الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
معلومات الكتاب

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين

مرتضى الزبيدي - محمد بن محمد الحسيني الزبيدي

جزء صفحة
إحياء علوم الدين

وفائدة الخوف الحذر ، والورع ، والتقوى ، والمجاهدة ،  والعبادة ، والفكر ، والذكر ، وسائر الأسباب الموصلة إلى الله تعالى ، وكل ذلك يستدعي الحياة مع صحة البدن ، وسلامة العقل ، فكل ما يقدح في هذه الأسباب فهو مذموم

فإن قلت : من خاف فمات من خوفه فهو شهيد ، فكيف يكون حاله مذموما ؟! فاعلم أن معنى كونه شهيدا أن له رتبة بسبب موته من الخوف كان لا ينالها لو مات في ذلك الوقت ، لا بسبب الخوف ، فهو بالإضافة إليه فضيلة ، فأما بالإضافة إلى تقدير بقائه ، وطول عمره في طاعة الله ، وسلوك ، سبله فليس بفضيلة بل للسالك إلى الله تعالى بطريق الفكر والمجاهدة ، والترقي في درجات المعارف ، في كل لحظة رتبة شهيد ، وشهداء ولولا هذا لكانت رتبة صبي يقتل أو مجنون يفترسه سبع أعلى من رتبة نبي أو ولي يموت حتف أنفه وهو محال ، فلا ينبغي أن يظن هذا بل أفضل السعادات طول العمر في طاعة الله تعالى فكل ما أبطل العمر أو العقل أو الصحة التي يتعطل العمر بتعطيلها فهو خسران ونقصان ، بالإضافة إلى أمور ، وإن كان بعض أقسامها فضيلة ، بالإضافة إلى أمور أخر كما كانت الشهادة فضيلة ، بالإضافة إلى ما دونها لا بالإضافة إلى درجة المتقين والصديقين ، فإذن الخوف إن لم يؤثر في العمل فوجوده كعدمه مثل السوط الذي لا يزيد في حركة الدابة ، وإن أثر فله درجات بحسب ظهور أثره ، فإن لم يحمل إلا على العفة ، وهي الكف عن مقتضى الشهوات ، فله درجة ، فإذا أثمر الورع فهو أعلى وأقصى درجاته : أن يثمر درجات الصديقين ، وهو أن يسلب الظاهر والباطن عما سوى الله تعالى حتى لا يبقى لغير الله تعالى فيه متسع ، فهذا أقصى ما يحمد منه وذلك مع بقاء الصحة والعقل فإن جاوز هذا إلى إزالة العقل والصحة فهو مرض يجب علاجه إن قدر عليه ، ولو كان محمودا لما وجب علاجه بأسباب الرجاء ، وبغيره حتى يزول : ولذلك كان سهل رحمه الله يقول للمريدين الملازمين للجوع أياما كثيرة احفظوا عقولكم فإنه لم يكن لله تعالى ولي ناقص العقل

.

التالي السابق



الخدمات العلمية