الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
معلومات الكتاب

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين

مرتضى الزبيدي - محمد بن محمد الحسيني الزبيدي

جزء صفحة
إحياء علوم الدين

وأما الأخبار فقد روى أبو موسى عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال : أمتي أمة مرحومة لا عذاب عليها في الآخرة ، عجل الله عقابها في الدنيا : الزلازل والفتن ، فإذا كان يوم القيامة دفع إلى كل رجل من أمتي رجل من أهل الكتاب ، فقيل : هذا فداؤك من النار

وفي لفظ آخر : يأتي كل رجل من هذه الأمة بيهودي أو نصراني إلى جهنم فيقول : هذا فدائي من النار ، فيلقى فيها وقال صلى الله عليه وسلم : الحمى من فيح جهنم ، وهي حظ المؤمن من النار وروي في تفسير قوله تعالى : يوم لا يخزي الله النبي والذين آمنوا  معه أن الله تعالى أوحى إلى نبيه صلى الله عليه وسلم أني أجعل حساب أمتك إليك ، قال : لا يا رب أنت أرحم بهم مني ، فقال : إذن لا نخزيك فيهم

وروي عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سأل ربه في ذنوب أمته فقال : يا رب اجعل حسابهم إلي لئلا يطلع على مساويهم غيري ، فأوحى الله تعالى إليه : هم أمتك ، وهم عبادي ، وأنا أرحم بهم منك ، ولا أجعل حسابهم إلى غيري لئلا تنظر إلى مساويهم أنت ولا غيرك

وقال صلى الله عليه وسلم : حياتي : خير لكم ، وموتي خير لكم أما حياتي فأسن لكم السنن ، وأشرع لكم الشرائع ، وأما موتي فإن أعمالكم تعرض علي فما رأيت منها حسنا حمدت الله عليه ، وما رأيت منها سيئا استغفرت الله تعالى لكم  وقال صلى الله عليه وسلم يوما : يا كريم العفو ، فقال جبريل عليه السلام : أتدري ما تفسير يا كريم العفو ؟ هو إن عفا عن السيئات برحمته ، بدلها حسنات بكرمه ، وسمع النبي صلى الله عليه وسلم رجلا يقول : اللهم إني أسألك تمام النعمة ، فقال : هل تدري ما تمام النعمة ؟ قال : لا ، قال : دخول الجنة

قال العلماء : قد أتم الله علينا نعمته برضاه الإسلام لنا ؛ إذ قال تعالى وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا وفي الخبر : إذا أذنب العبد ذنبا فاستغفر الله يقول الله عز وجل لملائكته : انظروا إلى عبدي أذنب ذنبا فعلم أن له ربا يغفر الذنوب ، ويأخذ بالذنب ، أشهدكم أني قد غفرت له وفي الخبر : لو أذنب العبد حتى تبلغ ذنوبه عنان السماء غفرتها له ما استغفرني ورجاني وفي الخبر : لو لقيني عبدي بقراب الأرض ذنوبا لقيته بقراب الأرض مغفرة وفي الحديث : أن الملك ليرفع القلم عن العبد إذا أذنب ست ساعات ، فإن تاب واستغفر لم يكتبه عليه ، وإلا كتبها سيئة . وفي لفظ آخر : فإذا كتبها عليه وعمل حسنة قال صاحب اليمين لصاحب الشمال ، وهو أمير عليه : ألق هذه السيئة ، حتى ألقى من حسناته واحدة تضعيف ، العشر وأرفع له تسع حسنات ، فتلقى عنه السيئة وروى أنس في حديث أنه صلى الله عليه وسلم قال : إذا أذنب العبد ذنبا كتب عليه ، فقال أعرابي وإن تاب عنه قال محي عنه قال فإن عاد قال النبي صلى الله عليه وسلم : يكتب عليه ، قال الأعرابي : فإن تاب ؟ قال محي من صحيفته ، قال إلى متى قال إلى أن يستغفر ويتوب إلى الله عز وجل ، إن الله لا يمل من المغفرة حتى يمل العبد من الاستغفار ، فإذا هم العبد بحسنة كتبها صاحب اليمين قبل أن يعملها ، فإن عملها كتبت عشر حسنات ثم يضاعفها الله سبحانه وتعالى إلى سبعمائة ضعف ، وإذا هم بخطيئة لم تكتب عليه ، فإذا عملها كتبت خطيئة واحدة ووراءها حسن عفو الله عز وجل

وجاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله إني لا أصوم إلا الشهر : لا أزيد عليه ، ولا أصلي إلا الخمس لا أزيد عليها ، وليس لله في مالي صدقة ولا حج ، ولا ، تطوع أين أنا إذا مت ؟ فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم : وقال نعم معي ، إذا حفظت قلبك من اثنتين : الغل والحسد ، ولسانك من اثنتين : الغيبة والكذب ، وعينيك من اثنتين : النظر إلى ما حرم الله وأن تزدري بهما مسلما ، دخلت معي الجنة على راحتي هاتين وفي الحديث الطويل لأنس أن الأعرابي قال يا رسول الله من يلي حساب الخلق فقال الله تبارك وتعالى ، قال : هو بنفسه ؟ قال : نعم ، فتبسم الأعرابي ، فقال صلى الله عليه وسلم : مم ضحكت يا أعرابي ؟ فقال إن الكريم إذا قدر عفا وإذا حاسب سامح ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : صدق ، الأعرابي ، ألا لا كريم أكرم من الله تعالى ، هو أكرم الأكرمين ثم قال : فقه الأعرابي وفيه أيضا : إن الله تعالى شرف الكعبة وعظمها ،  ولو أن عبدا هدمها حجرا حجرا ، ثم أحرقها ، ما بلغ جرم من استخف بولي من أولياء الله تعالى ، قال الأعرابي : ومن أولياء الله تعالى ؟  قال : المؤمنون كلهم أولياء الله تعالى ، أما سمعت قول الله : عز وجل الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور وفي بعض الأخبار : المؤمن أفضل من الكعبة  

والمؤمن طيب طاهر والمؤمن أكرم على الله تعالى من الملائكة وفي الخبر : خلق الله تعالى جهنم ، من فضل رحمته ، سوطا يسوق به عباده إلى الجنة

وفي خبر آخر يقول الله عز وجل : إنما خلقت الخلق ليربحوا علي ، ولم أخلقهم لأربح عليهم وفي حديث أبي سعيد الخدري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما خلق الله تعالى شيئا إلا جعل له ما يغلبه ، وجعل رحمته تغلب غضبه وفي الخبر المشهور : إن الله تعالى كتب على نفسه الرحمة قبل أن يخلق الخلق إن رحمتي تغلب غضبي .

التالي السابق



الخدمات العلمية