الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
معلومات الكتاب

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين

مرتضى الزبيدي - محمد بن محمد الحسيني الزبيدي

جزء صفحة
إحياء علوم الدين أَمَّا عِلَاجُ هَذَيْنِ الْمَانِعَيْنِ فَهُوَ أَنْ يَقُولَ لِقَلْبِهِ : مَا أَشَدَّ غَبَاوَتَكَ فِي الِاحْتِرَازِ مِنَ الْفِكْرِ فِي الْمَوْتِ ، وَمَا بَعْدَهُ تَأَلُّمًا بِذِكْرِهِ مَعَ اسْتِحْقَارِ أَلَمِ مُوَاقَعَتِهِ ، فَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَقَاسَاتِهِ إِذَا وَقَعَ ، وَأَنْتَ عَاجِزٌ عَنِ الصَّبْرِ عَلَى تَقْدِيرِ الْمَوْتِ وَمَا بَعْدَهُ وَمُتَأَلِّمٌ بِهِ . وَأَمَّا الثَّانِي ، وَهُوَ كَوْنُ الْفِكْرِ مُفَوِّتًا لِلَذَّاتِ الدُّنْيَا فَهُوَ أَنْ يَتَحَقَّقَ أَنَّ فَوَاتَ لَذَّاتِ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَعْظَمُ ، فَإِنَّهَا لَا آخِرَ لَهَا ، وَلَا كُدُورَةَ فِيهَا ، وَلَذَّاتِ الدُّنْيَا سَرِيعَةُ الدُّثُورِ وَهِيَ مَشُوبَةٌ بِالْمُكَدِّرَاتِ ، فَمَا فِيهَا لَذَّةٌ صَافِيَةٌ عَنْ كَدَرٍ ، وَكَيْفَ وَفِي التَّوْبَةِ عَنِ الْمَعَاصِي وَالْإِقْبَالِ عَلَى الطَّاعَةِ تَلَذُّذٌ بِمُنَاجَاةِ اللَّهِ تَعَالَى ، وَاسْتِرَاحَةٌ بِمَعْرِفَتِهِ وَطَاعَتِهِ . وَطُولِ الْأُنْسِ بِهِ ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ لِلْمُطِيعِ جَزَاءٌ عَلَى عَمَلِهِ إِلَّا مَا يَجِدُهُ مِنْ حَلَاوَةِ الطَّاعَةِ وَرَوْحِ الْأُنْسِ بِمُنَاجَاةِ اللَّهِ تَعَالَى لَكَانَ ذَلِكَ كَافِيًا فَكَيْفَ بِمَا يَنْضَافُ إِلَيْهِ مِنْ نَعِيمِ الْآخِرَةِ ، نَعَمْ هَذِهِ اللَّذَّةُ لَا تَكُونُ فِي ابْتِدَاءِ التَّوْبَةِ ، وَلَكِنَّهَا بَعْدَ مَا يَصِيرُ عَلَيْهَا مُدَّةً مَدِيدَةً وَقَدْ صَارَ الْخَيْرُ دَيْدَنًا كَمَا كَانَ الشَّرُّ دَيْدَنًا فَالنَّفْسُ قَابِلَةٌ مَا عَوَّدْتَهَا تَتَعَوَّدُ وَالْخَيْرُ عَادَةٌ ، وَالشَّرِّ لَجَاجَةٌ . فَإِذَنْ هَذِهِ الْأَفْكَارُ هِيَ الْمُهَيِّجَةُ لِلْخَوْفِ الْمُهَيَّجِ لِقُوَّةِ الصَّبْرِ عَنْ اللَّذَّاتِ وَمُهَيِّج هَذِهِ الْأَفْكَارَ وَعْظُ الْوُعَّاظ ، وَتَنْبِيهَاتٌ تَقَعُ لِلْقَلْبِ بِأَسْبَابٍ تَتَّفِقُ لَا تَدْخُلُ فِي الْحَصْرِ فَيَصِيرُ الْفِكْرُ مُوَافِقًا لِلطَّبْعِ فَيَمِيلُ الْقَلْبُ إِلَيْهِ وَيُعَبَّرُ عَنِ السَّبَبِ الَّذِي أَوْقَعَ الْمُوَافَقَةَ بَيْنَ الطَّبْعِ وَالْفِكْرِ الَّذِي هُوَ سَبَبُ الْخَيْرِ بِالتَّوْفِيقِ ; إِذِ التَّوْفِيقُ هُوَ التَّأْلِيفُ بَيْنَ الْإِرَادَةِ ، وَبَيْنَ الْمَعْنَى الَّذِي هُوَ طَاعَةٌ نَافِعَةٌ فِي الْآخِرَةِ وَقَدْ رُوِيَ فِي حَدِيثٍ طَوِيلٍ أَنَّهُ قَامَ عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ فَقَالَ لِعَلِيٍّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، أَخْبِرْنَا عَنِ الْكُفْرِ عَلَى مَاذَا بُنِيَ ? فَقَالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : بُنِيَ عَلَى أَرْبَعِ دَعَائِمَ : عَلَى الْجَفَاءِ ، وَالْعَمَى ، وَالْغَفْلَةِ ، وَالشَّكِّ ، فَمَنْ جَفَا احْتَقَرَ الْحَقَّ ، وَجَهَرَ بِالْبَاطِلِ ، وَمَقَتَ الْعُلَمَاءَ وَمَنْ عَمِيَ نَسِيَ الذِّكْرَ ، وَمَنْ غَفَلَ حَادَ عَنِ الرُّشْدِ ، وَمَنْ شَكَّ غَرَّتْهُ الْأَمَانِيُّ فَأَخَذَتْهُ الْحَسْرَةُ وَالنَّدَامَةُ ، وَبَدَا لَهُ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُنْ يَحْتَسِبُ ، فَمَا ذَكَرْنَاهُ بَيَانٌ لِبَعْضِ آفَاتِ الْغَفْلَةِ عَنِ التَّفَكُّرِ وَهَذَا الْقَدْرُ فِي التَّوْبَةِ كَافٍ وَإِذَا كَانَ الصَّبْرُ رُكْنًا مِنْ أَرْكَانِ دَوَامِ التَّوْبَةِ فَلَا بُدَّ مِنْ بَيَانِ الصَّبْرِ ، فَنَذْكُرُهُ فِي كِتَابٍ مُفْرَدٍ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . وَيُقَالُ: إِنَّ التَّوْبَةَ مِنْ طَرِيقِ الْمَعْنَى عَلَى ثَلَاثَةِ أَنْوَاعٍ: فَالْأَوَّلُ التَّوْبَةُ مِنْ ذَنْبٍ يَكُونُ بَيْنَ الْعَبْدِ وَبَيْنَ رَبِّهِ، وَهَذِهِ تَكُونُ بِنَدَامَةِ الْجِنَانِ وَاسْتِغْفَارِ اللِّسَانِ . وَالثَّانِي: التَّوْبَةُ مِنْ ذَنْبٍ يَكُونُ بَيْنَ الْعَبْدِ وَبَيْنَ طَاعَةِ الرَّبِّ، وَهَذِهِ تَكُونُ بِجَبْرِ النُّقْصَانِ الْوَاقِعِ فِيهَا . وَالثَّالِثُ مِنْ ذَنْبٍ يَكُونُ بَيْنَ الْعَبْدِ وَبَيْنَ الْخَلْقِ، وَهَذِهِ تَكُونُ بِإِرْضَاءِ الْخُصُومِ بِأَيِّ وَجْهٍ مِنَ الْإِمْكَانِ، وَمِنْ طَرِيقِ اللَّفْظِ . وَسَبِيلِ اللُّطْفِ عَلَى ثَلَاثَةٍ وَثَلَاثِينَ دَرَجَةً مِنْهَا: لَا تَكُونُ مُثْمِرَةً حَتَّى يَتِمَّ أَمْرُهَا، وَلَا تَظُنُّ أَنَّكَ فَرِيدٌ فِيهَا، فَإِنَّ أَبَاكَ آدَمَ كَانَ مُقَدَّمَ التَّائِبِينَ . وَإِذَا أَرَدْتَ التَّوْبَةَ فَهُوَ الْمُرِيدُ لِتَوْبَتِكَ، فَإِذَا تَابَ فَتَوْبَتُهُ عَلَيْكَ جَزَاؤُهُ بِمَحَبَّتِهِ، وَلَا تُقْبَلُ تَوْبَةُ مَنْ يَدَّخِرُهَا مِنَ الْوَقْتِ، وَمَنْ تَوَقَّفَ عَنْ سُلُوكِ طَرِيقِ النَّاسِ، وَسَمَ جَبِينَ حَالِهِ بِمِيسَمِ الْخَائِبِينَ مِنَ الرِّجَالِ، لَا يُقْعِدُهُمْ عَلَى سُرُرِ السُّرُورِ إِلَّا التَّوْبَةُ، وَلَا يُنَالُ مَقَامُ التَّوْبَةِ إِلَّا بِتَوْفِيقِ اللَّهِ . وَإِذَا تَابَ الْمُؤْمِنُ أَقْبَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ بِالْقَبُولِ، وَكَفَلَ لَهُ نَيْلَ الْمَأْمُولِ، وَمَنْ تَابَ كَانَ فِي أَمَانِ الْإِيمَانِ مُصَاحِبًا لِسِلَاحِ الصَّلَاحِ، وَمَنْ تَابَ وَقَصَدَ الْبَابَ حَصَّلَ لَهُ الْفَرَجُ أَفْضَلَ الْأَسْبَابِ . إِذَا أَقْبَلَ الْعَبْدُ عَلَى بَابِ التَّوْبَةِ اسْتَحْكَمَ عَقْدُ إِخْوَتِهِ مَعَ أَهْلِ الْإِيمَانِ مِنْ أَثَارِ غُبَارِ الْمَعَاصِي، وَاتَّبَعَهُ بِرِشَاشِ النَّدَمِ غَلَبَتِ الْحِكْمَةُ الْإِلَهِيَّةُ طَاعَتَهُ عَلَى مَعْصِيَتِهِ . مَنْ لَاذَ بِحَرَمِ التَّوْبَةِ قَبْلَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ فَلَا سَبِيلَ لِلْإِيذَاءِ عَلَيْهِ . وَعَلَى هَذَا الْقَدْرِ وَقَعَ الِاقْتِصَارُ فِي ذِكْرِ مَا يَلِيقُ بِالتَّوْبَةِ مِنَ الْإِشَارَاتِ وَالتَّنْبِيهَاتِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي بِنِعْمَتِهِ تَتِمُّ الصَّالِحَاتُ، وَهُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ . وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا وَمَوْلَانَا مُحَمَّدٍ سَيِّدِ الْمَخْلُوقَاتِ الشَّافِعِ الْمُشَفَّعِ لِلْمُذْنِبِينَ فِي الْعَرَصَاتِ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ الثِّقَاتِ الْأَنْجُمِ الْهُدَاةِ . كَانَ الْفَرَاغُ مِنْهُ فِي الثَّانِي عَشَرَ مِنْ رَجَبٍ الْفَرْدِ الْحَرَامِ سَنَةَ 1202، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ الْمُوَفِّقِ لِلصَّوَابِ، وَإِلَيْهِ الْمَرْجِعُ وَالْمَآبُ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ . تَمَّ الْجُزْءُ الثَّامِنُ وَيَلِيهِ الْجُزْءُ التَّاسِعُ أَوَّلُهُ كِتَابُ الصَّبْرِ وَالشُّكْرِ . /////

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية