الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
معلومات الكتاب

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين

مرتضى الزبيدي - محمد بن محمد الحسيني الزبيدي

جزء صفحة
إحياء علوم الدين الطَّرَفُ الثَّالِثُ فِي نِعَمِ اللَّهِ تَعَالَى فِي خَلْقِ الْقُدْرَةِ وَآلَاتِ الْحَرَكَةِ . اعْلَمْ أَنَّ الْحِسَّ لَا يُفِيدُ إِلَّا الْإِدْرَاكَ وَالْإِرَادَةُ لَا مَعْنَى لَهَا إِلَّا الْمَيْلُ إِلَى الطَّلَبِ وَالْهَرَبِ ، وَهَذَا لَا كِفَايَةَ فِيهِ مَا لَمْ تَكُنْ فِيكَ آلَةُ الطَّلَبِ وَالْهَرَبِ ، فَكَمْ مِنْ مَرِيضٍ مُشْتَاقٍ إِلَى شَيْءٍ بَعِيدٍ عَنْهُ مُدْرِكٍ لَهُ ، وَلَكِنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَمْشِيَ إِلَيْهِ لِفَقْدِ رِجْلِهِ أَوْ لَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَتَنَاوَلَهُ لِفَقْدِ يَدِهِ أَوْ لِفَلْجٍ وَخَدَرٍ فِيهِمَا فَلَا بُدَّ مِنْ آلَاتٍ لِلْحَرَكَةِ ، وَقُدْرَةٍ فِي تِلْكَ الْآلَاتِ عَلَى الْحَرَكَةِ ، لِتَكُونَ حَرَكَتُهَا بِمُقْتَضَى الشَّهْوَةِ طَلَبًا ، وَبِمُقْتَضَى الْكَرَاهِيَةِ هَرَبًا فَلِذَلِكَ خَلَقَ اللَّهُ تَعَالَى لَكَ الْأَعْضَاءَ الَّتِي تَنْظُرُ إِلَى ظَاهِرِهَا وَلَا تَعْرِفُ أَسْرَارَهَا فَمِنْهَا مَا هُوَ لِلطَّلَبِ وَالْهَرَبِ ، كَالرِّجْلِ لِلْإِنْسَانِ وَالْجَنَاحُ لِلطَّيْرِ ، وَالْقَوَائِمُ لِلدَّوَابِّ . وَمِنْهَا مَا هُوَ لِلدَّفْعِ كَالْأَسْلِحَةِ لِلْإِنْسَانِ ، وَالْقُرُونِ لِلْحَيَوَانِ ، وَفِي هَذَا تَخْتَلِفُ الْحَيَوَانَاتُ اخْتِلَافًا كَثِيرًا ، فَمِنْهَا مَا يَكْثُرُ أَعْدَاؤُهُ ، وَيَبْعُدُ غِذَاؤُهُ ، فَيَحْتَاجُ إِلَى سُرْعَةِ الْحَرَكَةِ فَخُلِقَ لَهُ الْجَنَاحُ لِيَطِيرَ بِسُرْعَةٍ وَمِنْهَا مَا خُلِقَ لَهُ أَرْبَعُ قَوَائِمَ وَمِنْهَا مَا لَهُ رِجْلَانِ وَمِنْهَا مَا يَدِبُّ وَذِكْرُ ذَلِكَ يَطُولُ فَلْنَذْكُرِ الْأَعْضَاءَ الَّتِي بِهَا يَتِمُّ الْأَكْلُ فَقَطْ لِيُقَاسَ عَلَيْهَا غَيْرُهَا ، فَنَقُولُ : رُؤْيَتُكَ الطَّعَامَ مِنْ بَعْدُ ، وَحَرَكَتُكَ إِلَيْهِ ، لَا تَكْفِي مَا لَمْ تَتَمَكَّنْ مِنْ أَنْ تَأْخُذَهُ فَافْتَقَرْتَ إِلَى آلَةٍ بَاطِشَةٍ ، فَأَنْعَمَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْكَ بِخَلْقِ الْيَدَيْنِ وَهُمْ ، طَوِيلَتَانِ مُمْتَدَّتَانِ إِلَى الْأَشْيَاءِ ، وَمُشْتَمِلَتَانِ عَلَى مَفَاصِلَ كَثِيرَةٍ لِتَتَحَرَّكَ فِي الْجِهَاتِ ، فَتَمْتَدُّ وَتَنْثَنِي إِلَيْكَ فَلَا تَكُونُ كَخَشَبَةٍ مَنْصُوبَةٍ ثُمَّ جَعَلَ رَأْسَ الْيَدِ عَرِيضًا بِخَلْقِ الْكَفِّ ، ثُمَّ قَسَّمَ رَأْسَ الْكَفِّ بِخَمْسَةِ أَقْسَامٍ هِيَ الْأَصَابِعُ ، وَجَعَلَهَا فِي صَفَّيْنِ بِحَيْثُ يَكُونُ الْإِبْهَامُ فِي جَانِبٍ ، وَيَدُورُ عَلَى الْأَرْبَعَةِ الْبَاقِيَةِ ، وَلَوْ كَانَتْ مُجْتَمِعَةً أَوْ مُتَرَاكِمَةً لَمْ يَحْصُلْ بِهِ تَمَامُ غَرَضِكَ ، فَوَضَعَهَا وَضْعًا إِنْ بَسَطْتَهَا كَانَتْ لَكَ مِجْرَفَةً ، وَإِنْ ضَمَّتْهَا كَانَتْ لَكَ مِغْرَفَةً ، وَإِنْ جَمَعْتَهَا كَانَتْ لَك آلَةً لِلضَّرْبِ ، وَإِنْ نَشَرْتَهَا ثُمَّ قَبَضْتَهَا كَانَتْ لَكَ آلَةً فِي الْقَبْضِ ثُمَّ خَلَقَ لَهَا أَظْفَارًا وَأُسْنِدَ إِلَيْهَا رَءُوسُ الْأَصَابِعِ حَتَّى لَا تَتَفَتَّتَ وَحَتَّى تَلْتَقِطَ بِهَا الْأَشْيَاءَ الدَّقِيقَةَ الَّتِي لَا تَحْوِيهَا الْأَصَابِعُ فَتَأْخُذُهَا بِرُءُوسِ أَظْفَارِكَ ثُمَّ هَبْ أَنَّكَ أَخَذْتَ الطَّعَامَ بِالْيَدَيْنِ فَمِنْ أَيْنَ يَكْفِيكَ هَذَا مَا لَمْ يَصِلْ إِلَى الْمَعِدَةِ ، وَهِيَ فِي الْبَاطِنِ فَلَا بُدَّ ، وَأَنْ يَكُونَ مِنَ الظَّاهِرِ دِهْلِيزٌ إِلَيْهَا حَتَّى يَدْخُلَ الطَّعَامُ مِنْهُ فَجَعَلَ الْفَمَ مَنْفَذًا إِلَى الْمَعِدَةِ مَعَ مَا فِيهِ : مِنَ الْحِكَمِ الْكَثِيرَةِ سِوَى كَوْنِهِ مَنْفَذًا لِلطَّعَامِ إِلَى الْمَعِدَةِ ثُمَّ إِنْ وَضَعْتَ الطَّعَامَ فِي الْفَمِ وَهُوَ : قِطْعَةٌ وَاحِدَةٌ فَلَا يَتَيَسَّرُ ابْتِلَاعُهُ فَتَحْتَاجُ إِلَى طَاحُونَةٍ تَطْحَنُ بِهَا الطَّعَامَ فَخَلَقَ لَكَ اللَّحْيَيْنِ مِنْ عَظْمَتَيْنِ وَرُكِّبَ فِيهِمَا الْأَسْنَانِ وَطَبْقُ الْأَضْرَاسِ الْعُلْيَا عَلَى السُّفْلَى لِتَطْحَنَ بِهِمَا الطَّعَامَ طَحْنًا ، ثُمَّ الطَّعَامُ تَارَةً يَحْتَاجُ إِلَى الْكَسْرِ ، وَتَارَةً إِلَى الْقَطْعِ ، ثُمَّ يَحْتَاجُ إِلَى طَحْنٍ بَعْدَ ذَلِكَ ، فَقَسَّمَ الْأَسْنَانَ إِلَى عَرِيضَةٍ طَوَاحِينَ كَالْأَضْرَاسِ ، وَإِلَى حَادَّةٍ قَوَاطِعَ كَالرُّبَاعِيَّاتِ ، وَإِلَى مَا يَصْلُحُ لِلْكَسْرِ كَالْأَنْيَابِ . إتحاف السادة المتقين (الطَّرَفُ الثَّالِثُ) (فِي) بَيَانِ (نِعَمِ اللَّهِ تَعَالَى فِي خَلْقِ الْقُدْرَةِ وَآلَاتِ الْحَرَكَةِ اعْلَمْ) وَفَّقَكَ اللَّهُ تَعَالَى (أَنَّ الْحِسَّ لَا يُفِيدُ إِلَّا الْإِدْرَاكَ) ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ كُلَّ حَاسَّةٍ لَهَا إِدْرَاكٌ خَاصٌّ، (وَالْإِرَادَةُ لَا مَعْنَى لَهَا إِلَّا الْمَيْلُ إِلَى الطَّلَبِ أَوْ) إِلَى (الْهَرَبِ، وَهَذَا لَا كِفَايَةَ فِيهِ مَا لَمْ تَكُنْ فِيكَ آلَةُ الطَّلَبِ وَالْهَرَبِ، فَكَمْ مِنْ زَمَنٍ) وَهُوَ الْمَرِيضُ الَّذِي يَطُولُ بِهِ الْمَرَضُ زَمَانًا طَوِيلًا (مُشْتَاقٍ إِلَى شَيْءٍ بَعِيدٍ عَنْهُ مُدْرِكٍ لَهُ، وَلَكِنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَمْشِيَ إِلَيْهِ لِفَقْدِ رِجْلِهِ أَوْ لَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَتَنَاوَلَهُ لِفَقْدِ يَدِهِ أَوْ لِفَلْجٍ وَخَدَرٍ فِيهِمَا) خَاصَّةً مَعَ صِحَّةِ الْجِسْمِ (فَلَابُدَّ مِنْ آلَاتٍ لِلْحَرَكَةِ، وَقُدْرَةٍ فِي تِلْكَ الْآلَاتِ عَلَى الْحَرَكَةِ، لِتَكُونَ حَرَكَتُهَا بِمُقْتَضَى الشَّهْوَةِ طَلَبًا، وَبِمُقْتَضَى الْكَرَاهَةِ هَرَبًا فَلِذَلِكَ خَلَقَ اللَّهُ تَعَالَى لَكَ الْأَعْضَاءَ الَّتِي تَنْظُرُ إِلَى ظَاهِرِهَا وَلَا تَعْرِفُ أَسْرَارَهَا) وَمَا خُلِقَتْ لَهُ (فَمِنْهَا مَا هُوَ لِلطَّلَبِ وَالْهَرَبِ، كَالرِّجْلِ لِلْإِنْسَانِ) فَإِنَّهُ بِهَا يَطْلُبُ مَا يُرِيدُ، وَيَهْرُبُ عَمَّا لَا يُرِيدُ، (وَالْجَنَاحُ لِلطَّيْرِ، وَالْقَوَائِمُ لِلدَّوَابِّ. وَمِنْهَا مَا هِيَ لِلدَّفْعِ) عَنْهُ (كَالْأَسْلِحَةِ لِلْإِنْسَانِ، وَالْقُرُونِ لِلْحَيَوَانَاتِ، وَفِي هَذَا تَخْتَلِفُ الْحَيَوَانَاتُ اخْتِلَافًا كَثِيرًا، فَمِنْهَا مَا يَكْثُرُ أَعْدَاؤُهُ، وَيَبْعُدُ غِذَاؤُهُ، فَيَحْتَاجُ إِلَى سُرْعَةِ الْحَرَكَةِ فَخُلِقَ لَهُ الْجَنَاحُ لِيَطِيرَ بِسُرْعَةٍ) لِتَحْصِيلِ غِذَائِهِ، وَلِئَلَّا يُدْرِكَهُ الطَّالِبُ، (وَمِنْهَا مَا خُلِقَ لَهُ أَرْبَعُ قَوَائِمَ) وَلَا زِيَادَةَ عَلَيْهَا، وَمَا وُجِدَ فِي بَعْضِهَا مِنْ زِيَادَاتِ الْأَرْجُلِ فَهِيَ بِمَنْزِلَةِ الزَّائِدَةِ أَوِ الْمُعَيَّنَةِ، (وَمِنْهَا مَا لَهُ رِجْلَانِ) كَبَنِي آدَمَ وَالطُّيُورِ، (وَمِنْهَا مَا يَدِبُّ) عَلَى بَطْنِهِ كَالْحَيَّاتِ، وَمَا أَشْبَهَهَا. (وَذِكْرُ ذَلِكَ يَطُولُ) وَلَمْ يَخْلُقْ لِلْحَيَّاتِ مَا يَكُونُ بِمَنْزِلَةِ السِّلَاحِ لَهَا فَعَوَّضَ عَنْهَا بِالْهَيْبَةِ فَلَا تَخْرُجُ عَلَى جَمَاعَةٍ إِلَّا وَيَتَفَرَّقُونَ مِنْ هَيْبَتِهَا . (فَلْنَذْكُرِ الْأَعْضَاءَ الَّتِي بِهَا يَتِمُّ الْأَكْلُ فَقَطْ لِيُقَاسَ عَلَيْهَا غَيْرُهَا، فَنَقُولُ: رُؤْيَتُكَ الطَّعَامَ مِنْ بَعْدُ، وَحَرَكَتُكَ إِلَيْهِ، لَا تَكْفِي مَا لَمْ تَأْخُذْهُ) وَفِي نُسْخَةٍ: مَا لَمْ تَتَمَكَّنْ مِنْ أَخْذِهِ (فَافْتَقَرْتَ) لَا مَحَالَةَ (إِلَى آلَةٍ بَاطِشَةٍ، فَأَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْكَ بِخَلْقِ الْيَدَيْنِ، وَهُمَا طَوِيلَتَانِ مُمْتَدَّتَانِ إِلَى الْأَشْيَاءِ، وَمُشْتَمِلَتَانِ عَلَى مَفَاصِلَ كَثِيرَةٍ لِتَتَحَرَّكَ فِي الْجِهَاتِ، فَتَمْتَدُّ وَتَنْثَنِي إِلَيْكَ) بِسُهُولَةٍ، (فَلَا تَكُونُ كَخَشَبَةٍ مَنْصُوبَةٍ) تَمْتَدُّ وَلَا تَنْثَنِي، (ثُمَّ جَعَلَ رَأْسَ الْيَدِ عَرِيضًا بِخَلْقِ الْكَفِّ، ثُمَّ قَسَّمَ رَأْسَ الْكَفِّ بِخَمْسَةِ أَقْسَامٍ هِيَ الْأَصَابِعُ، وَجَعَلَهَا فِي صَفَّيْنِ بِحَيْثُ يَكُونُ الْإِبْهَامُ فِي جَانِبٍ، وَيَدُورُ عَلَى الْأَرْبَعَةِ الْبَاقِيَةِ، وَلَوْ كَانَتْ مُجْتَمِعَةً أَوْ مُتَرَاكِمَةً لَمْ يَحْصُلْ بِهَا تَمَامُ غَرَضِكَ، فَوَضَعَهَا) الْحَكِيمُ تَعَالَى شَأْنُهُ (وَضْعًا إِنْ بَسَطْتَهَا كَانَتْ لَكَ مِجْرَفَةً، وَإِنْ ضَمَمْتَهَا كَانَتْ لَكَ مِغْرَفَةً، وَإِنْ جَمَعْتَهَا كَانَتْ آلَةً لِلضَّرْبِ، وَإِنْ نَشَرْتَهَا ثُمَّ قَبَضْتَهَا كَانَتْ آلَةً فِي الْقَبْضِ) . وَبَيَانُ ذَلِكَ أَنَّ لِلسَّاعِدَيْنِ أَرْبَعَةَ عِظَامٍ لِكُلِّ اثْنَانِ هُمَا الزَّنْدَانِ، طُولُهُمَا مِنَ الْمِرْفَقِ إِلَى الرُّسْغِ، أَحَدُهُمَا كَبِيرٌ مَوْضُوعٌ فِي الْأَسْفَلِ يَلِي الْخِنْصَرَ، وَيُقَالُ لَهُ الزَّنْدُ الْأَسْفَلُ، وَيُسَمَّى بَاسِمِ جُمْلَةِ السَّاعِدِ ذِرَاعًا، وَثَانِيهِمَا صَغِيرٌ مَوْضُوعٌ فَوْقَ مَا يَلِي الْإِبْهَامَ، وَيُقَالُ لَهُ الزَّنْدُ الْأَعْلَى، وَإِنَّمَا جُعِلَ كَذَلِكَ لِأَنَّ الْحَامِلَ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ أَقْوَى مِنَ الْمَحْمُولِ، وَقَوْلُنَا فَوْقَ وَأَسْفَلَ إِنَّمَا هُوَ عِنْدَمَا يَكُونُ السَّاعِدُ مَنْصُوبًا بِحَيْثُ يُقْبِلُ بَاطِنُهُ، وَبَاطِنُ الْكَفِّ عَلَى الْبَدَنِ، وَإِنَّمَا أُلِّفَ السَّاعِدُ مِنْ عَظْمَيْنِ لِاحْتِيَاجِهِ إِلَى مِفْصَلَيْنِ يَنْبَسِطُ وَيَنْقَبِضُ بِأَحَدِهِمَا، وَهُوَ الْمِفْصَلُ الْمُلْتَئِمُ بَيْنَ الزَّنْدِ الْأَسْفَلِ ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الزَّنْدَ الْأَسْفَلَ لَهُ فِي أَعْلَاهُ رَأْسَانِ فِيمَا بَيْنَهُمَا خَرْشَبِيَّةٌ بِسِنِي الْيُونَانِ هَكَذَا ، فَيَنْبَسِطُ السَّاعِدُ بِهِ انْبِسَاطًا يَصِيرُ جُمْلَةُ الْيَدِ مَمْدُودَةً، وَتَنْقَبِضُ بِحَيْثُ يَلْحَقُ الْكَفُّ الْكَتِفَ، فَإِذَا أُرِيدَ الْبَسْطُ دَخَلَ رَأْسُ الزَّنْدِ الْأَسْفَلِ الَّذِي هُوَ مِنْ خَلْفٍ فِي نُقَرٍ لَهُ مُهَيَّأَةٍ فِي طَرَفِ الْحَزِّ مِنَ الْعَضُدِ مِنْ خَلْفُ، وَاسْتَقَرَّ فِيهَا، فَيَمْنَعُ السَّاعِدَ أَنْ يَنْثَنِيَ إِلَى خَلْفٍ، وَإِذَا أُرِيدَ الْقَبْضُ دَخَلَ رَأْسُ الزَّنْدِ الْأَسْفَلِ مِنْ قُدَّامُ فِي نُقْرَةٍ أُخْرَى فِي طَرَفِ ذَلِكَ الْحَزِّ مِنْ قُدَّامُ فَاسْتَقَرَّ فِيهَا فَلَا تَنْقَبِضُ الْيَدُ، وَلَا يَنْثَنِي أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، وَيَنْكَبُّ بِالْمِفْصَلِ الْآخَرِ عَلَى وَجْهِهِ، وَيَنْقَلِبُ عَلَى قَفَاهُ، وَهُوَ الْمِفْصَلُ الْمُلْتَئِمُ بَيْنَ الزَّنْدِ الْأَعْلَى وَالْعَضُدِ، إِذِ الطَّرَفُ الْوَحْشِيُّ مِنْ طَرَفِ الْعَضُدِ مِمَّا يَلِي السَّاعِدَ يَدْخُلُ فِي نُقْرَةٍ فِيهَا طَرَفُ الزَّنْدِ الْأَعْلَى، فَيَدُورُ الزَّنْدُ عَلَيْهِ، وَأَمَّا عِظَامُ رُسْغِ الْيَدَيْنِ فَهِيَ سِتَّةَ عَشَرَ لِكُلِّ ثَمَانِيَةٍ، وَهِيَ عِظَامٌ صُلْبَةٌ صَلْدَةٌ عَدِيمَةُ الْمُخِّ سَبْعَةٌ مِنْهَا نُضِّدَتْ صَفَّيْنِ، فَالصَّفُّ الْأَعْلَى مِنْ ثَلَاثَةٍ، وَالْأَسْفَلُ مِنْ أَرْبَعَةٍ، وَذَلِكَ لِأَنَّ أَعْلَى الرُّسْغِ مَوْصُولٌ بِعُضْوٍ ضَيِّقِ الطَّرَفِ لَيْسَ بَيْنَ عَظْمَيْهِ فِي هَذَا الْجَانِبِ دَرَجَةٌ، أَعْنِي السَّاعِدَ، وَأَسْفَلُهُ بِعُضْوٍ عَرِيضٍ، أَعْنِي مُشْطَ الْكَفِّ، وَأَمَّا الثَّامِنُ فَإِنَّمَا خُلِقَ لِحِفْظِ عُصْبَةٍ هُنَاكَ تَأْتِي الْكَفُّ لَا لِلرُّسْغِ خَاصَّةً . وَلِلرُّسْغِ مِفْصَلَانِ أَحَدُهُمَا كَبِيرٌ يَلْتَئِمُ بِدُخُولِ الثَّلَاثَةِ الْعُلْيَا فِي حُفْرَةٍ فِي طَرَفِ السَّاعِدِ، مَحْفُورَةٌ فِي رَأْسِ الزَّنْدَيْنِ جَمِيعًا، وَبِهَذَا الْمِفْصَلِ يَكُونُ انْقِبَاضُ الرُّسْغِ وَانْبِسَاطُهُ، وَالثَّانِي صَغِيرٌ يَلْتَئِمُ بِدُخُولِ زَائِدَةٍ فِي طَرَفِ الزَّنْدِ الْأَسْفَلِ مِمَّا يَلِي الْخِنْصَرَ فِي نُقْرَةِ الْعَظْمِ الَّذِي فِي هَذَا الْمَوْضِعِ مِنْ عِظَامِ الرُّسْغِ، فَيَدُورُ الرُّسْغُ عَلَى تِلْكَ الزَّائِدَةِ، وَبِهَذَا الْمِفْصَلِ يَنْكَبُّ الرُّسْغُ وَيَنْقَلِبُ، وَأَمَّا عِظَامُ الْكَفَّيْنِ فَهِيَ ثَمَانِيَةٌ لِكُلٍّ أَرْبَعَةٌ، وَهِيَ كَالْمُتَوَسِّطِ بَيْنَ أَرْبَعَةِ الرُّسْغِ وَالْأَصَابِعِ الْأَرْبَعِ سِوَى الْإِبْهَامِ، وَطَرَفُهَا الَّذِي يَلِي الرُّسْغَ مُتَّصِلٌ بِهِ اتِّصَالًا مُحْكَمًا بِمَا رَبَطَتْهُ، وَتَبْقَى بِحَيْثُ لَا تَظْهَرُ فِيهِ حَرَكَةٌ، وَرُءُوسُ الْعِظَامِ فِي هَذَا الطَّرَفِ مُتَّصِلٌ بَعْضُهَا بِبَعْضٍ أَيْضًا اتِّصَالًا شَدِيدًا بِعِظَامِ الرُّسْغِ، حَتَّى لَوْ كَشَطَ جِلْدَةَ الْكَفِّ وُجِدَتْ هَذِهِ الْعِظَامُ مُتَّصِلَةً بِبُعْدِ وُصُولِهَا عَنِ الْحِسِّ. وَأَمَّا الرُّؤُوسُ الَّتِي فِي الطَّرَفِ الْآخَرِ فَبَيْنَهَا فَرَجٌ مَا دَامَتِ الْأَصَابِعُ مُنْفَرِجَةً، وَهِيَ تَنْضَمُّ بِانْضِمَامِ الْأَصَابِعِ، وَأَمَّا عِظَامُ أَصَابِعِ الْيَدَيْنِ فَهِيَ ثَلَاثُونَ لِكُلٍّ خَمْسَةَ عَشَرَ، وَكُلُّ إِصْبَعٍ مُؤَلَّفٌ مِنْ ثَلَاثَةِ عِظَامٍ تُسَمَّى الْأَنَامِلَ، وَالسُّلَامِيَّاتِ، يَتَّصِلُ بَعْضُهَا بِبَعْضٍ بِمَفَاصِلَ مُوثَقَةٍ بِرَبْطٍ، وَكَذَا الْإِبْهَامُ إِلَّا أَنَّ الْعَظْمَ الْأَوَّلَ مِنْهُ مَرْبُوطٌ بِالرُّسْغِ لَا بِالْمُشْطِ كَالْأَرْبَعِ الْأُخَرِ وَقِيلَ: هُوَ مُتَّصِلٌ بِطَرَفِ الزَّنْدِ الْأَعْلَى بِمِفْصَلٍ وَاسِعٍ سَلِسٍ لِأَنَّهُ يَحْتَاجُ إِلَى حَرَكَةٍ وَاسِعَةٍ لِيَلْقَى بِهِ الْأَصَابِعَ الْأَرْبَعَ . (ثُمَّ خَلَقَ لَهَا أَظْفَارًا) وَهِيَ إِمَّا مِنَ الْعِظَامِ، وَإِمَّا أَجْسَامٌ عَظْمِيَّةٌ مَوْصُولَةٌ بِالسُّلَامِيَّاتِ الْأَخِيرَةِ مِنَ الْأَصَابِعِ، مَرْبُوطَةٌ مَعَ اللَّحْمِ وَالْجِلْدِ بِرِبَاطَاتٍ مِنْ جِنْسِ الْأَوْتَارِ، وَقَدْ يَصِيرُ إِلَيْهَا عَصَبٌ وَوَرِيدٌ وَشَرَانِيَّاتً يُؤَدِّي إِلَيْهَا الْحَيَاةَ وَالْغِذَاءَ. (وَأُسْنِدَ إِلَيْهَا رُءُوسُ الْأَصَابِعِ حَتَّى لَا تَتَفَتَّتَ) وَلَا تَهِنَ عِنْدَ الشَّدِّ عَلَى الشَّيْءِ، هَذَا أَحَدُ مَنَافِعِ الْأَظْفَارِ . (وَ) الثَّانِيَةُ مِنْ مَنَافِعِهَا (حَتَّى تَلْتَقِطَ بِهَا الْأَشْيَاءَ الدَّقِيقَةَ) الصَّغِيرَةَ (الَّتِي لَا تَحْوِيهَا إِلَّا الْأَصَابِعُ فَتَأْخُذُهَا بِرُءُوسِ أَظْفَارِكَ) . وَالْمَنْفَعَةُ الثَّالِثَةُ أَنْ تَتَمَكَّنَ مِنَ الْحَكِّ وَالتَّنْقِيَةِ، وَالرَّابِعَةُ أَنْ تَكُونَ سِلَاحًا لَكَ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ، وَإِلَيْهِ يُشِيرُ مَا وَرَدَ فِي الْخَبَرِ: "وَأَمَّا الظُّفْرُ فَمُدَى الْحَبَشَةِ" . وَالثَّلَاثَةُ الْأُولَى أَوْلَى بِنَوْعِ الْإِنْسَانِ، وَالرَّابِعَةُ بِبَعْضِ الْحَيَوَانَاتِ، وَلِذَا وَرَدَتِ السُّنَّةُ فِي تَقْلِيمِهَا مَتَى طَالَتْ. وَخُلِقَتْ مُسْتَدِيرَةَ الْأَطْرَافِ مِنْ عِظَامٍ لَيِّنَةٍ لِتَتَطَامَنَ تَحْتَ مَا يُصَاكُّهَا فَلَا تَنْصَدِعُ، وَخُلِقَتْ نَاتِئَةً دَائِمًا وَفِي كُلِّ ذَلِكَ حِكَمٌ خَفِيَّةٌ لَا يَعْلَمُ بِهَا إِلَّا الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ . (ثُمَّ هَبْ أَنَّكَ أَخَذْتَ الطَّعَامَ بِالْيَدِ فَمِنْ أَيْنَ يَكْفِيكَ هَذَا مَا لَمْ يَصِلْ إِلَى الْمَعِدَةِ، وَهِيَ فِي الْبَاطِنِ، فَلَابُدَّ وَأَنْ يَكُونَ مِنَ الظَّاهِرِ دِهْلِيزٌ إِلَيْهَا حَتَّى يَدْخُلَ الطَّعَامُ مِنْهُ فَجَعَلَ الْفَمَ مَنْفَذَ الطَّعَامِ إِلَى الْمَعِدَةِ مَعَ مَا فِيهِ) أَيْ: فِي الْفَمِ (مِنَ الْحِكَمِ الْكَثِيرَةِ) مَا بَيْنَ ظَاهِرَةٍ وَخَفِيَّةٍ، (سِوَى كَوْنِهِ مَنْفَذًا لِلطَّعَامِ إِلَى الْمَعِدَةِ) ، وَأَجَلُّهَا النُّطْقُ الَّذِي هُوَ سَبَبُ السَّعَادَاتِ كُلِّهَا، (ثُمَّ إِنْ وَضَعْتَ الطَّعَامَ فِي الْفَمِ وَهُوَ) أَيْ: الطَّعَامُ (قِطْعَةٌ وَاحِدَةٌ فَلَا يَتَيَسَّرُ ابْتِلَاعُهُ) لِضِيقِ الْمَدْخَلِ (فَتَحْتَاجُ إِلَى طَاحُونَةٍ تَطْحَنُ بِهَا الطَّعَامَ فَخَلَقَ لَكَ اللَّحْيَيْنِ مِنْ عَظْمَيْنِ) هَذَا عَلَى الْإِجْمَالِ وَبِالتَّفْصِيلِ، فَعِظَامُ اللَّحْيِ الْأَعْلَى أَرْبَعَةَ عَشَرَ، سِتَّةٌ فِي الْعَيْنَيْنِ لِكُلٍّ ثَلَاثَةٌ، وَاثْنَانِ فِي الْوَجْنَتَيْنِ وَهُمَا كَبِيرَانِ. (وَرُكِّبَ فِيهِمَا) أَكْثَرُ (الْأَسْنَانِ) سِوَى الثَّنَايَا وَالرُّبَاعِيَّاتِ الْعُلْيَا، وَاثْنَانِ صَغِيرَانِ وَفِيهِمَا ثُقْبَتَانِ مِنَ الْمَنْخَرَيْنِ إِلَى الْفَمِ، وَاثْنَانِ فِي طَرَفِ اللَّحْيِ وَفِيهِمَا بَقِيَّةُ الْأَسْنَانِ، وَاثْنَانِ فِي الْأَنْفِ، وَأَمَّا عِظَامُ اللَّحْيِ الْأَسْفَلِ فَطَرَفُ كُلٍّ مِنْهُمَا مِنْ أَسْفَلَ فِي مَوْضِعِ الذَّقْنِ يَلْتَحِمُ بِصَاحِبِهِ، وَالْآخَرُ مِنْ فَوْقُ لَهُ شُعْبَتَانِ . (وَطَبْقُ الْأَضْرَاسِ مِنَ الْعُلْيَا عَلَى السُّفْلَى لِتَطْحَنَ بِهَا الطَّعَامَ طَحْنًا، ثُمَّ الطَّعَامُ تَارَةً يَحْتَاجُ إِلَى الْكَسْرِ، وَتَارَةً إِلَى الْقَطْعِ، ثُمَّ يَحْتَاجُ إِلَى الطَّحْنِ بَعْدَ ذَلِكَ، فَقَسَّمَ الْأَسْنَانَ إِلَى عَرِيضَةٍ طَوَاحِينَ كَالْأَضْرَاسِ، وَإِلَى حَادَّةٍ قَوَاطِعَ كَالرُّبَاعِيَّاتِ، وَإِلَى مَا يَصْلُحُ لِلْكَسْرِ كَالْأَنْيَابِ) . اعْلَمْ أَنَّ الْأَسْنَانَ اثْنَانِ وَثَلَاثُونَ، وَفِي كُلِّ لَحْيٍ سِتَّةَ عَشَرَ، أَرْبَعَةٌ مِنْ قُدَّامَ، وَهِيَ الثَّنْيَتَانِ وَالرُّبَاعِيَّتَانِ، وَيُقَالُ لَهَا "الْقَطَّاعَةُ"، إِذْ يَقْطَعُ بِهَا مَا يُؤْكَلُ مِنَ الطَّعَامِ اللَّيِّنِ، وَهِيَ عِرَاضٌ حَادَّةُ الرُّؤُوسِ، وَاثْنَتَانِ مِنْ جَانِبَيِ الْأَرْبَعِ، وَيُقَالُ لَهُمَا "النَّابَانِ"، وَهُمَا حَادَّتَا الرُّؤُوسِ، عَرِيضَتَا الْأُصُولِ، يَكْسِرُ بِهِمَا مَا صَلُبَ مِنَ الطَّعَامِ، وَلِكُلٍّ مِنْ هَذِهِ السِّتِّ أَصْلٌ وَاحِدٌ وَخَمْسٌ فِي كُلٍّ مِنَ الْجَانِبَيْنِ، وَهِيَ عِرَاضٌ خَشِنَةُ الرُّؤُوسِ وَتُسَمَّى "الْأَضْرَاسَ" وَ"الطَّوَاحِينَ"، لِأَنَّهَا تَطْحَنُ الطَّعَامَ، وَتَسْحَقُ، وَلِكُلٍّ مِنْهَا إِذَا كَانَ مِنْ فَوْقُ ثَلَاثَةُ أُصُولٍ، وَقَدْ يَكُونُ لِأَقْصَاهَا أَرْبَعَةٌ، وَإِنْ كَانَ مِنْ أَسْفَلَ أَصْلَانِ، وَقَدْ يَكُونُ لِأَقْصَاهَا ثَلَاثَةُ أُصُولٍ، وَإِنَّمَا جَعَلَ أُصُولَ الْأَضْرَاسِ أَكْثَرَ لِشِدَّةِ عَمَلِهَا وَدَوَامِهِ، وَإِنَّمَا جَعَلَ أُصُولَ الْفَوْقَانِيَّةِ مِنْهَا أَكْثَرَ مِنْ أُصُولِ التَّحْتَانِيَّةِ لِتَعَلُّقِهَا، وَرُبَّمَا عَدِمَتِ النَّوَاجِذُ مِنْهَا فِي بَعْضِ النَّاسِ، وَهِيَ الْأَرْبَعَةُ الطَّرْفَانِيَّةُ، فَتَكُونُ أَسْنَانُهُ ثَمَانِيَةً وَعِشْرِينَ. وَالنَّوَاجِذُ تَنْبُتُ فِي الْأَكْثَرِ فِي وَسَطِ زَمَانِ النُّمُوِّ، وَهُوَ بَعْدَ الْبُلُوغِ إِلَى الْوُقُوفِ، وَذَلِكَ الْوُقُوفُ قَرِيبٌ مِنْ ثَلَاثِينَ سَنَةً، وَلِذَلِكَ تُسَمَّى "أَسْنَانَ الْخَتْمِ" .

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية