الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
معلومات الكتاب

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين

مرتضى الزبيدي - محمد بن محمد الحسيني الزبيدي

جزء صفحة
إحياء علوم الدين

بيان دواء الصبر وما يستعان به عليه   .

اعلم أن الذي أنزل الداء أنزل الدواء ، ووعد الشفاء فالصبر وإن كان شاقا أو ممتنعا فتحصيله ممكن بمعجون العلم والعمل ، فالعلم والعمل هما الأخلاط التي منها تركب الأدوية لأمراض القلوب كلها ، ولكن يحتاج كل مرض إلى علم آخر ، وعمل آخر ، وكما أن أقسام الصبر مختلفة ، فأقسام العلل المانعة منه مختلفة ، وإذا اختلفت العلل اختلف العلاج ، إذ معنى العلاج مضادة العلة وقمعها واستيفاء ذلك مما يطول ، ولكنا نعرف الطريق في بعض الأمثلة .

فنقول : إذا افتقر إلى الصبر عن شهوة الوقاع مثلا ، وقد غلبت عليه الشهوة بحيث ليس يملك معها فرجه أو يملك فرجه ، ولكن ليس يملك عينه أو يملك عينه ، ولكن ليس يملك قلبه ونفسه إذ ، تزال تحدثه بمقتضيات الشهوات ، ويصرفه ذلك عن المواظبة على الذكر والفكر والأعمال الصالحة ، فنقول قد قدمنا أن الصبر عبارة عن مصارعة باعث الدين مع باعث الهوى ، وكل متصارعين أردنا أن يغلب أحدهما الآخر ، فلا طريق لنا فيه إلا تقوية من أردنا أن تكون له اليد العليا : وتضعيف الآخر ، فلزمنا ههنا تقوية باعث الدين ، وتضعيف باعث الشهوة   .

فأما باعث الشهوة ، فسبيل تضعيفه ثلاثة أمور :

أحدها أن تنظر إلى مادة قوتها ، وهي الأغذية الطيبة المحركة للشهوة من حيث نوعها ، ومن حيث كثرتها فلا بد ، من قطعها بالصوم الدائم مع الاقتصاد عند الإفطار على طعام قليل في نفسه ضعيف في جنسه ، فيحترز عن اللحم والأطعمة المهيجة للشهوة .

الثاني : قطع أسبابه المهيجة له في الحال ، فإنه إنما يهيج بالنظر إلى مظان الشهوة ، إذ النظر يحرك القلب ، والقلب يحرك الشهوة وهذا يحصل بالعزلة والاحتراز عن مظان وقوع البصر على الصور المشتهاة والفرار منها بالكلية ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : النظرة سهم مسموم من سهام إبليس وهو سهم يسدده الملعون ولا ترس يمنع منه إلا تغميض الأجفان أو الهرب ، من صوب رميه فإنه إنما يرمي هذا السهم عن قوس الصور ، فإذا انقلبت عن صوب الصور لم يصبك سهمه .

الثالث تسلية : النفس بالمباح من الجنس الذي تشتهيه ، وذلك بالنكاح فإن كل ما يشتهيه الطبع ففي المباحات من جنسه ما يغني عن المحظورات منه ، وهذا هو العلاج الأنفع في حق الأكثر ، فإن قطع الغذاء يضعف عن سائر الأعمال ثم قد لا يقمع الشهوة في حق أكثر الرجال ، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم : عليكم بالباءة فمن لم يستطع فعليه بالصوم فإن الصوم ، له وجاء .

فهذه ثلاثة أسباب ، فالعلاج الأول وهو قطع الطعام يضاهي قطع العلف عن البهيمة الجموح وعن الكلب الضاري ليضعف فتسقط قوته الثاني يضاهي تغيب اللحم عن الكلب ، وتغييب الشعير عن البهيمة ، حتى لا تتحرك بواطنها بسبب مشاهدتها والثالث يضاهي تسليتها بشيء قليل مما يميل إليه طبعها ، حتى يبقى معها من القوة ما تصبر به على التأديب .

وأما تقوية باعث الدين فإنما تكون بطريقين : أحدهما إطماعه في فوائد المجاهدة وثمراتها في الدين والدنيا وذلك بأن يكثر فكره في الأخبار التي أوردناها في فضل الصبر ،  وفي حسن عواقبه في الدنيا والآخرة ، وفي الأثر إن ثواب الصبر على المصيبة أكثر مما فات وأنه ، بسبب ذلك مغبوط بالمصيبة إذ فاته ما لا يبقى معه إلا مدة الحياة ، وحصل له ما يبقى بعد موته أبد الدهر .

التالي السابق



الخدمات العلمية