الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
معلومات الكتاب

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين

مرتضى الزبيدي - محمد بن محمد الحسيني الزبيدي

جزء صفحة
إحياء علوم الدين

فإن قلت : فما علاج الأسباب الخمسة فأقول هو الفكر وذلك بأن يقرر على نفسه في السبب الأول وهو تأخر العقاب أن كل ما هو آت آت وأن غدا للناظرين قريب ، وأن الموت أقرب إلى كل أحد من شراك نعله فما يدريه لعل الساعة قريب ، والمتأخر إذا وقع صار ناجزا ، ويذكر نفسه أنه أبدا في دنياه يتعب في الحال ; لخوف أمر في الاستقبال ; إذ يركب البحار ويقاسي الأسفار لأجل الربح الذي يظن أنه قد يحتاج إليه في ثاني الحال ، بل لو مرض فأخبره طبيب نصراني بأن شرب الماء البارد يضره ويسوقه إلى الموت ، وكان الماء البارد ألذ الأشياء عنده تركه مع أن الموت آلمه لحظة إذا لم يخف ما بعده ، ومفارقته للدنيا لا بد منها فكم نسبة وجوده في الدنيا إلى عدمه أزلا وأبدا ، فلينظر ، كيف يبادر إلى ترك ملاذه بقول ذمي لم تقم معجزة على طبه ، فيقول : كيف يليق بعقلي أن يكون قول الأنبياء المؤيدين بالمعجزات عندي دون قول نصراني يدعي الطب لنفسه ، بلا معجزة على طبه ، ولا يشهد له إلا عوام الخلق وكيف يكون عذاب النار عندي أخف من عذاب المرض ، وكل يوم في الآخرة بمقدار خمسين ألف سنة من أيام الدنيا وبهذا التفكر بعينه يعالج اللذة الغالبة عليه ، ويكلف نفسه تركها  ، ويقول : إذا كنت لا أقدر على ترك لذاتي أيام العمر ، وهي أيام قلائل فكيف أقدر على ذلك أبد الآباد ، وإذا كنت لا أطيق ألم الصبر فكيف أطيق ألم النار ، وإذا كنت لا أصبر عن زخارف الدنيا مع كدوراتها وتنغصها وامتزاج صفوها بكدرها ، فكيف أصبر عن نعيم الآخرة وأما تسويف التوبة  فيعالجه بالفكر في إن أكثر صياح أهل النار من التسويف لأن المسوف يبني الأمر على ما ليس إليه وهو البقاء فلعله لا يبقى ، وإن بقي فلا يقدر على الترك غدا ، كما لا يقدر عليه اليوم ، فليت شعري هل عجز في الحال إلا لغلبة الشهوة ، والشهوة ليست تفارقه غدا ، بل تتضاعف إذ تتأكد بالاعتياد فليست الشهوة التي أكدها الإنسان بالعادة كالتي لم يؤكدها وعن ، هذا هلك المسوفون ; لأنهم يظنون الفرق بين المتماثلين ، ولا يظنون أن الأيام متشابهة في أن ترك الشهوات فيها أبدا شاق وما مثال المسوف إلا مثال من احتاج إلى قلع شجرة فرآها قوية لا تنقلع إلا بمشقة شديدة فقال : أؤخرها سنة ، ثم أعود إليها ، وهو يعلم أن الشجرة كلما بقيت ازداد رسوخها وهو كلما طال عمره ازداد ضعفه ، فلا حماقة في الدنيا أعظم من حماقته إذ عجز مع قوته عن مقاومة ضعيف ، فأخذ ينتظر الغلبة عليه إذا ضعف هو في نفسه ، وقوي الضعيف .

وأما المعنى الرابع ، وهو انتظار عفو الله تعالى فعلاجه  ما سبق وهو كمن ينفق جميع أمواله ويترك نفسه وعياله فقراء منتظرا من فضل الله تعالى أن يرزقه العثور على كنز في أرض خربة فإن إمكان العفو عن الذنب مثل هذا الإمكان وهو مثل من يتوقع النهب من الظلمة في بلده ، وترك ذخائر أمواله في صحن داره ، وقدر على دفنها وإخفائها فلم يفعل ، وقال : أنتظر من فضل الله تعالى أن يسلط غفلة أو عقوبة على الظالم الناهب حتى لا يتفرغ إلى داري أو إذا انتهى إلى داري مات على باب الدار فإن الموت ممكن ، والغفلة ممكنة . وقد حكي في الأسمار أن مثل ذلك وقع فأنا أنتظر من فضل الله مثله ، فمنتظر هذا منتظر أمر ممكن ، ولكنه في غاية الحماقة والجهل إذ قد لا يمكن ، ولا يكون .

وأما الخامس : وهو شك فهذا كفر وعلاجه الأسباب التي تعرفه صدق الرسل ، وذلك يطول ولكن يمكن أن يعالج بعلم قريب يليق بحد عقله فيقال له ما قاله الأنبياء المؤيدون بالمعجزات هل صدقه ممكن ، أو تقول : أعلم أنه محال ، كما أعلم استحالة شخص واحد في مكانين في حالة واحدة ; فإن قال : أعلم استحالته كذلك فهو أخرق معتوه وكأنه لا وجود لمثل هذا في العقلاء . وإن قال : أنا شاك فيه فيقال : لو أخبرك شخص واحد مجهول عند تركك طعامك في البيت لحظة أنه ولغت فيه حية ، وألقت سمها فيه ، وجوزت صدقه ، فهل تأكله أو تتركه ، وإن كان ألذ الأطعمة ، فيقول : أتركه لا محالة لأني أقول : إن كذب فلا يفوتني إلا هذا الطعام والصبر عنه ، وإن كان شديدا فهو قريب ، وإن صدق فتفوتني الحياة والموت بالإضافة إلى ألم الصبر عن الطعام وإضاعته شديد فيقال له : يا سبحان الله ، كيف تؤخر صدق الأنبياء كلهم مع ما ظهر لهم من المعجزات وصدق كافة الأولياء والعلماء والحكماء ، بل جميع أصناف العقلاء ولست أعني بهم جهال العوام ، بل ذوي الألباب عن صدق رجل واحد مجهول لعل له غرضا فيما يقول ، فليس في العقلاء إلا من صدق باليوم الآخر، وأثبت ، ثوابا وعقابا وإن اختلفوا في كيفيته ، فإن صدقوا فقد أشرفت على عذاب يبقى أبد الآباد ، وإن كذبوا فلا يفوتك إلا بعض شهوات هذه الدنيا الفانية المكدرة ، فلا يبقى له توقف إن كان عاقلا مع هذا الفكر ، إذ لا نسبة لمدة العمر إلى أبد الآباد ، بل لو قدرنا الدنيا مملوءة بالذرة وقدرنا طائرا يلتقط في كل ألف ألف سنة حبة واحدة منها لفنيت الذرة ، ولم ينقص أبد الآباد شيء ، فكيف يفتر رأي العاقل في الصبر عن الشهوات مائة سنة مثلا لأجل سعادة تبقى أبد الآباد; ولذلك قال أبو العلاء أحمد بن سليمان التنوخي المعري .


قال المنجم والطبيب كلاهما لا تبعث الأموات قلت إليكما     إن صح قولكما فلست بخاسر
أو صح قولي فالخسار عليكما

لذلك قال علي رضي الله عنه لبعض من قصر عقله عن فهم تحقيق الأمور ، وكان شاكا إن صح ما قلت فقد تخلصنا جميعا ، وإلا فقد تخلصت وهلكت أي العاقل يسلك طريق الأمن في جميع الأحوال .

فإن قلت : هذه الأمور جلية ، ولكنها ليست تنال إلا بالفكر ، فما بال القلوب هجرت الفكر فيها واستثقلته ، وما علاج القلوب لردها إلى الفكر  لا سيما من آمن بأصل الشرع وتفصيله ؟ فاعلم أن المانع من الفكر أمران : أحدهما أن الفكر النافع هو الفكر في عقاب الآخرة وأهوالها وشدائدها وحسرات العاصين في الحرمان عن النعيم المقيم ، وهذا فكر لداغ مؤلم للقلب فينفر القلب عنه ، ويتلذذ بالفكر في أمور الدنيا على سبيل التفرج والاستراحة ، والثاني أن الفكر شغل في الحال مانع من لذائذ الدنيا ، وقضاء الشهوات ، وما من إنسان إلا وله في كل حالة من أحواله ونفس من أنفاسه شهوة قد تسلطت عليه ، واسترقته فصار عقله مسخرا لشهوته فهو مشغول بتدبير حيلته ، وصارت لذته في طلب الحيلة فيه ، أو في مباشرة قضاء الشهوة ، والفكر يمنعه من ذلك .

التالي السابق



الخدمات العلمية