إحياء علوم الدين
وأما الأهل والولد الصالح فلا يخفى وجه الحاجة إليهما إذ قال صلى الله عليه وسلم : نعم العون على الدين المرأة الصالحة وقال صلى الله عليه وسلم : في الولد : إذا مات العبد انقطع عمله إلا من ثلاث ؛ ولد صالح يدعو له . الحديث وقد ذكرنا فوائد الأهل والولد في كتاب النكاح .
وأما الأقارب فمهما كثر أولاد الرجل وأقاربه كانوا له مثل الأعين والأيدي فيتيسر له بسببهم من الأمور الدنيوية المهمة في دينه ما لو انفرد به لطال شغله وكل ما يفرغ قلبك من ضرورات الدنيا فهو معين لك على الدين فهو إذا نعمة وأما العز والجاه فبه يدفع الإنسان عن نفسه الذل والضيم ولا يستغني عنه مسلم فإنه لا ينفك عن عدو يؤذيه وظالم يشوش عليه علمه وعمله وفراغه ويشغل قلبه وقلبه . رأس ماله وإنما تندفع هذه الشواغل بالعز والجاه ولذلك قيل : الدين والسلطان توأمان قال تعالى : ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ولا معنى للجاه إلا ملك القلوب كما لا معنى للغنى إلا ملك الدراهم ، ومن ملك الدراهم تسخرت له أرباب القلوب لدفع الأذى عنه فكما يحتاج إلى سقف يدفع عنه المطر وجبة تدفع عنه البرد وكلب يدفع الذئب عن ماشيته فيحتاج أيضا إلى من يدفع الشر به عن نفسه وعلى هذا القصد كان الأنبياء الذين لا ملك لهم ولا سلطنة يراعون السلاطين ويطلبون عندهم الجاه وكذلك علماء الدين لا على قصد التناول من خزائنهم والاستئثار والاستكثار في الدنيا بمتابعتهم ولا تظنن أن نعمة الله تعالى على رسوله صلى الله عليه وسلم حيث نصره وأكمل دينه وأظهره على جميع أعدائه ومكن في القلوب حبه حتى اتسع به عزه وجاهه كانت أقل من نعمته عليه حيث كان يؤذى ويضرب حتى افتقر إلى الهرب والهجرة .
فإن قلت كرم : العشيرة وشرف الأهل هو من النعم أم لا ؟ فأقول : نعم ولذلك قال صلى الله عليه وسلم : الأئمة من قريش ولذلك كان صلى الله عليه وسلم من أكرم الناس أرومة في نسب آدم عليه السلام .
وقال صلى الله عليه وسلم تخيروا لنطفكم الأكفاء وقال صلى الله عليه وسلم : إياكم وخضراء الدمن ، فقيل : وما خضراء الدمن ؟ قال : المرأة الحسناء في المنبت السوء فهذا أيضا من النعم ، ولست أعني به الانتساب إلى الظلمة ، وأرباب الدنيا ، بل الانتساب إلى شجرة صلى الله عليه وسلم ، وإلى أئمة العلماء ، وإلى الصالحين والأبرار المتوسمين في العلم والعمل .
فإن قلت فما معنى الفضائل البدنية فأقول : لا خفاء بشدة الحاجة إلى الصحة والقوة ، وإلى ، طول العمر ، إذ لا يتم علم وعمل إلا بهما : ولذلك قال صلى الله عليه وسلم : أفضل السعادات طول العمر في طاعة الله تعالى وإنما يستحقر من جملته : أمر الجمال ، فيقال يكفي أن يكون البدن سليما من الأمراض الشاغلة عن تحري الخيرات ولعمري الجمال قليل الغناء ، ولكنه من الخيرات أيضا ، أما في الدنيا فلا يخفى نفعه فيها ، وأما في الآخرة فمن وجهين .
أحدهما أن القبيح مذموم ، والطباع عنه نافرة ، وحاجات الجميل إلى الإجابة أقرب وجاهه في الصدور أوسع ، فكأنه من هذا الوجه جناح مبلغ كالمال والجاه إذ هو نوع قدرة إذ يقدر الجميل الوجه على تنجيز حاجات : لا يقدر عليها القبيح ، وكل معين على قضاء حاجات الدنيا فمعين على الآخرة بواسطتها والثاني أن الجمال في الأكثر يدل على فضيلة النفس لأن نور النفس إذ أتم ، إشراقه تأدى إلى البدن فالمنظر والمخبر كثيرا ما يتلازمان ، ولذلك عول أصحاب الفراسة في معرفة مكارم النفس على هيآت البدن فقالوا : الوجه والعين مرآة الباطن ولذلك يظهر فيه : أثر الغضب والسرور والغم ولذلك قيل : طلاقة الوجه عنوان ما في النفس وقيل : ما في الأرض قبيح إلا ووجهه الأحسن ما فيه واستعرض ، المأمون جيشا فعرض عليه رجل قبيح فاستنطقه فإذا هو ألكن فأسقط اسمه : من الديوان : وقال : الروح إذا أشرقت على الظاهر فصباحة أو على الباطن ففصاحة ، وهذا ليس له ظاهر ، ولا باطن . وقد قال صلى الله عليه وسلم : اطلبوا الخير عند صباح الوجوه .
وقال عمر رضي الله تعالى عنه : إذا بعثتم رسولا فاطلبوه حسن الوجه حسن الاسم وقال الفقهاء : إذا تساوت درجات المصلين فأحسنهم وجها أولاهم بالإمامة وقال تعالى ممتنا بذلك : وزاده بسطة في العلم والجسم ولسنا نعني بالجمال ما يحرك الشهوة فإن ذلك أنوثة وإنما نعني به ارتفاع القامة على الاستقامة مع الاعتدال في اللحم وتناسب الأعضاء ، وتناصف خلقة الوجه ، بحيث لا تنبو الطباع عن النظر إليه .
فإن قلت فقد أدخلت المال ، والجاه ، والنسب ، والأهل ، والولد ، في حيز النعم .


