الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
معلومات الكتاب

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين

مرتضى الزبيدي - محمد بن محمد الحسيني الزبيدي

جزء صفحة
إحياء علوم الدين ثُمَّ إِذَا كَمُلَتِ الْمَعْرِفَةُ أَوْرَثَتْ جَلَالَ الْخَوْفِ ، وَاحْتِرَاقِ الْقَلْبِ ، ثُمَّ يَفِيضُ أَثَرُ الْحُرْقَةِ مِنَ الْقَلْبِ عَلَى الْبَدَنِ وَعَلَى ، الْجَوَارِحِ ، وَعَلَى الصِّفَاتِ ، أَمَّا فِي الْبَدَنِ فَبِالنُّحُولِ وَالصَّفَارِ وَالْغَشْيَةِ وَالزَّعْقَةِ وَالْبُكَاءِ ، وَقَدْ تَنْشَقَّ بِهِ الْمَرَارَةُ فَيُفْضَى إِلَى الْمَوْتِ أَوْ يَصْعَدَ إِلَى الدِّمَاغِ فَيَفْسَدَ الْعَقْلَ أَوْ يَقْوَى فَيُورِثَ الْقُنُوطَ وَالْيَأْسِ ، وَأَمَّا فِي الْجَوَارِحِ فَبِكَفِّهَا عَنِ الْمَعَاصِي ، وَتَقْيِيدِهَا بِالطَّاعَاتِ تَلَافِيًا : لِمَا فَرَطَ وَاسْتِعْدَادًا لِلْمُسْتَقْبَلِ ؛ وَلِذَلِكَ قِيلَ : لَيْسَ الْخَائِفُ مَنْ يَبْكِي وَيَمْسَحُ عَيْنَيْهِ بَلِ مَنْ يَتْرُكُ مَا يَخَافُ أَنْ يُعَاقَبَ عَلَيْهِ : وَقَالَ أَبُو الْقَاسِمِ الْحَكِيمُ : مَنْ خَافَ شَيْئًا هَرَبَ مِنْهُ ، وَمَنْ خَافَ اللَّهَ هَرَبَ إِلَيْهِ وَقِيلَ لِذِي النُّونِ مَتَى يَكُونُ الْعَبْدُ خَائِفًا ؟ قَالَ : إِذَا نَزَّلَ نَفْسَهُ مَنْزِلَةَ السَّقِيمِ الَّذِي يَحْتَمِي مَخَافَةَ طُولِ السَّقَامِ : وَأَمَّا فِي الصِّفَاتِ فَبِأَنْ يَقْمَعَ الشَّهَوَاتِ ، وَيُكَدِّرَ اللَّذَّاتِ ، فَتَصِيرَ الْمَعَاصِي الْمَحْبُوبَةُ عِنْدَهُ مَكْرُوهَةً ، كَمَا يَصِيرُ الْعَسَلُ مَكْرُوهًا عِنْدَ مَنْ يَشْتَهِيهِ إِذَا عَرَفَ أَنَّ فِيهِ سُمًّا فَتَحْتَرِقُ الشَّهَوَاتُ بِالْخَوْفِ وَتَتَأَدَّبُ الْجَوَارِحُ ، وَيَحْصُلُ فِي الْقَلْبِ الذُّبُولُ ، وَالْخُشُوعُ ، وَالذِّلَّةُ ، وَالِاسْتِكَانَةُ ، وَيُفَارِقُهُ الْكِبْرُ ، وَالْحِقْدُ وَالْحَسَدُ ، بَلْ يَصِيرُ مُسْتَوْعِبَ الْهَمِّ بِخَوْفِهِ ، وَالنَّظَرِ فِي خَطَرِ عَاقِبَتِهِ ، فَلَا يَتَفَرَّغُ لِغَيْرِهِ ، وَلَا يَكُونُ لَهُ شُغُلٌ إِلَّا الْمُرَاقَبَةُ ، وَالْمُحَاسَبَةُ ، وَالْمُجَاهَدَةُ وَالضِّنَّةُ بِالْأَنْفَاسِ وَاللَّحَظَاتِ : مُؤَاخَذَةُ النَّفْسِ بِالْخَطِرَاتِ وَالْخُطُوَاتِ ، وَالْكَلِمَاتِ وَيَكُونُ حَالُهُ حَالَ مَنْ وَقَعَ فِي مَخَالِبِ سَبُعٍ ضَارٍ لَا يَدْرِي أَنَّهُ يَغْفُلُ عَنْهُ فَيُفْلِتُ : أَوْ يَهْجُمُ عَلَيْهِ فَيَهْلِكُ ، فَيَكُونُ ظَاهِرُهُ وَبَاطِنُهُ مَشْغُولًا بِمَا هُوَ خَائِفٌ مِنْهُ ، لَا مُتَّسَعَ فِيهِ لِغَيْرِهِ . هَذَا حَالُ مَنْ غَلَبَهُ الْخَوْفُ ، وَاسْتَوْلَى عَلَيْهِ ، وَهَكَذَا كَانَ حَالُ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَقُوَّةُ الْمُرَاقَبَةِ ، وَالْمُحَاسَبَةِ ، وَالْمُجَاهَدَةِ ، بِحَسَبِ قُوَّةِ الْخَوْفِ الَّذِي هُوَ تَأَلُّمُ الْقَلْبِ ، وَاحْتِرَاقُهُ وَقُوَّةُ الْخَوْفِ بِحَسَبِ قُوَّةِ الْمَعْرِفَةِ بِجَلَالِ اللَّهِ وَصِفَاتِهِ وَأَفْعَالِهِ وَبِعُيُوبِ النَّفْسِ ، وَمَا بَيْنَ يَدَيْهَا مِنَ الْأَخْطَارِ وَالْأَهْوَالِ وَأَقَلُّ دَرَجَاتِ الْخَوْفِ مِمَّا يَظْهَرُ أَثَرُهُ فِي الْأَعْمَالِ أَنْ يُمْنَعَ عَنِ الْمَحْظُورَاتِ وَيُسَمَّى الْكَفُّ الْحَاصِلُ عَنِ الْمَحْظُورَاتِ وَرَعًا فَإِنْ زَادَتْ قُوَّتُهُ كَفَّ عَمَّا يَتَطَرَّقُ إِلَيْهِ إِمْكَانُ التَّحْرِيمِ ، فَيَكُفُّ أَيْضًا عَمَّا لَا يَتَيَقَّنُ تَحْرِيمَهُ ، وَيُسَمَّى ذَلِكَ تَقْوَى إِذِ التَّقْوَى أَنْ يَتْرُكَ مَا يَرِيبُهُ إِلَى مَا لَا يُرِيبُهُ ، وَقَدْ يَحْمِلُهُ عَلَى أَنْ يَتْرُكَ مَا لَا بَأْسَ بِهِ مَخَافَةَ مَا بِهِ بَأْسٌ ، وَهُوَ الصِّدْقُ فِي التَّقْوَى ، فَإِذَا انْضَمَّ إِلَيْهِ التَّجَرُّدُ لِلْخِدْمَةِ فَصَارَ لَا يَبْنِي مَا لَا يَسْكُنُهُ ، وَلَا يَجْمَعُ مَا لَا يَأْكُلُهُ ، وَلَا يَلْتَفِتُ إِلَى دُنْيَا يَعْلَمُ أَنَّهَا تُفَارِقُهُ ، وَلَا يَصْرِفُ إِلَى غَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى نَفَسًا مِنْ أَنْفَاسِهِ ، فَهُوَ الصِّدْقُ ، وَصَاحِبُهُ جَدِيرٌ بِأَنْ يُسَمَّى صِدِّيقًا وَيَدْخُلُ فِي الصِّدْقِ التَّقْوَى ، وَيَدْخُلُ فِي التَّقْوَى الْوَرَعُ ، وَيَدْخُلُ فِي الْوَرَعِ الْعِفَّةُ فَإِنَّهَا عِبَارَةٌ عَنِ الِامْتِنَاعِ عَنْ مُقْتَضَى الشَّهَوَاتِ خَاصَّةً . فَإِذًا الْخَوْفُ يُؤَثِّرُ فِي الْجَوَارِحِ بِالْكَفِّ وَالْإِقْدَامِ ، وَيَتَجَدَّدُ لَهُ بِسَبَبِ الْكَفِّ اسْمُ الْعِفَّةِ ، وَهُوَ كَفٌّ عَنْ مُقْتَضَى الشَّهْوَةِ ، وَأَعْلَى مِنْهُ الْوَرَعُ فَإِنَّهُ أَعَمُّ لِأَنَّهُ كَفٌّ عَنْ كُلِّ مَحْظُورٍ ، وَأَعْلَى مِنْهُ التَّقْوَى فَإِنَّهُ اسْمٌ لِلْكَفِّ عَنِ الْمَحْظُورِ وَالشُّبْهَةِ جَمِيعًا ، وَوَرَاءَهُ اسْمُ الصَّدِيقِ وَالْمُقَرَّبِ ، وَتَجْرِي الرُّتْبَةُ الْآخِرَةُ مِمَّا قَبْلَهَا مَجْرَى الْأَخَصِّ مِنَ الْأَعَمِّ ، فَإِذَا ذَكَرْتَ الْأَخَصَّ فَقَدْ ذَكَرْتَ الْكُلَّ كَمَا أَنَّكَ تَقُولُ الْإِنْسَانُ إِمَّا عَرَبِيٌّ ، وَإِمَّا عَجَمِيٌّ ، وَالْعَرَبِيُّ إِمَّا قُرَشِيٌّ أَوْ غَيْرُهُ ، وَالْقُرَشِيُّ إِمَّا هَاشِمِيٌّ أَوْ غَيْرُهُ ، وَالْهَاشِمِيُّ إِمَّا عَلَوِيٌّ أَوْ غَيْرُهُ ، وَالْعَلَوِيُّ إِمَّا حَسَنِيٌّ أَوْ حُسَيْنِيٌّ . فَإِذَا ذَكَرْتَ أَنَّهُ حَسَنِيٌّ مَثَلًا فَقَدْ وَصَفْتَهُ بِالْجَمِيعِ ، وَإِنْ وَصَفْتَهُ بِأَنَّهُ عَلَوِيٌّ وَصَفْتَهُ بِمَا هُوَ فَوْقَهُ مِمَّا هُوَ أَعَمُّ مِنْهُ فَكَذَلِكَ إِذَا قُلْتَ : صِدِّيقٌ ، فَقَدْ قُلْتَ : إِنَّهُ تَقِيٌّ ، وَوَرِعٌ ، وَعَفِيفٌ فَلَا يَنْبَغِي أَنَّ تَظُنَّ أَنَّ كَثْرَةَ هَذِهِ الْأَسَامِي تَدُلُّ عَلَى مَعَانٍ كَثِيرَةٍ مُتَبَايِنَةٍ ، فَيَخْتَلِطُ عَلَيْكَ كَمَا اخْتَلَطَ عَلَى مَنْ طَلَبَ الْمَعَانِيَ مِنَ الْأَلْفَاظِ ، وَلَمْ يُتْبِعِ الْأَلْفَاظَ ، الْمَعَانِيَ فَهَذِهِ إِشَارَةٌ إِلَى مَجَامِعِ مَعَانِي الْخَوْفِ ، وَمَا يَكْتَنِفُهُ مِنْ ، جَانِبِ الْعُلُوِّ كَالْمَعْرِفَةِ الْمُوجِبَةِ لَهُ ، وَمِنْ جَانِبِ السُّفْلِ كَالْأَعْمَالِ الصَّادِرَةِ مِنْهُ ، كَفًّا وَإِقْدَامًا . إتحاف السادة المتقين (ثُمَّ إِذَا كَمُلَتِ الْمَعْرِفَةُ أَوْرَثَتْ حَالَةَ الْخَوْفِ، وَاحْتِرَاقِ الْقَلْبِ، ثُمَّ تَفِيضُ أَثَرُ الْحُرْقَةِ مِنَ الْقَلْبِ عَلَى الْبَدَنِ وَعَلَى الْجَوَارِحِ، وَعَلَى الصِّفَاتِ، أَمَّا فِي الْبَدَنِ فَبِالتَّحَوُّلِ وَالصَّفَارِ) مَعَ الْكُدْرَةِ (وَالْغَشْيَةِ وَالزَّعْقَةِ وَالْبُكَاءِ، وَقَدْ) يَغْلِبُ ذَلِكَ عَلَيْهِ حَتَّى (تَنْشَقَّ بِهِ الْمَرَارَةُ فَتُفْضِيَ إِلَى الْمَوْتِ أَوْ يَصْعَدَ إِلَى الدِّمَاغِ فَيَفْسَدَ الْعَقْلَ) وَيَصِيرَ لَا يَعِي (أَوْ يَقْوَى فَيُورِثَ الْقُنُوطَ وَالْيَأْسِ، وَأَمَّا فِي الْجَوَارِحِ فَبِكَفِّهَا عَنِ الْمَعَاصِي، وَبِقَيْدِهَا فِي الطَّاعَاتِ تَلَافِيًا) أَيْ: تَدَارُكًا (لِمَا فَرَطَ) مِنْهُ (وَاسْتِعْدَادُهُ لِلْمُسْتَقْبَلِ؛ وَلِذَلِكَ قِيلَ: لَيْسَ الْخَائِفُ مَنْ يَبْكِي وَيَمْسَحُ عَيْنَيْهِ) وَيَتَأَلَّمُ عَلَى حَالِهِ، وَمَا هُوَ فِيهِ مِنْ فَسَادِ دِينِهِ، (بَلِ) الْخَائِفُ (مَنْ يَتْرُكُ مَا يَخَافُ أَنْ يُعَاقَبَ عَلَيْهِ) أَيْ: بِسَبَبِهِ. وَلَفْظُ الْقُشَيْرِيِّ فِي الرِّسَالَةِ: وَقِيلَ: لَيْسَ الْخَائِفُ مَنْ يُبْكِي، وَيَمْسَحُ عَيْنَيْهِ، إِنَّمَا الْخَائِفُ مَنْ يَتْرُكُ مَا يَخَافُ أَنْ يُعَذَّبَ عَلَيْهِ. انْتَهَى . فَالْخَوْفُ الْمَحْمُودُ مَا صَانَ الْعَبْدَ عَنِ الْإِخْلَالِ بِشَيْءٍ مِنَ الْمَأْمُورَاتِ أَوِ الْوُقُوعِ فِي شَيْءٍ مِنَ الْمَنْهِيَّاتِ، (وَقَالَ أَبُو الْقَاسِمِ الْحَكِيمُ: مَنْ خَافَ شَيْئًا هَرَبَ مِنْهُ، وَمَنْ خَافَ اللَّهَ هَرَبَ إِلَيْهِ) نَقَلَهُ الْقُشَيْرِيُّ فِي الرِّسَالَةِ، وَالْحَكِيمُ هَذَا هُوَ أَبُو الْقَاسِمِ إِسْحَاقُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ السَّمَرْقَنْدِيُّ، وَلِيَ قَضَاءَ سَمَرْقَنْدَةَ مُدَّةً، وَدُوِّنَتْ حِكْمَتُهُ، وَانْتَشَرَ فِي الْأَرْضِ ذِكْرُهُ، رَوَى عَنْهُ أَبُو جَعْفَرِ بْنُ مُنِيبٍ السَّمَرْقَنْدِيُّ وَغَيْرُهُ، وَمَعْنَى قَوْلِهِ: إِنَّ الْخَوْفَ حَقِيقَةً إِنَّمَا يَكُونُ مِنَ اللَّهِ لِأَنَّهُ الْفَاعِلُ لِكُلِّ مَخُوفٍ، فَإِذَا خَافَ الْعَبْدُ غَيْرَ اللَّهِ مَعَ غَفْلَتِهِ عَنِ اللَّهِ هَرَبَ مِنْهُ، وَإِذَا ذَكَرَ اللَّهَ وَخَشِيَ أَنْ يُسَلِّطَهُ عَلَيْهِ هَرَبَ إِلَى اللَّهِ أَيْ رَجَعَ إِلَيْهِ، فَلَا يَهْرُبُ مِنَ الْمَخُوفَاتِ إِلَّا الْغَافِلُ عَنِ اللَّهِ، وَإِلَّا فَمَنْ عَلِمَ أَنَّهَا مُسَخَّرَةٌ بِيَدِ اللَّهِ هَرَبَ وَرَجَعَ إِلَى اللَّهِ الْقَادِرِ عَلَى خَلَاصِهِ مِنْهَا لَا غَيْرِهِ . (وَقِيلَ لِذِي النُّونِ) الْمِصْرِيِّ قُدِّسَ سِرُّهُ (مَتَى يَكُونُ الْعَبْدُ خَائِفًا؟) وَلَفْظُ الرِّسَالَةِ: مَتَى يَتَيَسَّرُ عَلَى الْعَبْدِ سَبِيلُ الْخَوْفِ؟ (قَالَ: إِذَا أَنْزَلَ نَفْسَهُ مَنْزِلَةَ السَّقِيمِ الَّذِي يَحْتَمِي) مِنْ كُلِّ شَيْءٍ (مَخَافَةَ طُولِ السَّقَامِ) أَيْ: مَتَى أَنْزَلَهَا مَنْزِلَتَهُ، وَعَرَفَ ضَعْفَهَا، وَعَجْزَهَا عَنْ تَحْصِيلِ مَا يَنْفَعُهَا، وَدَفْعِ مَا يَضُرُّهَا إِلَّا بِاللَّهِ، وَأَدَامَ النَّظَرَ فِي ذَلِكَ، سَهُلَ عَلَيْهِ أَمْرُ الْخَوْفِ أَيْ عَمِلَ بِمُقْتَضَاهُ، وَبَعُدَ عَمَّا يَخْشَاهُ، وَلَمْ يَلْتَفِتْ لِمَا يَطْرُقُهُ مِنَ الْمَشَقَّةِ فِي ارْتِكَابِ الْمُخَالَفَةِ لِهَوَاهُ لِمَا يُؤَمِّلُهُ فِي عُقْبَاهُ؛ وَلِذَلِكَ شَبَّهَهُ بِالْمَرِيضِ الَّذِي يَحْتَاجُ إِلَى الْأَدْوِيَةِ، وَيَتَحَمَّلُ فِي تَنَاوُلِهَا مَا تَكْرَهُهُ نَفْسُهُ وَتَأْبَاهُ، رَجَاءَ الْعَافِيَةِ مِنْ سَقَمِهِ وَبَلْوَاهُ . (وَأَمَّا فِي الصِّفَاتِ فَهُوَ بِأَنْ يَقْمَعَ الشَّهَوَاتِ، وَيُكَدِّرَ اللَّذَّاتِ، فَتَصِيرَ الْمَعَاصِي الْمَحْبُوبَةُ عِنْدَهُ مَكْرُوهَةً، كَمَا يَصِيرُ الْعَسَلُ مَكْرُوهًا عِنْدَ مَنْ يَشْتَهِيهِ) وَيُحِبُّهُ (إِذَا عَرَفَ أَنَّ فِيهِ سُمًّا فَتَحْتَرِقُ الشَّهَوَاتُ بِالْخَوْفِ) قَالَ الْقُشَيْرِيُّ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ الْحُسَيْنِ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا بَكْرٍ الرَّازِيَّ يَقُولُ: سَمِعْتُ إِبْرَاهِيمَ بْنَ شَيْبَانَ يَقُولُ: إِذَا سَكَنَ الْخَوْفُ الْقَلْبَ أَحْرَقَ مَوَاضِعَ الشَّهَوَاتِ مِنْهُ، وَطَرَدَ رَغْبَةَ الدُّنْيَا عَنْهُ (وَتَنَادُبَ الْجَوَارِحِ، وَيَحْصُلُ فِي الْقَلْبِ الذُّبُولُ، وَالْخُشُوعُ، وَالذِّلَّةُ، وَالِاسْتِكَانَةُ، وَيُفَارِقُهُ الْكِبْرُ، وَالْحَسَدُ، وَالْحِقْدُ) وَسَائِرُ أَوْصَافِ الرُّعُونَةِ (بَلْ يَصِيرُ مُسْتَوْعِبَ الْهَمِّ بِخَوْفِهِ، وَالنَّظَرِ فِي خَطَرِ عَاقِبَتِهِ، فَلَا يَتَضَرَّعُ لِغَيْرِهِ، وَلَا يَكُونُ لَهُ شُغُلٌ إِلَّا الْمُرَاقَبَةُ، وَالْمُحَاسَبَةُ، وَالْمُجَاهَدَةُ) وَالتَّفَكُّرُ (وَالضِّنَّةُ بِالْأَنْفَاسِ وَاللَّحَظَاتِ) أَيْ: الْبُخْلُ بِهَا فَلَا تَمُرُّ فِي غَيْرِ ذِكْرِ اللَّهِ (وَمُؤَاخَذَةُ النَّفْسِ فِي الْخَطَرَاتِ) الَّتِي تَمُرُّ (وَالْخُطُوَاتِ الَّتِي يَخْطُو بِهَا، وَالْكَلِمَاتِ) وَعَلَى هَذِهِ الْأُصُولِ بِنَاءُ السَّادَةِ النَّقْشَبَنْدِيَّةِ فِي طَرِيقَتِهِمُ الْعَلِيَّةِ الَّتِي مِنْهَا حِفْظُ الْأَنْفَاسِ، وَالْعَقْلِ فِي النَّفْسِ، وَالنَّظَرِ عَلَى الْقِدَمِ، وَالتَّذَكُّرِ، وَالرُّجُوعِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا هُوَ مَذْكُورٌ فِي مَحَلِّهِ . (وَيَكُونُ حَالُهُ حَالَ مَنْ وَقَعَ فِي مَخَالِيبِ سَبُعٍ ضَارٍ لَا يَدْرِي أَنَّهُ يَغْفُلُ عَنْهُ فَيُفْلِتُ) أَيْ: يَخْلُصُ (أَوْ يَهْجُمُ عَلَيْهِ فَيَهْلِكُ، فَيَكُونُ ظَاهِرُهُ وَبَاطِنُهُ مَشْغُولًا بِمَا هُوَ خَائِفٌ مِنْهُ، لَا مُتَّسَعَ فِيهِ لِغَيْرِهِ. هَذَا حَالُ مَنْ غَلَبَهُ الْخَوْفُ، وَاسْتَوْلَى عَلَيْهِ، وَهَكَذَا كَانَ حَالُ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ) رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ مِنْهُمْ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ، وَسَلْمَانُ الْفَارِسِيُّ، وَأَبُو ذَرٍّ الْغِفَارِيُّ، وَأَبُو الدَّرْدَاءِ (وَالتَّابِعِينَ) مِنْهُمُ الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ، وَكَمِيلُ بْنُ زِيَادٍ، وَمُطَرِّفُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ، وَغَيْرُهُمْ. (وَقُوَّةُ الْمُرَاقَبَةِ، وَالْمُحَاسَبَةِ، وَالْمُجَاهَدَةِ، بِحَسَبِ قُوَّةِ الْخَوْفِ الَّذِي هُوَ تَأَلُّمُ الْقَلْبِ، وَاحْتِرَاقُهُ. وَقُوَّةُ الْخَوْفِ بِحَسَبِ قُوَّةِ الْمَعْرِفَةِ بِجَلَالِ اللَّهِ) وَعَظَمَتِهِ (وَصِفَاتِهِ) الْحُسْنَى (وَأَفْعَالِهِ وَ) بِحَسَبِ قُوَّةِ الْمَعْرِفَةِ (بِعُيُوبِ النَّفْسِ، وَمَا بَيْنَ يَدَيْهَا مِنَ الْأَخْطَارِ وَالْأَهْوَالِ) . (وَأَقَلُّ دَرَجَاتِ الْخَوْفِ مِمَّا يَظْهَرُ أَثَرُهُ فِي الْأَعْمَالِ أَنْ يَمْتَنِعَ عَنِ الْمَحْظُورَاتِ) الشَّرْعِيَّةِ (وَيُسَمَّى الْكَفُّ الْحَاصِلُ عَنِ الْمَحْظُورَاتِ وَرَعًا) وَحَقِيقَتُهُ مَجَّانِيَّةُ الشَّيْءِ حَذَرًا مِنْ ضَرَرِهِ، وَلَهُ دَرَجَاتٌ أَرْبَعٌ ذُكِرَتْ فِي كِتَابِ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ (فَإِنْ زَادَتْهُ قُوَّةُ كَفٍّ عَمَّا يَتَطَرَّقُ إِلَيْهِ إِمْكَانُ التَّحْرِيمِ، فَكَيْفَ أَيْضًا عَمَّا لَا يَتَيَقَّنُ تَحْرِيمَهُ، وَيُسَمَّى ذَلِكَ تَقْوَى) وَهَذِهِ هِيَ الدَّرَجَةُ الثَّالِثَةُ مِنْ دَرَجَاتِ الْوَرَعِ، وَهِيَ مَا لَا تُحَرِّمُهُ الْفَتْوَى، وَلَا شُبْهَةَ فِي حِلِّهِ، وَلَكِنْ يَخَافُ أَدَاءَهُ إِلَى مُحَرَّمٍ وَهُوَ وَرَعُ الْمُتَّقِينَ؛ (إِذِ التَّقْوَى أَنْ يَتْرُكَ مَا يَرِيبُهُ إِلَى مَا لَا يُرِيبُهُ، وَقَدْ يَحْمِلُهُ عَلَى أَنْ يَتْرُكَ مَا لَا بَأْسَ بِهِ مَخَافَةَ مَا بِهِ بَأْسٌ، وَهُوَ الصِّدْقُ فِي التَّقْوَى، فَإِذَا انْضَمَّ إِلَيْهِ التَّجَرُّدُ لِلْخِدْمَةِ فَصَارَ لَا يَبْنِي مَا لَا يَسْكُنُهُ، وَلَا يَجْمَعُ مَا لَا يَأْكُلُهُ، وَلَا يَلْتَفِتُ إِلَى دُنْيَا يَعْلَمُ أَنَّهَا تُفَارِقُهُ، وَلَا يَصْرِفُ إِلَى غَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى نَفَسًا مِنْ أَنْفَاسِهِ، فَهُوَ الصِّدْقُ، وَصَاحِبُهُ جَدِيرٌ بِأَنْ يُسَمَّى صِدِّيقًا) وَهُوَ فِعِّيلٌ مِنَ الصِّدْقِ لِلْمُبَالَغَةِ فِيهِ . (وَيَدْخُلُ فِي الصِّدْقِ التَّقْوَى، وَيَدْخُلُ فِي التَّقْوَى الْوَرَعُ، وَيَدْخُلُ فِي الْوَرَعِ الْعِفَّةُ فَإِنَّهَا عِبَارَةٌ عَنِ الِامْتِنَاعِ عَنْ مُقْتَضَى الشَّهَوَاتِ خَاصَّةً. فَإِذَا الْخَوْفُ يُؤَثِّرُ فِي الْجَوَارِحِ بِالْكَفِّ وَالْإِقْدَامِ، وَيَتَجَدَّدُ لَهُ بِسَبَبِ الْكَفِّ اسْمُ الْعِفَّةِ، وَهُوَ كَفٌّ عَنْ مُقْتَضَى الشَّهْوَةِ، وَأَعْلَى مِنْهُ الْوَرَعُ فَإِنَّهُ أَعَمُّ لِأَنَّهُ كَفٌّ عَنْ كُلِّ مَحْظُورٍ، وَأَعْلَى مِنْهُ التَّقْوَى فَإِنَّهُ اسْمٌ لِلْكَفِّ عَنِ الْمَحْظُورِ وَالشُّبْهَةِ جَمِيعًا، وَوَرَاءَهُ اسْمُ الصَّدِيقِ وَالْمُقَرَّبِ، وَتَجْرِي الرُّتْبَةُ الْآخِرَةُ مِمَّا قَبْلَهَا مَجْرَى الْأَخَصِّ مِنَ الْأَعَمِّ، فَإِذَا ذَكَرْتَ الْأَخَصَّ فَقَدْ ذَكَرْتَ الْكُلَّ) . وَقَالَ صَاحِبُ الْقُوتِ: الْخَوْفُ اسْمٌ جَامِعٌ لِمَقَامَاتِ الْمُتَّقِينَ، ثُمَّ يَشْتَمِلُ عَلَى أَهْلِ طَبَقَاتٍ خَمْسٍ، فِي كُلِّ طَبَقَةٍ ثَلَاثُ مَقَامَاتٍ، فَالْمَقَامُ الْأَوَّلُ مِنَ الْخَوْفِ وَهُوَ التَّقْوَى، وَفِي هَذَا الْمَقَامِ الْمُتَّقُونَ، وَالصَّالِحُونَ، وَالْعَامِلُونَ. وَالْمَقَامُ الثَّانِي هُوَ الْحَذَرُ، وَفِي هَذَا الْمَقَامِ الزَّاهِدُونَ، وَالْوَرِعُونَ، وَالْخَاشِعُونَ. وَالْمَقَامُ الثَّالِثُ هُوَ الْخَشْيَةُ، وَفِي هَذَا طَبَقَاتُ الْعَالِمِينَ، وَالْعَابِدِينَ، وَالْمُحْسِنِينَ. وَالْمَقَامُ الرَّابِعُ الْوَجَلُ، وَهَذَا لِلذَّاكِرِينَ، وَالْمُخْبِتِينَ، وَالْعَارِفِينَ. وَالْمَقَامُ الْخَامِسُ هُوَ الْإِشْفَاقُ، وَهُوَ لِلصِّدِّيقِينَ، وَالشَّاهِدِينَ، وَالْمُحِبِّينَ، وَخُصُوصُ الْمُقَرَّبِينَ. وَخَوْفُ هَؤُلَاءِ عَنْ مَعْرِفَةِ الصِّفَاتِ لِأَجْلِ الْمَوْصُوفِ لَا عَنْ مُشَاهَدَةِ الِاكْتِسَابِ لِأَجْلِ الْعُقُوبَاتِ . وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: إِنَّ الْخَائِفَ بِوَصْفِ مَا غَلَبَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَالِ عَمَّا قَوِيَ عَلَيْهِ مِنَ الشَّهَادَةِ، وَيَنْدَرِجُ الرَّجَاءُ فِي مَقَامِهِ، فَيَكُونُ الرَّجَاءُ لَهُ مَشْهُودًا، وَالْخَوْفُ مِنْهُ وَجْدًا، وَيُوصَفُ الرَّاجِي بِمَا قَوِيَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَالِ عَنْ غَلَبَةِ شَهَادَتِهِ، وَيَنْطَوِي الْخَوْفُ فِي مَقَامِهِ، فَيَصِيرُ الْخَوْفُ لَهُ عِلْمًا، وَالرَّجَاءُ لَهُ وَجْدًا، وَلَكِنَّهُ لِلْمَخُوفِ تَعَالَى فَيَتَنَاهَى الْخَوْفُ، وَلَا نِهَايَةَ لِلْمَرْجُوِّ فَيَنْقَضِي مِنْهُ الرَّجَاءُ، فَأَمَّا الشَّهِيدُ الْمُوقِنُ، الْعَالِمُ الْمُقَرَّبُ، فَبِالْحَالَيْنِ جَمِيعًا يُوصَفُ مَعَ اعْتِدَالِهِمَا، وَبِالْوَصْفَيْنِ جَمِيعًا يُعْرَفُ مَعَ اسْتِوَائِهِمَا، ثُمَّ يَغْلِبُ عَلَيْهِ الْوَصْفُ التَّامُّ، وَالْحَالُ الْكَامِلُ مِنَ الْقِيَامِ بِشَهَادَةِ التَّوْحِيدِ، وَالتَّحْقِيقِ بِحَقِّ الْمَعْرِفَةِ لِمُوجَبِ الْمَزِيدِ، فَإِذَا عُرِفَ بِهِ انْدَرَجَ الْوَصْفَانِ فِيهِ فَيُقَالُ صِدِّيقٌ، لِأَنَّهُ تَحَقَّقَ بِالصِّدْقِ فِي جَمِيعِ مَعَانِيهِ، فَأَغْنَى مِنْ أَنْ يُقَالَ مُخْلِصٌ، ثُمَّ يُقَالُ عَارِفٌ؛ لِأَنَّهُ قَدْ رَسَخَ فِي الْعِلْمِ رُسُوخَ الْجَبَلِ، فَكَفَى أَنْ يُقَالَ صَادِقٌ ثُمَّ يُقَالُ مُقَرَّبٌ؛ لِأَنَّهُ أُشْهِدَ الْقُرْبَ فَاقْتَرَبَ، فَلَمْ يَحْتَجْ أَنْ يُقَالَ عَالِمٌ. وَهَذِهِ أَسْمَاءُ الْكَمَالِ، وَصِفَاتُ التَّمَامِ، لَا يُفْتَقَرُ إِلَى ذِكْرِ حَالٍ، وَلَا يُوصَفُ بِصِفَةِ مَقَالٍ، كَمَا يُقَالُ فِي غَيْرِهِ مِنْ ذِكْرِ الْأَحْوَالِ خَائِفٌ أَوْ رَاجٍ لِوُجُودِهِمَا فِيهِ بِالْكَفِّ، وَاعْتِدَالِهِمَا عِنْدَهُ بِالسَّوَاءِ؛ لِأَنَّ الْخَوْفَ وَالرَّجَاءَ قَدْ فَاضَا عَلَيْهِ ثُمَّ غَاصَا فِيهِ، فَإِذَا قُلْتَ: عَارِفٌ أَوْ مُقَرَّبٌ أَوْ صِدِّيقٌ، فَقَدْ دَخَلَ فِيهِ حَالُ مُحِبٍّ، وَوَصْفُ خَائِفٍ، وَمُقَامُ رَاجٍ، وَنَعْتُ عَالِمٍ، وَسِمَةُ عَامِلٍ لَا مَحَالَةَ . (كَمَا أَنَّكَ تَقُولُ) فِي تَعَالِي الْأَنْسَابِ، وَانْدِرَاجِهَا فِي عَوَالِي الْأَحْسَابِ: (الْإِنْسَانُ إِمَّا عَرَبِيٌّ، وَإِمَّا عَجَمِيٌّ، وَالْعَرَبِيُّ إِمَّا قُرَشِيٌّ أَوْ غَيْرُهُ، وَالْقُرَشِيُّ إِمَّا هَاشِمِيٌّ أَوْ غَيْرُهُ، وَالْهَاشِمِيُّ إِمَّا عَلَوِيٌّ أَوْ غَيْرُهُ، وَالْعَلَوِيُّ إِمَّا حَسَنِيٌّ أَوْ حُسَيْنِيٌّ. فَإِذَا ذَكَرْتَ أَنَّهُ حَسَنِيٌّ مَثَلًا فَقَدْ وَصَفْتَهُ بِالْجَمِيعِ، وَإِنْ وَصَفْتَهُ بِأَنَّهُ عَلَوِيٌّ وَصَفْتَهُ بِمَا هُوَ فَوْقَهُ مِمَّا هُوَ أَعَمُّ مِنْهُ) . وَلَفْظُ الْقُوتِ: فَإِذَا قُلْتَ: فُلَانٌ هَاشِمِيٌّ اسْتَغْنَيْتَ أَنْ تَقُولَ عَرَبِيٌّ أَوْ قُرَشِيٌّ لِأَنَّ كُلَّ هَاشِمِيٍّ عَرَبِيٌّ قُرَشِيٌّ لَا مَحَالَةَ ثُمَّ تَصِفُهُ بَعْدَ ذَلِكَ بِوَصْفِ التَّمَامِ وَالْكَمَالِ أَيْضًا كَمَا ذَكَرْنَاهُ فِي قَوْلِنَا عَارِفٌ، فَتَنْدَرِجُ الْأَنْسَابُ فِيهِ، فَتَقُولُ فُلَانٌ حَسَنِيٌّ، فَاكْتَفَيْتَ أَنْ تَقُولَ قُرَشِيٌّ أَوْ هَاشِمِيٌّ أَوْ عَلَوِيٌّ، وَإِنْ كَانَ قُرَشِيًّا هَاشِمِيًّا عَلَوِيًّا لَا شَكَّ أَنَّهُ قَدْ عُرِفَ أَنَّ كُلَّ حَسَنِيٍّ فَهُوَ قُرَشِيٌّ هَاشِمِيٌّ عَلَوِيٌّ لَا مَحَالَةَ. فَأَمَّا أَنْ تَقُولَ فُلَانٌ عَرَبِيٌّ أَوْ قُرَشِيٌّ أَوْ هَاشِمِيٌّ فَهُوَ مَقْصُورٌ عَلَى مَا وَسَمْتَهُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ عَلَوِيًّا، وَهُوَ الْغَايَةُ فِي الْحَسَبِ، ثُمَّ لَا يَكُونُ حَسَنِيًّا فَتَنْقُصُ رُتْبَةُ مَنْزِلَتُهُ، وَيَكُونُ قُرَشِيًّا غَيْرَ هَاشِمِيٍّ فَيَنْحَطُّ دَرَجَةً، وَقَدْ يَكُونُ عَرَبِيًّا غَيْرَ قُرَشِيٍّ فَيَنْزِلُ مَرْتَبَةً، فَيَلْزَمُهُ وَصْفُ مَا عَرَفْتَهُ حَسَبٌ، فَإِذَا قُلْتُ: حَسَنِيٌّ؛ لَأَدْخَلْتَ الْأَحْسَابَ كُلَّهَا فِيهِ، وَغُنِيتَ أَنْ تَصِفَهُ بِمَا دُونَهَا . (فَكَذَلِكَ إِذَا قُلْتَ: صِدِّيقٌ، فَقَدْ قُلْتَ: إِنَّهُ تَقِيٌّ، وَوَرِعٌ، وَعَفِيفٌ) . وَلَفْظُ الْقُوتِ: كَذَلِكَ قَوْلُنَا عَارِفٌ أَوْ مُوقِنٌ أَوْ مُقَرَّبٌ أَوْ صِدِّيقٌ، هُوَ اسْمُ التَّمَامِ وَالْكَمَالِ فِي السِّمَاتِ الَّتِي عُرِفَتْ بِهَا كُلُّ الْمَقَامَاتِ، تَدْخُلُ الْأَحْوَالُ وَالْمَقَامَاتُ فِي هَذِهِ السِّمَاتِ، فَاكْتَفَيْتَ أَنْ تَقُولَ هُوَ مُؤْمِنٌ أَوْ صَالِحٌ أَوْ عَابِدٌ أَوْ زَاهِدٌ أَوْ خَائِفٌ أَوْ رَاجٍ، كَمَا رَتَّبْنَا فِي الْأَحْسَابِ مِنْ قَوْلِنَا فُلَانٌ حَسَنِيٌّ، دَخَلَ فِيهِ كُلُّ حَسَبٍ رَفِيعٍ، وَكُفِينَا أَنْ تَقُولَ عَرَبِيٌّ أَوْ قُرَشِيٌّ أَوْ هَاشِمِيٌّ أَوْ عَلَوِيٌّ أَنَّ جَمِيعَ ذَلِكَ دَاخِلٌ فِيهِ؛ لِأَنَّ الْعَارِفَ لَا يَرْسُمُ بِحَالٍ دُونَ حَالٍ؛ إِذْ قَدْ غَاصَتْ فِيهِ الْأَحْوَالُ، وَلَا يَرْسُمُ بِمَقَامٍ دُونَ مَقَامٍ؛ إِذْ قَدِ اسْتَوْعَبَ كُلَّ مَقَامٍ بِحَقِيقَةِ مَعْنَاهُ عَارِفٌ بِالْمَعْرُوفِ الَّذِي هُوَ بِكُلِّ نِهَايَةٍ وَفَضْلٍ مَوْصُوفٌ، وَغُمُوضُ غُرْبَتِهِ عِنْدَ غَيْرِ أَبْنَاءِ جِنْسِهِ أَنْ يُنْكِرُوهُ، فَإِنْ تَعَرَّفَ إِلَيْهِمْ بِهِ أَوْ عَرَّفُوهُ بِهِمْ فَلَيْسَ بِعَارِفٍ . (فَلَا يَنْبَغِي أَنَّ تَظُنَّ أَنَّ كَثْرَةَ هَذِهِ الْأَسَامِي تَدُلُّ عَلَى مَعَانٍ كَثِيرَةٍ مُتَبَايِنَةٍ، لِيَخْتَلِطَ عَلَيْكَ كَمَا اخْتَلَطَ عَلَى مَنْ طَلَبَ الْمَعَانِيَ مِنَ الْأَلْفَاظِ، وَلَمْ يُتْبِعِ الْأَلْفَاظَ بِالْمَعَانِي، فَهَذِهِ إِشَارَةٌ إِلَى مَجَامِعِ مَعَانِي الْخَوْفِ، وَمَا يَكْتَنِفُهُ مِنْ جَانِبِهِ، كَالْمَعْرِفَةِ الْمُوجِبَةِ لَهُ، وَمِنْ جَانِبِ السُّفْلِ كَالْأَعْمَالِ الصَّادِرَةِ مِنْهُ، كَفًّا وَإِقْدَامًا) وَدَخَلَ فِيهِ مَا يَتَعَلَّقُ بِثَمَرَتِهِ وَعِلْمِهِ، الَّذِي هُوَ الْوَرَعُ، وَاللَّهُ الْمُوَفِّقُ .

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية