الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
معلومات الكتاب

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين

مرتضى الزبيدي - محمد بن محمد الحسيني الزبيدي

جزء صفحة
إحياء علوم الدين بَيَانُ أَحْوَالِ السَّائِلِينَ . كَانَ بِشْرٌ : رَحِمَهُ اللَّهُ يَقُولُ : الْفُقَرَاءُ ثَلَاثَةٌ : فَقِيرٌ لَا يَسْأَلُ وَإِنْ أُعْطِيَ لَا يَأْخُذُ فَهَذَا مَعَ الرُّوحَانِيِّينَ فِي عِلِّيِّينَ . وَفَقِيرٌ لَا يَسْأَلُ وَإِنْ أُعْطِيَ أَخَذَ فَهَذَا مَعَ الْمُقَرَّبِينَ فِي جَنَّاتِ الْفِرْدَوْسِ . وَفَقِيرٌ يَسْأَلُ عِنْدَ الْحَاجَةِ فَهَذَا مَعَ الصَّادِقِينَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ . فَإِذًا قَدِ اتَّفَقَ كُلُّهُمْ عَلَى ذَمِّ السُّؤَالِ وَعَلَى أَنَّهُ مَعَ الْفَاقَةِ يَحُطُّ الْمَرْتَبَةَ وَالدَّرَجَةَ . قَالَ شَقِيقٌ الْبَلْخِيُّ لِإِبْرَاهِيمَ بْنِ أَدْهَمَ حِينَ قَدِمَ عَلَيْهِ مِنْ خُرَاسَانَ : كَيْفَ تَرَكْتَ الْفُقَرَاءَ مِنْ أَصْحَابِكَ ؟ قَالَ : تَرَكْتُهُمْ إِنْ أُعْطُوا شَكَرُوا وَإِنْ مُنِعُوا صَبَرُوا وَظَنَّ أَنَّهُ لَمَّا وَصَفَهُمْ بِتَرْكِ السُّؤَالِ قَدْ أَثْنَى عَلَيْهِمْ غَايَةَ الثَّنَاءِ ، فَقَالَ شَقِيقٌ : هَكَذَا تَرَكْتُ كِلَابَ بَلْخَ عِنْدَنَا فَقَالَ لَهُ إِبْرَاهِيمُ : فَكَيْفَ الْفُقَرَاءُ عِنْدَكَ يَا أَبَا إِسْحَاقَ ؟ فَقَالَ : الْفُقَرَاءُ عِنْدَنَا إِنْ مُنِعُوا شَكَرُوا وَإِنْ أُعْطُوا آثَرُوا فَقَبَّلَ رَأْسَهُ وَقَالَ : صَدَقْتَ يَا أُسْتَاذُ . فَإِذًا دَرَجَاتُ أَرْبَابِ الْأَحْوَالِ فِي الرِّضَا وَالصَّبْرِ وَالشُّكْرِ وَالسُّؤَالِ كَثِيرَةٌ فَلَا بُدَّ لِسَالِكِ طَرِيقِ الْآخِرَةِ مِنْ مَعْرِفَتِهَا وَمَعْرِفَةِ انْقِسَامِهَا وَاخْتِلَافِ دَرَجَاتِهَا ، فَإِنَّهُ إِذَا لَمْ يَعْلَمْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الرُّقِيِّ مِنْ حَضِيضِهَا إِلَى قِلَاعِهَا وَمِنْ أَسْفَلِ سَافِلِينَ إِلَى أَعْلَى عِلِّيِّينَ وَقَدْ خُلِقَ الْإِنْسَانُ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ثُمَّ رُدَّ إِلَى أَسْفَلِ سَافِلِينَ ثُمَّ أُمِرَ أَنْ يَتَرَقَّى إِلَى أَعْلَى عِلِّيِّينَ وَمَنْ لَا يُمَيِّزُ بَيْنَ السُّفْلِ وَالْعُلُوِّ لَا يَقْدِرُ عَلَى الرُّقِيِّ قَطْعًا ، وَإِنَّمَا الشَّكُّ فِيمَنْ عَرَفَ ذَلِكَ فَإِنَّهُ رُبَّمَا لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ وَأَرْبَابُ الْأَحْوَالِ قَدْ تَغْلِبُهُمْ حَالَةٌ تَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ السُّؤَالُ مَزِيدًا لَهُمْ فِي دَرَجَاتِهِمْ وَلَكِنْ بِالْإِضَافَةِ إِلَى حَالِهِمْ فَإِنَّ مِثْلَ هَذِهِ الْأَعْمَالِ بِالنِّيَّاتِ وَذَلِكَ كَمَا رُوِيَ أَنَّ بَعْضَهُمْ رَأَى أَبَا إِسْحَاقَ النُّورِيَّ رَحِمَهُ اللَّهُ يَمُدُّ يَدَهُ وَيَسْأَلُ النَّاسَ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ قَالَ فَاسْتَعْظَمْتُ ذَلِكَ وَاسْتَقْبَحْتُهُ لَهُ فَأَتَيْتُ الْجُنَيْدَ رَحِمَهُ اللَّهُ فَأَخْبَرْتُهُ بِذَلِكَ فَقَالَ : لَا يَعْظُمُ هَذَا عَلَيْكَ فَإِنَّ النُّورِيَّ لَمْ يَسْأَلِ النَّاسَ إِلَّا لِيُعْطِيَهُمْ وَإِنَّمَا سَأَلَهُمْ لِيُثِيبَهُمْ فِي الْآخِرَةِ فَيُؤْجَرُونَ مِنْ حَيْثُ لَا يَضُرُّهُمْ . وَكَأَنَّهُ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْلِهِ : صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يَدُ الْمُعْطِي هِيَ الْعُلْيَا فَقَالَ بَعْضُهُمْ : يَدُ الْمُعْطِي هِيَ يَدُ الْآخِذِ لِلْمَالِ ؛ لِأَنَّهُ يُعْطَى الثَّوَابَ وَالْقَدْرُ لَهُ لَا لِمَا يَأْخُذُهُ ثُمَّ قَالَ الْجُنَيْدُ هَاتِ الْمِيزَانَ فَوَزَنَ مِائَةَ دِرْهَمٍ ثُمَّ قَبَضَ قَبْضَةً فَأَلْقَاهَا عَلَى الْمِائَةِ ثُمَّ قَالَ : احْمِلْهَا إِلَيْهِ فَقُلْتُ : فِي نَفْسِي إِنَّمَا يُوزَنُ الشَّيْءُ لِيُعْرَفَ مِقْدَارُهُ فَكَيْفَ خَلَطَ بِهِ مَجْهُولًا ، وَهُوَ رَجُلٌ حَكِيمٌ وَاسْتَحْيَيْتُ أَنْ أَسْأَلَهُ ، فَذَهَبْتُ بِالصُّرَّةِ إِلَى النُّورِيِّ فَقَالَ : هَاتِ الْمِيزَانَ فَوَزَنَ مِائَةَ دِرْهَمٍ وَقَالَ : رُدَّهَا عَلَيْهِ ، وَقُلْ لَهُ : أَنَا لَا أَقْبَلُ مِنْكَ أَنْتَ شَيْئًا ، وَأَخَذَ مَا زَادَ عَلَى الْمِائَةِ ، قَالَ فَزَادَ تَعَجُّبِي فَسَأَلْتُهُ فَقَالَ الْجُنَيْدُ رَجُلٌ حَكِيمٌ يُرِيدُ أَنْ يَأْخُذَ الْحَبْلَ بِطَرَفَيْهِ وَزَنَ الْمِائَةَ لِنَفْسِهِ طَلَبًا لِثَوَابِ الْآخِرَةِ وَطَرَحَ عَلَيْهَا قَبْضَةً بِلَا وَزْنٍ لِلَّهِ : عَزَّ وَجَلَّ : فَأَخَذْتُ مَا كَانَ لِلَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى وَرَدَدْتُ مَا جَعَلَهُ لِنَفْسِهِ ، قَالَ فَرَدَدْتُهَا إِلَى الْجُنَيْدِ فَبَكَى وَقَالَ : أَخَذَ مَالَهُ ، وَرَدَّ مَالَنَا اللَّهُ ، الْمُسْتَعَانُ فَانْظُرِ الْآنَ كَيْفَ صَفَتْ قُلُوبُهُمْ وَأَحْوَالُهُمْ وَكَيْفَ خَلُصَتْ لِلَّهِ أَعْمَالُهُمْ حَتَّى كَانَ يُشَاهِدُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ قَلْبَ صَاحِبِهِ مِنْ غَيْرِ مُنَاطَقَةٍ بِاللِّسَانِ ، وَلَكِنْ بِتَشَاهُدِ الْقُلُوبِ وَتَنَاجِي الْأَسْرَارِ ، وَذَلِكَ نَتِيجَةُ أَكْلِ الْحَلَالِ ، وَخُلُوِّ الْقَلْبِ عَنْ حُبِّ الدُّنْيَا ، وَالْإِقْبَالِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى بِكُنْهِ الْهِمَّةِ فَمَنْ أَنْكَرَ ذَلِكَ قَبْلَ تَجْرِبَةِ طَرِيقِهِ فَهُوَ جَاهِلٌ كَمَنْ يُنْكِرُ مَثَلًا كَوْنَ الدَّوَاءِ مُسَهِّلًا قَبْلَ شُرْبِهِ . وَمَنْ أَنْكَرَهُ بَعْدَ أَنْ طَالَ اجْتِهَادُهُ حَتَّى بَذَلَ كُنْهَ مَجْهُودِهِ وَلَمْ يَصِلْ فَأَنْكَرَ ذَلِكَ لِغَيْرِهِ كَانَ كَمَنْ شَرِبَ الْمُسَهِّلَ فَلَمْ يُؤَثِّرْ فِي حَقِّهِ خَاصَّةً لِعِلَّةٍ فِي بَاطِنِهِ فَأَخَذَ يُنْكِرُ كَوْنَ الدَّوَاءِ مُسَهِّلًا ، وَهَذَا وَإِنْ كَانَ فِي الْجَهْلِ دُونَ الْأَوَّلِ وَلَكِنَّهُ لَيْسَ خَالِيًا عَنْ حَظٍّ وَافٍ مِنَ الْجَهْلِ بَلِ الْبَصِيرُ أَحَدُ رَجُلَيْنِ إِمَّا رَجُلٌ سَلَكَ الطَّرِيقَ فَظَهَرَ لَهُ مِثْلُ مَا ظَهَرَ لَهُمْ ، فَهُوَ صَاحِبُ الذَّوْقِ وَالْمَعْرِفَةِ وَقَدْ وَصَلَ إِلَى عَيْنِ الْيَقِينِ وَإِمَّا رَجُلٌ لَمْ يَسْلُكِ الطَّرِيقَ أَوْ سَلَكَ وَلَمْ يَصِلْ وَلَكِنَّهُ آمَنَ بِذَلِكَ وَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ صَاحِبُ عِلْمِ الْيَقِينِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ وَاصِلًا إِلَى عَيْنِ الْيَقِينِ . وَلِعِلْمِ الْيَقِينِ أَيْضًا رُتْبَةٌ وَإِنْ كَانَ دُونَ عَيْنِ الْيَقِينِ ، وَمَنْ خَلَا عَنْ عِلْمِ الْيَقِينِ وَعَيْنِ الْيَقِينِ فَهُوَ خَارِجٌ عَنْ زُمْرَةِ الْمُؤْمِنِينَ ، وَيُحْشَرُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي زُمْرَةِ الْجَاحِدِينَ الْمُسْتَكْبِرِينَ الَّذِينَ هُمْ قَتْلَى الْقُلُوبِ الضَّعِيفَةِ ، وَأَتْبَاعُ الشَّيَاطِينِ . فَنَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يَجْعَلَنَا مِنَ الرَّاسِخِينَ فِي الْعِلْمِ الْقَائِلِينَ : آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ . ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ الْفَقْرَ وَالْغِنَى ابْتِلَاءٌ مِنَ اللَّهِ لِلْعِبَادِ، فَلَيْسَ كُلُّ مَنْ أَعْطَاهُ وَوَسَّعَ عَلَيْهِ قَدْ أَكْرَمَهُ، وَلَا كُلُّ مَنْ ضَيَّقَ عَلَيْهِ قَدْ أَهَانَهُ، وَإِلَّا لَزِمَ أَنْ يُكْرَمَ الْعَبْدُ بِطَاعَتِهِ وَمَحَبَّتِهِ وَمَعْرِفَتِهِ وَأَنْ يُهَانَ إِذَا سُلِبَ ذَلِكَ، وَلَا يَقَعُ التَّفَاضُلُ بِالْغِنَى وَالْفَقْرِ بَلْ بِالتَّقْوَى، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مُحَالٌ أَيْضًا مِنْ وَجْهٍ آخَرَ، وَهُوَ أَنَّ كُلًّا مِنَ الْغِنَى وَالْفَقْرِ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ صَبْرٍ وَشُكْرٍ، فَإِنَّ الْإِيمَانَ نِصْفَانِ نِصْفٌ صَبْرٌ وَنِصْفٌ شُكْرٌ، بَلْ قَدْ يَكُونُ قِسْطُ الْغِنَى مِنَ الصَّبْرِ أَوْفَى; لِأَنَّهُ يَصْبِرُ عَنْ قُدْرَةٍ فَصَبْرُهُ أَتَمُّ مِنْ صَبْرِ مَنْ يَصْبِرُ عَنْ عَجْزٍ، وَيَكُونُ شُكْرُ الْفَقِيرِ أَتَمَّ; لِأَنَّ الشُّكْرَ هُوَ اسْتِفْرَاغُ الْوُسْعِ فِي طَاعَتِهِ وَالْفَقِيرُ أَعْظَمُ فَرَاغًا بِالشُّكْرِ مِنَ الْغَنِيِّ، وَكِلَاهُمَا لَا تَقُومُ قَائِمَةُ إِيمَانِهِ إِلَّا عَلَى سَاقِ الصَّبْرِ وَالشُّكْرِ . نَعَمِ الَّذِي رَجَعَ النَّاسُ إِلَيْهِ فِي الْمَسْأَلَةِ أَنَّهُمْ ذَكَرُوا نَوْعًا مِنَ الشُّكْرِ وَنَوْعًا مِنَ الصَّبْرِ، وَأَخَذُوا فِي التَّرْجِيحِ، فَجَرَّدُوا غَنِيًّا مُنْفِقًا مُتَصَدِّقًا بَاذِلًا مَالَهُ فِي وُجُوهِ الْقُرْبِ شَاكِرًا اللَّهَ عَلَيْهِ، وَفَقِيرًا مُتَفَرِّغًا لِطَاعَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَلَا وَرَّادًا لِعَبَادَاتٍ صَابِرًا عَلَى فَقْرِهِ هَلْ هُوَ أَكْمَلُ مِنْ ذَلِكَ الْغَنِيِّ أَمْ بِالْعَكْسِ؟ فَالصَّوَابُ فِي مِثْلِ هَذَا أَنَّ أَكْمَلَهُمَا أَطْوَعُهُمَا فَإِنْ تَسَاوَتْ طَاعَتُهُمَا تَسَاوَتْ دَرَجَتُهُمَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. اهـ . وَقَالَ صَاحِبُ الْقُوتِ: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ قِيلَ عَلَى الْفَقْرِ، وَقَدْ سَمَّى اللَّهُ الْفُقَرَاءَ الصَّابِرِينَ مُحْسِنِينَ وَوَضَعَ عَنْهُمُ السَّبِيلَ يَوْمَ الدِّينِ فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ ثُمَّ أَوْقَعَ الْحُجَّةَ وَالْمُطَالَبَةَ عَلَى الْأَغْنِيَاءِ وَسَمَّاهُمْ ظَالِمِينَ وَوَصَفَهُمْ بِأَوْصَافِ النِّسَاءِ وَجَعَلَهُمْ مِنَ الْمُخَالِفِينَ فَقَالَ مِنَ الْمَعْنَيَيْنِ فِي الْآيَتَيْنِ إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِيَاءُ رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ يَعْنِي النِّسَاءَ; لِأَنَّ هَذَا جَمْعُ التَّأْنِيثِ. وَقَالَ: إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ يَعْنِي بِطَلَبِ الْعُلُوِّ فِيهَا ضِدَّ الْفُقَرَاءِ الصَّادِقِينَ الَّذِينَ قَالَ فِي ذِكْرِهِمْ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ . وَقَدْ يَحْتَجُّ مُتَوَهِّمٌ لِفَضْلِ الْأَغْنِيَاءِ الْمُمْسِكِينَ لِفُضُولِ الْغِنَى عَلَى الْفُقَرَاءِ عِنْدَهُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى مُخْبِرًا تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ وَلَا يَعْلَمُ أَنَّ هَذَا عِنْدَ أَهْلِ التَّدَبُّرِ لِلْقُرْآنِ مَزِيدٌ لِلْفُقَرَاءِ لِتَمَامِ حَالِهِمْ لَمَّا كَانُوا مُحْسِنِينَ، كَمَا قَالَ: تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ وَقَالَ: سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ فَكَانَ مَزِيدُهُمُ الْحُزْنَ وَالْإِشْفَاقَ وَخَوْفَ التَّقْصِيرِ لِمُشَاهَدَةِ عَظِيمِ حَقِّ الرُّبُوبِيَّةِ عَلَيْهِمْ حَتَّى كَأَنَّهُمْ مُسِيئُونَ حَتَّى بَشَّرَهُمُ اللَّهُ بِأَنَّهُمْ مُحْسِنُونَ لَمَّا قَالَ: مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ لِأَنَّهُ أَضَافَهُمْ إِلَيْهِ فِي الْوَصْفِ وَعَطَفَ عَلَيْهِ فِي الْمَعْنَى . وَأَيْضًا فَلَمْ يَكُنْ بُكَاؤُهُمْ عَلَى قُوتِ الدُّنْيَا وَلَا عَلَى طَلَبِ الْغِنَى وَاللَّهُ تَعَالَى يَمْدَحُهُمْ بِصَبْرِهِمْ عَنِ الدُّنْيَا وَيَذُمُّ الدُّنْيَا إِلَيْهِمْ، لَكِنْ لَمَّا كَانَ حُزْنُهُمْ عَلَى طَلَبِ الْمَزِيدِ مِنَ الْفُقَرَاءِ لِيَجِدُوا الْإِنْفَاقَ فَيُخْرِجُوهُ فَيَفْتَقِرُوا مِنْهُ فَيَزْدَادُوا فَقْرًا مِنَ الدُّنْيَا بِبَذْلِ الْمَالِ عَلَى فَقْرِهِمْ فَعَلَى كَثْرَةِ الْإِنْفَاقِ وَخِيفَةِ الْفَقْرِ مِنَ الدُّنْيَا كَانَ حُزْنُهُمْ، فَهَذَا فَضْلٌ ثَانٍ لِلْفَقْرِ لَا عَلَى الْجَمْعِ وَالِادِّخَارِ وَالْمَوْضِعِ إِلَّا عَلَى الَّذِي فُضِّلَ بِهِ الْفُقَرَاءُ مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ عِنْدَ أَهْلِ الِاسْتِنْبَاطِ وَالدِّرَايَةِ هُوَ مُشَارَكَتُهُمُ الرَّسُولَ فِي حَالِهِ وَوَصَفَ اللَّهُ رَسُولَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِمِثْلِ حَالِهِمْ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ ثُمَّ نَعَتَهُمْ بِمِثْلِهِ لِأَنَّهُمْ هُمُ الْأَمْثَلُ فَالْأَمْثَلُ بِهِ، فَقَالَ تَعَالَى: أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ فَمَنْ كَانَ بِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمْثَلَ فَهُوَ الْأَفْضَلُ . وَجَعَلَ ابْنُ مَسْعُودٍ الْفَقْرَ حَقِيقَةَ الْإِيمَانِ أَوْ عَبَّرَ عَنْ ذُرْوَةِ الْإِيمَانِ فَقَالَ: لَا يَبْلُغُ عَبْدٌ حَقِيقَةَ الْإِيمَانِ حَتَّى يَحِلَّ بِذُرْوَتِهِ وَلَا يَحِلُّ بِذُرْوَتِهِ حَتَّى يَكُونَ الْفَقْرُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنَ الْغِنَى، وَالتَّوَاضُعُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنَ الشَّرَفِ، وَالذُّلُّ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنَ الْعِزِّ . وَأَمَّا وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ فَإِنَّهُ جَعَلَ هَذِهِ الْخِصَالَ الثَّلَاثَ مِنِ اسْتِكْمَالِ الْعَقْلِ، فَقَالَ: لَا يَسْتَكْمِلُ الْعَبْدُ الْعَقْلَ حَتَّى تَكُونَ فِيهِ هَذِهِ الْخِصَالُ، فَذَكَرَهَا. وَكَانَ أَبُو سُلَيْمَانَ يَقُولُ: مَا مِنْ شَيْءٍ إِلَّا وَهُوَ مَطْرُوحٌ فِي الْخَزَائِنِ إِلَّا الْفَقْرَ مَعَ الْمَعْرِفَةِ فَإِنَّهُ مَخْزُونٌ مَخْتُومٌ عَلَيْهِ لَا يُعْطَاهُ إِلَّا مَنْ طُبِعَ بِطَابَعِ الشُّهَدَاءِ . وَبِهِ تَمَّ الْكَلَامُ عَلَى الْفَقْرِ بِعَوْنِ اللَّهِ تَعَالَى .

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية