الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
معلومات الكتاب

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين

مرتضى الزبيدي - محمد بن محمد الحسيني الزبيدي

جزء صفحة
إحياء علوم الدين الشَّطْرُ الْأَوَّلُ مِنَ الْكِتَابِ فِي الْفَقْرِ وَفِيهِ بَيَانُ حَقِيقَةِ الْفَقْرِ ، وَبَيَانُ فَضِيلَةِ الْفَقْرِ مُطْلَقًا ، وَبَيَانُ خُصُوصِ فَضِيلَةِ الْفُقَرَاءِ ، وَبَيَانُ فَضِيلَةِ الْفَقِيرِ عَلَى ، الْغَنِيِّ وَبَيَانُ أَدَبِ الْفَقِيرِ فِي فَقْرِهِ ، وَبَيَانُ أَدَبِهِ فِي قَبُولِهِ الْعَطَاءَ ، وَبَيَانُ تَحْرِيمِ السُّؤَالِ بِغَيْرِ ضَرُورَةٍ ، وَبَيَانُ مِقْدَارِ الْغِنَى الْمُحَرِّمِ لِلسُّؤَالِ ، وَبَيَانُ أَحْوَالِ السَّائِلِينَ وَاللَّهُ الْمُوَفِّقُ بِلُطْفِهِ وَكَرَمِهِ . بَيَانُ حَقِيقَةِ الْفَقْرِ وَاخْتِلَافِ .أَحْوَالِ الْفَقِيرِ وَأَسَامِيهِ اعْلَمْ أَنَّ الْفَقْرَ عِبَارَةٌ عَنْ فَقْدِ مَا هُوَ مُحْتَاجٌ إِلَيْهِ أَمَّا فَقْدُ مَا لَا حَاجَةَ إِلَيْهِ فَلَا يُسَمَّى فَقْرًا . وَإِنْ كَانَ الْمُحْتَاجُ إِلَيْهِ مَوْجُودًا مَقْدُورًا عَلَيْهِ لَمْ يَكُنِ الْمُحْتَاجُ فَقِيرًا وَإِذَا فَهِمْتَ هَذَا لَمْ تَشُكَّ فِي أَنَّ كُلَّ مَوْجُودٍ سِوَى اللَّهِ تَعَالَى فَهُوَ فَقِيرٌ ؛ لِأَنَّهُ مُحْتَاجٌ إِلَى دَوَامِ الْوُجُودِ فِي ثَانِي الْحَالِ ، وَدَوَامُ وُجُودٍ مُسْتَفَادٌ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ تَعَالَى ، وُجُودِهِ فَإِنْ كَانَ فِي الْوُجُودِ مَوْجُودٌ لَيْسَ وُجُودُهُ مُسْتَفَادًا لَهُ مِنْ غَيْرِهِ فَهُوَ الْغَنِيُّ الْمُطْلَقُ ، وَلَا يُتَصَوَّرُ أَنْ يَكُونَ مِثْلُ هَذَا الْمَوْجُودِ إِلَّا وَاحِدًا فَلَيْسَ فِي الْوُجُودِ إِلَّا غَنِيٌّ وَاحِدٌ وَكُلُّ مَنْ عَدَاهُ فَإِنَّهُمْ مُحْتَاجُونَ إِلَيْهِ لِيَمُدُّوا وَجُودَهُمْ بِالدَّوَامِ وَإِلَى هَذَا الْحَصْرِ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ هَذَا مَعْنَى الْفَقْرِ مُطْلَقًا . إتحاف السادة المتقين (الشَّطْرُ الْأَوَّلُ مِنَ الْكِتَابِ فِي الْفَقْرِ، وَفِيهِ بَيَانُ حَقِيقَةِ الْفَقْرِ، وَبَيَانُ فَضِيلَةِ الْفَقْرِ مُطْلَقًا، وَبَيَانُ فَضِيلَةِ خُصُوصِ الْفُقَرَاءِ، وَبَيَانُ فَضْلِ الْفَقِيرِ عَلَى الْغَنِيِّ، وَبَيَانُ آدَابِ الْفَقِيرِ فِي فَقْرِهِ، وَبَيَانُ أَدَبِهِ فِي قَبُولِ الْعَطَاءِ، وَبَيَانُ تَحْرِيمِ السُّؤَالِ بِغَيْرِ ضَرُورَةٍ، وَبَيَانُ مِقْدَارِ الْغِنَى الْمُحَرِّمِ لِلسُّؤَالِ، وَبَيَانُ أَحْوَالِ السَّائِلِينَ) تَتَضَمَّنُهَا فُصُولٌ تِسْعَةُ: بَيَانُ حَقِيقَةِ الْفَقْرِ وَاخْتِلَافِ أَحْوَالِ الْفَقِيرِ وَأَسَامِيهِ . (اعْلَمْ) أَغْنَاكَ اللَّهُ تَعَالَى (أَنَّ الْفَقْرَ عِبَارَةٌ عَنْ فَقْدِ مَا هُوَ مُحْتَاجٌ إِلَيْهِ) مَالًا أَوْ غَيْرَهُ (أَمَّا فَقْدُ مَا لَا حَاجَةَ إِلَيْهِ فَلَا يُسَمَّى فَقْرًا، وَإِنْ كَانَ الْمُحْتَاجُ إِلَيْهِ مَوْجُودًا مَقْدُورًا عَلَيْهِ لَمْ يَكُنِ الْمُحْتَاجُ فَقِيرًا) فَالْفَقِيرُ هُوَ الْفَاقِدُ الْمُحْتَاجُ وَالْفَقْرُ هُوَ الْفَقْدُ وَالِاحْتِيَاجُ قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ: هُوَ فَعِيلٌ بِمَعْنَى فَاعِلٍ، وَفَسَّرُوهُ بِقَلِيلِ الْمَالِ قَالَ ابْنُ السِّرَاجِ وَلَمْ يَقُولُوا: فَقُرَ أَيْ: بِالضَّمِّ لِأَنَّهُمُ اسْتَغْنَوْا عَنْهُ "بِافْتَقَرَ" وَقَالَ فِي الْمُؤَنَّثِ: فَقِيرَةٌ وَجَمْعُهَمَا فُقَرَاءُ وَمِثْلُهُ سَفِيهٌ وَسُفَهَاءُ وَلَا ثَالِثَ لَهُمَا، وَيَتَعَدَّى بِالْهَمْزَةِ فَيُقَالُ: أَفْقَرْتُهُ فَافْتَقَرَ . وَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ عَدَمُ الشَّيْءِ بَعْدَ وُجُودِهِ فَهُوَ أَخَصُّ مِنَ الْعَدَمِ; لِأَنَّ الْعَدَمَ يُقَالُ فِيهِ وَفِيمَا يُوجَدُ بَعْدُ، ذَكَرَهُ الرَّاغِبُ. (وَإِذَا فَهِمْتَ هَذَا لَمْ تَشُكَّ فِي أَنَّ كُلَّ مَوْجُودٍ سِوَى اللَّهِ تَعَالَى فَهُوَ فَقِيرٌ; لِأَنَّهُ مُحْتَاجٌ إِلَى دَوَامٍ فِي ثَانِي الْحَالِ، وَدَوَامُ الْوُجُودِ مُسْتَفَادٌ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ تَعَالَى، فَإِنْ كَانَ فِي الْوُجُودِ مَوْجُودٌ لَيْسَ وُجُودُهُ مُسْتَفَادًا لَهُ مِنْ غَيْرِهِ فَهُوَ الْغَنِيُّ الْمُطْلَقُ، وَلَا يُتَصَوَّرُ أَنْ يَكُونَ مِثْلُ هَذَا الْمَوْجُودِ إِلَّا وَاحِدًا فَلَيْسَ فِي الْوُجُودِ إِلَّا غَنِيٌّ وَاحِدٌ وَكُلُّ مَنْ عَدَاهُ فَإِنَّهُمْ مُحْتَاجُونَ إِلَيْهِ لِيَمُدَّ وَجُودَهُمْ بِالدَّوَامِ) . لَمَّا تَقَدَّمَ أَنَّ الْفَقْرَ عِبَارَةٌ عَنِ الْفَقْدِ وَالِاحْتِيَاجِ، وَلَكِنَّ الِاحْتِيَاجَ عَلَى ضَرْبَيْنِ: احْتِيَاجٌ مُطْلَقٌ، وَاحْتِيَاجٌ مُقَيَّدٌ، وَقَدْ أَشَارَ الْمُصَنِّفُ إِلَى الْقِسْمِ الْأَوَّلِ وَهُوَ افْتِقَارُ الْعَبْدِ إِلَى مُوجِدٍ يُوجِدُهُ وَاحْتِيَاجُهُ إِلَى بَقَاءٍ بَعْدَ الْإِيجَادِ، وَاحْتِيَاجُهُ إِلَى هِدَايَتِهِ إِلَى مُوجِدِهِ بَعْدَ الْإِبْقَاءِ، وَهَذَا هُوَ الْفَقْرُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى; لِأَنَّ إِيجَادَهُ وَإِبْقَاءَهُ وَهِدَايَتَهُ بِاللَّهِ تَعَالَى الَّذِي هُوَ وَاجِبٌ بِذَاتِهِ غَنِيٌّ عَنِ الِاحْتِيَاجِ إِلَى غَيْرِهِ، وَهَذَا الْفَقْرُ وَاجِبٌ; لِأَنَّهُ مِنْ عُقُودِ الْإِيمَانِ بِاللَّهِ، وَالْحَالُ الَّذِي يَنْشَأُ عَنْ هَذِهِ الْمَعْرِفَةِ شُهُودُهُ فَقْرُهُ وَحَاجَتُهُ عَلَى الدَّوَامِ كَشُهُودِهِ لِعُبُودِيَّتِهِ . (وَإِلَى هَذَا الْحَصْرِ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ هَذَا مَعْنَى الْفَقْرِ مُطْلَقًا) . قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي الْمَقْصِدِ الْأَسْنَى: الْغَنِيُّ هُوَ الَّذِي لَا تَعَلُّقَ لَهُ بِغَيْرِهِ لَا فِي ذَاتِهِ وَلَا فِي صِفَاتِهِ، بَلْ يَكُونُ مُنَزَّهًا عَنِ الْعَلَاقَةِ مَعَ الْأَغْيَارِ، فَمَنْ تُعَلَّقُ ذَاتُهُ أَوْ صِفَاتُ ذَاتِهِ بِأَمْرٍ خَارِجٍ مِنْ ذَاتِهِ يُوقَفُ عَلَيْهِ وُجُودُهُ وَكَمَالُهُ فَهُوَ مُحْتَاجٌ فَقِيرٌ إِلَى الْكَسْبِ، وَلَا يُتَصَوَّرُ أَنْ يَكُونَ غَنِيًّا مُطْلَقًا إِلَّا اللَّهُ تَعَالَى .

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية