الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
معلومات الكتاب

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين

مرتضى الزبيدي - محمد بن محمد الحسيني الزبيدي

جزء صفحة
إحياء علوم الدين الرُّكْنُ الثَّالِثُ فِي تَمَامِ التَّوْبَةِ وَشُرُوطِهَا وَدَوَامِهَا إِلَى آخِرِ الْعُمْرِ . قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ التَّوْبَةَ عِبَارَةٌ عَنْ نَدَمٍ يُورِثُ عَزْمًا وَقَصْدًا ، وَذَلِكَ النَّدَمُ أَوْرَثَهُ الْعِلْمَ بِكَوْنِ الْمَعَاصِي حَائِلًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَحْبُوبِهِ ، وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْعِلْمِ وَالنَّدَمِ وَالْعَزْمِ دَوَامٌ وَتَمَامٌ ، وَلِتَمَامِهَا عَلَامَةٌ ، وَلِدَوَامِهَا شَرْطٌ ، فَلَا بُدَّ مِنْ بَيَانِهَا أَمَّا الْعِلْمُ فَالنَّظَرُ فِيهِ نَظَرٌ فِي سَبَبِ التَّوْبَةِ ، وَسَيَأْتِي . وَأَمَّا النَّدَمُ فَهُوَ تَوَجُّعُ الْقَلْبِ عِنْدَ شُعُورِهِ بِفَوَاتِ الْمَحْبُوبِ وَعَلَامَتُهُ طُولُ الْحَسْرَةِ وَالْحُزْنِ وَانْسِكَابُ الدَّمْعِ ، وَطُولُ الْبُكَاءِ وَالْفِكْرِ فَمَنِ اسْتَشْعَرَ عُقُوبَةً نَازِلَةً بِوَلَدِهِ ، أَوْ بِبَعْض أَعِزَّتِهِ طَالَ عَلَيْهِ مُصِيبَتُهُ ، وَبُكَاؤُهُ وَأَيُّ عَزِيزٍ أَعَزُّ عَلَيْهِ مِنْ نَفْسِهِ ، وَأَيُّ عُقُوبَةٍ أَشَدُّ مِنَ النَّارِ ، وَأَيُّ شَيْءٍ أَدَلُّ عَلَى نُزُولِ الْعُقُوبَةِ مِنَ الْمَعَاصِي ، وَأَيُّ مُخْبِرٍ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ، وَلَوْ حَدَّثَهُ إِنْسَانٌ وَاحِدٌ يُسَمَّى طَبِيبًا أَنَّ مَرَضَ وَلَدِهِ الْمَرِيضِ لَا يَبْرَأُ وَأَنَّهُ سَيَمُوتُ مِنْهُ لَطَالَ فِي الْحَالِ حُزْنُهُ فَلَيْسَ وَلَدُهُ بِأَعَزَّ مِنْ نَفْسِهِ ، وَلَا الطَّبِيبُ بِأَعْلَمَ وَلَا أَصْدَقَ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ، وَلَا الْمَوْتُ بِأَشَدَّ مِنَ النَّارِ ، وَلَا الْمَرَضُ بِأَدَلَّ عَلَى الْمَوْتِ مِنَ الْمَعَاصِي عَلَى سَخَطِ اللَّهِ تَعَالَى وَالتَّعَرُّضِ بِهَا لِلنَّارِ ، فَأَلَمُ النَّدَمِ كُلَّمَا كَانَ أَشَدَّ كَانَ تَكْفِيرُ الذُّنُوبِ بِهِ أَرْجَى فَعَلَامَةُ صِحَّةِ النَّدَمِ رِقَّةُ الْقَلْبِ وَغَزَارَةُ الدَّمْعِ ، وَفِي الْخَبَرِ : جَالِسُوا التَّوَّابِينَ فَإِنَّهُمْ أَرَقُّ أَفْئِدَةً وَمِنْ عَلَامَتِهِ أَنْ تَتَمَكَّنَ مَرَارَةُ تِلْكَ الذُّنُوبِ فِي قَلْبِهِ ، بَدَلًا عَنْ حَلَاوَتِهَا فَيَسْتَبْدِلُ ، بِالْمَيْلِ كَرَاهِيَةً ، وَبِالرَّغْبَةِ نَفْرَةً وَفِي الْإِسْرَائِيلِيَّاتِ : أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى قَالَ لِبَعْضِ أَنْبِيَائِهِ : وَقَدْ سَأَلَهُ قَبُولَ تَوْبَةِ عَبْدٍ بَعْدَ أَنِ اجْتَهَدَ سِنِينَ فِي = الْعِبَادَةِ وَلَمْ يَرَ قَبُولَ تَوْبَتِهِ ، فَقَالَ وَعِزَّتِي وَجَلَالِي : لَوْ شَفَعَ فِيهِ أَهْلُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ ، مَا قَبِلْتُ تَوْبَتَهُ ، وَحَلَاوَةُ ذَلِكَ الذَّنْبِ الَّذِي تَابَ مِنْهُ فِي قَلْبِهِ . فَإِنْ قُلْتَ : فَالذُّنُوبُ هِيَ أَعْمَالٌ مُشْتَهَاةٌ بِالطَّبْعِ فَكَيْفَ يَجِدُ مَرَارَتَهَا ? فَأَقُولُ : مَنْ تَنَاوَلَ عَسَلًا كَانَ فِيهِ سُمٌّ وَلَمْ يُدْرِكْهُ بِالذَّوْقِ وَاسْتَلَذَّهُ ، ثُمَّ مَرِضَ وَطَالَ مَرَضُهُ وَأَلَمُهُ ، وَتَنَاثَرَ شَعْرُهُ ، وَفَلِجَتْ أَعْضَاؤُهُ فَإِذَا قُدِّمَ إِلَيْهِ عَسَلٌ فِيهِ مِثْلُ ذَلِكَ السُّمِّ ، وَهُوَ فِي غَايَةِ الْجُوعِ وَالشَّهْوَةِ لِلْحَلَاوَةِ فَهَلْ تَنْفِرُ نَفْسُهُ عَنْ ذَلِكَ الْعَسَلِ أَمْ لَا ? فَإِنْ قُلْتَ : لَا فَهُوَ جَحْدٌ لِلْمُشَاهَدَةِ وَالضَّرُورَةِ بَلِ رُبَّمَا تَنْفِرُ عَنِ الْعَسَلِ الَّذِي لَيْسَ فِيهِ سُمٌّ أَيْضًا لِشَبَهِهِ بِهِ ، فَوِجْدَانُ التَّائِبِ مَرَارَةَ الذَّنْبِ كَذَلِكَ يَكُونُ ، وَذَلِكَ لِعِلْمِهِ بِأَنَّ كُلَّ ذَنْبٍ فَذَوْقُهُ ذَوْقُ الْعَسَلِ ، وَعَمَلُهُ عَمَلُ السُّمِّ ، وَلَا تَصِحُّ التَّوْبَةُ وَلَا تَصْدُقُ إِلَّا بِمِثْلِ هَذَا الْإِيمَانِ وَلَمَّا ، عَزَّ مِثْلُ هَذَا الْإِيمَانِ عَزَّتِ التَّوْبَةُ ، وَالتَّائِبُونَ فَلَا تَرَى إِلَّا مُعْرِضًا عَنِ اللَّهِ تَعَالَى مُتَهَاوِنًا بِالذُّنُوبِ مُصِرًّا عَلَيْهَا ، فَهَذَا شَرْطُ تَمَامِ النَّدَمِ ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَدُومَ إِلَى الْمَوْتِ ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَجِدَ هَذِهِ الْمَرَارَةَ فِي جَمِيعِ الذُّنُوبِ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ قَدِ ارْتَكَبَهَا مِنْ قَبْلُ ، كَمَا يَجِدُ مُتَنَاوِلُ السُّمِّ فِي الْعَسَلِ النَّفْرَةَ مِنَ الْمَاءِ الْبَارِدِ ، مَهْمَا عَلِمَ ان فِيهِ مِثْلَ ذَلِكَ السُّمِّ ، إِذْ لَمْ يَكُنْ ضَرَرُهُ مِنَ الْعَسَلِ ، بَلْ مِمَّا فِيهِ وَلَمْ يَكُنْ ضَرَرُ التَّائِبِ مِنْ سَرِقَتِهِ وَزِنَاهُ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ سَرِقَةٌ وَزِنًا ، بَلْ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ مِنْ مُخَالَفَةِ أَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى ، وَذَلِكَ جَارٍ فِي كُلِّ ذَنْبٍ وَأَمَّا الْقَصْدُ الَّذِي يَنْبَعِثُ مِنْهُ هُوَ ، إِرَادَةُ التَّدَارُكِ ، فَلَهُ تَعَلُّقٌ بِالْحَالِ وَهُوَ يُوجِبُ تَرْكِ كُلِّ مَحْظُورٍ هُوَ مَلَابِسٌ لَهُ وَأَدَاءِ كُلِّ فَرْضٍ وَهُوَ مُتَوَجَّهٌ عَلَيْهِ فِي الْحَالِ ، وَلَهُ تَعَلُّقٌ بِالْمَاضِي ، وَهُوَ تَدَارُكُ مَا فَرَطَ وَبِالْمُسْتَقْبَلِ ، وَهُوَ دَوَامُ الطَّاعَةِ ، وَدَوَامُ تَرْكِ الْمَعْصِيَةِ إِلَى الْمَوْتِ . وَشَرْطُ صِحَّتِهَا فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالْمَاضِي أَنْ يَرُدَّ فِكْرَهُ إِلَى أَوَّلِ يَوْمِ بَلَغَ فِيهِ بِالسِّنِّ أَوِ الِاحْتِلَامَ ، وَيُفَتِّشُ عَمَّا مَضَى مِنْ عُمْرِهِ سَنَةً سَنَةً ، وَشَهْرًا شَهْرًا ، وَيَوْمًا يَوْمًا ، وَنَفَسًا نَفَسًا ، وَيَنْظُرُ إِلَى الطَّاعَاتِ مَا الَّذِي قَصَرَ فِيهِ مِنْهَا ، وَإِلَى الْمَعَاصِي مَا الَّذِي قَارَفَهُ مِنْهَا . فَإِنْ كَانَ قَدْ تَرَكَ صَلَاةً أَوْ صَلَّاهَا فِي ثَوْبٍ نَجِسٍ أَوْ صَلَّاهَا فِي نِيَّةٍ غَيْرِ صَحِيحَةٍ لِجَهْلِهِ بِشَرْطِ النِّيَّةِ فَيَقْضِيهَا عَنْ آخِرِهَا ، فَإِنْ شَكَّ فِي عَدَدِ مَا فَاتَهُ مِنْهَا حَسَبَ مِنْ مُدَّةِ بُلُوغِهِ ، وَتَرَكَ الْقَدْرَ الَّذِي يُسْتَيْقَنُ أَنَّهُ أَدَّاهُ ، وَيَقْضِي الْبَاقِيَ ، وَلَهُ أَنْ يَأْخُذَ فِيهِ بِغَالِبِ الظَّنِّ وَيَصِلَ إِلَيْهِ عَلَى سَبِيلِ التَّحَرِّي وَالِاجْتِهَادِ . وَأَمَّا الصَّوْمُ فَإِنْ كَانَ قَدْ تَرَكَهُ فِي سَفَرٍ وَلَمْ يَقْضِهِ ، أَوْ أَفْطَرَ عَمْدًا أَوْ نَسِيَ النِّيَّةَ بِاللَّيْلِ ، وَلَمْ يَقْضِ فَيَتَعَرَّفُ مَجْمُوعَ ذَلِكَ بِالتَّحَرِّي وَالِاجْتِهَادِ ، وَيَشْتَغِلُ بِقَضَائِهِ . وَأَمَّا الزَّكَاةُ فَيَحْسُبُ جَمِيعَ مَالِهِ ، وَعَدَدَ السِّنِينَ مِنْ أَوَّلِ مِلْكِهِ لَا مِنْ زَمَانِ الْبُلُوغِ ، فَإِنَّ الزَّكَاةَ وَاجِبَةٌ فِي مَالِ الصَّبِيِّ فَيُؤَدِّي مَا عَلِمَ بِغَالِبِ الظَّنِّ أَنَّهُ فِي ذِمَّتِهِ ، فَإِنْ أَدَّاهُ لَا عَلَى وَجْهٍ يُوَافِقُ مَذْهَبَهُ بِأَنْ لَمْ يَصْرِفْ إِلَى الْأَصْنَافِ الثَّمَانِيَةِ أَوْ أَخْرَجَ الْبَدَلَ وَهُوَ عَلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فَيَقْضِي جَمِيعَ ذَلِكَ ; فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَجْزِيهِ أَصْلًا وَحِسَابُ الزَّكَاةِ وَمَعْرِفَةُ ذَلِكَ يَطُولُ وَيُحْتَاجُ فِيهِ إِلَى تَأَمُّلٍ شَافٍ وَيَلْزَمُهُ أَنْ يَسْأَلَ عَنْ كَيْفِيَّةِ الْخُرُوجِ عَنْهُ مِنَ الْعُلَمَاءِ . وَأَمَّا الْحَجُّ فَإِنْ كَانَ قَدِ اسْتَطَاعَ فِي بَعْضِ السِّنِينَ وَلَمْ يَتَّفِقْ لَهُ الْخُرُوجُ وَالْآنَ قَدْ أَفْلَسَ فَعَلَيْهِ الْخُرُوجُ فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ مَعَ الْإِفْلَاسِ فَعَلَيْهِ أَنْ يَكْتَسِبَ مِنَ الْحَلَالِ قَدْرَ الزَّادِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ كَسْبٌ وَلَا مَالٌ فَعَلَيْهِ أَنْ يَسْأَلَ النَّاسَ ; لِيُصْرَفَ إِلَيْهِ الزَّكَاةِ أَوِ الصَّدَقَاتِ مَا يَحُجُّ بِهِ فَإِنْ إِنْ مَاتَ قَبْلَ الْحَجِّ مَاتَ عَاصِيًا ; قَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ : مَنْ مَاتَ وَلَمْ يَحُجَّ ، فَلْيَمُتْ إِنْ شَاءَ يَهُودِيًّا وَإِنْ شَاءَ نَصْرَانِيًّا وَالْعَجْزُ الطَّارِئُ بَعْدَ الْقُدْرَةِ لَا يُسْقِطُ عَنْهُ الْحَجَّ فَهَذَا طَرِيقُ تَفْتِيشِهِ عَنِ الطَّاعَاتِ وَتَدَارُكِهَا . وَأَمَّا الْمَعَاصِي فَيَجِبُ أَنْ يُفَتِّشَ مِنْ أَوَّلِ بُلُوغِهِ عَنْ سَمْعِهِ وَبَصَرِهِ ، وَلِسَانِهِ ، وَبَطْنِهِ ، وَيَدِهِ ، وَرِجْلِهِ ، وَفَرْجِهِ ، وَسَائِرِ جَوَارِحِهِ ، ثُمَّ يَنْظُرَ فِي جَمِيعِ أَيَّامِهِ وَسَاعَاتِهِ ، وَيُفَصِّلَ عِنْدَ نَفْسِهِ دِيوَانَ مَعَاصِيهِ حَتَّى يَطَّلِعَ عَلَى جَمِيعِهَا صَغَائِرِهَا وَكَبَائِرِهَا ، ثُمَّ يَنْظُرَ فِيهَا ، فَمَا كَانَ مِنْ ذَلِكَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ حَيْثُ لَا يَتَعَلَّقُ بِمَظْلِمَةِ الْعِبَادِ . إتحاف السادة المتقين (الرُّكْنُ الثَّالِثُ فِي دَوَامِ التَّوْبَةِ وَشُرُوطِهَا وَدَوَامِهَا إِلَى آخِرِ الْعُمْرِ) يَذْكُرُ فِيهِ عَلَامَاتِ صِحَّةِ التَّوْبَةِ وَطَرِيقِ تَمَامِهَا وَكَمَالِهَا، وَاعْلَمْ أَنَّا (قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ التَّوْبَةَ) لَهَا أَرْكَانٌ أَرْبَعَةٌ، وَأَنَّهَا (عِبَارَةٌ عَنْ نَدَمٍ يُورِثُ عَزْمًا وَقَصْدًا، وَذَلِكَ النَّدَمُ أَوْرَثَهُ الْعِلْمَ) فَالْعِلْمُ وَالنَّدَمُ وَالْعَزْمُ وَالْقَصْدُ هِيَ أَرْكَانُهَا الْأَرْبَعَةُ الَّتِي عَلَيْهَا أَسَاسُهَا (بِكَوْنِ الْمَعَاصِي حَائِلَةً بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَحْبُوبِهِ، وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْعِلْمِ وَالنَّدَمِ وَالْعَزْمِ دَوَامٌ وَتَمَامٌ، وَلِتَمَامِهَا عَلَامَةٌ، وَلِدَوَامِهَا شُرُوطٌ، فَلَا بُدَّ مِنْ بَيَانِهَا) بِالتَّفْصِيلِ (أَمَّا) الرُّكْنُ الْأَوَّلُ الَّذِي هُوَ (الْعِلْمُ فَالنَّظَرُ فِيهِ نَظَرٌ فِي سَبَبِ التَّوْبَةِ، وَتَقْوِيَتُهُ وَكَمَالُهُ بِأَسْبَابٍ مِنْهَا مُجَالَسَةُ الصَّالِحِينَ وَالْمُذَكِّرِينَ بِاللَّهِ، وَالسُّؤَالُ عَنْ شُؤْمِ الْمَعَاصِي، وَمَا رُتِّبَ عَلَيْهَا مِنَ الْعُقُوبَاتِ الْعَاجِلَةِ، وَمُلَازِمَةُ الشَّيْخِ أَنْفَعُ مِنْ هَذَا كُلِّهِ، فَإِنَّهُ الدِّرْيَاقُ النَّافِعُ، وَسَيَأْتِي) بَيَانُ ذَلِكَ، (وَأَمَّا) الرُّكْنُ الثَّانِي الَّذِي هُوَ (النَّدَمُ فَهُوَ تَوَجُّعُ الْقَلْبِ عِنْدَ شُعُورِهِ بِفَوَاتِ الْمَحْبُوبِ) كَمَا تَقَدَّمَ فِي أَوَّلِ الْكِتَابِ، (وَعَلَامَتُهُ) أَيْ: عَلَامَةُ صِحَّتِهِ وَكَمَالِهِ (طُولُ الْحَسْرَةِ وَالْحُزْنِ) ، وَرِقَّةُ الْقَلْبِ، (وَانْسِكَابُ الدَّمْعِ، وَطُولُ الْبُكَاءِ) ، وَذُبُولُ الْبَدَنِ، وَسُكُونُ الْقَلْبِ، وَهَذَا هُوَ الْإِخْبَاتُ الْآتِي ذِكْرُهُ; لِأَنَّ حَقِيقَةَ الْإِخْبَاتِ الْإِدْمَانُ، وَالِانْقِيَادُ لِلْحَقِّ بِسُهُولَةٍ (فَمَنِ اسْتَشْعَرَ عُقُوبَةً نَازِلَةً بِوَلَدِهِ، أَوْ بَعْضِ أَعِزَّتِهِ) مِنْ أَقَارِبِهِ وَأَخِصَّائِهِ (طَالَ عَلَيْهِ مُصِيبَتُهُ، وَبُكَاؤُهُ) وَاشْتَدَّ عَلَيْهِ حُزْنُهُ وَعَنَاؤُهُ، (وَأَيُّ عَزِيزٍ أَعَزُّ عَلَيْهِ مِنْ نَفْسِهِ، وَأَيُّ عُقُوبَةٍ أَشَدُّ مِنَ النَّارِ، وَأَيُّ شَيْءٍ أَذَلُّ مِنْ نُزُولِ الْعُقُوبَةِ مِنَ الْعَاصِي، وَأَيُّ مُخْبِرٍ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَلَوْ أَخْبَرَهُ إِنْسَانٌ وَاحِدٌ يُسَمَّى طَبِيبًا أَنَّ وَلَدَهُ الْمَرِيضَ لَا يَبْرَأُ) مِنْ مَرَضِهِ، (وَأَنَّهُ سَيَمُوتُ مِنْهُ لَطَالَ فِي الْحَالِ حُزْنُهُ) ، وَعَظُمَ وَجْدُهُ (فَلَيْسَ وَلَدُهُ بِأَعَزَّ مِنْ نَفْسِهِ، وَلَا الطَّبِيبُ بِأَعْلَمَ وَلَا أَصْدَقَ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَلَا الْمَوْتُ بِأَشَدَّ مِنَ النَّارِ، وَلَا الْمَرَضُ بِأَدَلَّ عَلَى الْمَوْتِ مِنَ الْمَعَاصِي عَلَى سَخَطِ اللَّهِ تَعَالَى وَالتَّعَرُّضِ بِهَا لِلنَّارِ، فَأَلَمُ النَّدَمِ كُلَّمَا كَانَ أَشَدَّ كَانَ تَكْفِيرُ الذُّنُوبِ بِهِ أَرْجَى فَعَلَامَةُ صِحَّةِ النَّدَمِ رِقَّةُ الْقَلْبِ) ، وَذُبُولُ الْبَدَنِ، (وَغَزَارَةُ الدَّمْعِ، وَفِي الْخَبَرِ: جَالِسُوا التَّوَّابِينَ فَإِنَّهُمْ أَرَقُّ أَفْئِدَةً) هَكَذَا فِي الْقُوتِ قَالَ الْعِرَاقِيُّ: لَمْ أَجِدْهُ مَرْفُوعًا، وَهُوَ مِنْ قَوْلِ عَوْنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، رَوَاهُ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا فِي كِتَابِ التَّوْبَةِ قَالَ: جَالِسُوا التَّوَّابِينَ، فَإِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ إِلَى النَّادِمِ أَقْرَبُ، وَقَالَ أَيْضًا: وَالْمَوْعِظَةَ إِلَى قُلُوبِهِمْ أَسْرَعُ وَهُمْ إِلَى الرِّقَّةِ أَقْرَبُ، وَقَالَ أَيْضًا: التَّائِبُ أَسْرَعُ دَمْعَةً، وَأَرَقُّ قَلْبًا. انْتَهَى . قُلْتُ: سَبَقَ لِلْمُصَنِّفِ قَرِيبًا أَنَّهُ مِنْ قَوْلِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، لَكِنْ بِلَفْظِ: اجْلِسُوا إِلَى التَّوَّابِينَ، (وَمِنْ عَلَامَتِهِ) أَيْ: عَلَامَةِ صِحَّتِهِ (أَنْ تَتَمَكَّنَ مَرَارَةُ تِلْكَ الذُّنُوبِ فِي قَلْبِهِ، بَدَلًا مِنْ حَلَاوَتِهَا، فَيَتَبَدَّلُ بِالْمَيْلِ كَرَاهِيَةً، وَبِالرَّغْبَةِ نَفْرَةً) مَعَ التَّلَهُّفِ وَالتَّأَسُّفِ وَالِاحْتِرَاقِ، (وَفِي الْإِسْرَائِيلِيَّاتِ: أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى قَالَ لِبَعْضِ أَنْبِيَائِهِ: وَقَدْ سَأَلَهُ) ذَلِكَ النَّبِيُّ (قَبُولَ تَوْبَةِ عَبْدٍ بَعْدَ أَنِ اجْتَهَدَ سِنِينَ فِي الْعِبَادَةِ، فَلَمْ يَرَ قَبُولَ تَوْبَتِهِ، فَقَالَ: وَعِزَّتِي وَجَلَالِي لَوْ شَفَعَ فِيهِ أَهْلُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، مَا قَبِلْتُ تَوْبَتَهُ، وَحَلَاوَةُ ذَلِكَ الذَّنْبِ الَّذِي تَابَ مِنْهُ فِي قَلْبِهِ) نَقَلَهُ صَاحِبُ الْقُوتِ; (فَإِنْ قُلْتَ: فَالذُّنُوبُ هِيَ أَعْمَالٌ مُشْتَهَاةٌ بِالطَّبْعِ) أَيْ: إِنَّ الْإِنْسَانَ يَشْتَهِيهَا بِمُوجِبِ طَبْعِهِ الَّذِي جُبِلَ عَلَيْهِ (فَكَيْفَ يَجِدُ مَرَارَتَهَا؟) ، وَكَيْفَ يَتَمَكَّنُ مِنْ قَلْبِهِ؟ (فَأَقُولُ: مَنْ تَنَاوَلَ عَسَلًا كَانَ فِيهِ سُمٌّ وَلَمْ يُدْرِكْهُ بِالذَّوْقِ وَاسْتَلَذَّهُ، ثُمَّ مَرِضَ وَطَالَ مَرَضُهُ وَأَلَمُهُ، وَتَنَاثَرَ شَعْرُهُ، وَفَلِجَتْ أَعْضَاؤُهُ) كَمَا هِيَ خَاصِّيَّةُ مَنْ يَتَنَاوَلُ السُّمُومُاتِ، (فَإِذَا قُدِّمَ إِلَيْهِ عَسَلٌ فِيهِ مِثْلُ ذَلِكَ السُّمِّ، وَهُوَ فِي غَايَةِ الْجُوعِ وَالشَّهْوَةِ لِلْحَلَاوَةِ فَهَلْ تَنْفِرُ نَفْسُهُ عَنْ) تَنَاوُلِ (ذَلِكَ الْعَسَلِ أَمْ لَا؟ فَإِنْ قُلْتَ: لَا) تَنْفِرُ (فَهُوَ جَحْدٌ لِلْمُشَاهَدَةِ وَالضَّرُورَةِ) أَيْ: إِنْكَارٌ لَهُمَا، (بَلِ) الْحَقُّ أَنَّهُ (رُبَّمَا تَنْفِرُ عَنِ الْعَسَلِ الَّذِي لَيْسَ فِيهِ سُمٌّ أَيْضًا لِشُبْهَةٍ بِهِ، فَوِجْدَانُ النَّائِبِ مَرَارَةَ الذَّنْبِ كَذَلِكَ يَكُونُ، وَذَلِكَ لِعِلْمِهِ بِأَنَّ كُلَّ ذَنْبٍ فَذَوْقُهُ ذَوْقُ الْعَسَلِ، وَعَمَلُهُ عَمَلُ السُّمِّ، وَلَا تَصِحُّ التَّوْبَةُ وَلَا تَصْدُقُ إِلَّا بِمِثْلِ هَذَا الْإِيمَانِ، وَلَمَّا عَزَّ مِثْلُ هَذَا الْإِيمَانِ) أَيْ: نَدَرَ (عَزَّتِ التَّوْبَةُ، وَالتَّائِبُونَ) ، وَقَلَّ وُجُودُهَا وَوُجُودُ مَنْ يَتَّصِفُ بِهَا، (فَلَا تَرَى إِلَّا مُعْرِضًا عَنِ اللَّهِ تَعَالَى مُتَهَاوِنًا بِالذُّنُوبِ مُصِرًّا عَلَيْهَا، فَهَذَا شَرْطُ تَمَامِ النَّدَمِ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَدُومَ) هَذَا الشَّرْطُ (إِلَى الْمَوْتِ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَجِدَ هَذِهِ الْمَرَارَةَ فِي جَمِيعِ الذُّنُوبِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ قَدِ ارْتَكَبَهَا مِنْ قَبْلُ، كَمَا يَجِدُ مُتَنَاوِلُ السُّمِّ فِي الْعَسَلِ النَّفْرَةَ عَنْ) شُرْبِ (الْمَاءِ الْبَارِدِ، مَهْمَا عَلِمَ أَنَّ فِيهِ مِثْلَ ذَلِكَ السُّمِّ، إِذْ لَمْ يَكُنْ ضَرَرُهُ مِنَ الْعَسَلِ نَفْسِهِ، بَلْ مِمَّا فِيهِ) ، وَهُوَ السُّمُّ، (وَلَمْ يَكُنْ ضَرَرُ التَّائِبِ مِنْ سَرِقَتِهِ وَزِنَاهُ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ سَرِقَةٌ وَزِنًا، بَلْ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ مُخَالَفَةُ أَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى، وَذَلِكَ جَارٍ فِي كُلِّ ذَنْبٍ) عَلَى الْعُمُومِ، (وَأَمَّا) الرُّكْنُ الثَّانِي الَّذِي هُوَ (الْقَصْدُ) أَيِ: التَّرْكُ (الَّذِي يَنْبَعِثُ مِنْهُ، وَهُوَ إِرَادَةُ التَّدَارُكِ، فَلَهُ تَعَلُّقٌ) بِالْحَالِ وَبِالْمَاضِي وَبِالِاسْتِقْبَالِ، أَمَّا تَعَلُّقُهُ (بِالْحَالِ) أَيِ: الْحَالَةُ الرَّاهِنَةُ، (وَهُوَ مُوجِبُ تَرْكِ كُلِّ مَحْظُورٍ) شَرْعِيٍّ (هُوَ مَلَابِسٌ لَهُ) ، وَالْخُرُوجُ عَنْهُ فِي الْحَالِ، (وَأَدَاءِ كُلِّ فَرْضٍ هُوَ مُتَوَجَّهٌ عَلَيْهِ فِي الْحَالِ، وَلَهُ تَعَلُّقٌ بِالْمَاضِي، وَهُوَ تَدَارُكُ مَا فَرَطَ) مِنْهُ فِيمَا مَضَى مِنَ الزَّمَانِ، وَلَهُ تَعَلُّقٌ (بِالْمُسْتَقْبَلِ، وَهُوَ دَوَامُ الطَّاعَةِ، وَدَوَامُ تَرْكِ الْمَعْصِيَةِ إِلَى الْمَوْتِ، وَشَرْطُ صِحَّتِهَا فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالْمَاضِي أَنْ يُرَدِّدَهُ فِكْرُهُ) مِنْ سَاعَةِ تَوْبَتِهِ (إِلَى أَوَّلِ يَوْمِ) غَفْلَتِهِ مُنْذُ (بَلَغَ فِيهِ السِّنَّ أَوِ الِاحْتِلَامَ، وَيُفَتِّشُ عَلَى مَا مَضَى مِنْ) أَحْوَالِهِ فِي (عُمْرِهِ سَنَةً سَنَةً، وَشَهْرًا شَهْرًا، وَيَوْمًا يَوْمًا، وَنَفَسًا نَفَسًا، وَيَنْظُرُ إِلَى الطَّاعَاتِ مَا الَّذِي قَصَدَ فِيهِ مِنْهَا، وَإِلَى الْمَعَاصِي مَا الَّذِي فَارَقَهُ مِنْهَا) فَيُقَابِلُ كُلَّ سَيِّئَةٍ بِحَسَنَةٍ مِنْ جِنْسِهَا; (فَإِنْ كَانَ قَدْ تَرَكَ صَلَاةً) مِنَ الْخَمْسِ (أَوْ صَلَّاهَا فِي ثَوْبٍ نَجِسٍ) أَوْ بَدَنٍ نَجِسٍ، أَوْ مَكَانٍ نَجِسٍ (أَوْ صَلَّاهَا بِنِيَّةٍ غَيْرِ صَحِيحَةٍ لِجَهْلِهِ بِشَرْطِ النِّيَّةِ) عَلَى مَا ذُكِرَ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ (فَيَقْضِيهَا عَنْ آخِرِهَا، فَإِنْ شَكَّ فِي عَدَدِ مَا فَاتَهُ مِنْهَا حَسَبَ مِنْ مُدَّةِ بُلُوغِهِ، وَتَرَكَ الْقَدْرَ الَّذِي يُسْتَيْقَنُ أَنَّهُ أَدَّاهُ، وَيَقْضِي الْبَاقِيَ، وَلَهُ أَنْ يَأْخُذَ فِيهِ بِغَالِبِ الظَّنِّ الَّذِي يَصِلُ إِلَيْهِ عَلَى سَبِيلِ التَّحَرِّي وَالِاجْتِهَادِ، وَأَمَّا الصَّوْمُ فَإِنْ كَانَ قَدْ تَرَكَهُ فِي سَفَرٍ أَوْ لِمَرَضٍ) عَرَضَ لَهُ، (وَلَمْ يَقْضِهِ، أَوْ أَفْطَرَ عَمْدًا) أَيْ: مُتَعَمِّدًا، (أَوْ نَسِيَ بِاللَّيْلِ، وَلَمْ يَقْضِ) بَعْدُ (فَيَتَعَرَّفُ مَجْمُوعَ ذَلِكَ بِالتَّحَرِّي وَالِاجْتِهَادِ، وَيَشْتَغِلُ بِقَضَائِهِ) ، وَفِي نِسْيَانِ النِّيَّةِ بِاللَّيْلِ خِلَافٌ فِي مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ كَمَا تَقَدَّمَ فِي كِتَابِ الصَّوْمِ، (وَأَمَّا الزَّكَاةُ فَيَحْسُبُ جَمِيعَ مَالِهِ، وَعَدَدَ السِّنِينَ مِنْ أَوَّلِ مِلْكِهِ) لِذَلِكَ الْمَالِ (لَا مِنْ زَمَانِ الْبُلُوغِ، فَإِنَّ الزَّكَاةَ وَاجِبَةٌ فِي مَالِ الصَّبِيِّ) خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ كَمَا تَقَدَّمَ فِي كِتَابِ الزَّكَاةِ (فَيُؤَدِّي مَا عَلِمَ بِغَالِبِ الظَّنِّ أَنَّهُ فِي ذِمَّتِهِ، فَإِنْ أَدَّاهُ لَا عَلَى وَجْهٍ يُوَافِقُ مَذْهَبَهُ بِأَنْ لَمْ يَصْرِفْ إِلَى الْأَصْنَافِ الثَّمَانِيَةِ) الْمَذْكُورَةِ فِي الْقُرْآنِ، بَلْ إِلَى بَعْضِهَا كَمَا هُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ (أَوْ أَخْرَجَ الْبَدَلَ) كَمَا هُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ، (وَهُوَ عَلَى) مَذْهَبِ الْإِمَامِ (الشَّافِعِيِّ) رَحْمَةُ اللَّهِ تَعَالَى (فَيَقْضِي جَمِيعَ ذَلِكَ; فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَجْزِيهِ أَصْلًا) ، وَتَقَدَّمَ التَّفْصِيلُ فِي كُلٍّ مِنَ الْمَسْأَلَتَيْنِ فِي كِتَابِ الزَّكَاةِ، (وَحِسَابُ الزَّكَاةِ وَمَعْرِفَةُ ذَلِكَ يَطُولُ وَيُحْتَاجُ فِيهِ إِلَى تَأَمُّلٍ شَافٍ) وَاحْتِيَاطٍ وَافٍ، (وَيَلْزَمُهُ) مَعَ ذَلِكَ (أَنْ يَسْأَلَ عَنْ كَيِّفِيهِ الْخُرُوجِ عَنْهُ مِنْ) أَفْوَاهِ السَّادَةِ (الْعُلَمَاءِ) لِيَعْمَلَ بِمُوجِبِ مَا يُرْشِدُونَهُ إِلَيْهِ، (وَأَمَّا الْحَجُّ فَإِنْ كَانَ قَدِ اسْتَطَاعَ) الزَّادَ وَالرَّاحِلَةَ مَعَ أَمْنِ الطَّرِيقِ (فِي بَعْضِ السِّنِينَ) مِنْ عُمْرِهِ، (وَلَمْ يَتَّفِقْ لَهُ الْخُرُوجُ) تَهَاوُنًا وَتَكَاسُلًا وَتَسْوِيفًا، (وَالْآنَ قَدْ أَفْلَسَ) أَيْ: صَارَ عَدِيمَ الْمَالِ (فَعَلَيْهِ الْخُرُوجُ) إِلَى الْحَجِّ; (فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ مَعَ الْإِفْلَاسِ فَعَلَيْهِ أَنْ يَكْتَسِبَ مِنَ الْحَلَالِ قَدْرَ الزَّادِ) وَالرَّاحِلَةِ; (فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ كَسْبٌ وَلَا مَالٌ فَعَلَيْهِ أَنْ يَسْأَلَ النَّاسَ; لِيُصْرَفَ إِلَيْهِ مِنَ الزَّكَاةِ أَوِ الصَّدَقَاتِ مَا يَحُجُّ بِهِ) ، وَلَا يَسْقُطُ عَنْهُ الْحَجُّ; (فَإِنْ مَاتَ قَبْلَ الْحَجِّ مَاتَ عَاصِيًا; قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَنْ مَاتَ وَلَمْ يَحُجَّ، فَلْيَمُتْ إِنْ شَاءَ اللَّهُ يَهُودِيًّا وَإِنْ شَاءَ نَصْرَانِيًّا) رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ وَالدَّارَقُطْنِيُّ فِي حَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ بِلَفْظِ: مَنْ لَمْ يَمْنَعْهُ مِنَ الْحَجِّ حَاجَةٌ ظَاهِرَةٌ، أَوْ سُلْطَانٌ جَائِرٌ، أَوْ مَرَضٌ حَابِسٌ فَمَاتَ وَلَمْ يَحُجَّ فَلْيَمُتْ إِنْ شَاءَ يَهُودِيًّا، وَإِنْ شَاءَ نَصْرَانِيًّا، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي كِتَابِ الْحَجِّ، (وَالْعَجْزُ الطَّارِئُ) أَيِ: الْعَارِضُ (بَعْدَ الْقُدْرَةِ لَا يُسْقِطُ عَنْهُ الْحَجَّ) ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي كِتَابِ الْحَجِّ (فَهَذَا طَرِيقُ تَفْتِيشِهِ عَنِ الطَّاعَاتِ وَتَدَارُكِهَا، وَأَمَّا الْمَعَاصِي فَيَنْبَغِي أَنْ يُفَتِّشَ مِنْ أَوَّلِ بُلُوغِهِ) إِلَى وَقْتِ التَّوْبَةِ (عَنْ سَمْعِهِ وَبَصَرِهِ، وَلِسَانِهِ، وَبَطْنِهِ، وَيَدِهِ، وَرِجْلِهِ، وَفَرْجِهِ، وَسَائِرِ جَوَارِحِهِ، ثُمَّ يَنْظُرَ فِي جَمِيعِ أَيَّامِهِ وَسَاعَاتِهِ، وَيُفَصِّلَ عِنْدَ نَفْسِهِ دِيوَانَ مَعَاصِيهِ حَتَّى يَطَّلِعَ عَلَى جَمِيعِهَا صَغَائِرِهَا وَكَبَائِرِهَا، ثُمَّ يَنْظُرَ فِيهَا، فَمَا كَانَ مِنْ ذَلِكَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ حَيْثُ لَا يَتَعَلَّقُ بِمَظْلِمَةِ الْعِبَادِ) .

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية