الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
معلومات الكتاب

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين

مرتضى الزبيدي - محمد بن محمد الحسيني الزبيدي

جزء صفحة
إحياء علوم الدين الْأَصْلُ الثَّانِي : الصَّبْرُ ، وَوَجْهُ الْحَاجَةِ إِلَيْهِ أَنَّ الْمَرِيضَ إِنَّمَا يَطُولُ مَرَضُهُ لِتَنَاوُلِهِ مَا يَضُرُّهُ وَإِنَّمَا يَتَنَاوَلُ ذَلِكَ إِمَّا لِغَفْلَتِهِ عَنْ مَضَرَّتِهِ ، وَإِمَّا لِشِدَّةِ غَلَبَةِ شَهْوَتِهِ ، فَلَهُ سَبَبَانِ فَمَا ذَكَرْنَاهُ هُوَ عِلَاجُ الْغَفْلَةِ فَيَبْقَى عِلَاجُ الشَّهْوَةِ ، وَطَرِيقُ عِلَاجِهَا قَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي كِتَابِ رِيَاضَةِ النَّفْسِ وَحَاصِلُهُ أَنَّ الْمَرِيضَ إِذَا اشْتَدَّتْ ضَرَاوَتُهُ لِمَأْكُولٍ مُضِرٍّ فَطَرِيقُهُ أَنْ يَسْتَشْعِرَ عِظَمَ ضَرَرِهِ ، ثُمَّ يَغِيبُ ذَلِكَ عَنْ عَيْنِهِ فَلَا يَحْضُرُهُ ثُمَّ يَتَسَلَّى عَنْهُ بِمَا يَقْرُبُ مِنْهُ فِي صُورَتِهِ وَلَا يَكْثُرُ ضَرَرُهُ ، ثُمَّ يَصْبِرُ بِقُوَّةِ الْخَوْفِ عَلَى الْأَلَمِ الَّذِي يَنَالُهُ فِي تَرْكِهِ فَلَا بُدَّ عَلَى كُلِّ حَالٍ مِنْ مَرَارَةِ الصَّبْرِ ، فَكَذَلِكَ يُعَالَجُ الشَّهْوَةُ فِي الْمَعَاصِي ; كَالشَّابِّ مَثَلًا إِذَا غَلَبَتْهُ الشَّهْوَةُ فَصَارَ لَا يَقْدِرُ عَلَى حِفْظِ عَيْنِهِ ، وَلَا حِفْظِ قَلْبِهِ أَوْ ، حِفْظِ جَوَارِحِهِ فِي السَّعْيِ وَرَاءَ شَهْوَتِهِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَسْتَشْعِرَ ضَرَرَ ذَنْبِهِ بِأَنْ يَسْتَقْرِي الْمَخْلُوقَاتِ الَّتِي جَاءَتْ فِيهِ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى وَسُنَّةِ رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَإِذَا اشْتَدَّ خَوْفُهُ تَبَاعَدَ مِنَ الْأَسْبَابِ الْمُهَيِّجَةِ لِشَهْوَتِهِ ، وَمُهَيِّجُ الشَّهْوَةِ مِنْ خَارِجٍ هُوَ حُضُورُ الْمُشْتَهَى وَالنَّظَرُ إِلَيْهِ ، وَعِلَاجُهُ الْهَرَبُ وَالْعُزْلَةُ وَمِنْ دَاخِلِ تَنَاوُلِ لَذَائِذِ الْأَطْعِمَةِ ، وَعِلَاجُهُ الْجُوعُ وَالصَّوْمُ الدَّائِمُ ، وَكُلُّ ذَلِكَ لَا يَتِمُّ إِلَّا بِصَبْرٍ ، وَلَا يَصْبِرُ إِلَّا عَنْ خَوْفٍ ، وَلَا يَخَافُ إِلَّا عَنْ عِلْمٍ ، وَلَا يَعْلَمُ إِلَّا عَنْ بَصِيرَةٍ وَافْتِكَارٍ ، أَوْ عَنْ سَمَاعٍ وَتَقْلِيدٍ فَأَوَّلُ الْأَمْرِ حُضُورُ مَجَالِسِ الذِّكْرِ ، ثُمَّ الِاسْتِمَاعُ مِنْ قَلْبٍ مُجَرَّدٍ عَنْ سَائِرِ الشَّوَاغِلِ مَصْرُوفٍ إِلَى السَّمَاعِ ، ثُمَّ التَّفَكُّرُ فِيهِ لِتَمَامِ الْفَهْمِ ، وَيَنْبَعِثُ مِنْ تَمَامِهِ لَا مَحَالَةَ خَوْفُهُ ، وَإِذَا قَوِيَ الْخَوْفُ تَيَسَّرَ بِمَعُونَتِهِ الصَّبْرُ ، وَانْبَعَثَتِ الدَّوَاعِي لِطَلَبِ الْعِلَاجِ وَتَوْفِيقُ اللَّهِ وَتَيْسِيرُهُ مِنْ وَرَاءِ ذَلِكَ فَمَنْ أُعْطِيَ مِنْ قَلْبِهِ حُسْنَ الْإِصْغَاءِ وَاسْتَشْعَرَ الْخَوْفَ فَاتَّقَى وَانْتَظَرَ الثَّوَابَ ، وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى فَسَيُيَسِّرُهُ اللَّهُ تَعَالَى لِلْيُسْرَى وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى فَسَيُيَسِّرُهُ اللَّهُ لِلْعُسْرَى فَلَا يُغْنِي عَنْهُ مَا اشْتَغَلَ بِهِ مِنْ مَلَاذِّ الدُّنْيَا مَهْمَا هَلَكَ وَتَرَدَّى وَمَا عَلَى الْأَنْبِيَاءِ إِلَّا شَرْحُ طُرُقِ الْهُدَى وَإِنَّمَا لِلَّهِ الْآخِرَةُ وَالْأُولَى . إتحاف السادة المتقين (الْأَصْلُ الثَّانِي: الصَّبْرُ، وَوَجْهُ الْحَاجَةِ إِلَيْهِ أَنَّ الْمَرِيضَ إِنَّمَا يَطُولُ مَرَضُهُ لِتَنَاوُلِهِ مَا يَضُرُّهُ) مِنَ الْأَطْعِمَةِ، (وَإِنَّمَا يَتَنَاوَلُ ذَلِكَ إِمَّا لِغَفْلَتِهِ عَنْ مَضَرَّتِهِ، وَإِمَّا لِشِدَّةِ غَلَبَةِ شَهْوَتِهِ، فَلَهُ سَبَبَانِ) أَيْ: لِلْمَانِعِ مِنَ التَّوْبَةِ سَبَبَانِ: أَحَدُهُمَا الْجَهْلُ بِآفَاتِ الذُّنُوبِ، وَمَا رُتِّبَ عَلَيْهَا مِنَ الْعُقُوبَاتِ الْعَاجِلَةِ وَالْآجِلَةِ، (فَمَا ذَكَرْنَاهُ هُوَ عِلَاجُ الْغَفْلَةِ) ، وَهُوَ الْعِلْمُ; لِأَنَّ الْعِلَّةَ تُعَالَجُ بِضِدِّهَا (فَيَبْقَى عِلَاجُ الشَّهْوَةِ، وَطَرِيقُ عِلَاجِهَا) بِالصَّبْرِ; لِأَنَّ الصَّبْرَ حَبْسُ النَّفْسِ مِنَ الْمُشْتَهَى، وَهَذَا يَأْتِي فِي الْكِتَابِ الَّذِي بَعْدَهُ (قَدْ ذَكَرْنَاهُ أَيْضًا فِي كِتَابِ رِيَاضَةِ النَّفْسِ) وَتَهْذِيبِ الْأَخْلَاقِ، (وَحَاصِلُهُ أَنَّ الْمَرِيضَ إِذَا اشْتَدَّتْ ضَرَاوَتُهُ بِمَأْكُولٍ مُضِرٍّ فَطَرِيقُهُ أَنْ يَسْتَشْعِرَ عِظَمَ ضَرَرِهِ، ثُمَّ يَغِيبُ ذَلِكَ عَنْ عَيْنِهِ فَلَا يَحْضُرُهُ) لِئَلَّا يَتَعَلَّقَ الْقَلْبُ بِهِ (ثُمَّ يَتَسَلَّى عَنْهُ بِمَا يَقْرُبُ مِنْهُ فِي صُورَتِهِ) ، أَوْ خَاصِّيَتِهِ، (وَلَا يَكْثُرُ ضَرَرُهُ، ثُمَّ يَصْبِرُ بِقُوَّةِ الْخَوْفِ عَلَى الْأَلَمِ الَّذِي يَنَالُهُ فِي تَرْكِهِ فَلَا بُدَّ عَلَى كُلِّ حَالٍ مِنْ مَرَارَةِ الصَّبْرِ، فَكَذَلِكَ يُعَالَجُ الشَّهْوَةُ فِي الْمَعَاصِي; كَالشَّابِّ مَثَلًا إِذَا غَلَبَتْهُ الشَّهْوَةُ فَصَارَ لَا يَقْدِرُ عَلَى حِفْظِ عَيْنِهِ، وَلَا حِفْظِ قَلْبِهِ، وَلَا حِفْظِ جَوَارِحِهِ فِي السَّعْيِ وَرَاءَ شَهْوَتِهِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَسْتَشْعِرَ ضَرَرَ ذَنْبِهِ بِأَنْ يَسْتَقْرِئَ الْمُخَوِّفَاتِ الَّتِي جَاءَتْ فِيهِ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى وَسُنَّةِ رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَإِذَا اشْتَدَّ خَوْفُهُ تَبَاعَدَ مِنَ الْأَسْبَابِ الْمُهَيِّجَةِ) أَيِ: الْبَاعِثَةِ (لِشَهْوَتِهِ، وَمُهَيِّجُ الشَّهْوَةِ مِنْ خَارِجٍ هُوَ حُضُورُ الْمُشْتَهَى) بَيْنَ يَدَيْهِ، (وَالنَّظَرُ إِلَيْهِ، وَعِلَاجُهُ الْهَرَبُ وَالْعُزْلَةُ) عَنِ الْخَلْقِ، (وَ) مُهَيِّجُهَا (مِنْ دَاخِلِ لَذَائِذِ الْأَطْعِمَةِ، وَعِلَاجُهُ الْجُوعُ) فِي أَكْثَرِ الْأَوْقَاتِ، (وَالصَّوْمُ الدَّائِمُ، وَكُلُّ ذَلِكَ لَا يَتِمُّ إِلَّا بِصَبْرٍ، وَلَا يَصْبِرُ إِلَّا عَنْ خَوْفٍ، وَلَا يَخَافُ إِلَّا عَنْ عِلْمٍ، وَلَا يَعْلَمُ إِلَّا عَنْ بَصِيرَةٍ وَافْتِكَارٍ، أَوْ عَنْ سَمَاعٍ) مِنْ أَفْوَاهِ الشُّيُوخِ، (وَتَقْلِيدٍ) لَهُمْ، (فَأَوَّلُ الْأَمْرِ حُضُورُ مَجَالِسِ الذِّكْرِ، ثُمَّ الِاسْتِمَاعُ مِنْ قَلْبٍ مُجَرَّدٍ عَنْ سَائِرِ الشَّوَاغِلِ مَصْرُوفٍ إِلَى السَّمَاعِ، ثُمَّ التَّفَكُّرُ فِيهِ لِتَمَامِ الْفَهْمِ، وَيَنْبَعِثُ مِنْ تَمَامِهِ لَا مَحَالَةَ خَوْفٌ، وَإِذَا قَوِيَ الْخَوْفُ) ، وَتَمَكَّنَ مِنْهُ (تَيَسَّرَ بِمَعُونَتِهِ الصَّبْرُ، وَانْبَعَثَتِ الدَّوَاعِي لِطَلَبِ الْعِلَاجِ) لِلدَّاخِلِ وَالْخَارِجِ، (وَتَوْفِيقُ اللَّهِ وَتَيْسِيرُهُ مِنْ وَرَاءِ ذَلِكَ) فَلَا يُقَدَّرُ لَهُ قَدْرٌ، فَالْمَسَاعِي أَشْتَاتٌ مُخْتَلِفَةٌ (فَمَنْ أُعْطِيَ مِنْ قَلْبِهِ حُسْنَ الْإِصْغَاءِ) لِأُمُورِ الطَّاعَاتِ، (وَاسْتَشْعَرَ الْخَوْفَ فَاتَّقَى) الْمَعَاصِيَ (وَانْتَظَرَ الثَّوَابَ، وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى) أَيْ: بِالْكَلِمَاتِ الْحُسْنَى، (وَهِيَ مَا دَلَّ عَلَى حَقٍّ) كَكَلِمَةِ التَّوْحِيدِ (فَسَيُيَسِّرُهُ اللَّهُ تَعَالَى) أَيْ: سَيَهْدِيهِ (لِلْيُسْرَى) أَيْ: لِلنِّحْلَةِ الْمُؤَدِّيَةِ إِلَى الْيُسْرِ وَالزَّلْفِ كَدُخُولِ الْجَنَّةِ، (وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ) بِمَا أُمِرَ بِهِ، (وَاسْتَغْنَى) بِشَهَوَاتِ الدُّنْيَا عَنْ نَعِيمِ الْعُقْبَى، (وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى) بِإِنْكَارِ مَدْلُولِهَا، (فَسَيُيَسِّرُهُ اللَّهُ لِلْعُسْرَى) أَيْ: لِلنِّحْلَةِ الْمُؤَدِّيَةِ إِلَى الْعُسْرِ وَالشِّدَّةِ بِدُخُولِ النَّارِ، (فَلَا يُغْنِي عَنْهُ مَا اشْتَغَلَ بِهِ مِنْ مَلَاذِّ الدُّنْيَا مَهْمَا هَلَكَ) أَيْ: مَاتَ، (وَتَرَدَّى) حُفْرَةَ الْقَبْرِ، أَوْ قَعْرَ جَهَنَّمَ، (وَمَا عَلَى الْأَنْبِيَاءِ إِلَّا شَرْحُ طُرُقِ الْهُدَى) أَيِ: الْإِرْشَادِ إِلَى الْحَقِّ بِشَرْحِ صَفَائِهِ، أَوْ بِمُقْتَضَى حِكْمَتِهِ، (وَإِنَّمَا لِلَّهِ الْآخِرَةُ وَالْأُولَى) فَيُعْطَى فِي الدَّارَيْنِ الَّذِي يَشَاءُ أَوْ ثَوَابَ الْهِدَايَةِ لِلْمُهْتَدِينَ، وَفِي السِّيَاقِ تَلْمِيحٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى وَإِنَّ لَنَا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولَى .

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية