الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
معلومات الكتاب

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين

مرتضى الزبيدي - محمد بن محمد الحسيني الزبيدي

جزء صفحة
إحياء علوم الدين فَإِنْ قُلْتَ : فَمَا عِلَاجُ الْأَسْبَابِ الْخَمْسَةِ فَأَقُولُ هُوَ الْفِكْرُ وَذَلِكَ بِأَنْ يُقَرِّرَ عَلَى نَفْسِهِ فِي السَّبَبِ الْأَوَّلِ وَهُوَ تَأَخُّرُ الْعِقَابِ أَنَّ كُلَّ مَا هُوَ آتٍ آتٍ وَأَنَّ غَدًا لِلنَّاظِرِينَ قَرِيبٌ ، وَأَنَّ الْمَوْتَ أَقْرَبُ إِلَى كُلِّ أَحَدٍ مِنْ شِرَاكِ نَعْلِهِ فَمَا يُدْرِيهِ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ ، وَالْمُتَأَخِّرُ إِذَا وَقَعَ صَارَ نَاجِزًا ، وَيَذْكُرُ نَفْسَهُ أَنَّهُ أَبَدًا فِي دُنْيَاهُ يُتْعِبُ فِي الْحَالِ ; لِخَوْفِ أَمْرٍ فِي الِاسْتِقْبَالِ ; إِذْ يَرْكَبُ الْبِحَارَ وَيُقَاسِي الْأَسْفَارَ لِأَجْلِ الرِّبْحِ الَّذِي يَظُنُّ أَنَّهُ قَدْ يَحْتَاجُ إِلَيْهِ فِي ثَانِي الْحَالِ ، بَلْ لَوْ مَرِضَ فَأَخْبَرَهُ طَبِيبٌ نَصْرَانِيٌّ بِأَنَّ شُرْبَ الْمَاءِ الْبَارِدِ يَضُرُّهُ وَيَسُوقُهُ إِلَى الْمَوْتِ ، وَكَانَ الْمَاءُ الْبَارِدُ أَلَذَّ الْأَشْيَاءِ عِنْدَهُ تَرَكَهُ مَعَ أَنَّ الْمَوْتَ آلَمَهُ لَحْظَةٌ إِذَا لَمْ يَخِفَّ مَا بَعْدَهُ ، وَمُفَارَقَتُهُ لِلدُّنْيَا لَا بُدَّ مِنْهَا فَكَمْ نِسْبَةُ وُجُودِهِ فِي الدُّنْيَا إِلَى عَدَمِهِ أَزَلًا وَأَبَدًا ، فَلْيَنْظُرْ ، كَيْفَ يُبَادِرُ إِلَى تَرْكِ مَلَاذِّهِ بِقَوْلِ ذِمِّيٍّ لَمْ تَقُمْ مُعْجِزَةٌ عَلَى طِبِّهِ ، فَيَقُولُ : كَيْفَ يَلِيقُ بِعَقْلِي أَنْ يَكُونَ قَوْلُ الْأَنْبِيَاءِ الْمُؤَيِّدِينَ بِالْمُعْجِزَاتِ عِنْدِي دُونَ قَوْلِ نَصَرَانِيٍّ يَدَّعِي الطَّبَّ لِنَفْسِهِ ، بِلَا مُعْجِزَةٍ عَلَى طَبِّهِ ، وَلَا يَشْهَدُ لَهُ إِلَّا عَوَامُّ الْخَلْقِ وَكَيْفَ يَكُونُ عَذَابُ النَّارِ عِنْدِي أَخَفَّ مِنْ عَذَابِ الْمَرَضِ ، وَكُلُّ يَوْمٍ فِي الْآخِرَةِ بِمِقْدَارِ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ مِنْ أَيَّامِ الدُّنْيَا وَبِهَذَا التَّفَكُّرُ بِعَيْنِهِ يُعَالِجُ اللَّذَّةَ الْغَالِبَةَ عَلَيْهِ ، وَيُكَلِّفُ نَفْسَهُ تَرْكَهَا ، وَيَقُولُ : إِذَا كُنْتُ لَا أَقْدِرُ عَلَى تَرْكِ لَذَّاتِي أَيَّامَ الْعُمْرِ ، وَهِيَ أَيَّامٌ قَلَائِلُ فَكَيْفَ أَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ أَبَدَ الْآبَادِ ، وَإِذَا كُنْتُ لَا أُطِيقُ أَلَمَ الصَّبْرِ فَكَيْفَ أُطِيقُ أَلَمَ النَّارِ ، وَإِذَا كُنْتُ لَا أَصْبِرُ عَنْ زَخَارِفِ الدُّنْيَا مَعَ كُدُورَاتِهَا وَتَنَغُّصِهَا وَامْتِزَاجِ صَفْوِهَا بِكَدَرِهَا ، فَكَيْفَ أَصْبِرُ عَنْ نَعِيمِ الْآخِرَةِ وَأَمَّا تَسْوِيفُ التَّوْبَةِ فَيُعَالِجُهُ بِالْفِكْرِ فِي إِنَّ أَكْثَرَ صِيَاحِ أَهْلِ النَّارِ مِنَ التَّسْوِيفِ لِأَنَّ الْمُسَوِّفَ يَبْنِي الْأَمْرَ عَلَى مَا لَيْسَ إِلَيْهِ وَهُوَ الْبَقَاءُ فَلَعَلَّهُ لَا يَبْقَى ، وَإِنْ بَقِيَ فَلَا يَقْدِرُ عَلَى التَّرْكِ غَدًا ، كَمَا لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ الْيَوْمَ ، فَلَيْتَ شِعْرِي هَلْ عَجَزَ فِي الْحَالِ إِلَّا لِغَلَبَةِ الشَّهْوَةِ ، وَالشَّهْوَةُ لَيْسَتْ تُفَارِقُهُ غَدًا ، بَلْ تَتَضَاعَفُ إِذْ تَتَأَكَّدُ بِالِاعْتِيَادِ فَلَيْسَتْ الشَّهْوَةُ الَّتِي أَكَّدَهَا الْإِنْسَانُ بِالْعَادَةِ كَالَّتِي لَمْ يُؤَكِّدْهَا وَعَنْ ، هَذَا هَلَكَ الْمُسَوِّفُونَ ; لِأَنَّهُمْ يَظُنُّونَ الْفَرْقَ بَيْنَ الْمُتَمَاثِلَيْنِ ، وَلَا يَظُنُّونَ أَنَّ الْأَيَّامَ مُتَشَابِهَةٌ فِي أَنَّ تَرْكَ الشَّهَوَاتِ فِيهَا أَبَدًا شَاقٌّ وَمَا مِثَالُ الْمُسَوِّفِ إِلَّا مِثَالُ مَنِ احْتَاجَ إِلَى قَلْعِ شَجَرَةٍ فَرَآهَا قَوِيَّةً لَا تَنْقَلِعُ إِلَّا بِمَشَقَّةٍ شَدِيدَةٍ فَقَالَ : أُؤَخِّرُهَا سَنَةً ، ثُمَّ أَعُودُ إِلَيْهَا ، وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّ الشَّجَرَةَ كُلَّمَا بَقِيَتِ ازْدَادَ رُسُوخُهَا وَهُوَ كُلَّمَا طَالَ عُمْرُهُ ازْدَادَ ضَعْفُهُ ، فَلَا حَمَاقَةَ فِي الدُّنْيَا أَعْظَمُ مِنْ حَمَاقَتِهِ إِذْ عَجَزَ مَعَ قُوَّتِهِ عَنْ مُقَاوَمَةِ ضَعِيفٍ ، فَأَخَذَ يَنْتَظِرُ الْغَلَبَةَ عَلَيْهِ إِذَا ضَعُفَ هُوَ فِي نَفْسِهِ ، وَقَوِيَ الضَّعِيفُ . وَأَمَّا الْمَعْنَى الرَّابِعُ ، وَهُوَ انْتِظَارُ عَفْوِ اللَّهِ تَعَالَى فَعِلَاجُهُ مَا سَبَقَ وَهُوَ كَمَنْ يُنْفِقُ جَمِيعَ أَمْوَالِهِ وَيَتْرُكُ نَفْسَهُ وَعِيَالَهُ فُقَرَاءَ مُنْتَظِرًا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ تَعَالَى أَنْ يَرْزُقَهُ الْعُثُورَ عَلَى كَنْزٍ فِي أَرْضٍ خَرِبَةٍ فَإِنَّ إِمْكَانَ الْعَفْوِ عَنِ الذَّنْبِ مِثْلُ هَذَا الْإِمْكَانِ وَهُوَ مِثْلُ مَنْ يَتَوَقَّعُ النَّهْبَ مِنَ الظَّلَمَةِ فِي بَلَدِهِ ، وَتَرَكَ ذَخَائِرَ أَمْوَالِهِ فِي صَحْنِ دَارِهِ ، وَقَدَرَ عَلَى دَفْنِهَا وَإِخْفَائِهَا فَلَمْ يَفْعَلْ ، وَقَالَ : أَنْتَظِرُ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ تَعَالَى أَنْ يُسَلِّطَ غَفْلَةً أَوْ عُقُوبَةً عَلَى الظَّالِمِ النَّاهِبِ حَتَّى لَا يَتَفَرَّغَ إِلَى دَارِي أَوْ إِذَا انْتَهَى إِلَى دَارِي مَاتَ عَلَى بَابِ الدَّارِ فَإِنَّ الْمَوْتَ مُمْكِنٌ ، وَالْغَفْلَةَ مُمْكِنَةٌ . وَقَدْ حُكِيَ فِي الْأَسْمَارِ أَنَّ مِثْلَ ذَلِكَ وَقَعَ فَأَنَا أَنْتَظِرُ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ مِثْلَهُ ، فَمُنْتَظِرُ هَذَا مُنْتَظِرُ أَمْرٍ مُمْكِنٍ ، وَلَكِنَّهُ فِي غَايَةِ الْحَمَاقَةِ وَالْجَهْلِ إِذْ قَدْ لَا يُمْكِنُ ، وَلَا يَكُونُ . وَأَمَّا الْخَامِسُ : وَهُوَ شَكٌّ فَهَذَا كُفْرٌ وَعِلَاجُهُ الْأَسْبَابُ الَّتِي تُعَرِّفُهُ صِدْقَ الرُّسُلِ ، وَذَلِكَ يَطُولُ وَلَكِنْ يُمْكِنُ أَنْ يُعَالَجَ بِعِلْمٍ قَرِيبٍ يَلِيقُ بِحَدِّ عَقْلِهِ فَيُقَالُ لَهُ مَا قَالَهُ الْأَنْبِيَاءُ الْمُؤَيَّدُونَ بِالْمُعْجِزَاتِ هَلْ صِدْقُهُ مُمْكِنٌ ، أَوْ تَقُولُ : أَعْلَمُ أَنَّهُ مُحَالٌ ، كَمَا أَعْلَمُ اسْتِحَالَةَ شَخْصٍ وَاحِدٍ فِي مَكَانَيْنِ فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ ; فَإِنْ قَالَ : أَعْلَمُ اسْتِحَالَتَهُ كَذَلِكَ فَهُوَ أَخْرَقُ مَعْتُوهٌ وَكَأَنَّهُ لَا وُجُودَ لِمِثْلِ هَذَا فِي الْعُقَلَاءِ . وَإِنْ قَالَ : أَنَا شَاكٌّ فِيهِ فَيُقَالُ : لَوْ أَخْبَرَكَ شَخْصٌ وَاحِدٌ مَجْهُولٌ عِنْدَ تَرْكِكَ طَعَامَكَ فِي الْبَيْتِ لَحْظَةً أَنَّهُ وَلَغَتْ فِيهِ حَيَّةٌ ، وَأَلْقَتْ سُمَّهَا فِيهِ ، وَجَوَّزْتَ صِدْقَهُ ، فَهَلْ تَأْكُلُهُ أَوْ تَتْرُكُهُ ، وَإِنْ كَانَ أَلَذَّ الْأَطْعِمَةِ ، فَيَقُولُ : أَتْرُكُهُ لَا مَحَالَةَ لِأَنِّي أَقُولُ : إِنْ كَذَبَ فَلَا يَفُوتُنِي إِلَّا هَذَا الطَّعَامُ وَالصَّبْرُ عَنْهُ ، وَإِنْ كَانَ شَدِيدًا فَهُوَ قَرِيبٌ ، وَإِنْ صَدَقَ فَتَفُوتُنِي الْحَيَاةُ وَالْمَوْتُ بِالْإِضَافَةِ إِلَى أَلَمِ الصَّبْرِ عَنِ الطَّعَامِ وَإِضَاعَتِهِ شَدِيدُ فَيُقَالُ لَهُ : يَا سُبْحَانَ اللَّهِ ، كَيْفَ تُؤَخِّرُ صِدْقَ الْأَنْبِيَاءِ كُلِّهِمْ مَعَ مَا ظَهَرَ لَهُمْ مِنَ الْمُعْجِزَاتِ وَصِدْقَ كَافَّةِ الْأَوْلِيَاءِ وَالْعُلَمَاءِ وَالْحُكَمَاءِ ، بَلْ جَمِيعِ أَصْنَافِ الْعُقَلَاءِ وَلَسْتُ أَعْنِي بِهِمْ جُهَّالَ الْعَوَامِّ ، بَلْ ذَوِي الْأَلْبَابِ عَنْ صِدْقِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مَجْهُولٍ لَعَلَّ لَهُ غَرَضًا فِيمَا يَقُولُ ، فَلَيْسَ فِي الْعُقَلَاءِ إِلَّا مَنْ صَدَّقَ بِالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَأَثْبَتَ ، ثَوَابًا وَعِقَابًا وَإِنِ اخْتَلَفُوا فِي كَيْفِيَّتِهِ ، فَإِنْ صَدَقُوا فَقَدْ أَشْرَفَتْ عَلَى عَذَابٍ يَبْقَى أَبَدَ الْآبَادِ ، وَإِنْ كَذَبُوا فَلَا يَفُوتُكَ إِلَّا بَعْضُ شَهَوَاتِ هَذِهِ الدُّنْيَا الْفَانِيَةِ الْمُكَدَّرَةِ ، فَلَا يَبْقَى لَهُ تَوَقُّفٌ إِنْ كَانَ عَاقِلًا مَعَ هَذَا الْفِكْرِ ، إِذْ لَا نِسْبَةَ لِمُدَّةِ الْعُمْرِ إِلَى أَبَدِ الْآبَادِ ، بَلْ لَوْ قَدَّرْنَا الدُّنْيَا مَمْلُوءَةً بِالذَّرَّةِ وَقَدَّرْنَا طَائِرًا يَلْتَقِطُ فِي كُلِّ أَلْفِ أَلْفِ سَنَةٍ حَبَّةً وَاحِدَةً مِنْهَا لَفَنِيَتِ الذَّرَّةُ ، وَلَمْ يَنْقُصْ أَبَدِ الْآبَادِ شَيْءٌ ، فَكَيْفَ يَفْتُرُ رَأَيُ الْعَاقِلِ فِي الصَّبْرِ عَنِ الشَّهَوَاتِ مِائَةَ سَنَةٍ مَثَلًا لِأَجْلِ سَعَادَةٍ تَبْقَى أَبَدَ الْآبَادِ; وَلِذَلِكَ قَالَ أَبُو الْعَلَاءِ أَحْمَدُ بْنُ سُلَيْمَانَ التَّنُوخِيُّ الْمَعَرِيُّ . قَالَ الْمُنَجِّمُ وَالطَّبِيبُ كِلَاهُمَا لَا تَبْعَثُ الْأَمْوَاتَ قُلْتُ إِلَيْكُمَا إِنْ صَحَّ قَوْلُكُمَا فَلَسْتُ بِخَاسِرٍ أَوْ صَحَّ قَوْلِي فَالْخَسَارُ عَلَيْكُمَا لِذَلِكَ قَالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لِبَعْضِ مِنْ قَصَرَ عَقْلُهُ عَنْ فَهْمِ تَحْقِيقِ الْأُمُورِ ، وَكَانَ شَاكًّا إِنْ صَحَّ مَا قُلْتَ فَقَدْ تَخَلَّصْنَا جَمِيعًا ، وَإِلَّا فَقَدْ تَخَلَّصْتُ وَهَلَكْتَ أَيِ الْعَاقِلُ يَسْلُكُ طَرِيقَ الْأَمْنِ فِي جَمِيعِ الْأَحْوَالِ . فَإِنْ قُلْتَ : هَذِهِ الْأُمُورُ جَلِيَّةٌ ، وَلَكِنَّهَا لَيْسَتْ تُنَالُ إِلَّا بِالْفِكْرِ ، فَمَا بَالُ الْقُلُوبِ هَجَرَتِ الْفِكْرَ فِيهَا وَاسْتَثْقَلَتْهُ ، وَمَا عِلَاجُ الْقُلُوبِ لِرَدِّهَا إِلَى الْفِكْرِ لَا سِيَّمَا مَنْ آمَنَ بِأَصْلِ الشَّرْعِ وَتَفْصِيلِهِ ؟ فَاعْلَمْ أَنَّ الْمَانِعَ مِنَ الْفِكْرِ أَمْرَانِ : أَحَدُهُمَا أَنَّ الْفِكْرَ النَّافِعَ هُوَ الْفِكْرُ فِي عِقَابِ الْآخِرَةِ وَأَهْوَالِهَا وَشَدَائِدِهَا وَحَسَرَاتِ الْعَاصِينَ فِي الْحِرْمَانِ عَنِ النَّعِيمِ الْمُقِيمِ ، وَهَذَا فِكْرٌ لَدَّاغٌ مُؤْلِمٌ لِلْقَلْبِ فَيَنْفُرُ الْقَلْبُ عَنْهُ ، وَيَتَلَذَّذُ بِالْفِكْرِ فِي أُمُورِ الدُّنْيَا عَلَى سَبِيلِ التَّفَرُّجِ وَالِاسْتِرَاحَةِ ، وَالثَّانِي أَنَّ الْفِكْرَ شُغْلٌ فِي الْحَالِ مَانِعٌ مِنْ لَذَائِذِ الدُّنْيَا ، وَقَضَاءِ الشَّهَوَاتِ ، وَمَا مِنْ إِنْسَانٍ إِلَّا وَلَهُ فِي كُلِّ حَالَةٍ مِنْ أَحْوَالِهِ وَنَفْسٍ مِنْ أَنْفَاسِهِ شَهْوَةٌ قَدْ تَسَلَّطَتْ عَلَيْهِ ، وَاسْتَرْقَتْهُ فَصَارَ عَقْلُهُ مُسَخَّرًا لِشَهْوَتِهِ فَهُوَ مَشْغُولٌ بِتَدْبِيرِ حِيلَتِهِ ، وَصَارَتْ لَذَّتُهُ فِي طَلَبِ الْحِيلَةِ فِيهِ ، أَوْ فِي مُبَاشَرَةِ قَضَاءِ الشَّهْوَةِ ، وَالْفِكْرُ يَمْنَعُهُ مِنْ ذَلِكَ . إتحاف السادة المتقين (فَإِنْ قُلْتَ: فَمَا عِلَاجُ الْأَسْبَابِ الْخَمْسَةِ) الْمَذْكُورَةِ؟ (فَأَقُولُ) عِلَاجُهَا الْكُلِّيُّ (هُوَ الْفِكْرُ) أَيِ: اسْتِعْمَالُهُ; (وَذَلِكَ بِأَنْ يُقَرِّرَ عَلَى نَفْسِهِ فِي السَّبَبِ الْأَوَّلِ وَهُوَ تَأَخُّرُ الْعِقَابِ أَنَّ كُلَّ مَا هُوَ آتٍ آتٍ وَإِنَّ غَدًا لِلنَّاظِرِينَ) ، وَفِي نُسْخَةٍ: لِنَاظِرِهِ (قَرِيبٌ، وَأَنَّ الْمَوْتَ أَقْرَبُ إِلَى كُلِّ أَحَدٍ مِنْ شِرَاكِ نَعْلِهِ) كَمَا فِي الصَّحِيحِ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ أَنَّ بِلَالًا لَمَّا وَعَكَ بِالْمَدِينَةِ كَانَ يَرْفَعُ عَقِيرَتَهُ، وَيَقُولُ: كُلُّ امْرِئٍ فِي أَهْلِهِ وَالْمَوْتُ أَدْنَى مِنْ شِرَاكِ نَعْلِهِ ، وَهُوَ تَحْقِيقٌ لِكَمَالِ تَقْرِيبِهِ، (فَمَا يُدْرِيهِ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ، وَالْمُتَأَخِّرُ إِذَا وَقَعَ صَارَ نَاجِزًا، وَيَذْكُرُ نَفْسَهُ أَنَّهُ أَبَدًا فِي دُنْيَاهُ يُتْعِبُ نَفْسَهُ فِي الْحَالِ; لِخَوْفِ أَمْرٍ فِي الِاسْتِقْبَالِ; إِذْ يَرْكَبُ الْبِحَارَ) ، وَالْأَوْعَارَ، (وَيُقَاسِي الْأَسْفَارَ لِأَجْلِ) تَحْصِيلِ (الرِّبْحِ الَّذِي يَظُنُّ أَنَّهُ قَدْ يَحْتَاجُ إِلَيْهِ فِي ثَانِي الْحَالِ، بَلْ لَوْ مَرِضَ وَأَخْبَرَهُ طَبِيبٌ نَصْرَانِيٌّ بِأَنَّ شُرْبَ الْمَاءِ الْبَارِدِ) مَثَلًا (يَضُرُّهُ) فِي مَرَضِهِ، (وَيَسُوقُهُ إِلَى الْمَوْتِ، وَكَانَ الْمَاءُ الْبَارِدُ أَلَذَّ الْأَشْيَاءِ عِنْدَهُ تَرَكَهُ) وَلَمْ يَشْرَبْهُ، (مَعَ أَنَّ الْمَوْتَ أَلَمُهُ لَحْظَةٌ) وَاحِدَةٌ (إِذَا لَمْ يَخِفَّ مَا بَعْدَهُ، وَمُفَارَقَتُهُ لِلدُّنْيَا لَا بُدَّ مِنْهَا فَكَمْ نِسْبَةُ مُدَّةِ وُجُودِهِ فِي الدُّنْيَا) وَبَقَائِهِ فِيهَا (إِلَى عَدَمِهِ أَزَلًا وَأَبَدًا، فَلْيَنْظُرْ، كَيْفَ بَادَرَ إِلَى تَرْكِ مَلَاذِّهِ بِقَوْلِ ذِمِّيٍّ لَمْ تَقُمْ مُعْجِزَتُهُ عَلَى طِبِّهِ، فَيَقُولُ: كَيْفَ يَلِيقُ بِعَقْلِي أَنْ يَكُونَ قَوْلُ الْأَنْبِيَاءِ) عَلَيْهِمُ السَّلَامُ، (وَالْمُؤَيِّدُونَ بِالْمُعْجِزَاتِ) الْبَاهِرَةِ (عِنْدِي دُونَ قَوْلِهِ نَصَرَانِيٌّ طَبِيبٌ يَدَّعِي الطَّبَّ لِنَفْسِهِ، بِلَا مُعْجِزَةٍ عَلَى طَبِّهِ، وَلَا يَشْهَدُ لَهُ إِلَّا عَوَامُّ الْخَلْقِ) الَّذِينَ لَا عِبْرَةَ بِهِمْ، (وَكَيْفَ يَكُونُ عَذَابُ النَّارِ عِنْدِي أَخَفَّ مِنْ عَذَابِ الْمَرَضِ، وَكُلُّ يَوْمٍ فِي الْآخِرَةِ بِمِقْدَارِ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ مِنْ أَيَّامِ الدُّنْيَا) كَمَا أَخْبَرَ بِهِ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ الْعَزِيزِ: وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ ، (وَهَذَا التَّفَكُّرُ بِعَيْنِهِ يُعَالِجُ اللَّذَّةَ الْغَالِبَةَ عَلَيْهِ، وَيُكَلِّفُ نَفْسَهُ تَرْكَهَا، وَيَقُولُ: إِذَا كُنْتُ لَا أَقْدِرُ عَلَى تَرْكِ لَذَّاتِي أَيَّامَ الْعُمْرِ، وَهِيَ أَيَّامٌ قَلَائِلُ) بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْعَدَمِ (فَكَيْفَ أَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ أَبَدَ الْأَبَدِ، وَإِذَا كُنْتُ لَا أُطِيقُ أَلَمَ الصَّبْرِ فَكَيْفَ أُطِيقُ أَلَمَ النَّارِ، وَإِذَا كُنْتُ لَا أَصْبِرُ عَنْ زَخَارِفِ الدُّنْيَا مَعَ كَثْرَةِ هُمُومِهَا وَكُدُورَاتِهَا وَتَنَغُّصِهَا وَامْتِزَاجِ صَفْوِهَا بِكَدَرِهَا، فَكَيْفَ أَصْبِرُ عَنْ نَعِيمِ الْآخِرَةِ) مَعَ سَلَامَتِهِ مِنَ الْمُنَغِّصَاتِ؟ (وَ) أَمَّا (تَسْوِيفُ التَّوْبَةِ) أَيْ: تَأْخِيرُهَا مِنْ وَقْتٍ إِلَى وَقْتٍ (فَيُعَالِجُهُ بِالْفِكْرِ فِي أَنَّ أَكْثَرَ صِيَاحِ أَهْلِ النَّارِ مِنَ التَّسْوِيفِ) ، كَمَا رُدَّ ذَلِكَ فِي بَعْضِ الْأَخْبَارِ، وَتَقَدَّمَ ذِكْرُهُ (لِأَنَّ الْمُسَوِّفَ يَبْنِي الْأَمْرَ عَلَى مَا لَيْسَ إِلَيْهِ وَهُوَ الْبَقَاءُ) بِلَا فَنَاءٍ، (فَلَعَلَّهُ لَا يَبْقَى، وَإِنْ بَقِيَ فَلَا يَقْدِرُ عَلَى التَّرْكِ غَدًا، كَمَا لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ الْيَوْمَ، فَلَيْتَ شِعْرِي هَلْ عَجَزَ فِي الْحَالِ إِلَّا لِغَلَبَةِ الشَّهْوَةِ، وَالشَّهْوَةُ لَيْسَتْ تُفَارِقُهُ غَدًا، بَلْ تَتَضَاعَفُ) وَتَزْدَادُ (إِذْ تَتَأَكَّدُ بِالِاعْتِيَادِ فَلَيْسَ الشَّهْوَةُ الَّتِي أَكَّدَهَا الْإِنْسَانُ بِالِاعْتِيَادِ) عَلَيْهَا، وَفِي نُسْخَةٍ بِالْعَادَةِ (كَالَّتِي لَمْ يُؤَكِّدْهَا، وَمِنْ هَذَا هَلَكَ الْمُسَوِّفُونَ; لِأَنَّهُمْ يَظُنُّونَ الْفَرْقَ بَيْنَ الْمُتَمَاثِلَيْنِ، وَلَا يَظُنُّونَ أَنَّ الْأَيَّامَ مُتَشَابِهَةٌ فِي أَنَّ تَرْكَ الشَّهَوَاتِ فِيهَا أَبَدًا شَاقٌّ) أَيْ: شَدِيدٌ، (وَمَا مِثَالُ الْمُسَوِّفِ إِلَّا مِثَالُ مَنِ احْتَاجَ إِلَى قَلْعِ شَجَرَةٍ) مِنْ أَصْلِهَا (فَرَآهَا قَوِيَّةً) رَاسِخَةً فِي الْأَرْضِ (لَا تَنْقَلِعُ إِلَّا بِمَشَقَّةٍ شَدِيدَةٍ فَقَالَ: أُؤَخِّرُهَا سَنَةً، ثُمَّ أَعُودُ إِلَيْهَا، وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّ الشَّجَرَةَ كُلَّمَا بَقِيَتِ ازْدَادَ رُسُوخُهَا) فِي الْأَرْضِ، (وَهُوَ كُلَّمَا طَالَ عُمْرُهُ) بَعْدَ الْأَرْبَعِينَ (ازْدَادَ ضَعْفُهُ، فَلَا حَمَاقَةَ فِي الدُّنْيَا أَعْظَمُ مِنْ حَمَاقَتِهِ إِذْ عَجَزَ مَعَ قُوَّتِهِ عَنْ مُقَاوَمَةِ ضَعِيفٍ، فَأَخَذَ يَنْتَظِرُ الْغَلَبَةَ عَلَيْهِ إِذَا ضَعُفَ هُوَ فِي نَفْسِهِ، وَقَوِيَ الضَّعِيفُ . وَأَمَّا الْمَعْنَى الرَّابِعُ، وَهُوَ انْتِظَارُ عَفْوِ اللَّهِ تَعَالَى فَعِلَاجُهُ مَا سَبَقَ) قَرِيبًا، (وَهُوَ كَمَنْ يُنْفِقُ جَمِيعَ أَمْوَالِهِ) عَلَى الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ، (وَيَتْرُكُ نَفْسَهُ وَعِيَالَهُ فُقَرَاءَ) عَالَةً (مُنْتَظِرًا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ تَعَالَى أَنْ يَرْزُقَهُ الْعُثُورَ) أَيِ: الِاطِّلَاعَ عَلَى كَنْزٍ فِي أَرْضِ قَرْيَةٍ، فَإِنَّ إِمْكَانَ الْعَفْوِ عَنِ الذَّنْبِ مِثْلُ هَذَا الْإِمْكَانِ، (وَهُوَ مِثْلُ مَنْ يَتَوَقَّعُ النَّهْبَ مِنَ الظَّلَمَةِ فِي بَلَدِهِ، وَتَرَكَ ذَخَائِرَ أَمْوَالِهِ فِي صَحْنِ دَارِهِ، وَقَدَرَ عَلَى دَفْنِهَا وَإِخْفَائِهَا فَلَمْ يَفْعَلْ، وَقَالَ: أَنْتَظِرُ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ تَعَالَى أَنْ يُسَلِّطَ غَفْلَةً عَلَى الظَّالِمِ النَّاهِبِ حَتَّى لَا يَتَفَرَّغَ إِلَى دَارِي) ، بَلْ يَشْتَغِلُ عَنْهَا (أَوْ إِذَا انْتَهَى إِلَى دَارِي مَاتَ عَلَى بَابِ الدَّارِ) ، وَلَمْ يُمَكَّنْ مِنْ أَخْذِ الْأَمْوَالِ; (فَإِنَّ الْمَوْتَ مُمْكِنٌ، وَالْغَفْلَةَ مُمْكِنَةٌ . وَقَدْ حُكِيَ فِي الْأَسْمَارِ) أَيِ: الْحِكَايَاتِ عَنِ الْمَاضِينَ مِمَّنْ سَمُرَ بِهَا (أَنَّ مِثْلَ ذَلِكَ) قَدْ (وَقَعَ فَأَنَا أَنْتَظِرُ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ تَعَالَى مِثْلَهُ، فَمُنْتَظِرُ هَذَا مُنْتَظِرُ أَمْرٍ مُمْكِنٍ، وَلَكِنَّهُ فِي غَايَةِ الْحَمَاقَةِ) وَقِلَّةِ الْعَقْلِ، (وَالْجَهْلِ إِذْ قَدْ لَا يُمْكِنُ، وَلَا يَكُونُ . وَأَمَّا الْخَامِسُ: وَهُوَ الشَّكُّ فَهَذَا كُفْرٌ وَعِلَاجُهُ الْأَسْبَابُ الَّتِي تُعَرِّفُهُ صِدْقَ الرُّسُلِ، وَذَلِكَ يَطُولُ) بَيَانُهُ، (وَلَكِنْ يُمْكِنُ أَنْ يُعَالَجَ بِعِلْمٍ قَرِيبٍ يَلِيقُ بِحَدِّ عَقْلِهِ فَيُقَالُ لَهُ) ، وَفِي نُسْخَةٍ: فَيَقُولُ (مَا قَالَهُ الْأَنْبِيَاءُ الْمُؤَيَّدُونَ بِالْمُعْجِزَاتِ هَلْ صِدْقُهُ مُمْكِنٌ، أَوْ تَقُولُ: أَعْلَمُ أَنَّهُ مُحَالٌ، كَمَا أَعْلَمُ اسْتِحَالَةَ كَوْنِ شَخْصٍ وَاحِدٍ فِي مَكَانَيْنِ) مُخْتَلِفَيْنِ (فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ; فَإِنْ قَالَ: أَعْلَمُ اسْتِحَالَتَهُ) كَذَلِكَ (فَهُوَ أَخْرَقُ مَعْتُوهٌ) ذَاهِبُ الْعَقْلِ، (وَكَأَنَّهُ لَا وُجُودَ لِمِثْلِ هَذَا فِي الْعُقَلَاءِ . وَإِنْ قَالَ: أَنَا شَاكٌّ فِيهِ فَيُقَالُ: لَوْ أَخْبَرَكَ شَخْصٌ وَاحِدٌ مَجْهُولٌ عِنْدَ تَرْكِكَ طَعَامَكَ فِي الْبَيْتِ لَحْظَةً أَنَّهُ وَلَغَتْ فِيهِ حَيَّةٌ، وَأَلْقَتْ سُمَّهَا فِيهِ، وَجَوَّزْتَ صِدْقَهُ، فَهَلْ تَأْكُلُهُ أَمْ تَتْرُكُهُ، وَإِنْ كَانَ أَلَذَّ الْأَطْعِمَةِ، فَيَقُولُ: أَتْرُكُهُ لَا مَحَالَةَ لِأَنِّي أَقُولُ: إِنْ كَذَبَ فَلَا يَفُوتُنِي إِلَّا هَذَا الطَّعَامُ) اللَّذِيذُ (وَالصَّبْرُ عَنْهُ، وَإِنْ كَانَ شَدِيدًا فَهُوَ قَرِيبٌ، وَإِنْ صَدَقَ فَتَفُوتُنِي الْحَيَاةُ) فِي الدُّنْيَا، (وَالْمَوْتُ بِالْإِضَافَةِ إِلَى أَلَمِ الصَّبْرِ عَنِ الطَّعَامِ وَإِضَاعَتِهِ شَدِيدُ) هَوْلٍ (فَيُقَالُ لَهُ: يَا سُبْحَانَ اللَّهِ، كَيْفَ تُؤَخِّرُ صِدْقَ الْأَنْبِيَاءِ) عَلَيْهِمُ السَّلَامُ (كُلِّهِمْ مَعَ مَا ظَهَرَ لَهُمْ مِنَ الْمُعْجِزَاتِ) وَالْآيَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى مَا قَالُوا، (وَصِدْقَ كَافَّةِ الْأَوْلِيَاءِ وَالْعُلَمَاءِ وَالْحُكَمَاءِ، بَلْ جَمِيعِ أَصْنَافِ الْعُقَلَاءِ) مِنَ الْإِنْسِ، (وَلَسْتُ أَعْنِي بِهِمْ جُهَّالَ الْعَوَامِّ، بَلْ ذَوِي الْأَلْبَابِ عَنْ صِدْقِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مَجْهُولٍ) لَا يَعْلَمُ كَيْفًا (لَعَلَّ لَهُ غَرَضًا فِيمَا يَقُولُ، فَلَيْسَ فِي الْعُقَلَاءِ إِلَّا مَنْ صَدَّقَ بِالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَأَثْبَتَ ثَوَابًا وَعِقَابًا) عَلَى الطَّاعَةِ وَالْعِصْيَانِ، (وَإِنِ اخْتَلَفُوا فِي كَيْفِيَّتِهِ، فَإِنْ صَدَقُوا فَقَدْ أَشْرَفَتْ عَلَى عَذَابٍ يَبْقَى أَبَدَ الْآبَادِ، وَإِنْ كَذَبُوا فَلَا يَفُوتُكَ إِلَّا بَعْضُ شَهَوَاتِ الدُّنْيَا الْفَانِيَةِ الْمُكَدَّرَةِ، فَلَا يَبْقَى لَهُ تَوَقُّفٌ إِنْ كَانَ عَاقِلًا مَعَ هَذَا الْفِكْرِ، إِذْ لَا نِسْبَةَ لِمُدَّةِ الْعُمْرِ إِلَى أَبَدِ الْآبَادِ، بَلْ لَوْ قَدَّرْنَا الدُّنْيَا مَمْلُوءَةً ذَرَّةً) ، وَفِي نُسْخَةٍ: بِالذَّرَّةِ، (وَقَدَّرْنَا طَائِرًا يَلْتَقِطُ فِي كُلِّ أَلْفِ أَلْفِ سَنَةٍ حَبَّةً وَاحِدَةً مِنْهَا لَفَنِيَتِ الذَّرَّةُ، وَلَمْ يَنْقُصْ مِنْ أَبَدِ الْآبَادِ شَيْءٌ، فَكَيْفَ يَفْتُرُ رَأَيُ الْعَاقِلِ فِي الصَّبْرِ عَنِ الشَّهَوَاتِ مِائَةَ سَنَةٍ مَثَلًا لِأَجْلِ سَعَادَةٍ تَبْقَى أَبَدَ الْآبَادِ، وَذَلِكَ لَا مُنْتَهَى لَهُ; وَلِذَلِكَ قَالَ) أَدِيبُ مَعَرَّةِ النُّعْمَانِ (أَبُو الْعَلَاءِ) أَحْمَدُ بْنُ سُلَيْمَانَ التَّنُوخِيُّ (الْمَعَرِيُّ) تَقَدَّمَتْ تَرْجَمَتُهُ: ( قَالَ الْمُنَجِّمُ وَالطَّبِيبُ كِلَاهُمَا لَا تَبْعَثُ الْأَمْوَاتَ قُلْتُ إِلَيْكُمَا إِنْ صَحَّ قَوْلُكُمَا فَلَسْتُ بِخَاسِرٍ أَوْ صَحَّ قَوْلِي فَالْخَسَارُ عَلَيْكُمَا ) . فَهَذَا كَلَامُهُ مَعَ مُنْكِرِ الْحَشْرِ . (وَكَذَلِكَ قَالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لِبَعْضِ مِنْ قَصَرَ عَقْلُهُ عَنْ فَهْمِ تَحْقِيقِ الْأُمُورِ، وَكَانَ شَاكًّا) فِي أَمْرِ الْآخِرَةِ، (إِنْ صَحَّ مَا قُلْتَ فَقَدْ تَخَلَّصْنَا جَمِيعًا، وَإِلَّا فَقَدْ تَخَلَّصْتُ) أَنَا، (وَهَلَكْتَ) أَنْتَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ فِي كِتَابِ ذَمِّ الْغُرُورِ (أَيِ الْعَاقِلُ يَسْلُكُ طَرِيقَ الْأَمْنِ فِي جَمِيعِ الْأَحْوَالِ . فَإِنْ قُلْتَ: هَذِهِ أُمُورٌ جَلِيَّةٌ، وَلَكِنَّهَا لَيْسَتْ تُنَالُ إِلَّا بِالْفِكْرِ، فَمَا بَالُ الْقُلُوبِ هَجَرَتِ الْفِكْرَ فِيهَا وَاسْتَثْقَلَتْهَا، وَمَا عِلَاجُ الْقُلُوبِ لِرَدِّهَا إِلَى الْفِكْرِ لَا سِيَّمَا مَنْ آمَنَ بِأَصْلِ الشَّرْعِ وَتَفْصِيلِهِ؟ فَاعْلَمْ أَنَّ الْمَانِعَ مِنَ الْفِكْرِ) فِي هَذِهِ الْأُمُورِ (أَمْرَانِ: أَحَدُهُمَا أَنَّ الْفِكْرَ النَّافِعَ هُوَ الْفِكْرُ فِي عِقَابِ الْآخِرَةِ وَأَهْوَالِهَا وَشَدَائِدِهَا وَحَسَرَاتِ الْعَاصِينَ فِي الْحِرْمَانِ عَنِ النَّعِيمِ الْمُقِيمِ، وَهَذَا فِكْرٌ لَدَّاغٌ مُؤْلِمٌ لِلْقَلْبِ) كَأَنَّهُ يَلْدَغُهُ، (فَيَنْفُرُ الْقَلْبُ عَنْهُ، وَيَتَلَذَّذُ بِالْفِكْرِ فِي أُمُورِ الدُّنْيَا عَلَى سَبِيلِ التَّفَرُّجِ) وَالِانْبِسَاطِ، (وَالِاسْتِرَاحَةِ، وَالثَّانِي أَنَّ الْفِكْرَ شُغْلٌ فِي الْحَالِ مَانِعٌ مِنْ لَذَائِذِ الدُّنْيَا، وَقَضَاءِ الشَّهَوَاتِ، وَمَا مِنْ إِنْسَانٍ إِلَّا وَلَهُ فِي كُلِّ حَالَةٍ مِنْ أَحْوَالِهِ وَنَفْسٍ مِنْ أَنْفَاسِهِ شَهْوَةٌ قَدْ تَسَلَّطَتْ عَلَيْهِ، وَاسْتَرْقَتْهُ) أَيْ: أَسَرَتْهُ (فَصَارَ عَقْلُهُ مُسَخَّرًا لِشَهْوَتِهِ) أَيْ: مُنْقَادًا لَهَا (فَهُوَ مَشْغُولٌ بِتَدْبِيرِ حِيلَتِهِ، وَصَارَتْ لَذَّتُهُ فِي طَلَبِ الْحِيلَةِ فِيهِ، أَوْ فِي مُبَاشَرَةِ قَضَاءِ الشَّهْوَةِ، وَالْفِكْرُ يَمْنَعُهُ مِنْ ذَلِكَ) فَهَذَا سَبَبُ اسْتِثْقَالِ الْقُلُوبِ الْفِكْرَ.

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية