الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
معلومات الكتاب

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين

مرتضى الزبيدي - محمد بن محمد الحسيني الزبيدي

جزء صفحة
إحياء علوم الدين الْقِسْمَةُ الْأُولَى أَنَّ الْأُمُورَ كُلُّهَا بِالْإِضَافَةِ إِلَيْنَا تَنْقَسِمُ إِلَى مَا هُوَ نَافِعٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ جَمِيعًا كَالْعِلْمِ وَحُسْنِ الْخُلُقِ ، وَإِلَى مَا هُوَ ضَارٌّ فِيهِمَا جَمِيعًا كَالْجَهْلِ وَسُوءِ الْخُلُقِ ، وَإِلَى مَا يَنْفَعُ فِي الْحَالِ الْمُضِرِّ فِي الْمَآلِ كَالتَّلَذُّذِ بِاتِّبَاعِ الشَّهْوَةِ وَإِلَى مَا يَضُرُّ فِي الْحَالِ وَيُؤْلِمُ وَلَكِنْ يَنْفَعُ فِي الْمَآلِ كَقَمْعِ الشَّهَوَاتِ وَمُخَالَفَةِ النَّفْسِ فَالنَّافِعُ فِي الْحَالِ وَالْمَآلِ هُوَ النِّعْمَةُ تَحْقِيقًا كَالْعِلْمِ وَحُسْنِ الْخُلُقِ ، وَالضَّارُّ فِيهِمَا هُوَ الْبَلَاءُ تَحْقِيقًا وَهُوَ ضِدُّهُمَا وَالنَّافِعُ فِي الْحَالِ فِي الْمَآلِ بَلَاءٌ مَحْضٌ عِنْدَ ذَوِي الْبَصَائِرِ وَتَظُنُّهُ الْجُهَّالُ نِعْمَةً وَمِثَالُهُ الْجَائِعُ إِذَا وَجَدَ عَسَلًا فِيهِ سُمٌّ فَإِنَّهُ يَعُدُّهُ نِعْمَةً إِنْ كَانَ جَاهِلًا وَإِذَا عَلِمَهُ عَلِمَ أَنَّ ذَلِكَ بَلَاءٌ سِيقَ إِلَيْهِ وَالضَّارُّ فِي الْحَالِ النَّافِعُ فِي الْمَآلِ نِعْمَةٌ عِنْدَ ذَوِي الْأَلْبَابِ بَلَاءٌ عِنْدَ الْجُهَّالِ ، وَمِثَالُهُ الدَّوَاءُ الْبَشِعُ : فِي الْحَالِ مَذَاقُهُ : إِلَّا أَنَّهُ شَافٍ مِنَ الْأَمْرَاضِ وَالْأَسْقَامِ وَجَالِبٌ لِلصِّحَّةِ وَالسَّلَامَةِ ، فَالصَّبِيُّ الْجَاهِلُ إِذَا كَلَّفَ شُرْبَهُ ظَنَّهُ بَلَاءً وَالْعَاقِلُ يَعُدُّهُ نِعْمَةً وَيَتَقَلَّدُ الْمِنَّةَ مِمَّنْ يَهْدِيهِ إِلَيْهِ وَيُقَرِّبُهُ مِنْهُ وَيُهَيِّئُ لَهُ أَسْبَابَهُ فَلِذَلِكَ تَمْنَعُ الْأُمُّ وَلَدَهَا مِنَ الْحِجَامَةِ وَالْأَبُ يَدْعُوهُ إِلَيْهَا فَإِنَّ الْأَبَ لِكَمَالِ عَقْلِهِ يَلْمَحُ الْعَاقِبَةَ : وَالْأُمُّ لِفَرْطِ حُبِّهَا وَقُصُورِهَا تَلْحَظُ الْحَالَ وَالصَّبِيُّ لِجَهْلِهِ يَتَقَلَّدُ مِنَّةً مِنْ أُمِّهِ دُونَ أَبِيهِ . وَيَأْنَسُ إِلَيْهَا وَإِلَى شَفَقَتِهَا وَيُقَدِّرُ الْأَبَ عَدُوًّا لَهُ وَلَوْ عَقَلَ لَعَلِمَ أَنَّ الْأُمَّ عَدُوًّا بَاطِنًا فِي سُورَةِ صَدِيقٍ لِأَنَّ مَنْعَهَا إِيَّاهُ : مِنَ الْحِجَامَةِ يَسُوقُهُ إِلَى أَمْرَاضٍ وَآلَامٍ أَشَدَّ مِنَ الْحِجَامَةِ وَلَكِنَّ الصَّدِيقَ الْجَاهِلَ شَرٌّ مِنَ الْعَدُوِّ الْعَاقِلِ وَكُلُّ إِنْسَانٍ فَإِنَّهُ صَدِيقُ نَفْسِهِ ، وَلَكِنَّهُ صَدِيقٌ جَاهِلٌ ، فَلِذَلِكَ تَعْمَلُ بِهِ مَا لَا يَعْمَلُ بِهِ الْعَدُوُّ . إتحاف السادة المتقين (الْقِسْمَةُ الْأُولَى) : (إِنَّ الْأُمُورَ) الَّتِي هِيَ مُعَيَّنَةٌ وَنَافِعَةٌ فِي بُلُوغِ السَّعَادَةِ الْأُخْرَوِيَّةِ (كُلُّهَا بِالْإِضَافَةِ إِلَيْنَا) مُتَفَاوِتَةُ الْأَحْوَالِ وَهِيَ (تَنْقَسِمُ إِلَى مَا هُوَ نَافِعٌ) فِي جَمِيعِ الْأَحْوَالِ عَلَى كُلِّ وَجْهٍ (فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ جَمِيعًا كَالْعِلْمِ وَحُسْنِ الْخُلُقِ، وَإِلَى مَا هُوَ ضَارٌّ فِيهِمَا جَمِيعًا) فِي سَائِرِ الْأَحْوَالِ وَعَلَى كُلِّ وَجْهٍ (كَالْجَهْلِ وَسُوءِ الْخُلُقِ، وَإِلَى مَا يَنْفَعُ فِي الْحَالِ وَ) لَكِنْ (يَضُرُّ فِي الْمَالِ) فَهُوَ نَفْعٌ فِي حَالٍ دُونَ حَالٍ وَعَلَى وَجْهٍ دُونَ وَجْهٍ، وَذَلِكَ (كَالتَّلَذُّذِ بِاتِّبَاعِ الشَّهَوَاتِ) وَالْإِخْلَادِ إِلَيْهَا (وَإِلَى مَا يَضُرُّ فِي الْحَالِ وَيُؤْلِمُ وَلَكِنْ يَنْفَعُ فِي الْمَالِ) فَهُوَ ضَرَرٌ فِي حَالٍ دُونَ حَالٍ وَعَلَى وَجْهٍ دُونَ وَجْهٍ، وَذَلِكَ (كَقَمْعِ الشَّهَوَاتِ وَمُخَالَفَةِ النَّفْسِ) فَالْأَقْسَامُ أَرْبَعَةٌ: (فَالنَّافِعُ فِي الْحَالِ وَفِي الْمَالِ هُوَ النِّعْمَةُ تَحْقِيقًا كَالْعِلْمِ وَحُسْنِ الْخُلُقِ، وَالضَّارُّ مِنْهُمَا هُوَ الْبَلَاءُ تَحْقِيقًا وَهُوَ ضِدُّهُمَا) كَالْجَهْلِ وَسُوءِ الْخُلُقِ (وَالنَّافِعُ فِي الْحَالِ الْمُضِرِّ فِي الْمَالِ بَلَاءٌ مَحْضٌ عِنْدَ ذَوِي الْأَبْصَارِ وَيَظُنُّهُ الْجُهَّالُ نِعْمَةً وَمِثَالُهُ الْجَائِعُ إِذَا وَجَدَ عَسَلًا فِيهِ سُمٌّ) سَاعَةً (فَإِنَّهُ يَعُدُّهُ نِعْمَةً إِنْ كَانَ جَاهِلًا) بِهِ (وَإِذَا عَلِمَهُ عَلِمَ أَنَّ ذَلِكَ بَلَاءٌ سِيقَ إِلَيْهِ) فَيَجْتَنِبُهُ (وَالضَّارُّ فِي الْحَالِ النَّافِعُ فِي الْمَالِ نِعْمَةٌ عِنْدَ ذَوِي الْأَلْبَابِ بَلَاءٌ عِنْدَ الْجُهَّالِ، وَمِثَالُهُ الدَّوَاءُ الْبَشِعُ) أَيْ: الْكَرِيهُ (فِي الْحَالِ الْمُرُّ مَذَاقُهُ) أَيْ: طَعْمُهُ (إِلَّا أَنَّهُ شَافٍ مِنَ الْأَمْرَاضِ وَالْأَسْقَامِ وَجَالِبٌ لِلصِّحَّةِ وَالسَّلَامَةِ، فَالصَّبِيُّ الْجَاهِلُ إِذَا كَلَّفَ شُرْبَهُ ظَنَّهُ بَلَاءً) سِيقَ إِلَيْهِ (وَالْعَاقِلُ) الْكَامِلُ (يَعُدُّهُ نِعْمَةً وَيَتَقَلَّدُ الْمِنَّةَ مِمَّنْ يَهْدِيهِ إِلَيْهِ وَيُقَرِّبُهُ مِنْهُ وَيُهَيِّئُ لَهُ أَسْبَابَهُ) وَيُمَكِّنُهُ مِنْهُ (فَلِذَلِكَ تَمْنَعُ الْأُمُّ وَلَدَهَا مِنَ الْحِجَامَةِ) فِي الْبِلَادِ الْحَارَّةِ (وَالْأَبُ يَدْعُوهُ إِلَيْهَا فَإِنَّ الْأَبَ لِكَمَالِ عَقْلِهِ يَلْمَحُ الْعَاقِبَةَ) أَيْ: الْمَآلَ (وَالْأُمُّ لِفَرْطِ حُبِّهَا) لَهُ (وَقُصُورِهَا) فِي عَقْلِهَا (تَلْحَظُ الْحَالَ) دُونَ الْمَآلِ (وَالصَّبِيُّ لِجَهْلِهِ يَتَقَلَّدُ مِنْهُ أُمَّهُ دُونَ أَبِيهِ وَيَأْنَسُ إِلَيْهَا وَ) يَمِيلُ (إِلَى شَفَقَتِهَا وَيُقَدِّرُ الْأَبَ عَدُوًّا لَهُ وَلَوْ عَقَلَ لَعَلِمَ أَنَّ الْأُمَّ عَدُوٌّ بَاطِنٌ فِي صُورَةِ صَدِيقٍ) فَهِيَ كَمَا قَالَ الْقَائِلُ: إِذَا امْتَحَنَ الدُّنْيَا لَبِيبٌ تَكَشَّفَتْ لَهُ عَنْ عَدُوٍّ فِي ثِيَابِ صَدِيقٍ (لِأَنَّ مَنْعَهَا إِيَّاهُ) أَيْ: وَلَدَهَا (مِنَ الْحِجَامَةِ) فِي الْوَقْتِ الْمُحْتَاجِ (يَسُوقُهُ إِلَى أَمْرَاضٍ وَآلَامٍ أَشَدَّ مِنَ الْحِجَامَةِ) فِيمَا بَعْدُ (وَلَكِنَّ الصَّدِيقَ الْجَاهِلَ شَرٌّ مِنَ الْعَدُوِّ الْعَاقِلِ) فَإِنَّ عَقْلَ الْعَدُوِّ رُبَّمَا يَصُدُّهُ عَنْ كَثِيرٍ مِمَّا يُعَادِي بِهِ (وَكُلُّ إِنْسَانٍ فَإِنَّهُ صَدِيقُ نَفْسِهِ، وَلَكِنَّهُ صَدِيقٌ جَاهِلٌ، فَلِذَلِكَ يَعْمَلُ بِهِ مَا لَا يَعْمَلُ بِهِ الْعَدُوُّ) فَحَقُّ الْعَاقِلِ أَنْ يَعْرِفَ تِلْكَ الْأُمُورَ بِحَقَائِقِهَا حَتَّى لَا يَقَعَ الْخَطَأُ عَلَيْهِ فِي اخْتِيَارِهِ الْوَضِيعَ عَلَى الرَّفِيعِ، وَتَقْدِيمِهِ الْخَسِيسَ عَلَى النَّفِيسِ، وَالنَّاسُ فِي مُتَحَرِّيَاتِهَا طَالِبُ الْخَيْرِ وَهَارِبٌ مِنْ شَرٍّ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ: كُلُّ مَا يُحَاوِلُ حِيلَةً يَرْجُو بِهَا دَفْعَ الْمَضَرَّةِ وَاجْتِلَابَ الْمَنْفَعَةِ وَالْمَرْءُ يَغْلَطُ فِي تَصَرُّفِ حَالِهِ فَلَرُبَّمَا اخْتَارَ الْعَنَاءَ عَلَى الدَّعَةِ لَكِنْ قَدْ يَحْسَبُ الشَّحْمَ فِيمَنْ شَحْمُهُ وَرَمٌ، وَيُقَدِّرُ فِي الشَّيْءِ أَنَّهُ رِزْقٌ نَافِعٌ وَحَشْوُهُ سُمٌّ نَاقِعٌ، فَلِذَلِكَ يَحِقُّ عَلَى الْعَاقِلِ أَنْ يُجْلِيَ بَصِيرَتَهُ وَيَعْرِفَ مِنْ كُلِّ مَا يَطْلُبُ حَقِيقَتَهُ، لِئَلَّا يَكُونَ كَمَنْ يُرِيدُ حَبْلًا يَنْتَطِقُ بِهِ فَرَأَى حَيَّةً فَظَنَّهَا مُبْتَغَاهُ فَأَخَذَهَا فَلَدَغَتْهُ .

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية