الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
معلومات الكتاب

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين

مرتضى الزبيدي - محمد بن محمد الحسيني الزبيدي

جزء صفحة
إحياء علوم الدين بَيَانُ أَحْوَالِ السَّائِلِينَ . كَانَ بِشْرٌ : رَحِمَهُ اللَّهُ يَقُولُ : الْفُقَرَاءُ ثَلَاثَةٌ : فَقِيرٌ لَا يَسْأَلُ وَإِنْ أُعْطِيَ لَا يَأْخُذُ فَهَذَا مَعَ الرُّوحَانِيِّينَ فِي عِلِّيِّينَ . وَفَقِيرٌ لَا يَسْأَلُ وَإِنْ أُعْطِيَ أَخَذَ فَهَذَا مَعَ الْمُقَرَّبِينَ فِي جَنَّاتِ الْفِرْدَوْسِ . وَفَقِيرٌ يَسْأَلُ عِنْدَ الْحَاجَةِ فَهَذَا مَعَ الصَّادِقِينَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ . فَإِذًا قَدِ اتَّفَقَ كُلُّهُمْ عَلَى ذَمِّ السُّؤَالِ وَعَلَى أَنَّهُ مَعَ الْفَاقَةِ يَحُطُّ الْمَرْتَبَةَ وَالدَّرَجَةَ . قَالَ شَقِيقٌ الْبَلْخِيُّ لِإِبْرَاهِيمَ بْنِ أَدْهَمَ حِينَ قَدِمَ عَلَيْهِ مِنْ خُرَاسَانَ : كَيْفَ تَرَكْتَ الْفُقَرَاءَ مِنْ أَصْحَابِكَ ؟ قَالَ : تَرَكْتُهُمْ إِنْ أُعْطُوا شَكَرُوا وَإِنْ مُنِعُوا صَبَرُوا وَظَنَّ أَنَّهُ لَمَّا وَصَفَهُمْ بِتَرْكِ السُّؤَالِ قَدْ أَثْنَى عَلَيْهِمْ غَايَةَ الثَّنَاءِ ، فَقَالَ شَقِيقٌ : هَكَذَا تَرَكْتُ كِلَابَ بَلْخَ عِنْدَنَا فَقَالَ لَهُ إِبْرَاهِيمُ : فَكَيْفَ الْفُقَرَاءُ عِنْدَكَ يَا أَبَا إِسْحَاقَ ؟ فَقَالَ : الْفُقَرَاءُ عِنْدَنَا إِنْ مُنِعُوا شَكَرُوا وَإِنْ أُعْطُوا آثَرُوا فَقَبَّلَ رَأْسَهُ وَقَالَ : صَدَقْتَ يَا أُسْتَاذُ . فَإِذًا دَرَجَاتُ أَرْبَابِ الْأَحْوَالِ فِي الرِّضَا وَالصَّبْرِ وَالشُّكْرِ وَالسُّؤَالِ كَثِيرَةٌ فَلَا بُدَّ لِسَالِكِ طَرِيقِ الْآخِرَةِ مِنْ مَعْرِفَتِهَا وَمَعْرِفَةِ انْقِسَامِهَا وَاخْتِلَافِ دَرَجَاتِهَا ، فَإِنَّهُ إِذَا لَمْ يَعْلَمْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الرُّقِيِّ مِنْ حَضِيضِهَا إِلَى قِلَاعِهَا وَمِنْ أَسْفَلِ سَافِلِينَ إِلَى أَعْلَى عِلِّيِّينَ وَقَدْ خُلِقَ الْإِنْسَانُ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ثُمَّ رُدَّ إِلَى أَسْفَلِ سَافِلِينَ ثُمَّ أُمِرَ أَنْ يَتَرَقَّى إِلَى أَعْلَى عِلِّيِّينَ وَمَنْ لَا يُمَيِّزُ بَيْنَ السُّفْلِ وَالْعُلُوِّ لَا يَقْدِرُ عَلَى الرُّقِيِّ قَطْعًا ، وَإِنَّمَا الشَّكُّ فِيمَنْ عَرَفَ ذَلِكَ فَإِنَّهُ رُبَّمَا لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ وَأَرْبَابُ الْأَحْوَالِ قَدْ تَغْلِبُهُمْ حَالَةٌ تَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ السُّؤَالُ مَزِيدًا لَهُمْ فِي دَرَجَاتِهِمْ وَلَكِنْ بِالْإِضَافَةِ إِلَى حَالِهِمْ فَإِنَّ مِثْلَ هَذِهِ الْأَعْمَالِ بِالنِّيَّاتِ وَذَلِكَ كَمَا رُوِيَ أَنَّ بَعْضَهُمْ رَأَى أَبَا إِسْحَاقَ النُّورِيَّ رَحِمَهُ اللَّهُ يَمُدُّ يَدَهُ وَيَسْأَلُ النَّاسَ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ قَالَ فَاسْتَعْظَمْتُ ذَلِكَ وَاسْتَقْبَحْتُهُ لَهُ فَأَتَيْتُ الْجُنَيْدَ رَحِمَهُ اللَّهُ فَأَخْبَرْتُهُ بِذَلِكَ فَقَالَ : لَا يَعْظُمُ هَذَا عَلَيْكَ فَإِنَّ النُّورِيَّ لَمْ يَسْأَلِ النَّاسَ إِلَّا لِيُعْطِيَهُمْ وَإِنَّمَا سَأَلَهُمْ لِيُثِيبَهُمْ فِي الْآخِرَةِ فَيُؤْجَرُونَ مِنْ حَيْثُ لَا يَضُرُّهُمْ . وَكَأَنَّهُ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْلِهِ : صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يَدُ الْمُعْطِي هِيَ الْعُلْيَا فَقَالَ بَعْضُهُمْ : يَدُ الْمُعْطِي هِيَ يَدُ الْآخِذِ لِلْمَالِ ؛ لِأَنَّهُ يُعْطَى الثَّوَابَ وَالْقَدْرُ لَهُ لَا لِمَا يَأْخُذُهُ ثُمَّ قَالَ الْجُنَيْدُ هَاتِ الْمِيزَانَ فَوَزَنَ مِائَةَ دِرْهَمٍ ثُمَّ قَبَضَ قَبْضَةً فَأَلْقَاهَا عَلَى الْمِائَةِ ثُمَّ قَالَ : احْمِلْهَا إِلَيْهِ فَقُلْتُ : فِي نَفْسِي إِنَّمَا يُوزَنُ الشَّيْءُ لِيُعْرَفَ مِقْدَارُهُ فَكَيْفَ خَلَطَ بِهِ مَجْهُولًا ، وَهُوَ رَجُلٌ حَكِيمٌ وَاسْتَحْيَيْتُ أَنْ أَسْأَلَهُ ، فَذَهَبْتُ بِالصُّرَّةِ إِلَى النُّورِيِّ فَقَالَ : هَاتِ الْمِيزَانَ فَوَزَنَ مِائَةَ دِرْهَمٍ وَقَالَ : رُدَّهَا عَلَيْهِ ، وَقُلْ لَهُ : أَنَا لَا أَقْبَلُ مِنْكَ أَنْتَ شَيْئًا ، وَأَخَذَ مَا زَادَ عَلَى الْمِائَةِ ، قَالَ فَزَادَ تَعَجُّبِي فَسَأَلْتُهُ فَقَالَ الْجُنَيْدُ رَجُلٌ حَكِيمٌ يُرِيدُ أَنْ يَأْخُذَ الْحَبْلَ بِطَرَفَيْهِ وَزَنَ الْمِائَةَ لِنَفْسِهِ طَلَبًا لِثَوَابِ الْآخِرَةِ وَطَرَحَ عَلَيْهَا قَبْضَةً بِلَا وَزْنٍ لِلَّهِ : عَزَّ وَجَلَّ : فَأَخَذْتُ مَا كَانَ لِلَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى وَرَدَدْتُ مَا جَعَلَهُ لِنَفْسِهِ ، قَالَ فَرَدَدْتُهَا إِلَى الْجُنَيْدِ فَبَكَى وَقَالَ : أَخَذَ مَالَهُ ، وَرَدَّ مَالَنَا اللَّهُ ، الْمُسْتَعَانُ فَانْظُرِ الْآنَ كَيْفَ صَفَتْ قُلُوبُهُمْ وَأَحْوَالُهُمْ وَكَيْفَ خَلُصَتْ لِلَّهِ أَعْمَالُهُمْ حَتَّى كَانَ يُشَاهِدُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ قَلْبَ صَاحِبِهِ مِنْ غَيْرِ مُنَاطَقَةٍ بِاللِّسَانِ ، وَلَكِنْ بِتَشَاهُدِ الْقُلُوبِ وَتَنَاجِي الْأَسْرَارِ ، وَذَلِكَ نَتِيجَةُ أَكْلِ الْحَلَالِ ، وَخُلُوِّ الْقَلْبِ عَنْ حُبِّ الدُّنْيَا ، وَالْإِقْبَالِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى بِكُنْهِ الْهِمَّةِ فَمَنْ أَنْكَرَ ذَلِكَ قَبْلَ تَجْرِبَةِ طَرِيقِهِ فَهُوَ جَاهِلٌ كَمَنْ يُنْكِرُ مَثَلًا كَوْنَ الدَّوَاءِ مُسَهِّلًا قَبْلَ شُرْبِهِ . وَمَنْ أَنْكَرَهُ بَعْدَ أَنْ طَالَ اجْتِهَادُهُ حَتَّى بَذَلَ كُنْهَ مَجْهُودِهِ وَلَمْ يَصِلْ فَأَنْكَرَ ذَلِكَ لِغَيْرِهِ كَانَ كَمَنْ شَرِبَ الْمُسَهِّلَ فَلَمْ يُؤَثِّرْ فِي حَقِّهِ خَاصَّةً لِعِلَّةٍ فِي بَاطِنِهِ فَأَخَذَ يُنْكِرُ كَوْنَ الدَّوَاءِ مُسَهِّلًا ، وَهَذَا وَإِنْ كَانَ فِي الْجَهْلِ دُونَ الْأَوَّلِ وَلَكِنَّهُ لَيْسَ خَالِيًا عَنْ حَظٍّ وَافٍ مِنَ الْجَهْلِ بَلِ الْبَصِيرُ أَحَدُ رَجُلَيْنِ إِمَّا رَجُلٌ سَلَكَ الطَّرِيقَ فَظَهَرَ لَهُ مِثْلُ مَا ظَهَرَ لَهُمْ ، فَهُوَ صَاحِبُ الذَّوْقِ وَالْمَعْرِفَةِ وَقَدْ وَصَلَ إِلَى عَيْنِ الْيَقِينِ وَإِمَّا رَجُلٌ لَمْ يَسْلُكِ الطَّرِيقَ أَوْ سَلَكَ وَلَمْ يَصِلْ وَلَكِنَّهُ آمَنَ بِذَلِكَ وَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ صَاحِبُ عِلْمِ الْيَقِينِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ وَاصِلًا إِلَى عَيْنِ الْيَقِينِ . وَلِعِلْمِ الْيَقِينِ أَيْضًا رُتْبَةٌ وَإِنْ كَانَ دُونَ عَيْنِ الْيَقِينِ ، وَمَنْ خَلَا عَنْ عِلْمِ الْيَقِينِ وَعَيْنِ الْيَقِينِ فَهُوَ خَارِجٌ عَنْ زُمْرَةِ الْمُؤْمِنِينَ ، وَيُحْشَرُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي زُمْرَةِ الْجَاحِدِينَ الْمُسْتَكْبِرِينَ الَّذِينَ هُمْ قَتْلَى الْقُلُوبِ الضَّعِيفَةِ ، وَأَتْبَاعُ الشَّيَاطِينِ . فَنَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يَجْعَلَنَا مِنَ الرَّاسِخِينَ فِي الْعِلْمِ الْقَائِلِينَ : آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ . إتحاف السادة المتقين (بَيَانُ أَحْوَالِ السَّائِلِينَ ) مِنَ السَّالِكِينَ (كَانَ بِشْرُ) بْنُ الْحَارِثِ الْحَافِي (- رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَقُولُ: الْفُقَرَاءُ ثَلَاثَةٌ: فَقِيرٌ لَا يَسْأَلُ وَإِنْ أُعْطِيَ لَا يَأْخُذُ فَهَذَا مَعَ الرُّوحَانِيِّينَ فِي عِلِّيِّينَ) لِكَمَالِ تَجَرُّدِهِ عَنِ الْعَلَائِقِ، (وَفَقِيرٌ لَا يَسْأَلُ وَإِنْ أُعْطِيَ أَخَذَ) عَلَى قَدْرِ حَاجَتِهِ وَرَدَّ الْبَاقِيَ (فَهَذَا مِنَ الْمُقَرَّبِينَ فِي جَنَّاتِ الْفِرْدَوْسِ) وَهُوَ أَنْزَلُ دَرَجَةً مِنَ الْأَوَّلِ (وَفَقِيرٌ يَسْأَلُ عِنْدَ الْحَاجَةِ) وَفِي نُسْخَةٍ: عِنْدَ فَاقَتِهِ (فَهَذَا مَعَ الصَّادِقِينَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ) وَهُوَ أَنْزَلُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِي قَبْلَهُ . وَهَذَا الْقَوْلُ رَوَاهُ الْقُشَيْرِيُّ فِي الرِّسَالَةِ فِي بَابِ التَّوَكُّلِ، فَقَالَ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ الْحُسَيْنِ يَقُولُ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ الْحَسَنِ الْمُخَرَّمِيَّ يَقُولُ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ صَالِحٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدُونَ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ الْخَيَّاطُ قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ بِشْرٍ الْحَافِي فَجَاءَ نَفَرٌ فَسَلَّمُوا عَلَيْهِ فَقَالَ: مَنْ أَنْتُمْ؟ ثُمَّ سَاقَ الْقِصَّةَ وَفِي آخِرِهَا، ثُمَّ قَالَ بِشْرٌ: أَحْسَنُ الْفُقَرَاءِ ثَلَاثَةٌ: فَقِيرٌ لَا يَسْأَلُ وَإِنْ أُعْطِيَ لَا يَأْخُذُ، فَذَاكَ مِنْ جُمْلَةِ الرُّوحَانِيِّينَ، وَفَقِيرٌ لَا يَسْأَلُ وَإِنْ أُعْطِيَ قَبِلَ فَذَاكَ تُوضَعُ لَهُ مَوَائِدُ فِي حَظَائِرِ الْقُدْسِ، وَفَقِيرٌ يَسْأَلُ وَإِنْ أُعْطِيَ قَبِلَ قَدْرَ الْكِفَايَةِ فَكَفَّارَتُهُ صَدَقَتُهُ (فَإِذًا قَدِ اتَّفَقَ كُلُّهُمْ عَلَى ذَمِّ السُّؤَالِ) مُطْلَقًا (وَعَلَى أَنَّهُ مَعَ الْحَاجَةِ يَحُطُّ الْمَرْتَبَةَ وَالدَّرَجَةَ) ثُمَّ هَذَا الَّذِي يَسْأَلُ لِنَفْسِهِ أَوْ لِغَيْرِهِ فَإِنْ سَأَلَ لِغَيْرِهِ فَهُوَ مَعُونَةٌ، وَإِنْ سَأَلَ لِنَفْسِهِ فَلَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يَسْأَلَ الْأَقَارِبَ وَالْأَصْدِقَاءَ أَوْ سَائِرَ النَّاسِ. الْأَوَّلُ طَرِيقُ الْقَوْمِ، وَالثَّانِي حَرَامٌ، وَقَدْ تَقَدَّمَ تَفْصِيلُ ذَلِكَ قَالَ (شَقِيقُ) بْنُ إِبْرَاهِيمَ (الْبَلْخِيُّ) - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - (لِإِبْرَاهِيمَ بْنِ أَدْهَمَ) - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - (حِينَ قَدِمَ عَلَيْهِ مِنْ خُرَاسَانَ: كَيْفَ تَرَكْتَ الْفُقَرَاءَ مِنْ أَصْحَابِكَ؟ قَالَ: تَرَكْتُهُمْ إِنْ أُعْطُوا أَنْكَرُوا وَإِنْ مُنِعُوا) مِنَ الْإِعْطَاءِ (صَبَرُوا وَظَنَّ أَنَّهُ لَمَّا وَصَفَهُمْ بِتَرْكِ السُّؤَالِ فَقَدْ أَثْنَى عَلَيْهِمْ غَايَةَ الثَّنَاءِ، فَقَالَ شَقِيقٌ: هَكَذَا تَرَكْتُ كِلَابَ بَلْخَ عِنْدَنَا) إِنْ أُعْطُوا أَكَلُوا وَشَكَرُوا، وَإِنْ مُنِعُوا صَبَرُوا، (فَقَالَ لَهُ إِبْرَاهِيمُ: فَكَيْفَ الْفُقَرَاءُ عِنْدَكَ يَا أَبَا إِسْحَاقَ؟ فَقَالَ: الْفُقَرَاءُ عِنْدَنَا إِنْ مُنِعُوا شَكَرُوا) وَعَلِمُوا أَنَّ الْمَنْعَ مِنَّةٌ مِنَ اللَّهِ عَلَيْهِمْ لِئَلَّا يَشْغَلَهُمْ بِسِوَاهُ، (وَإِنْ أُعْطُوا آثَرُوا) غَيْرَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَمْ يَتَعَلَّقُوا بِمَا لَاحَ لَهُمْ مِنَ الْعَطَاءِ (فَقَبَّلَ رَأْسَهُ وَقَالَ: صَدَقْتَ يَا أُسْتَاذُ) ، هَكَذَا سِيَاقُ هَذِهِ الْقِصَّةِ فِي النُّسْخَةِ، وَهُوَ مُزَالٌ عَنِ الْأَصْلِ، وَالصَّوَابُ أَنَّ السَّائِلَ هُوَ إِبْرَاهِيمُ وَالْمَسْئُولَ هُوَ شَقِيقٌ، وَقَوْلُهُ: فَقَالَ شَقِيقٌ، صَوَابُهُ: فَقَالَ إِبْرَاهِيمُ، وَقَوْلُهُ: فَقَالَ إِبْرَاهِيمُ، صَوَابُهُ: فَقَالَ لَهُ شَقِيقٌ. بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: يَا أَبَا إِسْحَاقَ، فَإِنَّهُ كُنْيَةُ إِبْرَاهِيمَ، وَأَمَّا كُنْيَةُ شَقِيقٍ فَأَبُو عَلِيٍّ. وَقَدْ رَوَاهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْحِلْيَةِ عَلَى الصَّوَابِ حَيْثُ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا الْقَاسِمِ عَبْدَ السَّلَامِ بْنَ مُحَمَّدٍ الْمُخَرَّمِيَّ الْبَغْدَادِيَّ الصُّوفِيَّ يَقُولُ: حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْخُزَاعِيُّ عَنْ حُذَيْفَةَ الْمَرْعَشِيِّ قَالَ: دَخَلْنَا مَكَّةَ مَعَ إِبْرَاهِيمَ بْنِ أَدْهَمَ فَإِذَا شَقِيقٌ الْبَلْخِيُّ قَدْ حَجَّ تِلْكَ السَّنَةَ فَاجْتَمَعْنَا فِي شِقِّ الطَّوَافِ فَقَالَ إِبْرَاهِيمُ لِشَقِيقٍ: عَلَى أَيِّ شَيْءٍ أَصَّلْتُمْ أَصْلَكُمْ؟ فَقَالَ: أَصَّلْنَا أَصْلَنَا عَلَى أَنَّا إِذَا رُزِقْنَا أَكَلْنَا، وَإِذَا مُنِعْنَا صَبَرْنَا، فَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: هَكَذَا هَكَذَا تَفْعَلُ كِلَابُ بَلْخَ، فَقَالَ لَهُ شَقِيقٌ: فَعَلَامَ أَصَّلْتُمْ؟ قَالَ: أَصَّلْنَا عَلَى أَنَّا إِذَا رُزِقْنَا آثَرْنَا، وَإِذَا مُنِعْنَا شَكَرْنَا وَحَمِدْنَا، فَقَامَ شَقِيقٌ فَجَلَسَ بَيْنَ يَدَيْ إِبْرَاهِيمَ فَقَالَ: يَا أُسْتَاذُ، أَنْتَ أُسْتَاذُنَا. ثُمَّ رَاجَعْتُ نُسْخَةً أُخْرَى مِنَ الْكِتَابِ صَحِيحَةً بِخَطِّ الْعَجَمِ فَإِذَا فِيهَا عَلَى الصَّوَابِ كَمَا أَشَرْتُ إِلَيْهِ، وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَدْهَمَ لِشَقِيقٍ حِينَ قَدِمَ عَلَيْهِ فَسَاقَهَا، وَفِيهِ فَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: هَكَذَا تَرَكْتُ كِلَابَ بَلْخَ، وَفِيهِ فَقَالَ لَهُ شَقِيقٌ: فَكَيْفَ الْفُقَرَاءُ عِنْدَكَ يَا أَبَا إِسْحَاقَ، وَذَكَرَ الْقُشَيْرِيُّ فِي بَابِ الْفُتُوَّةِ مِنَ الرِّسَالَةِ هَذِهِ الْقِصَّةَ لِشَقِيقٍ مَعَ جَعْفَرٍ الصَّادِقِ، فَقَالَ: وَقِيلَ: سَأَلَ شَقِيقٌ الْبَلْخِيُّ جَعْفَرَ بْنَ مُحَمَّدٍ عَنِ الْفُتُوَّةِ فَقَالَ: مَا تَقُولُ أَنْتَ؟ فَقَالَ: إِنْ أُعْطِينَا شَكَرْنَا وَإِنْ مُنِعْنَا صَبَرْنَا، فَقَالَ جَعْفَرٌ: الْكِلَابُ عِنْدَنَا بِالْمَدِينَةِ كَذَلِكَ تَفْعَلُ، فَقَالَ شَقِيقٌ: يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ، مَا الْفُتُوَّةُ عِنْدَكُمْ؟ قَالَ: إِنْ أُعْطِينَا آثَرْنَا، وَإِنْ مُنِعْنَا شَكَرْنَا. وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ: فَقَالَ شَقِيقٌ: اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ رِسَالَتَهُ. (فَإِذًا دَرَجَاتُ أَرْبَابِ الْأَحْوَالِ) مِنَ السَّالِكِينَ (فِي الرِّضَا وَالصَّبْرِ وَالشُّكْرِ وَالسُّؤَالِ) وَالْإِيثَارِ وَالْفُتُوَّةِ (كَثِيرَةٌ) مُخْتَلِفَةٌ (فَلَا بُدَّ لِسَالِكِ طَرِيقِ الْآخِرَةِ مِنْ مَعْرِفَتِهَا وَمَعْرِفَةِ انْقِسَامِهَا وَدَرَجَاتِهَا، فَإِنَّهُ إِذَا لَمْ يَعْلَمْ لَمْ يَقْدِرْ فِي الرُّقِيِّ مِنْ حَضِيضِهَا إِلَى يَفَاعِهَا) أَيْ: ذُرْوَتِهَا (وَمِنْ أَسْفَلِ السَّافِلِينَ إِلَى أَعْلَى عِلِّيِّينَ وَقَدْ خُلِقَ الْإِنْسَانُ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ) بِنَصِّ الْقُرْآنِ (ثُمَّ رُدَّ إِلَى أَسْفَلِ سَافِلِينَ) بِنَصِّ الْقُرْآنِ أَيْضًا (ثُمَّ أُمِرَ أَنْ يَتَرَقَّى إِلَى أَعْلَى عِلِّيِّينَ وَمَنْ لَا يُمَيِّزُ بَيْنَ السُّفْلِ وَالْعُلُوِّ لَا يَقْدِرُ عَلَى التَّرَقِّي مُطْلَقًا، وَإِنَّمَا الشَّكُّ فِيمَنْ عَرَفَ ذَلِكَ فَإِنَّهُ رُبَّمَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ) فَالتَّرَقِّي تَابِعٌ لِلْمَعْرِفَةِ وَالتَّمْيِيزِ . (وَأَرْبَابُ الْأَحْوَالِ) فِي أَثْنَاءِ سُلُوكِهِمْ (قَدْ تَغْلِبُهُمْ حَالَةٌ تَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ السُّؤَالُ مَزِيدًا لَهُمْ فِي دَرَجَاتِهِمْ) فِي بَعْضِ الْأَحْيَانِ وَبَعْضِ الْمَوَاطِنِ (فَإِنَّ مِثْلَ هَذِهِ الْأَعْمَالِ) لَا يُطَّلَعُ عَلَيْهَا وَهِيَ مَرْبُوطَةٌ (بِالنِّيَّاتِ) فَفِي الْخَبَرِ: إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ. (وَذَلِكَ كَمَا رُوِيَ أَنَّ بَعْضَهُمْ رَأَى أَبَا الْحَسَنِ) أَحْمَدَ بْنَ مُحَمَّدٍ (النُّورِيَّ) - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بَغْدَادِيُّ الْمَوْلِدِ وَالْمَنْشَأِ بِغَوِيُّ الْأَصْلِ وَكَانَ مِنْ أَقْرَانِ الْجُنَيْدِ وَكَانَ كَبِيرَ الشَّأْنِ مَاتَ سَنَةَ خَمْسٍ وَتِسْعِينَ وَمِائَتَيْنِ (يَمُدُّ يَدَهُ وَيَسْأَلُ النَّاسَ فِي بَعْضِ الْمَوَاطِنِ قَالَ) الرَّائِي: (فَاسْتَعْظَمْتُ ذَلِكَ وَاسْتَقْبَحْتُهُ لَهُ) أَيْ: عَدَدْتُهُ قَبِيحًا مِنْ مِثْلِهِ (فَأَتَيْتُ الْجُنَيْدَ) - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - (فَأَخْبَرْتُهُ بِذَلِكَ فَقَالَ: لَا يَعْظُمُ هَذَا عَلَيْكَ) وَلَا تَتَعَجَّبْ مِنْهُ (فَإِنَّ النُّورِيَّ لَمْ يَسْأَلِ النَّاسَ إِلَّا لِيُعْطِيَهُمْ) لَا لِيَأْخُذَ مِنْهُمْ، فَإِنَّهُ فِي غِنًى عَنْ ذَلِكَ (إِنَّمَا سَأَلَهُمْ لِيُثِيبَهُمْ مِنَ الْآخِرَةِ فَيُؤْجَرُونَ مِنْ حَيْثُ لَا يَضُرُّهُ) . قَالَ الْمُصَنِّفُ: (وَكَأَنَّهُ) أَيْ: الْجُنَيْدُ (أَشَارَ) بِذَلِكَ (إِلَى قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: يَدُ الْمُعْطِي هِيَ الْعُلْيَا) قَالَ الْعِرَاقِيُّ: رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ. اهـ . قُلْتُ: وَرَوَى الطَّيَالِسِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَالْبَغَوِيُّ وَابْنُ قَانِعٍ وَالْبَاوَرْدِيُّ وَالطَّبَرَانِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ وَالضِّيَاءُ مِنْ حَدِيثِ ثَعْلَبَةَ ابْنِ زَهْدَمٍ الْحَنْظَلِيِّ: يَدُ الْمُعْطِي الْعُلْيَا، وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ، وَرَوَاهُ أَحْمَدُ وَالطَّبَرَانِيُّ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ أَبِي رِمْثَةَ، وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ أَيْضًا وَابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ مِنْ حَدِيثِ طَارِقٍ الْمُحَارِبِيِّ، وَرَوَاهُ أَحْمَدُ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ رَجُلٍ مِنْ بَنِي يَرْبُوعٍ (فَقَالَ بَعْضُهُمْ: يَدُ الْمُعْطِي هِيَ يَدُ الْآخِذِ لِلْمَالِ; لِأَنَّهُ يُعْطِي الثَّوَابَ وَالْقَدْرُ لَهُ لَا لِمَا يَأْخُذُهُ) وَظَاهِرُ هَذَا مَا يُخَالِفُهُ مَا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ: يَدُ الْمُعْطِي الْعُلْيَا، وَيَدُ الْآخِذِ السُّفْلَى إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ. وَمَا رَوَاهُ مَالِكٌ وَالشَّيْخَانِ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ بْنِ عُمَرَ: وَالْيَدُ الْعُلْيَا الْمُنْفِقَةُ وَالْيَدُ السُّفْلَى هِيَ السَّائِلَةُ. إِلَّا أَنْ يُقَالَ: إِنَّ الْمُرَادَ بِالْمُعْطِي الْآخِذُ إِذَا كَانَ مِنْ غَيْرِ سُؤَالٍ، وَالْآخِذُ بِالسُّؤَالِ هُوَ الَّذِي اقْتَضَى كَوْنَ يَدِهِ سُفْلَى، وَهُوَ وَجِيهٌ إِلَّا أَنَّهُ لَا يُطَابِقُ وَاقِعَةَ حَالِ النُّورِيِّ فَتَأَمَّلْ . (ثُمَّ قَالَ الْجُنَيْدُ) - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - (هَاتِ الْمِيزَانَ فَوَزَنَ مِائَةَ دِرْهَمٍ ثُمَّ قَبَضَ قَبْضَةً) مِنَ الدَّرَاهِمِ (فَأَلْقَاهَا عَلَى الْمِائَةِ) جِزَافًا (ثُمَّ قَالَ: احْمِلْهَا إِلَيْهِ) أَيْ: إِلَى النُّورِيِّ (فَقُلْتُ: فِي نَفْسِي إِنَّمَا يُوزَنُ الشَّيْءُ لِيُعْرَفَ مِقْدَارُهُ فَكَيْفَ خَلَطَ بِهِ مَجْهُولًا، وَهُوَ رَجُلٌ حَكِيمٌ وَاسْتَحْيَيْتُ أَنْ أَسْأَلَهُ، فَذَهَبْتُ بِالصُّرَّةِ إِلَى النُّورِيِّ) فَاسْتَشْرَفَ (عَلَى) بَاطِنِ (الْأَمْرِ فَقَالَ: هَاتِ الْمِيزَانَ فَوَزَنَ مِائَةَ دِرْهَمٍ وَقَالَ: رُدَّهَا عَلَيْهِ، وَقُلْ لَهُ: أَنَا لَا أَقْبَلُ مِنْكَ شَيْئًا، وَأَخَذَ مَا زَادَ عَلَى الْمِائَةِ، قَالَ) الرَّجُلُ: (فَزَادَ تَعَجُّبِي فَسَأَلْتُهُ) يَعْنِي النُّورِيَّ (فَقَالَ) أَبُو الْقَاسِمِ: (الْجُنَيْدُ رَجُلٌ حَكِيمٌ يُرِيدُ أَنْ يَأْخُذَ الْحَبْلَ بِطَرَفَيْهِ وَزَنَ الْمِائَةَ لِنَفْسِهِ طَلَبًا لِثَوَابِ الْآخِرَةِ وَطَرَحَ عَلَيْهَا قَبْضَةً بِلَا وَزْنٍ لِلَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - فَأَخَذْتُ مَا كَانَ لِلَّهِ تَعَالَى وَرَدَدْتُ مَا جَعَلَهُ لِنَفْسِهِ، قَالَ فَرَدَدْتُهَا) أَيِ: الصُّرَّةَ الْمَذْكُورَةَ (إِلَى الْجُنَيْدِ) - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - (فَبَكَى وَقَالَ: أَخَذَ مَا لَهُ، وَرَدَّ مَا لنَا، وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ) . أَيْ: فَمَنْ كَانَ بِهَذِهِ الْمَثَابَةِ مِنَ الْمَعْرِفَةِ وَالِاسْتِشْرَافِ عَلَى الْخَوَاطِرِ كَيْفَ لَا يَكُونُ السُّؤَالُ مَزِيدًا فِي دَرَجَاتِهِ (فَانْظُرِ الْآنَ كَيْفَ صَفَتْ قُلُوبُهُمْ وَأَحْوَالُهُمْ وَكَيْفَ خَلُصَتْ لِلَّهِ أَعْمَالُهُمْ حَتَّى كَانَ يُشَاهِدُ كُلُّ وَاحِدٍ قَلْبَ صَاحِبِهِ مِنْ غَيْرِ مُنَاطَقَةٍ بِاللِّسَانِ، وَلَكِنْ بِتَشَاهُدِ الْقُلُوبِ وَتَنَاجِي الْأَسْرَارِ، وَذَلِكَ نَتِيجَةُ أَكْلِ الْحَلَالِ، وَخُلُوِّ الْقَلْبِ عَنْ حُبِّ الدُّنْيَا، وَالْإِقْبَالِ عَلَى اللَّهِ بِكُنْهِ الْهِمَّةِ) أَيْ: خَالِصًا (فَمَنْ أَنْكَرَ ذَلِكَ قَبْلَ تَجْرِبَةِ طَرِيقِهِ فَهُوَ جَاهِلٌ) وَهُوَ (كَمَنْ يُنْكِرُ مَثَلًا كَوْنَ الدَّوَاءِ مُسَهِّلًا) لِلْبَطْنِ (قَبْلَ شُرْبِهِ) وَاسْتِعْمَالِهِ (وَمَنْ أَنْكَرَهُ بَعْدَ أَنْ طَالَ اجْتِهَادُهُ حَتَّى بَذَلَ كُنْهَ مَجْهُودِهِ وَلَمْ يَصِلْ فَأَنْكَرَ ذَلِكَ لِغَيْرِهِ كَانَ كَمَنْ شَرِبَ الْمُسَهِّلَ فَلَمْ يُؤَثِّرْ فِي حَقِّهِ خَاصَّةً لِعِلَّةٍ فِي بَاطِنِهِ) كَالْيُبْسِ الْبَالِغِ وَتَحَجُّرِ الْمَعِدَةِ (وَأَخَذَ يُنْكِرُ كَوْنَ الدَّوَاءِ مُسَهِّلًا، وَهَذَا وَإِنْ كَانَ فِي الْجَهْلِ دُونَ الْأَوَّلِ وَلَكِنَّهُ لَيْسَ خَالِيًا عَنْ حَظٍّ وَافِرٍ مِنَ الْجَهْلِ) بَلْ ضَرَرُهُ أَشَدُّ . (بَلِ الْبَصِيرُ السَّالِكُ أَحَدُ رَجُلَيْنِ إِمَّا رَجُلٌ سَلَكَ الطَّرِيقَ فَظَهَرَ لَهُ مِثْلُ مَا ظَهَرَ لَهُمْ، فَهُوَ صَاحِبُ الذَّوْقِ وَالْمَعْرِفَةِ وَقَدْ وَصَلَ إِلَى) مَرْتَبَةِ (عَيْنِ الْيَقِينِ) وَهُوَ مَقَامُ الْمُشَاهِدَةِ وَالْكَشْفِ (وَإِمَّا رَجُلٌ لَمْ يَسْلُكِ الطَّرِيقَ) رَأْسًا فَهَذَا لَا كَلَامَ فِيهِ (أَوْ سَلَكَ وَلَمْ يَصِلْ) لِقُصُورِهِ فِي جُهْدِهِ، (وَلَكِنْ آمَنَ بِذَلِكَ وَصَدَّقَ بِهِ) وَسَلَّمَ لِأَهْلِهِ (فَهَذَا صَاحِبُ عَيْنِ الْيَقِينِ) تَصْدِيقُهُ أَعْطَاهُ الدَّلِيلَ بِتَصَوُّرِ الْأَمْرِ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ (وَإِنْ لَمْ يَكُنْ وَاصِلًا إِلَى عَيْنِ الْيَقِينِ، وَلِعِلْمِ الْيَقِينِ أَيْضًا رُتْبَةٌ) بِالْإِضَافَةِ إِلَى مَا قَبْلَهُ (وَإِنْ كَانَ دُونَ عَيْنِ الْيَقِينِ، وَمَنْ خَلَا عَنْ عِلْمِ الْيَقِينِ وَعَيْنِ الْيَقِينِ فَهُوَ خَارِجٌ عَنْ زُمْرَةِ الْمُؤْمِنِينَ، وَيُحْشَرُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي زُمْرَةِ الْجَاحِدِينَ الْمُسْتَكْبِرِينَ الَّذِينَ هُمْ قَتْلَى الْعُقُولِ الضَّعِيفَةِ، وَأَتْبَاعُ الشَّيَاطِينِ، فَنَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يَجْعَلَنَا مِنَ الرَّاسِخِينَ فِي الْعِلْمِ الْقَائِلِينَ: آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ ) .

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية