهْدِ فَهُوَ تَرْكٌ وَأَخْذٌ; لِأَنَّهُ بَيْعٌ وَمُعَامَلَةٌ وَاسْتِبْدَالُ الَّذِي خَيْرٌ بِالَّذِي هُوَ أَدْنَى) هُوَ تَذْكِيرُ الدُّنْيَا مِنَ الدَّنَاءَةِ، وَهِيَ الْخَسَاسَةُ (فَكَمَا أَنَّ الْعَمَلَ الصَّادِرَ مِنْ عَقْدِ الْبَيْعِ هُوَ تَرْكُ الْمَبِيعِ وَإِخْرَاجُهُ مِنَ الْيَدِ وَأَخْذُ الْعِوَضِ، فَكَذَلِكَ الزُّهْدُ يُوجِبُ تَرْكَ الْمَزْهُودِ فِيهِ بِالْكُلِّيَّةِ وَهِيَ الدُّنْيَا بِأَسْرِهَا) أَيْ: بِتَمَامِهَا (مَعَ أَسْبَابِهَا وَمُقَدِّمَتِهَا وَعَلَائِقِهَا فَيُخْرِجُ مِنَ الْقَلْبِ حُبَّهَا وَيُدْخِلُ حُبَّ الطَّاعَاتِ وَيُخْرِجُ مِنَ الْعَيْنِ وَالْيَدِ مَا أَخْرَجَهُ مِنَ الْقَلْبِ، وَيُوَظِّفُ عَلَى الْيَدِ وَالْعَيْنِ وَسَائِرِ الْجَوَارِحِ وَظَائِفَ الطَّاعَاتِ، وَإِلَّا كَانَ كَمَنْ سَلَّمَ الْمَبِيعَ وَلَمْ يَأْخُذِ الثَّمَنَ، فَإِذَا وَفَّى بِشَرْطِ الْجَانِبَيْنِ فِي الْأَخْذِ وَالتَّرْكِ فَلْيَسْتَبْشِرْ بِبَيْعِهِ الَّذِي بَايَعَ بِهِ، فَإِنَّ الَّذِي بَايَعَهُ بِهَذَا الْبَيْعِ وَفِيٌّ بِالْعَهْدِ) وَهُوَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى . (فَمَنْ سَلَّمَ حَاضِرًا فِي غَائِبٍ، وَسَلَّمَ الْحَاضِرَ وَأَخَذَ يَسْعَى فِي طَلَبِ الْغَائِبِ، سَلَّمَ إِلَيْهِ الْغَائِبَ حِينَ فَرَاغِهِ مِنْ سَعْيِهِ، إِنْ كَانَ الْعَاقِدُ مِمَّنْ يُوثَقُ بِصِدْقِهِ وَقُدْرَتِهِ وَوَفَائِهِ بِالْعَهْدِ) ، وَكَانَ مَعْرُوفًا بِذَلِكَ (وَمَا دَامَ مُمْسِكًا لِلدُّنْيَا لَا يَصِحُّ زُهْدُهُ أَصْلًا، وَلِذَلِكَ لَمْ يَصِفِ اللَّهُ إِخْوَةَ يُوسُفَ) - عَلَيْهِ السَّلَامُ - (بِالزُّهْدِ فِي بِنْيَامِينَ) وَهُوَ أَخُو يُوسُفَ لِأُمِّهِ رَاحِيلَ، وَقَدْ كَانَ زُهْدُهُمْ فِيهِ يُقَارِبُ زُهْدَهُمْ فِي يُوسُفَ; لِأَنَّهُ كَانَ نَظِيرَهُ عِنْدَ أَبِيهِ، (وَإِنْ كَانُوا قَدْ) هَمُّوا بِالزُّهْدِ فِيهِ أَيْضًا لِيَخْلُوَ لَهُمْ وَجْهُ أَبِيهِمْ مِنْهُمَا، أَلَمْ تَسْمَعْ إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ( إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا وَعَزَمُوا عَلَى إِبْعَادِهِ كَمَا عَزَمُوا عَلَى يُوسُفَ) فَقَدْ جَاءَ فِي الْخَبَرِ أَنَّهُمْ أَرَادُوا أَنْ يُلْقُوا أَخَاهُمْ مَعَهُ فِي الْجُبِّ حِينَ أَلْقَى نَفْسَهُ عَلَيْهِ (حَتَّى تَشَفَّعَ فِيهِ أَحَدُهُمْ) وَهُوَ يَهُوذَا، فَشَفَعَ فِيهِ وَرَحِمَهُ وَمَنَعَهُ، وَكَانَ شَدِيدًا بَيْنَهُمْ مَنِيعًا مَهِيبًا، وَقَدْ قِيلَ فِي السِّيَرِ: إِنَّ أَخَاهُمُ الْأَكْبَرُ رُوبِيلَ هُوَ اسْتَوْهَبَهُ مِنْهُمْ، وَقَالَ: دَعُوهُ يَكُونُ فِيهِ سَلْوَةٌ وَعَزَاءٌ لِلشَّيْخِ الْكَبِيرِ مِنْ يُوسُفَ، لَا تَفْجَعُوهُ، وَلَا تُفْقِدُوهُ إِيَّاهُمَا، فَوَهَبُوهُ لَهُ، ثُمَّ إِنَّ اللَّهَ - عَزَّ وَجَلَّ - لَمْ يَقُلْ مَعَ إِرَادَتِهِمْ لِذَلِكَ وَهَمِّهِمْ بِهِ وَعَزْمِهِمْ عَلَيْهِ وَكَانُوا فِيهِمَا مِنَ الزَّاهِدِينَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَحَقَّقُوا بِالزُّهْدِ فِيهِ كَالزُّهْدِ فِي يُوسُفَ، إِذْ لَمْ يُخْرِجُوهُ مِنْ أَيْدِيهِمْ (وَلَا وَصَفَهُمْ أَيْضًا بِالزُّهْدِ فِي يُوسُفَ عِنْدَ الْعَزْمِ عَلَى إِخْرَاجِهِ) مِنَ الْجُبِّ (بَلْ عِنْدَ التَّسْلِيمِ وَالْبَيْعِ، فَعَلَامَةُ الرَّغْبَةِ الْإِمْسَاكُ وَعَلَامَةُ الزُّهْدِ الْإِخْرَاجُ) فَإِذَا كَانَ الشَّيْءُ مَوْجُودًا عِنْدَكَ وَأَنْتَ مُمْسِكُهُ لِنَفْسِكَ ثُمَّ تَوَهَّمْتَ إِنَّكَ زَاهِدٌ فِيهِ لِخَوَاطِرِ الْإِرَادَةِ أَوْ لِإِرَادَةِ الزَّهَادَةِ فَقَدْ كَذَبْتَ عَلَى نَفْسِكَ بِتَسْمِيَتِكَ إِيَّاهَا زَاهِدًا . (فَإِنْ أَخْرَجْتَ عَنْ يَدِكَ بَعْضَ الدُّنْيَا دُونَ الْبَعْضِ فَأَنْتَ زَاهِدٌ فِيمَا أَخْرَجْتَ فَقَطْ، وَلَسْتَ زَاهِدًا مُطْلَقًا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَكَ مَالٌ وَلَمْ تُسَاعِدْكَ الدُّنْيَا لَمْ يُتَصَوَّرْ مِنْكَ الزُّهْدُ) فَإِنَّ زُهْدَكَ فِيمَا لَا تَمْلِكُ غَيْرُ جَائِزٍ، وَكَذَا الزُّهْدُ فِي مَعْدُومٍ بَاطِلٍ، وَكَمَا أَنَّ التَّصَرُّفَ فِي مَالِ غَيْرِكَ غَيْرُ جَائِزٍ فَكَذَلِكَ لَمْ يَصِحَّ زُهْدُكَ فِيهِ (لِأَنَّ مَا لَا تَقْدِرُ عَلَيْهِ لَا تَقْدِرُ عَلَى تَرْكِهِ) وَلَعَلَّهُ لَوْ كَانَ مَوْجُودًا تَغَيَّرَ قَلْبُكَ بِهِ وَتَقَلَّبَ فِيهِ إِذْ لَيْسَ الْخَبَرُ كَالْمُعَايَنَةِ; لَأَنَّ الْخَبَرَ قَدْ يُوهِمُ وَيُشْبِهُ وَالْمُعَايَنَةُ تَكْشِفُ الْحَقِيقَةَ وَتَحْكُمُ عَلَى الْخِلْقَةِ . (وَرُبَّمَا يَسْتَهْوِيكَ الشَّيْطَانُ بِغُرُورِهِ وَيُخَيِّلُ إِلَيْكَ أَنَّ الدُّنْيَا وَإِنْ لَمْ تَأْتِكَ فَأَنْتَ زَاهِدٌ فِيهَا فَلَا يَنْبَغِي أَنْ تَتَدَلَّى بِحَبْلِ غُرُورٍ دُونَ أَنْ تَسْتَوْثِقَ أَوْ تَسْتَظْهِرَ بِمَوْثِقٍ غَلِيظٍ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، فَإِنَّكَ إِذَا لَمْ تُجَرِّبْ حَالَ الْقُدْرَةِ فَلَا تَثِقْ بِالْقُدْرَةِ عَلَى التَّرْكِ عِنْدَهَا;) لِأَنَّ لِلنَّفْسِ بَدَوَاتٍ لِمَا أُطْبِعَتْ عَلَيْهِ مِنَ الشَّهَوَاتِ وَالْمَلَلِ وَالتَّقْلِيبَاتِ وَحُبِّ الْمُتْعَةِ بِالْمَوْجُودِ وَادِّخَارِ الْمَحْصُولِ، فَلَا تَجْعَلْ ظَنًّا مَعْدُومًا كَيَقِينٍ مَوْجُودٍ (فَكَمْ مِنْ ظَانٍّ بِنَفْسِهِ كَرَاهَةَ الْمَعَاصِي وَبَغَضَهَا عِنْدَ تَعَذُّرِهَا) ، أَوْ تَعَذُّرِ أَسْبَابِهَا (فَإِذَا تَيَسَّرَتْ لَهُ أَسْبَابُهَا مِنْ غَيْرِ) مَانِعٍ (مُكَدِّرٍ وَلَا خَوْفٍ مِنَ الْخَلْقِ وَقَعَ فِيهَا، وَإِذَا كَانَ غُرُورُ النَّفْسِ فِي الْمَحْظُورَاتِ) الَّتِي التُّرْكُ عَنْهَا عِبَارَةٌ عَنِ التَّوْبَةِ (فَإِيَّاكَ أَنْ تَثِقَ بِوَعْدِهَا فِي الْمُبَاحَاتِ) الَّذِي التُّرْكُ عَنْهَا عِبَارَةٌ عَنِ الزُّهْدِ . وَلَكِنْ قَدْ يَكُونُ لَكَ مَقَامٌ مِنَ الزُّهْدِ فِي الْمَعْدُومِ بِقِيَامِكَ بِشَرْطِهِ وَهُوَ أَنْ لَا تُحِبَّ وُجُودَ الشَّيْءِ وَلَا تَأَسَى عَلَى فَقْدِهِ، وَتَكُونَ مُغْتَبِطًا بِعَدِمِكَ مَسْرُورًا بِفَقْدِكَ، يَعْلَمُ اللَّهُ مِنْ غَيْبِكَ وَيَطَّلِعُ عَلَى سِرِّكَ أَنَّكَ لَا تَفْرَحُ بِوُجُودِهِ لَوْ وَجَدْتَهُ، وَتُخْرِجُهُ إِنْ دَخَلَ عَلَيْكَ; لَأَنَّ قَلْبَكَ قَانِعٌ بِاللَّهِ رَاضٍ بِهِ عَنِ اللَّهِ بِحَالِكَ الَّتِي هِيَ الْعَدَمُ مِنَ الدُّنْيَا غَيْرُ مُحِبٍّ لِلِاسْتِبْدَالِ بِهَا مِنَ الْغِنَى، فَإِذَا كُنْتَ بِهَذَا الْوَصْفِ حُسِبَ لَكَ جَمِيعُ ذَلِكَ زُهْدًا، فَكَانَ لَكَ بِأَحَدِ هَذِهِ الْمَعَانِي ثَوَابُ الزَّاهِدِينَ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لِلدُّنْيَا مِنَ الْوَاجِدِينَ وَلَا لِإِخْرَاجِهَا مِنَ الْغَافِلِينَ، وَهَذَا زُهْدُ الْفُقَرَاءِ الصَّابِرِينَ وَهُوَ التَّحَقُّقُ بِالْفَقْرِ (وَالْمَوْثِقُ الْغَلِيظُ الَّذِي تَأْخُذُهُ عَلَيْهَا أَنْ تُجَرِّبَهَا مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ فِي حَالِ الْقُدْرَةِ، فَإِذَا وَفَّتْ بِمَا وَعَدَتْ عَلَى الدَّوَامِ مَعَ انْتِفَاءِ الصَّوَارِفِ) أَيِ: الْمَوَانِعِ (وَالْأَعْذَارِ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا) وَتِلْكَ الْأَعْذَارُ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَشْخَاصِ وَالْأَزْمَانِ (فَلَا بَأْسَ أَنْ تَثِقَ بِهَا وُثُوقًا مَا) أَيْ: أَدْنَى وُثُوقٍ (وَلَكِنْ تَكُونُ مِنْ تَغَيُّرِهَا أَيْضًا عَلَى حَذَرٍ، فَإِنَّهَا سَرِيعَةُ النَّقْضِ لِلْعَهْدِ قَرِيبَةُ الرُّجُوعِ إِلَى مُقْتَضَى الطَّبْعِ) فَإِنَّهَا طُبِعَتْ عَلَى الشَّهَوَاتِ وَالْمَلَلِ وَالتَّقَلُّبَاتِ

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية