الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
معلومات الكتاب

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين

مرتضى الزبيدي - محمد بن محمد الحسيني الزبيدي

جزء صفحة
إحياء علوم الدين الرُّتْبَةُ الثَّانِيَةُ رُتْبَةُ الْمُعَذَّبِينَ ، وَهَذِهِ رُتْبَةُ مَنْ تَحَلَّى بِأَصْلِ الْإِيمَانِ وَلَكِنَّ قَصْرَ فِي الْوَفَاءِ بِمُقْتَضَاهُ ، فَإِنَّ رَأْسَ الْإِيمَانِ هُوَ التَّوْحِيدُ وَهُوَ أَنْ لَا يُعْبَدَ إِلَّا اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ فَقَدِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ فَهُوَ مُوَحِّدٌ بِلِسَانِهِ لَا بِالْحَقِيقَةِ بَلْ مَعْنَى قَوْلِكَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى : قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ وَهُوَ أَنْ تَذَرَ فِي الْكُلِّيَّةِ غَيْرَ اللَّهِ وَمَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا وَلَمَّا كَانَ الصِّرَاطُ الْمُسْتَقِيمُ الَّذِي لَا يَكْمُلُ التَّوْحِيدُ إِلَّا بِالِاسْتِقَامَةِ عَلَيْهِ أَدَقُّ مِنَ الشَّعْرِ وَأَحَدُّ مِنَ السَّيْفِ ، مِثْلَ الصِّرَاطِ الْمَوْصُوفِ فِي الْآخِرَةِ فَلَا يَنْفَكُّ بَشَرٌ عَنِ مَيْلِ عَنِ الِاسْتِقَامَةِ ، وَلَوْ فِي أَمْرٍ يَسِيرٍ إِذْ لَا يَخْلُو عَنِ اتِّبَاعِ الْهَوَى ، وَلَوْ فِي فِعْلٍ قَلِيلٍ ، وَذَلِكَ قَادِحٌ فِي كَمَالِ التَّوْحِيدِ بِقَدْرِ مَيْلِهِ عَنِ الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ فَذَلِكَ يَقْتَضِي لَا مَحَالَةَ نُقْصَانًا فِي دَرَجَاتِ الْقُرْبِ ، وَمَعَ كُلِّ نُقْصَانٍ نَارَانِ نَارُ الْفِرَاقِ لِذَلِكَ الْكَمَالِ الْفَائِتِ بِالنُّقْصَانِ ، وَنَارُ جَهَنَّمَ كَمَا وَصَفَهَا الْقُرْآنُ فَيَكُونُ كُلُّ مَائِلٍ عَنِ الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ مُعَذَّبًا مَرَّتَيْنِ مِنْ وَجْهَيْنِ وَلَكِنَّ شِدَّةَ ذَلِكَ الْعَذَابِ وَخِفَّتَهُ وَتَفَاوُتَهُ بِحَسَبِ طُولِ الْمُدَّةِ ، إِنَّمَا يَكُونُ بِسَبَبِ أَمْرَيْنِ أَحَدُهُمَا قُوَّةُ الْإِيمَانِ وَضَعْفُهُ ، وَالثَّانِي كَثْرَةُ اتِّبَاعِ الْهَوَى وَقِلَّتُهُ وَإِذْ ; لَا يَخْلُو بَشَرٌ فِي غَالِبِ الْأَمْرِ عَنْ وَاحِدٍ مِنَ الْأَمْرَيْنِ ; قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا وَلِذَلِكَ قَالَ الْخَائِفُونَ مِنَ السَّلَفِ : إِنَّمَا خَوْفُنَا لِأَنَّا تَيَقَّنَّا أَنَّا عَلَى النَّارِ وَارِدُونَ وَشَكَكْنَا فِي النَّجَاةِ وَلَمَّا رَوَى الْحَسَنُ الْخَبَرَ الْوَارِدَ فِيمَنْ يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ بَعْدَ أَلْفِ عَامٍ وَأَنَّهُ يُنَادِي يَا حَنَّانُ يَا مَنَّانُ ، قَالَ الْحَسَنُ : يَا لَيْتَنِي كُنْتُ ذَلِكَ الرَّجُلَ وَاعْلَمْ أَنَّ فِي الْأَخْبَارِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ آخِرَ مَنْ يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ بَعْدَ سَبْعَةِ آلَافِ سَنَةٍ وَأَنَّ الِاخْتِلَافَ فِي الْمُدَّةِ بَيْنَ اللَّحْظَةِ وَبَيْنَ سَبْعَةِ آلَافِ سَنَةٍ حَتَّى قَدْ يَجُوزُ بَعْضُهُمْ عَلَى النَّارِ كَبَرْقٍ خَاطِفٍ ، وَلَا يَكُونُ لَهُ فِيهَا لُبْثٌ وَبَيْنَ اللَّحْظَةِ وَبَيْنَ سَبْعَةِ آلَافِ سَنَةٍ دَرَجَاتٌ مُتَفَاوِتَةٌ مِنَ الْيَوْمِ وَالْأُسْبُوعِ وَالشَّهْرِ وَسَائِرِ الْمُدَدِ وَأَنَّ الِاخْتِلَافَ بِالشِّدَّةِ لَا نِهَايَةَ لِأَعْلَاهُ ، وَأَدْنَاهُ التَّعْذِيبُ بِالْمُنَاقَشَةِ فِي الْحِسَابِ كَمَا أَنَّ الْمَلِكَ قَدْ يُعَذِّبُ بَعْضَ الْمُقَصِّرِينَ فِي الْأَعْمَالِ بِالْمُنَاقَشَةِ فِي الْحِسَابِ ثُمَّ يَعْفُو وَقَدْ يَضْرِبُ بِالسِّيَاطِ وَقَدْ يُعَذِّبُ بِنَوْعٍ آخَرَ مِنَ الْعَذَابِ ، وَيَتَطَرَّقُ إِلَى الْعَذَابِ اخْتِلَافٌ ثَالِثٌ فِي غَيْرِ الْمُدَّةِ وَالشَّدَّةِ ، وَهُوَ اخْتِلَافُ الْأَنْوَاعِ ، إِذْ لَيْسَ مَنْ يُعَذِّبُ بِمُصَادَرَةِ الْمَالِ فَقَطْ كَمَنْ يُعَذَّبُ بِأَخْذِ الْمَالِ ، وَقَتْلِ الْوَلَدِ ، وَاسْتِبَاحَةِ الْحَرِيمِ ، وَتَعْذِيبِ الْأَقَارِبِ وَالضَّرْبِ . وَقَطْعِ اللِّسَانِ وَالْيَدِ وَالْأَنْفِ وَالْأُذُنِ وَغَيْرِهِ ، فَهَذِهِ الِاخْتِلَافَاتُ ثَابِتَةٌ فِي عَذَابِ الْآخِرَةِ دَلَّ عَلَيْهَا قَوَاطِعُ الشَّرْعِ ، وَهِيَ بِحَسَبِ اخْتِلَافِ قُوَّةِ الْإِيمَانِ وَضَعْفِهِ ، وَكَثْرَةِ الطَّاعَاتِ وَقِلَّتِهَا وَكَثْرَةِ السَّيِّئَاتِ وَقِلَّتِهَا ، أَمَّا شِدَّةُ الْعَذَابِ ، فَبِشِدَّةِ قُبْحِ السَّيِّئَاتِ وَكَثْرَتِهَا ، وَأَمَّا كَثْرَتُهُ فَبِكَثْرَتِهَا وَأَمَّا اخْتِلَافُ أَنْوَاعِهِ فَبِاخْتِلَافِ أَنْوَاعِ السَّيِّئَاتِ ، وَقَدِ انْكَشَفَ هَذَا لِأَرْبَابِ الْقُلُوبِ مَعَ شَوَاهِدِ الْقُرْآنِ بِنُورِ الْإِيمَانِ ، وَهُوَ الْمَعْنِيُّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ ، وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى ، وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا وَرَدَ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ مِنْ كَوْنِ الْعِقَابِ وَالثَّوَابِ جَزَاءً عَلَى الْأَعْمَالِ وَكُلُّ ذَلِكَ بِعَدْلٍ لَا ظُلْمَ فِيهِ وَجَانِبُ الْعَفْوِ وَالرَّحْمَةِ أَرْجَحُ إِذْ قَالَ تَعَالَى : فِيمَا أَخْبَرَ عَنْهُ نَبِيُّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : سَبَقَتْ رَحْمَتِي غَضَبِي وَقَالَ تَعَالَى : وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا ، فَإِذَنْ هَذِهِ الْأُمُورُ الْكُلِّيَّةُ مِنِ ارْتِبَاطِ الدَّرَجَاتِ وَالدَّرَكَاتِ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ مَعْلُومَةٌ بِقَوَاطِعِ الشَّرْعِ وَنُورُ الْمَعْرِفَةِ فَأَمَّا التَّفْصِيلُ فَلَا يُعْرَفُ إِلَّا ظَنًّا وَمُسْتَنَدُهُ ظَوَاهِرُ الْأَخْبَارِ ، وَنَوْعُ حَدْسٍ يُسْتَمَدُّ مِنْ أَنْوَارِ الِاسْتِبْصَارِ بِعَيْنِ الِاعْتِبَارِ فَنَقُولُ : كُلُّ مَنْ أَحْكَمَ أَصْلَ الْإِيمَانِ ، وَاجْتَنَبَ جَمِيعَ الْكَبَائِرِ ، وَأَحْسَنَ جَمِيعَ الْفَرَائِضِ أَعْنِي الْأَرْكَانَ الْخَمْسَةَ وَلَمْ يَكُنْ مِنْهُ إِلَّا صَغَائِرُ مُتَفَرِّقَةٌ لَمْ يُصِرَّ عَلَيْهَا ، فَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ عَذَابُهُ الْمُنَاقَشَةَ فِي الْحِسَابِ فَقَطْ ، فَإِنَّهُ إِذَا حُوسِبَ رَجَحَتْ حَسَنَاتُهُ عَلَى سَيِّئَاتِهِ ; إِذْ وَرَدَ فِي الْأَخْبَارِ إِنَّ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَة وَالْجُمْعَةَ وَصَوْمَ رَمَضَانَ كَفَّارَاتٌ لِمَا بَيْنَهُنَّ وَكَذَلِكَ اجْتِنَابُ الْكَبَائِرِ بِحُكْمِ نَصِّ الْقُرْآنِ مُكَفِّرًا لِلصَّغَائِرِ وَأَقَلُّ دَرَجَاتِ التَّكْفِيرِ أَنْ يَدْفَعَ الْعَذَابَ إِنْ لَمْ يَدْفَعِ الْحِسَابَ ، وَكُلُّ مَنْ هَذَا حَالُهُ فَقَدْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ بَعْدَ ظُهُورِ الرُّجْحَانِ فِي الْمِيزَانِ ، وَبَعْدَ الْفَرَاغِ مِنَ الْحِسَابِ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ نَعَمِ الْتِحَاقُهُ بِأَصْحَابِ الْيَمِينِ أَوْ بِالْمُقَرَّبِينَ ، وَنُزُولُهُ فِي جَنَّات عَدْنٍ أَوْ فِي الْفِرْدَوْسِ الْأَعْلَى فَكَذَلِكَ يَتْبَعُ أَصْنَافَ الْإِيمَانِ ; لِأَنَّ الْإِيمَانَ إِيمَانَانِ : تَقْلِيدِيٌّ كَإِيمَانِ الْعَوَامِّ يُصَدِّقُونَ بِمَا يَسْتَمِعُونَ وَيَسْتَمِرُّونَ عَلَيْهِ ، وَإِيمَانٌ كَشْفِيٌّ يَحْصُلُ بِانْشِرَاحِ الصَّدْرِ بِنُورِ اللَّهِ حَتَّى يَنْكَشِفَ فِيهِ الْوُجُودُ كُلُّهُ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ فَيَتَّضِحُ أَنَّ الْكُلَّ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُهُ وَمَصِيرُهُ ; إِذْ لَيْسَ فِي الْوُجُودِ إِلَّا اللَّهُ تَعَالَى وَصِفَاتُهُ وَأَفْعَالُهُ فَهَذَا الصِّنْفُ هُمُ الْمُقَرَّبُونَ النَّازِلُونَ فِي الْفِرْدَوْسِ الْأَعْلَى ، وَهُمْ عَلَى غَايَةِ الْقُرْبِ مِنَ الْمَلَأِ الْأَعْلَى وَهُمْ أَيْضًا عَلَى أَصْنَافٍ فَمِنْهُمُ السَّابِقُونَ وَمِنْهُمْ مَنْ دُونَهُمْ وَتَفَاوُتُهُمْ بِحَسَبِ تَفَاوُتِ مَعْرِفَتِهِمْ بِاللَّهِ تَعَالَى وَدَرَجَاتُ الْعَارِفِينَ فِي الْمَعْرِفَةِ بِاللَّهِ تَعَالَى لَا تَنْحَصِرُ إِذِ الْإِحَاطَةُ بِكَلِمَةِ جَلَالِ اللَّهِ غَيْرُ مُمْكِنَةٍ وَبَحْرُ الْمَعْرِفَةِ لَيْسَ لَهُ سَاحِلٌ وَعُمْقٌ وَإِنَّمَا يَغُوصُ فِيهِ الْغَوَّاصُونَ بِقَدْرِ قُوَاهُمْ وَبِقَدْرِ مَا سَبَقَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى فِي الْأَزَلِ ، فَالطَّرِيقُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى لَا نِهَايَةَ لِمَنَازِلِهِ فَالسَّالِكُونَ سَبِيلَ ، اللَّهِ لَا نِهَايَةَ لِدَرَجَاتِهِمْ وَأَمَّا الْمُؤْمِنُ إِيمَانًا تَقْلِيدِيًّا فَمِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ ، وَدَرَجَتُهُ دُونَ دَرَجَةِ الْمُقَرَّبِينَ ، وَهُمْ أَيْضًا عَلَى دَرَجَاتٍ . فَالْأَعْلَى مِنْ دَرَجَاتِ أَصْحَابِ الْيَمِينِ تُقَارِبُ رُتْبَتُهُ رُتْبَةَ الْأَدْنَى مِنْ دَرَجَاتِ الْمُقَرَّبِينَ ، هَذَا حَالُ مَنِ اجْتَنَبَ كُلَّ الْكَبَائِرِ ، وَأَدَّى الْفَرَائِضَ كُلَّهَا أَعْنِي الْأَرْكَانَ الْخَمْسَةَ الَّتِي هِيَ النُّطْقُ بِكَلِمَةِ الشَّهَادَةِ بِاللِّسَانِ ، وَالصَّلَاةُ ، وَالزَّكَاةُ ، وَالصَّوْمُ ، وَالْحَجُّ فَأَمَّا مَنِ ارْتَكَبَ كَبِيرَةً أَوْ كَبَائِرَ أَوْ أَهْمَلَ بَعْضَ أَرْكَانِ الْإِسْلَامِ فَإِنْ تَابَ تَوْبَةً نَصُوحًا قَبْلَ قُرْبِ الْأَجَلِ الْتَحَقَ بِمَنْ لَمْ يَرْتَكِبْ ذَنْبًا; لِأَنَّ التَّائِبَ مِنَ الذَّنْبِ كَمَنْ لَا ذَنْبَ لَهُ وَالثَّوْبُ الْمَغْسُولُ كَالَّذِي لَمْ يَتَوَسَّخْ أَصْلًا ، وَإِنْ مَاتَ قَبْلَ التَّوْبَةِ فَهَذَا أَمْرٌ مُخْطِرٌ عِنْدَ الْمَوْتِ إِذْ رُبَّمَا يَكُونُ مَوْتُهُ عَلَى الْإِصْرَارِ سَبَبًا لِتَزَلْزُلِ إِيمَانِهِ فَيُخْتَمُ لَهُ بِسُوءِ الْخَاتِمَةِ لَا سِيَّمَا إِذَا كَانَ إِيمَانُهُ تَقْلِيدِيًّا . فَإِنَّ التَّقْلِيدَ وَإِنْ كَانَ جَزْمًا فَهُوَ قَابِلٌ لِلِانْحِلَالِ بِأَدْنَى شَكٍّ وَخَيَالٍ ، وَالْعَارِفُ الْبَصِيرُ أَبْعَدُ أَنْ يُخَافَ عَلَيْهِ سُوءُ الْخَاتِمَةِ ، وَكِلَاهُمَا إِنْ مَاتَا عَلَى الْإِيمَانِ يُعَذَّبَانِ إِلَّا أَنْ يَعْفُوَ اللَّهُ عَذَابًا يَزِيدُ عَلَى عَذَابِ الْمُنَاقَشَةِ فِي الْحِسَابِ ، وَتَكُونُ كَثْرَةُ الْعِقَابِ مِنْ حَيْثُ الْمُدَّةُ بِحَسَبِ كَثْرَةِ مُدَّةِ الْإِصْرَارِ ، وَمِنْ حَيْثُ الشِّدَّةُ بِحَسَبِ قُبْحِ الْكَبَائِرِ ، وَمِنْ حَيْثُ اخْتِلَافُ النَّوْعِ بِحَسَبِ اخْتِلَافِ أَصْنَافِ السَّيِّئَاتِ ، وَعِنْدَ انْقِضَاءِ مُدَّةِ الْعَذَابِ يَنْزِلُ الْبُلْهُ الْمُقَلِّدُونَ فِي دَرَجَاتِ أَصْحَابِ الْيَمِينِ ، وَالْعَارِفُونَ الْمُسْتَبْصِرُونَ فِي أَعْلَى عِلِّيِّينَ فَفِي الْخَبَرِ : آخِرُ مَنْ يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ يُعْطَى مِثْلَ الدُّنْيَا كُلِّهَا عَشَرَةَ أَضْعَافٍ فَلَا تَظُنُّ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ تَقْدِيرُهُ بِالْمِسَاحَةِ لِأَطْرَافِ الْأَجْسَامِ كَانَ يُقَابَلَ فَرْسَخٌ بِفَرْسَخَيْنِ ، أَوْ عَشَرَةُ بِعِشْرِينَ فَإِنَّ هَذَا جَهْلٌ بِطَرِيقِ ضَرْبِ الْأَمْثَالِ ، بَلْ هَذَا كَقَوْلِ الْقَائِلِ : أَخَذَ مِنْهُ جَمَلًا وَأَعْطَاهُ عَشَرَةَ أَمْثَالِهِ ، وَكَانَ الْجَمَلُ يُسَاوِي عَشَرَةَ دَنَانِيرَ فَأَعْطَاهُ مِائَةَ دِينَارٍ فَإِنْ لَمْ يُفْهَمْ مِنَ الْمِثْلِ إِلَّا الْمِثْلُ فِي الْوَزْنِ وَالثِّقْلِ فَلَا تَكُونُ مِائَةُ دِينَارٍ لَوْ ; وُضِعَتْ فِي كِفَّةِ الْمِيزَانِ وَالْجَمَلُ ، فِي الْكِفَّةِ الْأُخْرَى عُشْرَ عُشَيْرِهِ ، بَلْ هُوَ مُوَازَنَةُ مَعَانِي الْأَجْسَامِ وَأَرْوَاحُهَا دُونَ أَشْخَاصِهَا وَهَيَاكِلِهَا فَإِنَّ الْجَمَلَ لَا يُقْصَدُ لِثِقَلِهِ وَطُولِهِ وَعَرْضِهِ وَمِسَاحَتِهِ بَلْ لِمَالِيَّتِهِ فَرُوحُهُ الْمَالِيَّةُ ، وَجِسْمُهُ اللَّحْمُ ، وَالدَّمُ وَمِائَةُ دِينَارٍ عَشَرَةُ أَمْثَالِهِ بِالْمُوَازَنَةِ الرُّوحَانِيَّةِ لَا بِالْمُوَازَنَةِ الْجُسْمَانِيَّةِ ، وَهَذَا صَادِقٌ عِنْدَ مَنْ يَعْرِفُ رُوحَ الْمَالِيَّةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ ، بَلْ لَوْ أَعْطَاهُ جَوْهَرَةً وَزْنُهَا مِثْقَالٌ وَقِيمَتُهَا مِائَةُ دِينَارٍ ، وَقَالَ أَعْطَيْتُهُ عَشَرَةَ أَمْثَالِهِ كَانَ صَادِقًا ، وَلَكِنْ لَا يُدْرِكُ صِدْقَهُ إِلَّا الْجَوْهَرِيُّونَ فَإِنَّ رُوحَ الْجَوْهَرِيَّةِ لَا تُدْرِكُ بِمُجَرَّدِ الْبَصَرِ ، بَلْ بِفَطِنَةٍ أُخْرَى وَرَاءَ الْبَصَرِ فَلِذَلِكَ يُكَذِّبُ بِهِ الصَّبِيُّ بَلِ الْقَرَوِيُّ وَالْبَدَوِيُّ وَيَقُولُ مَا هَذِهِ الْجَوْهَرَةُ إِلَّا حَجَرٌ وَزْنُهُ مِثْقَالٌ ، وَوَزْنُ الْجَمَلِ أَلْفُ أَلْفِ مِثْقَالٍ فَقَدْ كَذَبَ فِي قَوْلِهِ : إِنِّي أَعْطَيْتُهُ عَشَرَةَ أَمْثَالِهِ ، وَالْكَاذِبُ بِالتَّحْقِيقِ هُوَ الصَّبِيُّ ، وَلَكِنْ لَا سَبِيلَ إِلَى تَحْقِيقِ ذَلِكَ عِنْدَهُ إِلَّا بِأَنْ يَنْتَظِرَ بِهِ الْبُلُوغَ وَالْكَمَالَ وَأَنْ يَحْصُلْ فِي قَلْبِهِ النُّورُ الَّذِي يُدْرِكُ بِهِ أَرْوَاحَ الْجَوَاهِرِ وَسَائِرَ الْأَمْوَالِ فَعِنْدَ ذَلِكَ يَنْكَشِفُ لَهُ الصِّدْقُ وَالْعَارِفُ عَاجِزٌ عَنْ تَفْهِيمِ الْمُقَلِّدِ الْقَاصِرِ صَدَقَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي هَذِهِ الْمُوَازَنَةِ إِذْ يَقُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْجَنَّةُ فِي السَّمَوَاتِ كَمَا وَرَدَ فِي الْأَخْبَارِ وَالسَّمَوَاتِ مِنَ الدُّنْيَا ، فَكَيْفَ يَكُونُ عَشَرَةُ أَمْثَالِ الدُّنْيَا فِي الدُّنْيَا ، وَهَذَا كَمَا يَعْجِزُ الْبَالِغُ عَنْ تَفْهِيمِ الصَّبِيِّ تِلْكَ الْمُوَازَنَةَ ، وَكَذَلِكَ تَفْهِيمُ الْبَدَوِيِّ وَكَمَا أَنَّ الْجَوْهَرِيَّ مَرْحُومٌ إِذَا بُلِيَ بِالْبَدَوِيِّ وَالْقَرَوِيِّ فِي تَفْهِيمِ تِلْكَ الْمُوَازَنَةِ ، فَالْعَارِفُ مَرْحُومٌ إِذْ يلى بِالْبَلِيدِ الْأُبُلَّة فِي تَفْهِيمِ هَذِهِ الْمُوَازَنَةِ ; وَلِذَلِكَ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : « ارْحَمُوا ثَلَاثَةً : عَالِمًا بَيْنَ الْجُهَّالِ ، وَغَنِيَّ قَوْمٍ افْتَقَرَ ، وَعَزِيزَ قَوْمٍ ذُلَّ » وَالْأَنْبِيَاءُ مَرْحُومُونَ بَيْنَ الْأُمَّةِ بِهَذَا السَّبَبِ ، وَمُقَاسَاتُهُمْ لِقُصُورِ عُقُولِ الْأُمَّةِ فِتْنَةٌ لَهُمْ وَامْتِحَانٌ وَابْتِلَاءٌ مِنَ اللَّهِ وَبَلَاءٌ مُوَكَّلٌ بِهِمْ سَبَقَ بِتَوْكِيلِهِ الْقَضَاءُ الْأَزَلِيُّ ، وَهُوَ الْمَعْنَى بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : « الْبَلَاءُ مُوَكَّلٌ بِالْأَنْبِيَاءِ ، ثُمَّ الْأَوْلِيَاءِ ، ثُمَّ الْأَمْثَلِ فَالْأَمْثَلِ » فَلَا تَظْنُنَّ أَنَّ الْبَلَاءَ بَلَاءُ أَيُّوبَ عَلَيْهِ السَّلَامُ ، وَهُوَ الَّذِي يَنْزِلُ بِالْبَدَنِ فَإِنَّ بَلَاءَ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَيْضًا مِنَ الْبَلَاءِ الْعَظِيمِ إِذْ بُلِيَ بِجَمَاعَةٍ كَانَ لَا يَزِيدُهُمْ دُعَاؤُهُ إِلَى اللَّهِ إِلَّا فِرَارًا وَلِذَلِكَ لَمَّا تَأَذَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِكَلَامِ بَعْضِ النَّاسِ قَالَ : رَحِمَ اللَّهُ أَخِي مُوسَى لَقَدِ أُوذِيَ بِأَكْثَرَ مِنْ هَذَا فَصَبَرَ . فَإِذَنْ لَا تَخْلُو الْأَنْبِيَاءُ عَنِ الِابْتِلَاءِ بِالْجَاحِدِينَ وَلَا تَخْلُو الْأَوْلِيَاءُ وَالْعُلَمَاءُ عَنِ الِابْتِلَاءِ بِالْجَاهِلِينَ ، وَلِذَلِكَ قَلَّمَا يَنْفَكُّ الْأَوْلِيَاءُ عَنْ ضُرُوبٍ مِنَ الْإِيذَاءِ وَأَنْوَاعِ الْبَلَاءِ بِالْإِخْرَاجِ مِنَ الْبِلَادِ وَالسِّعَايَةِ بِهِمْ إِلَى السَّلَاطِينِ وَالشَّهَادَةِ عَلَيْهِمْ بِالْكُفْرِ وَالْخُرُوجِ عَنِ الدِّينِ وَوَاجِبٌ أَنْ يَكُونَ أَهْلُ الْمَعْرِفَةِ عِنْدَ أَهْلِ الْجَهْلِ مِنَ الْكَافِرِينَ كَمَا يَجِبُ أَنْ يَكُونَ الْمُعْتَاضُ عَنِ الْجَمَلِ الْكَبِيرِ جَوْهَرَةً صَغِيرَةً عِنْدَ الْجَاهِلِينَ مِنَ الْمُبَذِّرِينَ الْمُضَيِّعِينَ فَإِذَا عَرَفْتَ هَذِهِ الدَّقَائِقَ فَآمِنْ بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَنَّهُ يُعْطَى آخِرُ مَنْ يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ مِثْلَ الدُّنْيَا عَشْرَ مَرَّاتٍ وَإِيَّاكَ أَنْ تَقْتَصِرُ بِتَصْدِيقِكَ عَلَى مَا يُدْرِكُهُ الْبَصَرُ وَالْحَوَاسُّ فَقَطْ فَتَكُونُ حِمَارًا بِرِجْلَيْنِ ; لِأَنَّ الْحِمَارَ يُشَارِكُكَ فِي الْحَوَاسِّ الْخَمْسِ وَإِنَّمَا أَنْتَ مُفَارِقٌ لِلْحِمَارِ بِسِرٍّ إِلَهِيٍّ عُرِضَ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهُ وَأَشْفَقْنَ مِنْهُ فَإِدْرَاكُ مَا يَخْرُجُ عَنْ عَالِمِ الْحَوَّاسِ الْخَمْسِ لَا يُصَادَفُ إِلَّا فِي عَالَمِ ذَلِكَ السِّرِّ الَّذِي فَارَقْتَ بِهِ الْحِمَارَ وَسَائِرَ الْبَهَائِمِ فَمَنْ ذَهَلَ عَنْ ذَلِكَ وَعَطَّلَهُ وَأَهْمَلَهُ ، وَقَنِعَ بِدَرَجَةِ الْبَهَائِمِ ، وَلَمْ يُجَاوِزِ الْمَحْسُوسَاتِ فَهُوَ الَّذِي أَهْلَكَ نَفْسَهُ بِتَعْطِيلِهَا وَنَسْيِهَا بِالْإِعْرَاضِ عَنْهَا وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ فَكُلُّ مَنْ لَمْ يَعْرِفْ إِلَّا الْمُدْرَكَ بِالْحَوَاسِّ فَقَدْ نَسِيَ اللَّهَ إِذْ لَيْسَ ذَاتُ اللَّهِ مُدْرَكًا فِي هَذَا الْعَالَمِ بِالْحَوَاسِّ الْخَمْسِ ، وَكُلُّ مَنْ نَسِيَ اللَّهَ أَنْسَاهُ اللَّهُ لَا مَحَالَةَ نَفْسَهُ ، وَنَزَلَ إِلَى رُتْبَةِ الْبَهَائِمِ وَتَرَكَ التَّرَقِّيَ إِلَى الْأُفُقِ الْأَعْلَى ، وَخَانَ فِي الْأَمَانَةِ الَّتِي أَوْدَعَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَأَنْعَمَ عَلَيْهِ كَافِرًا لِأَنْعُمِهِ ، وَمُتَعَرِّضًا لِنِقْمَتِهِ إِلَّا أَنَّهُ أَسْوَأُ حَالًا مِنَ الْبَهِيمَةِ فَإِنَّ الْبَهِيمَةَ تَتَخَلَّصُ بِالْمَوْتِ وَأَمَّا هَذَا فَعِنْدَهُ أَمَانَةٌ سَتَرْجِعُ لَا مَحَالَةَ إِلَى مُودِعِهَا فَإِلَيْهِ مَرْجِعُ الْأَمَانَةِ ، وَمَصِيرُهَا وَتِلْكَ الْأَمَانَةُ كَالشَّمْسِ الزَّاهِرَةِ وَإِنَّمَا هَبَطَتْ إِلَى هَذِهِ الْقَالَبِ الْفَانِي وَغَرَبَتْ فِيهِ وَسَتَطْلُعُ هَذِهِ الشَّمْسُ عِنْدَ خَرَابِ هَذَا الْقَالَبِ مِنْ مَغْرِبِهَا ، وَتَعُودُ إِلَى بَارِئِهَا وَخَالِقِهَا ، إِمَّا مُظْلِمَةً مُنْكَسِفَةً ، وَإِمَّا زَاهِرَةً مُشْرِقَةً ، وَالزَّاهِرَةُ الْمُشْرِقَةُ غَيْرُ مَحْجُوبَةٍ عَنِ حَضْرَةِ الرُّبُوبِيَّةِ وَالْمَظْلَمَةُ ، أَيْضًا رَاجِعَةٌ إِلَى الْحَضْرَةِ إِذِ الْمَرْجِعُ وَالْمَصِيرُ لِلْكُلِّ إِلَيْهِ إِلَّا أَنَّهَا نَاكِسَةٌ رَأْسُهَا عَنْ جِهَةِ أَعْلَى عِلِّيِّينَ إِلَى جِهَةِ أَسْفَلِ سَافِلِينَ ، وَلِذَلِكَ قَالَ تَعَالَى : وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ فَبَيَّنَ أَنَّهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِلَّا أَنَّهُمْ مَنْكُوسُونَ قَدِ انْقَلَبَتْ وُجُوهُهُمْ إِلَى أَقْفِيَتِهِمْ وَانْتَكَسَتْ رُءُوسُهُمْ عَنْ جِهَةِ فَوْقٍ إِلَى جِهَةِ أَسْفَلَ ، وَذَلِكَ حُكْمُ اللَّهِ فِيمَنْ حَرَمَهُ تَوْفِيقَهُ وَلَمْ يَهْدِهِ طَرِيقَهُ فَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الضَّلَالِ وَالنُّزُولِ إِلَى مَنَازِلِ الْجُهَّالِ ، فَهَذَا حُكْمُ انْقِسَامِ مَنْ يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ وَيُعْطَى مِثْلَ عَشَرَةٍ أَمْثَالِ الدُّنْيَا أَوْ أَكْثَرَ ، وَلَا يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ إِلَّا مُوَحِّدٌ ، وَلَسْتُ أَعْنِي بِالتَّوْحِيدِ أَنْ : يَقُولَ بِلِسَانِهِ : لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ، فَإِنَّ اللِّسَانَ مِنْ عَالَمِ الْمُلْكِ وَالشَّهَادَةِ فَلَا يَنْفَعُ إِلَّا فِي عَالَمِ الْمُلْكِ فَيُدْفَعُ السَّيْفُ عَنْ رَقَبَتِهِ وَأَيْدِي الْغَانِمِينَ عَنْ مَالِهِ وَمُدَّةُ الرَّقَبَةِ وَالْمَالِ مُدَّةُ الْحَيَاةِ فَحَيْثُ لَا تَبْقَى رَقَبَةٌ وَلَا مَالٌ لَا يَنْفَعُ الْقَوْلُ بِاللِّسَانِ ، وَإِنَّمَا يَنْفَعُ الصِّدْقُ فِي التَّوْحِيدِ ، وَكَمَالُ التَّوْحِيدِ أَنْ لَا يَرَى الْأُمُورَ كُلَّهَا إِلَّا مِنَ اللَّهِ وَعَلَامَتُهُ أَنْ لَا يَغْضَبَ عَلَى أَحَدٍ مِنَ الْخَلْقِ بِمَا يَجْرِي عَلَيْهِ إِذْ لَا يَرَى الْوَسَائِطَ وَإِنَّمَا يَرَى مُسَبِّبَ الْأَسْبَابِ كَمَا سَيَأْتِي تَحْقِيقُهُ فِي التَّوَكُّلِ وَهَذَا التَّوْحِيدُ مُتَفَاوِتٌ فَمِنَ النَّاسِ مَنْ لَهُ مِنَ التَّوْحِيدِ مِثْلُ الْجِبَالِ وَمِنْهُمْ مَنْ لَهُ مِثْقَالٌ وَمِنْهُمْ مَنْ لَهُ مِقْدَارُ خَرْدَلَةٍ وَذَرَّةٍ فَمَنْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ دِينَارٍ مِنْ إِيمَانٍ فَهُوَ أَوَّلُ مَنْ يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ ، وَفِي الْخَبَرِ يُقَالُ : أَخْرِجُوا مِنَ النَّارِ مَنْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ دِينَارٍ مِنْ إِيمَانٍ وَآخَرَ مَنْ يَخْرُجُ مَنْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ إِيمَانٍ وَمَا بَيْنَ الْمِثْقَالِ وَالذَّرَّةِ عَلَى قَدْرِ تَفَاوُتِ دَرَجَاتِهِمْ يَخْرُجُونَ بَيْنَ طَبَقَةِ الْمِثْقَالِ وَبَيْنَ طَبَقَةِ الذَّرَّةِ وَالْمُوَازَنَةُ بِالْمِثْقَالِ وَالذَّرَّةِ عَلَى سَبِيلِ ضَرْبِ الْمَثَلِ كَمَا ذَكَرْنَا فِي الْمُوَازَنَةِ بَيْنَ أَعْيَانِ الْأَمْوَالِ وَبَيْنَ النُّقُودِ ، وَأَكْثَرُ مَا يُدْخِلُ الْمُوَحِّدِينَ النَّارَ مَظَالِمُ الْعِبَادِ فَدِيوَانُ الْعِبَادِ هُوَ الدِّيوَانُ الَّذِي لَا يَتْرُكُ فَأَمَّا بَقِيَّةُ السَّيِّئَاتِ فَيَتَسَارَعُ الْعَفْوُ وَالتَّكْفِيرُ إِلَيْهَا . فَفِي الْأَثَرِ إِنَّ الْعَبْدَ لَيُوقَفُ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ تَعَالَى وَلَهُ مِنَ الْحَسَنَاتِ أَمْثَالُ الْجِبَالِ لَوْ سَلِمَتْ لَهُ لَكَانَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ ، فَيَقُومُ أَصْحَابُ الْمَظَالِمِ فَيَكُونُ قَدْ سَبَّ عِرْضَ هَذَا وَأَخَذَ مَالَ هَذَا وَضَرَبَ هَذَا فَيُقْضَى مِنْ حَسَنَاتِهِ حَتَّى لَا تَبْقَى لَهُ حَسَنَةٌ ، فَتَقُولُ الْمَلَائِكَةُ : يَا رَبَّنَا هَذَا قَدْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ ، وَبَقِيَ طَالِبُونَ كَثِيرٌ ، فَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى أَلْقُوا مِنْ سَيِّئَاتِهِمْ عَلَى سَيِّئَاتِهِ ، وَصُكُّوا لَهُ صَكًّا إِلَى النَّارِ وَكَمَا يَهْلَكُ هُوَ بِسَيِّئَةِ غَيْرِهِ بِطَرِيقِ الْقِصَاصِ ، فَكَذَلِكَ يَنْجُو الْمَظْلُومُ بِحَسَنَةِ الظَّالِمِ ، إِذْ يَنْقُلُ إِلَيْهِ عِوَضًا عَمَّا ظُلِمَ بِهِ وَقَدْ حُكِيَ عَنِ ابْنِ الْجَلَّاءِ أَنَّ بَعْضَ إِخْوَانِهِ اغْتَابَهُ ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَيْهِ يَسْتَحِلُّهُ فَقَالَ : لَا أَفْعَلُ لَيْسَ فِي صَحِيفَتِي حَسَنَةٌ أَفْضَلُ مِنْهَا فَكَيْفَ أَمْحُوهَا وَقَالَ هُوَ وَغَيْرُهُ : ذُنُوبُ إِخْوَانِي مِنْ حَسَنَاتِي أُرِيدُ أَنْ أُزَيِّنَ بِهَا صَحِيفَتِي فَهَذَا مَا أَرَدْنَا أَنْ نَذْكُرَهُ مِنِ اخْتِلَافِ الْعِبَادِ فِي الْمَعَادِ فِي دَرَجَاتِ السَّعَادَةِ وَالشَّقَاوَةِ ، وَكُلُّ ذَلِكَ حُكْمٌ بِظَاهِرِ أَسْبَابٍ يُضَاهِي حُكْمَ الطَّبِيبِ عَلَى مَرِيضٍ بِأَنَّهُ يَمُوتُ لَا مَحَالَةَ ، وَلَا يَقْبَلُ الْعِلَاجَ وَعَلَى مَرِيضٍ آخَرَ بِأَنَّ عَارِضَهُ خَفِيفٌ ، وَعِلَاجَهُ هَيِّنٌ فَإِنَّ ذَلِكَ ظَنٌّ يُصِيبُ فِي أَكْثَرِ الْأَحْوَالِ وَلَكِنْ قَدْ تَثُوبُ إِلَى الْمُشْرِفِ عَلَى الْهَلَاكِ نَفْسُهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُ الطَّبِيبُ ، وَقَدْ يُسَاقُ إِلَى ذِي الْعَارِضِ الْخَفِيفِ أَجَلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ ، وَذَلِكَ مِنْ أَسْرَارِ اللَّهِ تَعَالَى الْخَفِيَّةِ فِي أَرْوَاحِ الْأَحْيَاءِ وَغُمُوضِ الْأَسْبَابِ الَّتِي رَتَّبَهَا مُسَبِّبُ الْأَسْبَابِ بِقَدْرٍ مَعْلُومٍ إِذْ لَيْسَ فِي قُوَّةِ الْبَشَرِ الْوُقُوفُ عَلَى كُنْهِهَا فَكَذَلِكَ النَّجَاةُ وَالْفَوْزُ فِي الْآخِرَةِ لَهُمَا أَسْبَابٌ خَفِيَّةٌ لَيْسَ فِي قُوَّةِ الْبَشَرِ الِاطِّلَاعُ عَلَيْهَا ، يُعَبَّرُ عَنْ ذَلِكَ السَّبَبِ الْخَفِيِّ الْمُفْضِي إِلَى النَّجَاةِ بِالْعَفْوِ وَالرِّضَا عَمَّا ، يُفْضِي إِلَى الْهَلَاكِ بِالْغَضَبِ وَالِانْتِقَامِ ، وَوَرَاءَ ذَلِكَ سِرُّ الْمَشِيئَةِ الْإِلَهِيَّةِ الْأَزَلِيَّةِ الَّتِي لَا يَطَّلِعُ الْخَلْقُ عَلَيْهَا فَلِذَلِكَ يَجِبُ عَلَيْنَا أَنْ نُجَوِّزَ الْعَفْوَ عَنِ الْمَعَاصِي ، وَإِنْ كَثُرَتْ سَيِّئَاتُهُ الظَّاهِرَةُ وَالْغَضَبَ عَلَى الْمُطِيعِ ، وَإِنْ كَثُرَتْ طَاعَاتُهُ الظَّاهِرَةُ ، فَإِنَّ الِاعْتِمَادَ عَلَى التَّقْوَى وَالتَّقْوَى فِي الْقَلْبِ ، وَهُوَ أَغْمَضُ مِنْ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِ صَاحِبُهُ فَكَيْفَ غَيْرُهُ ، وَلَكِنْ قَدِ انْكَشَفَ لِأَرْبَابِ الْقُلُوبِ أَنَّهُ لَا عَفْوَ عَنْ عَبْدٍ إِلَّا بِسَبَبٍ خَفِيٍّ فِيهِ يَقْتَضِي الْعَفْوَ وَلَا غَضَبَ إِلَّا بِسَبَبٍ بَاطِنٍ يَقْتَضِي الْبُعْدَ عَنِ اللَّهِ تَعَالَى ، وَلَوْلَا ذَلِكَ لَمْ يَكُنِ الْعَفْوُ وَالْغَضَبُ جَزَاءً عَلَى الْأَعْمَالِ وَالْأَوْصَافِ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ جَزَاءً لَمْ يَكُنْ عَدْلًا ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ عَدْلًا لَمْ يَصِحَّ قَوْلُهُ تَعَالَى : وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ ، وَلَا قَوْلُهُ تَعَالَى : إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ ، وَكُلُّ ذَلِكَ صَحِيحٌ فَلَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى ، وَسَعْيُهُ هُوَ الَّذِي يُرَى وَ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَلَمَّا غَيَّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ غَيَّرَ اللَّهُ مَا بِهِمْ تَحْقِيقًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى : إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ ، وَهَذَا كُلُّهُ قَدِ انْكَشَفَ لِأَرْبَابِ الْقُلُوبِ انْكِشَافًا أَوْضَحَ مِنَ الْمُشَاهَدَةِ بِالْبَصَرِ ، إِذِ لِلْبَصَرِ يُمْكِنُ الْغَلَطُ فِيهِ ; إِذْ قَدْ يَرَى الْبَعِيدَ قَرِيبًا وَالْكَبِيرَ صَغِيرًا وَمُشَاهَدَةُ الْقَلْبِ لَا يُمْكِنُ الْغَلَطُ فِيهَا وَإِنَّمَا الشَّأْنُ فِي انْفِتَاحِ بَصِيرَةِ الْقَلْبِ ، وَإِلَّا فَمَا يَرَى بِهَا بَعْدَ الِانْفِتَاحِ فَلَا يُتَصَوَّرُ فِيهِ الْكَذِبُ وَإِلَيْهِ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى . إتحاف السادة المتقين (الرُّتْبَةُ الثَّانِيَةُ رُتْبَةُ الْمُعَذَّبِينَ، وَهَذِهِ رُتْبَةُ مَنْ تَحَلَّى بِأَصْلِ الْإِيمَانِ) بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ، (وَلَكِنَّ قَصْرَ الْوَفَاءِ بِمُقْتَضَاهُ، فَإِنَّ رَأْسَ الْإِيمَانِ هُوَ التَّوْحِيدُ) أَيْ: هُوَ بِمَنْزِلَةِ الرَّأْسِ مِنَ الْجَسَدِ، (وَهُوَ أَنْ لَا يُعْبَدَ إِلَّا اللَّهُ) وَحْدَهُ (وَمَنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ فَقَدِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ) فَمَعْبُودُهُ هَوَاهُ، وَلَمْ يُكْمِلْ تَوْحِيدَهُ (فَهُوَ مُوَحِّدٌ بِلِسَانِهِ) فَقَطْ (لَا بِالْحَقِيقَةِ) إِذْ حَقِيقَةُ التَّوْحِيدِ أَنْ لَا يُشَارِكَ فِي تَوْحِيدِهِ (بَلْ مَعْنَى قَوْلِكَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ) بِعَيْنِهِ (مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى: قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ ) فَقَدْ أُمِرَ بِالتَّوْحِيدِ الْخَالِصِ، وَأَنْ يَتْرُكَهُمْ فِيمَا يَخُوضُونَ، (وَهُوَ أَنْ تَذَرَ بِالْكُلِّيَّةِ غَيْرَ اللَّهِ) فَلَا يَكُونُ لِلْغَيْرِ إِلَى قَلْبِهِ سَبِيلٌ، (وَ) أَيْضًا (مَعْنَى قَوْلِهِ) تَعَالَى: ( إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا ) أَيْ: عَلَى هَذَا الْقَوْلِ، (وَلَمَّا كَانَ الصِّرَاطُ الْمُسْتَقِيمُ) الْمُشَارُ إِلَيْهِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (الَّذِي لَا يَكْمُلُ التَّوْحِيدُ إِلَّا بِالِاسْتِقَامَةِ عَلَيْهِ) ، وَمِنْ هُنَا أَشَارَ بَعْضُ الْعَارِفِينَ أَنَّ الْمُرَادَ هُنَا وَحْدَةُ الْوُجُودِ (أَدَقُّ مِنَ الشَّعْرِ وَأَحَدُّ مِنَ السَّيْفِ، مِثْلَ الصِّرَاطِ الْمَوْصُوفِ فِي الْآخِرَةِ) بِهَذَا الْوَصْفِ (فَلَا يَنْفَكُّ بَشَرٌ عَنِ الْمَيْلِ عَنِ الِاسْتِقَامَةِ، وَلَوْ فِي أَثَرٍ يَسِيرٍ) أَيْ: قَلِيلٍ تَافِهٍ (إِذْ لَا يَخْلُو عَنِ اتِّبَاعِ الْهَوَى، وَلَوْ فِي فِعْلٍ قَلِيلٍ، وَذَلِكَ قَادِحٌ فِي كَمَالِ التَّوْحِيدِ بِقَدْرِ مَيْلِهِ عَنِ الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ فَذَلِكَ يَقْتَضِي لَا مَحَالَةَ نُقْصَانًا فِي دَرَجَاتِ الْقُرْبِ، وَمَعَ كُلِّ نُقْصَانٍ نَارَانِ نَارُ الْفِرَاقِ لِذَلِكَ الْكَمَالِ الْفَائِتِ بِالنُّقْصَانِ، وَنَارُ جَهَنَّمَ كَمَا وَصَفَهَا الْقُرْآنُ) فِي آيٍ مُتَعَدِّدَةٍ (فَيَكُونُ كُلُّ مَائِلٍ عَنِ الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ مُعَذَّبًا مَرَّتَيْنِ) مَرَّةً فِي الدُّنْيَا، وَمَرَّةً فِي الْآخِرَةِ (مِنْ وَجْهَيْنِ) مُخْتَلِفَيْنِ، (وَلَكِنَّ شِدَّةَ ذَلِكَ الْعَذَابِ وَخِفَّتَهُ وَتَفَاوُتَهُ بِحَسَبِ طُولِ الْمُدَّةِ، إِنَّمَا يَكُونُ بِسَبَبِ أَمْرَيْنِ أَحَدُهُمَا قُوَّةُ الْإِيمَانِ وَضَعْفُهُ، وَالثَّانِي كَثْرَةُ اتِّبَاعِ الْهَوَى وَقِلَّتُهُ; إِذْ لَا يَخْلُو بَشَرٌ فِي غَالِبِ الْأَمْرِ) وَالْأَحْوَالِ (عَنْ وَاحِدٍ مِنَ الْأَمْرَيْنِ; قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَإِنْ مِنْكُمْ ) مِنْ أَحَدٍ ( إِلَّا وَارِدُهَا ) أَيْ: إِلَّا وَاصِلُهَا وَحَاضِرُهَا يَعْنِي جَهَنَّمَ (الْآيَتَيْنِ) ، وَهُمَا ( كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا ) فَيَمُرُّ بِهَا الْمُؤْمِنُ وَهِيَ خَامِدَةٌ، وَفِي الْخَبَرِ: إِذَا دَخَلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ قَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: أَلَيْسَ قَدْ وَعَدَنَا رَبُّنَا أَنْ نَرِدَ النَّارَ، فَيُقَالُ لَهُمْ: قَدْ وَرَدْتُمُوهَا، وَهِيَ خَامِدَةٌ، قِيلَ: الْمُرَادُ بِوُرُودِهَا الْجَوَازُ عَلَى الصِّرَاطِ، فَإِنَّهُ مَمْدُودٌ عَلَيْهَا; (وَلِذَلِكَ قَالَ الْخَائِفُونَ مِنَ السَّلَفِ: إِنَّمَا خَوْفُنَا لِأَنَّا تَيَقَّنَّا أَنَّا عَلَى النَّارِ وَارِدُونَ وَشَكَكْنَا فِي النَّجَاةِ) ، وَوَجْهُ التَّيَقُّنِ قَوْلُهُ تَعَالَى: كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا أَيْ: وُرُودُهُمْ وَاجِبًا أَوْجَبَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى نَفْسِهِ، وَمَضَى بِأَنْ وَعَدَ بِهِ وَعْدًا لَا يُمْكِنُ تَخَلُّفُهُ، وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ فِي الزُّهْدِ عَنْ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُزَنِيِّ أَنَّهُ لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ، وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا ذَهَبَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ إِلَى بَيْتِهِ فَبَكَى وَبَكَى أَهْلُهُ بِبُكَائِهِ، فَسُئِلَ عَنْ بُكَائِهِ قَالَ: أُنْزِلَتْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ آيَةٌ نَبَّأَنِي فِيهَا رَبِّي أَنِّي وَارِدٌ عَلَى النَّارِ، وَلَمْ يُنْبِئْنِي أَنِّي صَادِرٌ عَنْهَا; فَذَلِكَ الَّذِي أَبْكَانِي، وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ، قَالَ: بَكَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ فَقَالَتْ لَهُ امْرَأَتُهُ: مَا يُبْكِيكَ؟ قَالَ: إِنِّي أُنْبِئْتُ أَنِّي وَارِدٌ النَّارَ، وَلَمْ أُنْبَأْ أَنِّي صَادِرٌ مِنْهَا، وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا الْتَقَوْا، يَقُولُ الرَّجُلُ لِصَاحِبِهِ: هَلْ أَتَاكَ أَنَّكَ وَارِدٌ؟ يَقُولُ: نَعَمْ، فَيَقُولُ: هَلْ أَتَاكَ أَنَّكَ خَارِجٌ؟ يَقُولُ: لَا، فَيَقُولُ: فَفِيمَ الضَّحِكُ إِذَنْ، (وَلَمَّا رَوَى الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى الْخَبَرَ الْوَارِدَ فِيمَنْ يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ بَعْدَ أَلْفِ عَامٍ فَإِنَّهُ) ، وَفِي نُسْخَةٍ: وَإِنَّهُ (يُنَادَى يَا حَنَّانُ يَا مَنَّانُ، قَالَ الْحَسَنُ: يَا لَيْتَنِي كُنْتُ ذَلِكَ الرَّجُلَ) لِشِدَّةِ خَوْفِهِ خَافَ أَنْ يَدْخُلَهَا، ثُمَّ عَظُمَ خَوْفُهُ فَخَافَ أَنْ لَا يَخْرُجَ مِنْهَا، فَتَمَنَّى أَنْ يَخْرُجَ مِنْهَا بَعْدَ أَلْفِ عَامٍ، كَذَا فِي الْقُوتِ، وَالْحَدِيثُ قَالَ الْعِرَاقِيُّ: رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو يَعْلَى مِنْ رِوَايَةِ أَبِي ظِلَالٍ الْقَسْمَلِيِّ عَنْ أَنَسٍ، وَأَبُو ظِلَالٍ ضَعِيفٌ، وَاسْمُهُ هِلَالُ بْنُ مَيْمُونٍ، قُلْتُ: وَيُقَالُ فِيهِ هِلَالُ بْنُ سَرِيرٍ مَعْرُوفٌ بِكُنْيَتِهِ، أَخْرَجَ لَهُ التِّرْمِذِيُّ، قَالَ ابْنُ عَدِيٍّ: عَامَّةُ مَا يَرْوِيهِ لَا يُتَابَعُ عَلَيْهِ، وَرَوَى الْحَكِيمُ فِي النَّوَادِرِ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ قَالَ لِي جِبْرِيلُ: يَا مُحَمَّدُ، إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُخَاطِبُنِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيَقُولُ: يَا جِبْرِيلُ، مَا لِي أَرَى فُلَانًا فِي صُفُوفِ أَهْلِ النَّارِ؟ فَأَقُولُ: يَا رَبِّ، إِنِّي لَمْ أَجِدْ لَهُ حَسَنَةً يَعُودُ عَلَيْهِ خَيْرُهَا الْيَوْمَ، فَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: إِنِّي أَسْمَعُهُ فِي دَارِ الدُّنْيَا يَقُولُ: يَا حَنَّانُ يَا مَنَّانُ فَأْتِهِ فَاسْأَلْهُ، فَيَقُولُ: وَهَلْ مِنْ حَنَّانٍ مَنَّانٍ غَيْرُ اللَّهِ، فَآخُذُ بِيَدِهِ مِنْ صُفُوفِ أَهْلِ النَّارِ فَأُدْخِلُهُ فِي صُفُوفِ أَهْلِ الْجَنَّةِ، (وَاعْلَمْ أَنَّ فِي الْأَخْبَارِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ آخِرَ مَنْ يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ بَعْدَ سَبْعَةِ آلَافِ سَنَةٍ) رَوَاهُ الْحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ قَرِيبًا (وَأَنَّ الِاخْتِلَافَ فِي الْمُدَّةِ بَيْنَ اللَّحْظَةِ وَبَيْنَ سَبْعَةِ آلَافِ سَنَةٍ حَتَّى) قَدْ (يَجُوزُ بَعْضُهُمْ عَلَى النَّارِ كَبَرْقٍ خَاطِفٍ، وَلَا يَكُونُ لَهُ فِيهَا لُبْثٌ) أَخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: يَرِدُ النَّاسُ الصِّرَاطَ، وَوُرُودُهُمْ قِيَامُهُمْ حَوْلَ النَّارِ، ثُمَّ يَصْدُرُونَ عَنِ الصِّرَاطِ بِأَعْمَالِهِمْ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَمُرُّ مِثْلَ الْبَرْقِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَمُرُّ مِثْلَ الرِّيحِ، وَمِنْهُمْ يَمُرُّ مِثْلَ الطَّيْرِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَمُرُّ كَأَجْوَدِ الْخَيْلِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَمُرُّ كَعَدْوِ الرَّجُلِ، حَتَّى إِنَّ آخِرَهُمْ مَرًّا رَجُلٌ تَذَرُهُ عَلَى مَوْضِعِ إِبْهَامِ قَدَمَيْهِ يَمُرُّ مُتَكَفِّيًا بِهِ الصِّرَاطَ (وَبَيْنَ اللَّحْظَةِ وَبَيْنَ سَبْعَةِ آلَافِ سَنَةٍ دَرَجَاتٌ مُتَفَاوِتَةٌ مِنَ الْيَوْمِ وَالْأُسْبُوعِ وَالشَّهْرِ وَسَائِرِ الْمُدَدِ) وَفِي الْقُوتِ: يَخْرُجُونَ مِنَ النَّارِ زُمَرًا مُتَفَاوِتُونَ مِنَ الْيَوْمِ وَالْجُمْعَةِ وَالشَّهْرِ وَالسَّنَةِ إِلَى سِتَّةِ آلَافِ سَنَةٍ، (وَإِنَّ الِاخْتِلَافَ بِالشِّدَّةِ لَا نِهَايَةَ لِأَعْلَاهُ، وَأَدْنَاهُ التَّعْذِيبُ بِالْمُنَاقَشَةِ فِي الْحِسَابِ) لِمَا فِي الْخَبَرِ: "مَنْ نُوقِشَ الْحِسَابَ عُذِّبَ" (كَمَا أَنَّ الْمَلِكَ) مِنْ مُلُوكِ الدُّنْيَا (قَدْ يُعَذِّبُ بَعْضَ الْمُقَصِّرِينَ فِي الْأَعْمَالِ بِالْمُنَاقَشَةِ فِي الْحِسَابِ ثُمَّ يَعْفُو) فَضْلًا مِنْهُ، (وَقَدْ يَضْرِبُ بِالسِّيَاطِ) وَشَبَهِهَا، (وَقَدْ يُعَذِّبُ بِأَنْوَاعٍ أُخَرَ مِنَ الْعَذَابِ، وَيَتَطَرَّقُ إِلَى الْعَذَابِ اخْتِلَافٌ ثَالِثٌ فِي غَيْرِ الْمُدَّةِ وَالشَّدَّةِ، وَهُوَ اخْتِلَافُ الْأَنْوَاعِ، إِذْ لَيْسَ مَنْ يُعَذِّبُ بِمُصَادَرَةِ الْمَالِ) أَيْ: أَخْذِهِ مِنْهُ ظُلْمًا وَتَعَدِّيًا (فَقَطْ كَمَنْ يُعَذَّبُ بِأَخْذِ الْمَالِ، وَقَتْلِ الْوَلَدِ، وَاسْتِبَاحَةِ الْحَرِيمِ، وَتَعْذِيبِ الْأَقَارِبِ وَالضَّرْبِ، وَقَطْعِ) الْأَطْرَافِ مِثْلِ (اللِّسَانِ وَالْيَدِ وَالْأَنْفِ وَغَيْرِهِ، فَهَذِهِ الِاخْتِلَافَاتُ ثَابِتَةٌ فِي عَذَابِ الْآخِرَةِ دَلَّ عَلَيْهَا قَوَاطِعُ الشَّرْعِ، وَهِيَ بِحَسَبِ اخْتِلَافِ قُوَّةِ الْإِيمَانِ وَضَعْفِهِ، وَكَثْرَةِ السَّيِّئَاتِ وَقِلَّتِهَا، أَمَّا شِدَّةُ الْعَذَابِ، فَبِشِدَّةِ قُبْحِ السَّيِّئَاتِ وَكَثْرَتِهَا، وَأَمَّا كَثْرَتُهُ فَبِكَثْرَتِهَا) أَيِ: السَّيِّئَاتِ، (وَأَمَّا اخْتِلَافُ أَنْوَاعِهِ فَبِاخْتِلَافِ أَنْوَاعِ السَّيِّئَاتِ، وَقَدِ انْكَشَفَ هَذَا لِأَرْبَابِ الْقُلُوبِ مَعَ شَوَاهِدِ الْقُرْآنِ بِنُورِ الْإِيمَانِ، وَهُوَ الْمَعْنِيُّ) أَيِ: الْمَقْصُودُ (بِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ ) ، وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ (وَبِقَوْلِهِ) تَعَالَى: ( الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ ، وَبِقَوْلِهِ) تَعَالَى: ( وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى ، وَبِقَوْلِهِ) تَعَالَى: ( فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا وَرَدَ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ مِنْ كَوْنِ الْعِقَابِ وَالثَّوَابِ جَزَاءً عَلَى الْأَعْمَالِ) مُتَرَتِّبًا عَلَيْهَا (وَكُلُّ ذَلِكَ بِعَدْلٍ لَا ظُلْمَ فِيهِ) ، وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا ، (وَجَانِبُ الْعَفْوِ وَالرَّحْمَةِ أَرْجَحُ إِذَا قَالَ تَعَالَى: فِيمَا أَخْبَرَ) وَفِي نُسْخَةٍ: حَكَى (عَنْهُ نَبِيُّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: سَبَقَتْ رَحْمَتِي غَضَبِي) رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ (وَقَالَ) اللَّهُ (تَعَالَى: وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا ، فَإِذَنْ هَذِهِ الْأُمُورُ الْكُلِّيَّةُ مِنِ ارْتِبَاطِ الدَّرَجَاتِ وَالدَّرَكَاتِ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ مَطْوِيَّةٌ بِقَوَاطِعِ الشَّرْعِ) أَيْ: بِدَلَائِلِهِ الْقَطْعِيَّةِ، (وَنُورُ الْمَعْرِفَةِ) الْحَاصِلُ مِنْ كَمَالِ الْإِيمَانِ هَذَا عَلَى سَبِيلِ الْإِجْمَالِ، (وَأَمَّا التَّفْصِيلُ فَلَا يُعْرَفُ إِلَّا ظَنًّا وَمُسْتَنَدُهُ ظَوَاهِرُ الْأَخْبَارِ، وَنَوْعُ حَدْسٍ) أَيْ تَخْمِينٍ (يُسْتَمَدُّ مِنْ أَنْوَارِ الِاسْتِبْصَارِ بِعَيْنِ الِاعْتِبَارِ فَنَقُولُ: كُلُّ مَنْ أَحْكَمَ أَصْلَ الْإِيمَانِ، وَاجْتَنَبَ جَمِيعَ الْكَبَائِرِ، وَأَحْسَنَ جَمِيعَ الْفَرَائِضِ أَعْنِي الْأَرْكَانَ الْخَمْسَةَ) مِنَ التَّوْحِيدِ وَالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَالصَّوْمِ وَالْحَجِّ، (وَلَمْ تَكُنْ مِنْهُ إِلَّا صَغَائِرُ مُتَفَرِّقَةٌ لَمْ يُصِرَّ عَلَيْهَا، فَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ عَذَابُهُ الْمُنَاقَشَةَ فَقَطْ، فَإِنَّهُ إِذَا حُوسِبَ رَجَحَتْ حَسَنَاتُهُ عَلَى سَيِّئَاتِهِ; إِذْ وَرَدَ فِي الْأَخْبَارِ أَنَّ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ وَالْجُمْعَةَ) إِلَى الْجُمْعَةِ، (وَصَوْمَ رَمَضَانَ) إِلَى رَمَضَانَ (كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُنَّ) رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالْحَاكِمُ، وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ نَحْوَهُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ قَرِيبًا، (وَكَذَلِكَ اجْتِنَابُ الْكَبَائِرِ بِحُكْمِ نَصِّ الْقُرْآنِ مُكَفِّرٌ لِلصَّغَائِرِ) ، وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى: إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ ، (وَأَقَلُّ دَرَجَاتِ التَّكْفِيرِ أَنْ يَدْفَعَ الْعَذَابَ إِنْ لَمْ يَرْفَعِ الْحِسَابَ، وَكُلُّ مَنْ هَذَا حَالُهُ فَقَدْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ) بِالْحَسَنَاتِ (فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ بَعْدَ ظُهُورِ الرُّجْحَانِ فِي الْمِيزَانِ، وَبَعْدَ الْفَرَاغِ مِنَ الْحِسَابِ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ) يُشِيرُ إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ (نَعَمِ الْتِحَاقُهُ بِأَصْحَابِ الْيَمِينِ أَوْ بِالْمُقَرَّبِينَ، وَنُزُولُهُ فِي جَنَّةِ عَدْنٍ أَوْ فِي الْفِرْدَوْسِ الْأَعْلَى فَكَذَلِكَ يَتْبَعُ أَصْنَافَ الْإِيمَانِ; لِأَنَّ الْإِيمَانَ إِيمَانَانِ: تَقْلِيدِيٌّ كَإِيمَانِ الْعَوَامِّ يُصَدِّقُونَ بِمَا يَسْمَعُونَ وَيَسْتَمِرُّونَ عَلَيْهِ، وَإِيمَانٌ كَشْفِيٌّ يَحْصُلُ بِانْشِرَاحِ الصَّدْرِ بِنُورِ اللَّهِ) عَزَّ وَجَلَّ، وَهُوَ الْمُشَارُ إِلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ (حَتَّى يَنْكَشِفَ فِيهِ الْوُجُودُ كُلُّهُ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ) وَاجِبُهُ وَمُمْكِنُهُ (فَيَتَّضِحُ أَنَّ الْكُلَّ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُهُ وَمَصِيرُهُ; إِذْ لَيْسَ فِي الْوُجُودِ إِلَّا اللَّهُ تَعَالَى وَصِفَاتُهُ وَأَفْعَالُهُ) ، وَإِنَّ كُلَّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ، لَا أَنَّهُ يَصِيرُ هَالِكًا مِنَ الْأَوْقَاتِ، بَلْ هُوَ هَالِكٌ أَزَلًا وَأَبَدًا لَا يُتَصَوَّرُ إِلَّا كَذَلِكَ، فَإِنَّ كُلَّ شَيْءٍ سَوَاءٌ إِذَا اعْتُبِرَتْ ذَاتُهُ مِنْ حَيْثُ ذَاتُهُ فَهُوَ عَدَمُ مُحْصٍ، وَإِذَا اعْتُبِرَ مِنَ الْوَجْهِ الَّذِي يَسْرِي إِلَيْهِ الْوُجُودُ مِنَ الْأَزَلِ فَيَكُونُ الْمَوْجُودُ وَجْهَ اللَّهِ فَقَطْ، وَلِكُلِّ شَيْءٍ وَجْهَانِ: وَجْهٌ إِلَى نَفْسِهِ، وَوَجْهٌ إِلَى رَبِّهِ، فَهُوَ بِاعْتِبَارِ وَجْهِ نَفْسِهِ عَدَمٌ، وَبِاعْتِبَارِ وَجْهِ اللَّهِ مَوْجُودٌ، فَإِذَنْ لَا مَوْجُودَ إِلَّا اللَّهُ وَوَجْهُهُ، فَإِذَنْ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ أَزَلًا وَأَبَدًا، وَنَزِيدُ ذَلِكَ وُضُوحًا أَنَّ الْوُجُودَ يَنْقَسِمُ إِلَى مَا الْوُجُودُ لَهُ مِنْ ذَاتِهِ، وَإِلَى مَا لَهُ الْوُجُودُ مِنْ غَيْرِهِ، وَمَا لَهُ الْوُجُودُ مِنْ غَيْرِهِ مَوْجُودٌ مُسْتَعَارٌ، لَا قِوَامَ لَهُ بِنَفْسِهِ، بَلْ إِذَا اعْتُبِرَتْ ذَاتُهُ مِنْ حَيْثُ ذَاتُهُ فَهُوَ عَدَمٌ مَحْضٌ، وَإِنَّمَا هُوَ وُجُودُهُ مِنْ حَيْثُ نِسْبَتُهُ إِلَى غَيْرِهِ، وَذَلِكَ لَيْسَ بِوُجُودٍ حَقِيقِيٍّ فَاعْرِفْهُ (فَهَذَا الصِّنْفُ هُمُ الْمُقَرَّبُونَ النَّازِلُونَ فِي الْفِرْدَوْسِ الْأَعْلَى، وَهُمْ عَلَى غَايَةِ الْقُرْبِ مِنَ الْمَلَأِ الْأَعْلَى) وَالْقَرِيبُ إِلَى الْقَرِيبِ قَرِيبٌ (وَهُمْ أَيْضًا عَلَى أَصْنَافٍ فَمِنْهُمُ السَّابِقُونَ) بِالْخَيْرَاتِ، (وَمِنْهُمْ مَنْ دُونَهُمْ) فِي الرُّتْبَةِ، (وَتَفَاوُتُهُمْ بِحَسَبِ تَفَاوُتِ مَعْرِفَتِهِمْ بِاللَّهِ تَعَالَى) فَكُلُّ مَنْ قَوِيَتْ مَعْرِفَتُهُ تَمَّ لَهُ السَّبْقُ، وَذَلِكَ بِقَدْرِ مَا يَنْكَشِفُ لَهُمْ مِنْ مَعْلُومَاتِ اللَّهِ، وَعَجَائِبِ مَقْدُورَاتِهِ، وَبَدِيعِ آيَاتِهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَالْمُلْكِ وَالْمَلَكُوتِ، (وَدَرَجَاتُ الْعَارِفِينَ فِي الْمَعْرِفَةِ بِاللَّهِ تَعَالَى لَا تَنْحَصِرُ إِذِ الْإِحَاطَةُ بِكُنْهِ جَلَالِ اللَّهِ) ، وَعَظَمَتِهِ (غَيْرُ مُمْكِنَةٍ) فِي قُوَّةِ الْبَشَرِ وَالْمَلَائِكَةِ، (وَبَحْرُ الْمَعْرِفَةِ لَيْسَ لَهُ سَاحِلٌ) يَنْتَهِي إِلَيْهِ، (وَ) لَا يُعْرَفُ لَهُ (عُمْقٌ) أَيْ: قَرَارٌ، (وَإِنَّمَا يَغُوصُ فِيهِ الْغَوَّاصُونَ بِقَدْرِ قُوَاهُمْ) ، وَاسْتِعْدَادَاتِهِمْ، (وَبِقَدْرِ مَا سَبَقَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى فِي الْأَزَلِ، فَالطَّرِيقُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى لَا نِهَايَةَ لِمَنَازِلِهِ، وَالسَّالِكُونَ لِسَبِيلِ اللَّهِ لَا نِهَايَةَ لِدَرَجَاتِهِمْ) ، وَنِهَايَةُ مَعْرِفَتِهِمْ عَجْزُهُمْ عَنِ الْمَعْرِفَةِ، وَمَعْرِفَتُهُمْ بِالْحَقِيقَةِ هِيَ أَنَّهُمْ لَا يَعْرِفُونَهُ، وَأَنَّهُمْ لَا يُمْكِنُهُمُ الْبَتَّةَ مَعْرِفَتُهُ، وَأَنَّهُ يَسْتَحِيلُ أَنْ يَعْرِفَ اللَّهَ الْمَعْرِفَةَ الْحَقِيقِيَّةَ الْمُحِيطَةَ بِكُنْهِ صِفَاتِ الرُّبُوبِيَّةِ إِلَّا اللَّهُ تَعَالَى، فَإِذَا انْكَشَفَ لَهُمُ انْكِشَافًا بُرْهَانِيًّا فَقَدْ بَلَغُوا الْمُنْتَهَى الَّذِي يُمْكِنُ فِي حَقِّ الْخَلْقِ مِنْ مَعْرِفَتِهِ، (وَأَمَّا الْمُؤْمِنُ إِيمَانًا تَقْلِيدِيًّا فَهُوَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ، وَدَرَجَتُهُ دُونَ دَرَجَةِ الْمُقَرَّبِينَ، وَهُمْ أَيْضًا عَلَى دَرَجَاتٍ فَالْأَعْلَى مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ تُقَارِبُ رُتْبَتُهُ رُتْبَةَ الْأَدْنَى مِنْ دَرَجَاتِ الْمُقَرَّبِينَ، هَذَا حَالُ مَنِ اجْتَنَبَ كُلَّ الْكَبَائِرِ، وَأَدَّى الْفَرَائِضَ كُلَّهَا أَعْنِي الْأَرْكَانَ الْخَمْسَةَ الَّتِي هِيَ النُّطْقُ بِكَلِمَةِ الشَّهَادَةِ بِاللِّسَانِ، وَالصَّلَاةُ، وَالزَّكَاةُ، وَالصَّوْمُ، وَالْحَجُّ) ، وَهِيَ أَبْنِيَةُ الْإِسْلَامِ إِذَا تُمِّمَتْ كَفَّرَتْ مَا بَعْدَهَا مِنَ السَّيِّئَاتِ، وَثَبَتَتْ لِلْعَبْدِ نَوَافِلُهُ، وَتَبَدَّلَ بِسَيِّئَاتِهِ حَسَنَاتٍ (فَأَمَّا مَنِ ارْتَكَبَ كَبِيرَةً أَوْ كَبَائِرَ أَوْ أَهْمَلَ بَعْضَ أَرْكَانِ الْإِسْلَامِ) الْمَذْكُورَةِ (فَإِنْ تَابَ تَوْبَةً نَصُوحًا قَبْلَ قُرْبِ الْأَجَلِ الْتَحَقَ بِمَنْ لَمْ يَرْتَكِبْ ذَنْبًا; لِأَنَّ التَّائِبَ مِنَ الذَّنْبِ كَمَنْ لَا ذَنْبَ لَهُ) كَمَا فِي الْخَبَرِ وَتَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، (وَالثَّوْبُ الْمَغْسُولُ كَالَّذِي لَمْ يَتَوَسَّخْ أَصْلًا، وَإِنْ مَاتَ قَبْلَ التَّوْبَةِ فَهَذَا أَمْرٌ مُخْطِرٌ عِنْدَ الْمَوْتِ إِذْ رُبَّمَا يَكُونُ مَوْتُهُ عَلَى الْإِصْرَارِ سَبَبًا لِتَزَلْزُلِ إِيمَانِهِ) وَاضْطِرَابِهِ (فَيُخْتَمُ لَهُ بِسُوءِ الْخَاتِمَةِ) عِيَاذًا بِاللَّهِ مِنْهُ (لَا سِيَّمَا إِذَا كَانَ إِيمَانُهُ تَقْلِيدِيًّا) لَا كَشْفِيًّا (فَإِنَّ التَّقْلِيدَ وَإِنْ كَانَ جَزْمًا فَهُوَ قَابِلٌ لِلِانْحِلَالِ بِأَدْنَى شَكٍّ وَخَيَالٍ، وَالْعَارِفُ الْبَصِيرُ أَبْعَدُ أَنْ يُخَافَ عَلَيْهِ سُوءُ الْخَاتِمَةِ، وَكِلَاهُمَا إِنْ مَاتَا عَلَى الْإِيمَانِ يُعَذَّبَانِ إِلَّا أَنْ يَعْفُوَ اللَّهُ) تَعَالَى (عَذَابًا يَزِيدُ عَلَى عَذَابِ الْمُنَاقَشَةِ فِي الْحِسَابِ، وَتَكُونُ كَثْرَةُ الْعِقَابِ مِنْ حَيْثُ الْمُدَّةُ بِحَسَبِ كَثْرَةِ مُدَّةِ الْإِصْرَارِ، وَمِنْ حَيْثُ الشِّدَّةُ بِحَسَبِ قُبْحِ الْكَبَائِرِ، وَمِنْ حَيْثُ اخْتِلَافُ النَّوْعِ بِحَسَبِ اخْتِلَافِ أَصْنَافِ السَّيِّئَاتِ، وَعِنْدَ انْقِضَاءِ مُدَّةِ الْعَذَابِ يَنْزِلُ الْبُلْهُ الْمُقَلِّدُونَ فِي دَرَجَاتِ أَصْحَابِ الْيَمِينِ، وَالْعَارِفُونَ الْمُسْتَبْصِرِينَ فِي أَعْلَى عِلِّيِّينَ) فَهَذَا تَفَاوَتَ دَرَجَاتُهُمْ فِي مَنَازِلِهِمْ (فَفِي الْخَبَرِ: آخِرُ مَنْ يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ يُعْطَى مِثْلَ الدُّنْيَا كُلِّهَا عَشَرَةَ أَضْعَافٍ) قَالَ الْعِرَاقِيُّ: مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ. انْتَهَى . قُلْتُ: الَّذِي فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِهِ: "آخِرُ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ رَجُلٌ يَمْشِي عَلَى الصِّرَاطِ، فَهْوَ يَمْشِي مَرَّةً، وَيَكْبُو مَرَّةً، تَسْفَعُهُ النَّارُ مَرَّةً، فَإِذَا مَا جَاوَزَهَا الْتَفَتَ إِلَيْهَا، وَقَالَ: تَبَارَكَ الَّذِي نَجَّانِي مِنْكِ، لَقَدْ أَعْطَانِي اللَّهُ شَيْئًا مَا أَعْطَاهُ أَحَدًا مِنَ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ، فَتُرْفَعُ لَهُ شَجَرَةٌ، فَيَقُولُ: أَيْ رَبِّ، أَدْنِنِي مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ فَنَسْتَظِلَّ بِظِلِّهَا، وَنَشْرَبَ مِنْ مَائِهَا، فَيَقُولُ اللَّهُ: يَا ابْنَ آدَمَ، لَعَلِّي إِنْ أَعْطَيْتُكَهَا سَأَلْتَنِي غَيْرَهَا، فَيَقُولُ: لَا، يَا رَبِّ، وَيُعَاهِدُهُ أَنْ لَا يَسْأَلَهُ غَيْرَهَا، وَرَبُّهُ يَعْذِرُهُ لِأَنَّهُ يَرَى مَا لَا صَبْرَ لَهُ عَلَيْهِ، فَيُدْنِيهِ مِنْهَا، فَيَسْتَظِلُّ بِظِلِّهَا، وَيَشْرَبُ مِنْ مَائِهَا، ثُمَّ تُرْفَعُ لَهُ شَجَرَةٌ هِيَ أَحْسَنُ مِنَ الْأُولَى، فَيَقُولُ: أَيْ رَبِّ، أَدْنِنِي مِنْ هَذِهِ لِأَشْرَبَ مِنْ مَائِهَا، وَأَسْتَظِلَّ بِظِلِّهَا، لَا أَسْأَلُكَ غَيْرَهَا، فَيَقُولُ: يَا ابْنَ آدَمَ، أَلَمْ تُعَاهِدْنِي أَنْ لَا تَسْأَلَنِي غَيْرَهَا، فَيَقُولُ: لَعَلِّي إِنْ أَدْنَيْتُكَ مِنْهَا تَسْأَلْنِي غَيْرَهَا، فَيُعَاهِدُهُ أَنْ لَا يَسْأَلَهُ غَيْرَهَا، وَرَبُّهُ يَعْذِرُهُ لِأَنَّهُ يَرَى مَا لَا صَبْرَ لَهُ عَلَيْهِ، فَيُدْنِيهِ مِنْهَا فَيَسْتَظِلُّ بِظِلِّهَا، وَيَشْرَبُ مِنْ مَائِهَا، ثُمَّ تُرْفَعُ لَهُ شَجَرَةٌ عِنْدَ بَابِ الْجَنَّةِ هِيَ أَحْسَنُ مِنَ الْأُولَيَيْنِ، فَيَقُولُ: أَيْ رَبِّ، أَدْنِنِي مِنْ هَذِهِ لِأَسْتَظِلَّ بِظِلِّهَا وَأَشْرَبَ مِنْ مَائِهَا لَا أَسْأَلُكَ غَيْرَهَا، فَيَقُولُ: يَا ابْنَ آدَمَ، أَلَمْ تُعَاهِدْنِي أَنْ لَا تَسْأَلَنِي غَيْرَهَا، قَالَ: بَلَى يَا رَبِّ، أَدْنِنِي مِنْ هَذِهِ، لَا أَسْأَلُكَ غَيْرَهَا، وَرَبُّهُ يَعْذِرُهُ لِأَنَّهُ يَرَى مَا لَا صَبْرَ لَهُ عَلَيْهَا فَيُدْنِيهِ مِنْهَا، فَإِذَا أَدْنَاهُ مِنْهَا فَيَسْمَعُ أَصْوَاتَ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَيَقُولُ: أَيْ رَبِّ، أَدْخِلْنِيهَا، فَيَقُولُ: يَا ابْنَ آدَمَ مَا يَصْرِينِي مِنْكَ؟ أَيُرْضِيكَ أَنْ أُعْطِيَكَ الدُّنْيَا وَمِثْلَهَا مَعَهَا؟ قَالَ: يَا رَبِّ، أَتَسْتَهْزِئُ مِنِّي وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ، فَيَقُولُ: إِنِّي لَا أَسْتَهْزِئُ مِنْكَ، وَلَكِنِّي عَلَى مَا أَشَاءُ قَدِيرٌ" هَكَذَا رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي الشُّعَبِ، وَقَوْلُهُ: " مَا يَصْرِينِي مِنْكَ " هَكَذَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَقَيَّدَهُ النَّوَوِيُّ بِفَتْحِ الْيَاءِ وَإِسْكَانِ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ، وَمَعْنَاهُ: يَقْطَعُ مَسْأَلَتَكَ عَنِّي، وَرُوِيَ فِي غَيْرِ مُسْلِمٍ مَا يَصْرِيكَ مِنِّي، وَكِلَاهُمَا صَحِيحٌ، وَالْمَعْنَى أَيْ: شَيْءَ يُرْضِيكَ وَيَقْطَعُ السُّؤَالَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ، انْتَهَى، وَفِي رِوَايَةٍ لِلطَّبَرَانِيِّ: إِنَّ آخِرَ مَنْ يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ وَيَدْخُلُ الْجَنَّةَ رَجُلٌ يَحْبُو، فَيُقَالُ لَهُ: ادْخُلِ الْجَنَّةَ، فَيُخَيَّلُ إِلَيْهِ أَنَّهَا مَلْأَى، فَيَقُولُ: يَا رَبِّ إِنَّهَا مَلْأَى، فَيُقَالُ لَهُ: ادْخُلْ، إِنَّ لَكَ عَشَرَةَ أَمْثَالِ الدُّنْيَا، فَيَقُولُ: أَنْتَ الْمَلِكُ، أَتَضْحَكُ بِي؟ " فَذَلِكَ أَنْقَصُ أَهْلِ الْجَنَّةِ حَظًّا، وَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَأَبِي سَعِيدٍ مَعًا: "آخِرُ مَنْ يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ رَجُلَانِ" الْحَدِيثَ بِطُولِهِ، وَفِيهِ "فَيَسْأَلُ وَيَتَّمَنَّى، فَإِذَا فَرَغَ، قَالَ: لَكَ مَا سَأَلْتَ وَمِثْلُهُ مَعَهُ، وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: وَعَشَرَةُ أَمْثَالِهِ، رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَ . وَفِي الْبَابِ أَبُو أُمَامَةَ الْبَاهِلِيُّ رَوَاهُ الْحَكِيمُ، وَالطَّبَرَانِيُّ، وَلَكِنْ لَيْسَ فِيهِ ذِكْرُ عَشَرَةِ أَمْثَالِ الدُّنْيَا، (فَلَا تَظُنُّ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ تَقْدِيرُهُ بِالْمِسَاحَةِ لِأَطْرَافِ الْأَجْسَامِ كَأَنْ يُقَابَلَ فَرْسَخٌ بِفَرْسَخَيْنِ، أَوْ عَشَرَةُ فَرَاسِخَ بِعِشْرِينَ) الْمِسَاحَةُ بِالْكَسْرِ الذَّرْعُ يُقَالُ: مَسَحْتُ الْأَرْضَ مَسْحًا أَيْ: ذَرَعْتُهَا، وَالْفَرْسَخُ ثَلَاثَةُ أَمْيَالٍ بِالْهَاشِمِيِّ، وَالْجَمْعُ فَرَاسِخُ (فَإِنَّ هَذَا جَهْلٌ بِطَرِيقِ ضَرْبِ الْأَمْثَالِ، بَلْ هَذَا كَقَوْلِ الْقَائِلِ: أَخَذَ مِنْهُ جَمَلًا وَأَعْطَاهُ عَشَرَةَ أَمْثَالِهِ، وَكَانَ الْجَمَلُ يُسَاوِي) فِي الثَّمَنِ (عَشَرَةَ دَنَانِيرَ فَأَعْطَاهُ مِائَةَ دِينَارٍ) ، وَهُوَ عَشَرَةُ أَمْثَالٍ (فَإِنْ لَمْ يُفْهَمْ مِنَ الْمِثْلِ إِلَّا الْمِثْلُ فِي الْوَزْنِ وَالثِّقْلِ فَلَا تَكُونُ مِائَةُ دِينَارٍ مِثْلًا لِلْجَمَلِ; لِأَنَّ مِائَةَ دِينَارٍ إِذَا وُضِعَتْ فِي كِفَّةِ الْمِيزَانِ، وَ) وُضِعَ (الْجَمَلُ فِي الْكِفَّةِ الْأُخْرَى لَمْ يَكُنْ عُشْرَ عُشَيْرِهِ، بَلْ هُوَ مُوَازَنَةُ مَعَانِي الْأَجْسَامِ وَأَرْوَاحُهَا دُونَ أَشْخَاصِهَا وَهَيَاكِلِهَا) أَيْ: صُوَرِهَا الظَّاهِرَةِ (فَإِنَّ الْجَمَلَ لَا يُقْصَدُ لِثِقَلِهِ وَطُولِهِ وَعَرْضِهِ وَمِسَاحَتِهِ بَلْ لِمَالِيَّتِهِ فَرُوحُهُ) الْبَاطِنِيُّ (الْمَالِيَّةُ، وَجِسْمُهُ اللَّحْمُ، وَالدَّمُ) اللَّذَانِ بِهِمَا تَرْكِيبُهُ، (وَمِائَةُ دِينَارٍ عَشَرَةُ أَمْثَالِهِ بِالْمُوَازَنَةِ الرُّوحَانِيَّةِ لَا بِالْمُوَازَنَةِ الْجُسْمَانِيَّةِ، وَهَذَا صَادِقٌ عِنْدَ مَنْ يَعْرِفُ رُوحَ الْمَالِيَّةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْإِبِلِ، بَلْ لَوْ أَعْطَاهُ جَوْهَرَةً وَزْنُهَا مِثْقَالٌ وَقِيمَتُهَا مِائَةُ دِينَارٍ، وَقَالَ أَعْطَيْتُهُ عَشَرَةَ أَمْثَالِهَا كَانَ صَادِقًا، وَلَكِنْ لَا يُدْرِكُ صِدْقَهُ إِلَّا الْجَوْهَرِيُّ) الَّذِي يَتَعَاطَى بَيْعَ الْجَوَاهِرِ وَشِرَاءَهَا (فَإِنَّ رُوحَ الْجَوْهَرِيَّةِ لَا يُدْرَكُ بِمُجَرَّدِ الْبَصَرِ، بَلْ بِفَطِنَةٍ أُخْرَى وَرَاءَ الْبَصَرِ) ، وَهِيَ الَّتِي يُمَيِّزُ بِهَا بَيْنَ الْجَيِّدِ مِنْهُ وَالْمَغْشُوشِ، وَكَثِيرًا مَا يُرَوَّجُ عَلَى مَنْ عَدِمَ هَذِهِ الْفِطْنَةَ الزُّجَاجُ الْمَغْشُوشُ بِالْجَوْهَرِ، (وَلِذَلِكَ يُكَذِّبُ بِهِ الصَّبِيُّ) الْغِرُّ بِالْأُمُورِ، (بَلِ الْقَرَوِيُّ) أَيْ: سَاكِنُ الْقُرَى الْبَعِيدَةِ عَنِ الْمُدُنِ، (وَالْبَدَوِيُّ) أَيْ: سَاكِنُ الْبَرَارِيِّ وَالْقِفَارِ، (وَيَقُولُ) لِعَدَمِ الْفِطْنَةِ (مَا هَذِهِ الْجَوْهَرَةُ إِلَّا حَجَرٌ وَزْنُهُ مِثْقَالٌ، وَوَزْنُ الْجَمَلِ أَلْفُ أَلْفِ مِثْقَالٍ) بَلْ أَلْفُ أَلْفُ أَرْطَالٍ (فَقَدْ كَذَبَ فِي قَوْلِهِ: إِنِّي أَعْطَيْتُهُ عَشَرَةَ أَمْثَالٍ، وَالْكَاذِبُ بِالتَّحْقِيقِ هُوَ الصَّبِيُّ، وَلَكِنْ لَا سَبِيلَ إِلَى تَحْقِيقِ ذَلِكَ عِنْدَهُ إِلَّا بِأَنْ يَنْتَظِرَ بِهِ الْبُلُوغَ وَالْكَمَالَ) بِالْعَقْلِ، (وَإِنْ يَحْصُلْ فِي قَلْبِهِ النُّورُ الَّذِي يُدْرِكُ بِهِ أَرْوَاحَ الْجَوَاهِرِ وَسَائِرَ الْأَمْوَالِ فَعِنْدَ ذَلِكَ يَنْكَشِفُ لَهُ الصِّدْقُ) انْكِشَافًا بُرْهَانِيًّا، (وَالْعَارِفُ عَاجِزٌ عَنْ تَفَهُّمِ الْمُقَلِّدِ الْقَاصِرِ) عَقْلُهُ (صَدَقَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي هَذِهِ الْمُوَازَنَةِ) الَّتِي ذُكِرَتْ فِي الْأَخْبَارِ السَّابِقَةِ (إِذَا يَقُولُ الْجَنَّةُ فِي السَّمَاوَاتِ كَمَا وَرَدَ فِي الْأَخْبَارِ) قَالَ الْعِرَاقِيُّ: رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي أَثْنَاءِ حَدِيثٍ فِيهِ: "فَإِذَا سَأَلْتُمُ اللَّهَ فَاسْأَلُوهُ الْفِرْدَوْسَ فَإِنَّهُ أَوْسَطُ الْجَنَّةِ وَأَعْلَى الْجَنَّةِ، وَفَوْقَهُ عَرْشُ الرَّحْمَنِ". انْتَهَى. قُلْتُ: بَلْ قَدْ وَرَدَ أَصْرَحَ مِنْ ذَلِكَ، وَرَوَى الشَّيْخَانِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي مُوسَى: "الْجَنَّةُ دُرَّةٌ مُجَوَّفَةٌ طُولُهَا فِي السَّمَاءِ سِتُّونَ مَيْلًا، لِكُلِّ زَاوِيَةٍ مِنْهَا أَهْلٌ لَا يَرَاهُمُ الْآخَرُونَ، وَرَوَى أَبُو نُعَيْمٍ، وَمِنْ طَرِيقِهِ الدَّيْلَمِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ: "الْجَنَّةُ فِي السَّمَاءِ، وَالنَّارُ فِي الْأَرْضِ، (وَالسَّمَاوَاتُ مِنَ الدُّنْيَا، فَكَيْفَ يَكُونُ عَشَرَةُ أَمْثَالِ الدُّنْيَا فِي الدُّنْيَا، وَهَذَا كَمَا يَعْجِزُ الْبَالِغُ عَنْ تَفْهِيمِ الصَّبِيِّ تِلْكَ الْمُوَازَنَةَ، وَكَذَلِكَ تَفْهِيمُ الْبَدَوِيِّ) فَإِنَّهُمَا قَاصِرَانِ عَنْ فَهْمِهَا، (وَكَمَا أَنَّ الْجَوْهَرِيَّ مَرْحُومٌ إِذَا بُلِيَ بِالْبَدَوِيِّ وَالْقَرَوِيِّ فِي تِلْكَ الْمُوَازَنَةِ، فَالْعَارِفُ) الْبَصِيرُ (مَرْحُومٌ إِذَا بُلِيَ بِالْأَبْلَهِ الْبَلِيدِ) الْجَامِدِ الذِّهْنِ (فِي تَفْهِيمِ هَذِهِ الْمُوَازَنَةِ; وَلِذَلِكَ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "ارْحَمُوا ثَلَاثَةً: عَالِمًا بَيْنَ الْجُهَّالِ، وَغَنِيَّ قَوْمٍ افْتَقَرَ، وَعَزِيزَ قَوْمٍ ذُلَّ" ) قَالَ الْعِرَاقِيُّ: رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي الضُّعَفَاءِ مِنْ رِوَايَةِ عِيسَى بْنِ طَهْمَانَ عَنْ أَنَسٍ، وَعِيسَى ضَعِيفٌ، وَرَوَاهُ فِيهِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ إِلَّا أَنَّهُ قَالَ: عَالِمٌ يَتَلَاعَبُ بِهِ الصِّبْيَانُ، وَفِيهِ أَبُو الْبَخْتَرِيِّ، وَاسْمُهُ وَهْبُ بْنُ وَهْبٍ أَحَدُ الْكَذَّابِينَ انْتَهَى. قُلْتُ: لَفْظُ ابْنِ حِبَّانَ فِي الضُّعَفَاءِ: "ارْحَمُوا ثَلَاثَةً: عَزِيزَ قَوْمٍ ذَلَّ، وَغَنِيُّ قَوْمٍ افْتَقَرُوا، وَعَالِمًا بَيْنَ جُهَّالٍ" هَكَذَا أَوْرَدَهُ فِي تَرْجَمَةِ عِيسَى، وَقَالَ: إِنَّهُ يَتَفَرَّدُ بِالْمَنَاكِيرِ عَنْ أَنَسٍ، كَأَنَّهُ كَانَ يُدَلِّسُ عَنْ أَبَانَ بْنِ عَيَّاشٍ وَيَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ عَنْهُ لَا يَجُوزُ الِاحْتِجَاجُ بِخَبَرِهِ، وَرَوَاهُ الْعَسْكَرِيُّ فِي الْأَمْثَالِ، وَالسُّلَيْمَانِيُّ فِي الضُّعَفَاءِ مِنْ طَرِيقِ زَيْدِ ابْنِ أَبِي الزَّرْقَاءِ عَنْ عِيسَى بْنِ طَهْمَانَ بِلَفْظِ: "ارْحَمُوا ثَلَاثَةً مِنَ النَّاسِ"، وَالْبَاقِي سَوَاءٌ. وَقَالَ: ثَانِيهِمَا أَنَّ الْحَمْلَ فِيهِمَا فِيهِ عَلَى عِيسَى، لَكِنْ وُجِدَ بِخَطِّ الْحَافِظِ ابْنِ حَجَرٍ مَا نَصُّهُ: عِيسَى ثِقَةٌ لَمْ يَتَكَلَّمْ فِيهِ غَيْرُ ابْنِ حِبَّانَ، وَقَدِ احْتَجَّ بِهِ الْبُخَارِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَالْأُمَّةُ مِمَّنْ دُونَهُ. انْتَهَى. وَقَالَ فِي التَّهْذِيبِ: صَدُوقٌ أَفْرَطَ فِيهِ ابْنُ سُفْيَانَ، وَالذَّنْبُ فِيمَا اسْتَنْكَرَهُ مِنْ حَدِيثِهِ لِغَيْرِهِ، وَسَبَقَهُ الْمِزِّيُّ فَقَالَ فِي تَرْجَمَتِهِ: قَالَ أَحْمَدُ: شَيْخٌ ثِقَةٌ، وَعَنْهُ أَيْضًا لَيْسَ بِهِ بَأْسٌ، وَكَذَلِكَ قَالَ ابْنُ مَعِينٍ، وَالنَّسَائِيُّ، وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ: لَا بَأْسَ بِهِ، يُشْبِهُ حَدِيثُهُ حَدِيثَ أَهْلِ الصِّدْقِ، مَا بِحَدِيثِهِ بَأْسٌ، وَقَالَ أَبُو دُوَادَ: لَا بَأْسَ بِهِ، أَحَادِيثُهُ مُسْتَقِيمَةٌ، وَقَالَ مَرَّةً أُخْرَى: ثِقَةٌ . وَرَوَاهُ الْخَطِيبُ مِنْ طَرِيقِ جَعْفَرِ بْنِ هَارُونَ الْوَاسِطِيُّ عَنْ سَمْعَانَ عَنْ أَنَسٍ رَفَعَهُ مِثْلَهُ، لَكِنْ بِلَفْظِ: "فَقِيهًا يَتَلَاعَبُ بِهِ الصِّبْيَانُ الْجُهَّالُ"، وَسَمْعَانُ مَجْهُولٌ لَا يَكَادُ يُعْرَفُ الضَّعْفُ إِلَّا بِهِ، نُسَخُهُ مَكْذُوبَةٌ، وَرَوَاهُ الْقُضَاعِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْوَلِيدِ الْعَدَنِيِّ: حَدَّثَنَا الثَّوْرِيُّ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ بِهِ مَرْفُوعًا، بِلَفْظِ: "يَتَلَعَّبُ بِهِ الْحَمْقَى وَالْجُهَّالُ"، وَمُجَاهِدٌ قَالَ أَبُو زُرْعَةَ: عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِلَفْظِ: "وَعَالِمٌ يَتَلَاعَبُ بِهِ الصِّبْيَانُ" رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي الضُّعَفَاءِ مِنْ طَرِيقِ نُوحِ بْنِ الْهَيْثَمِ عَنْ أَبِي الْبَخْتَرِيِّ، وَيُرْوَى عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَيْضًا، وَأَوْرَدَهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي الْمَوْضُوعَاتِ، وَقَالَ: إِنَّمَا يُعْرَفُ هَذَا مِنْ كَلَامِ الْفُضَيْلِ بْنِ عِيَاضٍ، وَسَاقَهُ مِنْ طَرِيقِ الْحَاكِمِ، قَالَ: سَمِعْتُ إِسْمَاعِيلَ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ الْفَضْلِ قَالَ: سَمِعْتُ جَدِّي يَقُولُ: سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ مَنْصُورٍ يَقُولُ: قَالَ الْفُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ: ارْحَمُوا عَزِيزَ قَوْمٍ ذَلَّ، وَغَنِيًّا افْتَقَرَ، وَعَالِمًا بَيْنَ جُهَّالٍ، (وَالْأَنْبِيَاءُ مَرْحُومُونَ بَيْنَ الْأُمَّةِ بِهَذَا السَّبَبِ، وَمُقَاسَاتُهُمْ لِقُصُورِ عُقُولِ الْأُمَّةِ) عَنْ إِدْرَاكِ مَا يَقُولُونَ لَهُمْ (فِتْنَةٌ لَهُمْ وَامْتِحَانٌ وَابْتِلَاءٌ مِنَ اللَّهِ) تَعَالَى (وَبَلَاءٌ مُوَكَّلٌ بِهِمْ سَبَقَ بِتَوْكِيلِهِ الْقَضَاءُ الْأَزَلِيُّ، وَهُوَ الْمَعْنِيُّ بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "الْبَلَاءُ مُوَكَّلٌ بِالْأَنْبِيَاءِ، ثُمَّ الْأَوْلِيَاءِ، ثُمَّ الْأَمْثَلِ فَالْأَمْثَلِ" ) قَالَ الْعِرَاقِيُّ: رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ، وَالنَّسَائِيُّ فِي الْكُبْرَى، وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ النَّاسِ أَشَدُّ بَلَاءً؟ فَذَكَرَهُ دُونَ ذِكْرِهِ الْأَوْلِيَاءَ. وَلِلطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيثِ فَاطِمَةَ عَمَّةِ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ حُذَيْفَةَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ فِي أَثْنَاءِ حَدِيثِ: "أَشَدُّ النَّاسِ بَلَاءً الْأَنْبِيَاءُ، ثُمَّ الصَّالِحُونَ" انْتَهَى . قُلْتُ: رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ فِي الزُّهْدِ مِنْ جَامِعِهِ مِنْ طَرِيقِ عَاصِمِ بْنِ بَهْدَلَةَ عَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ النَّاسِ أَشَدُّ بَلَاءً؟ قَالَ: الْأَنْبِيَاءُ، ثُمَّ الْأَمْثَلُ فَالْأَمْثَلُ، فَيُبْتَلَى الرَّجُلُ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ، فَمَا يَبْرَحُ الْبَلَاءُ بِالْعَبْدِ حَتَّى تَرَكَهُ يَمْشِي عَلَى الْأَرْضِ وَمَا عَلَيْهِ خَطِيئَةٌ، وَكَذَا هُوَ عِنْدَ النَّسَائِيِّ وَابْنِ مَاجَهْ فِي الْفِتَنِ فِي سُنَنِهِ، وَالدَّارِمِيُّ فِي الرِّقَاقِ مِنْ مُسْنَدِهِ، وَأَخْرَجَهُ الطَّيَالِسِيُّ، وَأَحْمَدُ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وَالْبُخَارِيُّ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ، وَابْنُ مَنِيعٍ، وَأَبُو يَعْلَى، وَابْنُ حِبَّانَ، وَالْحَاكِمُ، كُلُّهُمْ مِنْ حَدِيثِ عَاصِمٍ، وَهُوَ عِنْدَ مَالِكٍ فِي الْمُوَطَّأِ وَآخَرِينَ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: إِنَّهُ حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ، وَالْحَاكِمُ، وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ الْعَلَاءِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ مُصْعَبٍ، وَأَمَّا حَدِيثُ فَاطِمَةَ بِنْتِ الْيَمَانِ أُخْتِ حُذَيْفَةَ; فَلَفْظُهُ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ فِي الْكَبِيرِ: "أَشَدُّ النَّاسِ بَلَاءً الْأَنْبِيَاءُ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ"، وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي التَّارِيخِ عَنْ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أَشَدُّ النَّاسِ بَلَاءً فِي الدُّنْيَا نَبِيٌّ أَوْ صَفِيٌّ"، وَرَوَى ابْنُ النَّجَّارِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: "أَشَدُّ النَّاسِ بَلَاءً الْأَنْبِيَاءُ، ثُمَّ الصَّالِحُونَ" وَرَوَى ابْنُ حِبَّانَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ: "أَشَدُّ النَّاسِ بَلَاءً الْأَنْبِيَاءُ، ثُمَّ الْأَمْثَلُ فَالْأَمْثَلُ، يُبْتَلَى النَّاسُ عَلَى قَدْرِ دِينِهِمْ، فَمَنْ تَحَقَّقَ دَيْنُهُ اشْتَدَّ بَلَاؤُهُ، وَمَنْ ضَعُفَ دَيْنُهُ ضَعُفَ بَلَاؤُهُ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيُصِيبُهُ الْبَلَاءُ حَتَّى يَمْشِيَ فِي النَّاسِ مَا عَلَيْهِ خَطِيئَةٌ"، وَرَوَاهُ ابْنُ سَعْدٍ فِي الطَّبَقَاتِ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَأَبُو يَعْلَى، وَالْحَاكِمُ، وَصَاحِبُ الْحِلْيَةِ، وَالضِّيَاءُ، بِلَفْظِ: "أَشَدُّ النَّاسِ بَلَاءً الْأَنْبِيَاءُ ثُمَّ الصَّالِحُونَ، لَقَدْ كَانَ أَحَدُهُمْ يُبْتَلَى بِالْفَقْرِ حَتَّى مَا يَجِدُ إِلَّا الْعَبَاءَةَ يَحْوِيهَا فَيَلْبَسُهَا، وَيُبْتَلَى بِالْقَمْلِ حَتَّى تَقْتُلَهُ، وَلَأَحَدُهُمْ كَانَ أَشَدَّ فَرَحًا بِالْبَلَاءِ مِنْ أَحَدِكَمْ بِالْعَطَاءِ". (فَلَا تَظْنُنَّ أَنَّ الْبَلَاءَ بَلَاءُ أَيُّوبَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَهُوَ الَّذِي يَنْزِلُ بِالْبَدَنِ) وَكَانَ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَدِ ابْتُلِيَ سَبْعَ سِنِينَ وَأَشْهُرًا بِالضُّرِّ فِي جَسَدِهِ، كَمَا رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتَادَةَ (فَإِنَّ بَلَاءَ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَيْضًا مِنَ الْبَلَاءِ الْعَظِيمِ إِذْ بُلِيَ بِجَمَاعَةٍ كَانَ لَا يَزِيدُهُمْ دُعَاؤُهُ إِلَى اللَّهِ إِلَّا فِرَارًا) ، وَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا أَيْ: عَنِ الْإِيمَانِ وَالطَّاعَةِ، وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا ; (وَلِذَلِكَ لَمَّا تَأَذَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِكَلَامِ بَعْضِ النَّاسِ قَالَ: رَحِمَ اللَّهُ أَخِي مُوسَى لَقَدْ أُوذِيَ بِأَكْثَرَ مِنْ هَذَا فَصَبَرَ) قَالَ الْعِرَاقِيُّ: مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ. انْتَهَى . قُلْتُ: وَالْمُرَادُ بِبَعْضِ النَّاسِ رَجُلٌ مِنَ الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ; وَذَلِكَ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْطَى يَوْمَ حُنَيْنٍ الْأَقْرَعَ بْنَ حَابِسٍ، وَعُيَيْنَةَ بْنَ حِصْنٍ مِائَةً مِنَ الْإِبِلِ، وَأَعْطَى غَيْرَهُمْ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ فَقَالَ رَجُلٌ: إِنَّ هَذِهِ قِسْمَةٌ مَا أُرِيدَ بِهَا وَجْهُ اللَّهِ، فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَلِكَ، وَقَدْ رَوَاهُ أَحْمَدُ كَذَلِكَ، وَتَقَدَّمَ فِي أَخْلَاقِ النُّبُوَّةِ . وَيُحْكَى مِنْ تَعَنُّتِ مَنْ آمَنَ بِمُوسَى مِنْ بَنِي إِسْرِائِيلَ أَنْ رَمَوْهُ بِدَاءِ الْأُدْرَةِ، وَاتَّهَمُوهُ بِقَتْلِ أَخِيهِ هَارُونَ لَمَّا مَاتَ مَعَهُ فِي التِّيهِ، بَعْدَمَا رَأَوْا مِنْهُ الْمُعْجِزَاتِ الظَّاهِرَةَ بِمَا جَاءَ بِهِ التَّنْزِيلُ، وَمِنْ سُوءِ أَخْلَاقِهِمْ أَنَّهُ لَمَّا سَلَكَ بِهِمْ طَرِيقَ الْبَحْرِ قَالُوا لَهُ: إِنْ أَصْبَحْنَا لَا نَرَاهُمْ، فَقَالَ: سِيرُوا فَإِنَّهُمْ عَلَى طَرِيقٍ كَطَرِيقِكُمْ، قَالُوا: لَا نَرْضَى حَتَّى نَرَاهُمْ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَى أَخْلَاقِهِمُ السَّيِّئَةِ فَفُتِحَتْ لَهُمْ كُوَّاتٌ فِي الْمَاءِ فَتَرَاءَوْا، وَتَسَامَعُوا إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَذَاهُمْ لَهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَهَذَا الْقَوْلُ مِنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَفَقَةً عَلَيْهِمْ، وَنُصْحًا فِي الدِّينِ لَا تَهْدِيدًا وَتَثْرِيبًا، إِيثَارًا لِحَقِّ اللَّهِ عَلَى نَفْسِهِ فِي ذَلِكَ الْمَقَامِ الَّذِي هُوَ عَقِبَ الْفَتْحِ، وَتَمَكُّنِ السُّلْطَانِ الَّذِي يَتَنَفَّسُ فِيهِ الْمَكْرُوبُ، وَيَنْفُثُ الْمَصْدُورُ، وَيَتَشَفَّى الْمَغِيظُ الْمُحْنِقُ، وَيُدْرِكُ ثَأْرَهُ الْمَأْثُورَ، (فَإِذَنْ كَمَا لَا يَخْلُو الْأَنْبِيَاءُ) عَلَيْهِمُ السَّلَامُ عَنِ الِابْتِلَاءِ بِالْجَاحِدِينَ وَالْمُعَانِدِينَ (فَلَا يَخْلُو الْأَوْلِيَاءُ وَالْعُلَمَاءُ عَنِ الِابْتِلَاءِ بِالْجَاهِلِينَ، وَلِذَلِكَ قَلَّمَا يَنْفَكُّ الْأَوْلِيَاءُ) ، وَكَذَلِكَ الْعُلَمَاءُ (عَنْ ضُرُوبٍ) أَيْ: أَنْوَاعٍ (مِنَ الْإِيذَاءِ وَأَنْوَاعِ الْبَلَاءِ بِالْإِخْرَاجِ عَنِ الْبَلَدِ) تَارَةً، (وَالسِّعَايَةِ بِهِمْ إِلَى السَّلَاطِينِ) تَارَةً، (وَالشَّهَادَةِ عَلَيْهِمْ بِالْكُفْرِ) تَارَةً، (وَالْخُرُوجِ عَنِ الدِّينِ تَارَةً) أَيْ: رَمْيُهُمْ بِالْحُلُولِ وَالزَّنْدَقَةِ، وَقَدْ وَقَعَ كُلُّ مَا ذُكِرَ لِأَعْيَانِ الْأَوْلِيَاءِ وَالْعُلَمَاءِ كَمَا يُعْرَفُ ذَلِكَ مِنْ تَرَاجِمِهِمْ فِي التَّوَارِيخِ، وَهُمْ مَعَ ذَلِكَ يَصْبِرُونَ عَلَى أَذَاهُمْ إِذْ أَخَذَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ أَنْ يَعْدِلُوا أَوْ يَقُومُوا بِنَوَامِيسِ الشَّرِيعَةِ وَالْحَقِيقَةِ وَالصَّدْعِ بِالْحَقِّ، وَالْقِيَامِ لِلَّهِ فِي أُمُورِ الدِّينِ وَمَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ، وَتَحَمُّلِ الْأَذِي الْمُتَرَتِّبِ عَلَى ذَلِكَ إِذْ هُمُ الْقُدْوَةُ وَالْمَرْجِعُ فِي الْأَحْكَامِ، وَحُجَّةُ اللَّهِ عَلَى الْعَوَامِّ، (وَوَاجِبٌ أَنْ يَكُونَ أَهْلُ الْمَعْرِفَةِ) بِاللَّهِ تَعَالَى (عِنْدَ أَهْلِ الْجَهْلِ مِنَ الْكَافِرِينَ كَمَا يَجِبُ أَنْ يَكُونَ الْمُعْتَاضُ عَنِ الْجَمَلِ الْكَبِيرِ) فِي الْجِسْمِ (جَوْهَرَةً صَغِيرَةً عِنْدَ الْجَاهِلِينَ مِنَ الْمُبَذِّرِينَ الْمُضَيِّعِينَ) أَمْوَالَهُمْ فِي غَيْرِ مِحَالِّهَا، (فَإِذَا عَرَفْتَ هَذِهِ الدَّقَائِقَ فَآمِنْ بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ يُعْطَى آخِرُ مَنْ يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ مِثْلَ الدُّنْيَا عَشْرَ مَرَّاتٍ) كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُ ذَلِكَ (وَإِيَّاكَ أَنْ تُقَصِّرَ بِتَصْدِيقِكَ عَلَى مَا يُدْرِكُهُ الْبَصَرُ وَالْحَوَاسُّ فَقَطْ فَتَكُونُ حِمَارًا بِرِجْلَيْنِ; لِأَنَّ الْحِمَارَ يُشَارِكُكَ فِي الْحَوَاسِّ الْخَمْسِ) الظَّاهِرَةِ، (وَإِنَّمَا أَنْتَ مُفَارِقٌ لِلْحِمَارِ بِسِرٍّ إِلَهِيٍّ عُرِضَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهُ وَأَشْفَقْنَ مِنْهُ) ، وَحَمَلْتَهُ أَنْتَ (فَإِدْرَاكُ مَا يَخْرُجُ عَنْ عَالِمِ الْحَوَّاسِ الْخَمْسِ لَا يُصَادَفُ إِلَّا فِي عَالَمِ ذَلِكَ السِّرِّ الَّذِي فَارَقْتَ بِهِ الْحِمَارَ وَسَائِرَ الْبَهَائِمِ) ، وَتَمَيَّزْتَ بِهِ عَنْهُمَا (فَمَنْ ذَهَلَ عَنْ ذَلِكَ وَعَطَّلَهُ وَأَهْمَلَهُ، وَقَنِعَ بِدَرَجَةِ الْبَهَائِمِ، وَلَمْ يُجَاوِزِ الْمَحْسُوسَاتِ) ، وَهِيَ أَخَسُّ الرُّتَبِ (فَهُوَ الَّذِي أَهْلَكَ نَفْسَهُ بِتَعْطِيلِهَا وَنَسْيِهَا بِالْإِعْرَاضِ عَنْهَا) ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ الْعَزِيزِ: ( وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ فَكُلُّ مَنْ لَمْ يَعْرِفْ إِلَّا الْمُدْرَكَ بِالْحَوَاسِّ فَقَدْ نَسِيَ اللَّهَ) وَجَهِلَ طَرِيقَ الْمَعْرِفَةِ (إِذْ لَيْسَ ذَاتُ اللَّهِ مُدْرَكًا فِي هَذَا الْعَالَمِ بِالْحَوَاسِّ الْخَمْسِ، وَكُلُّ مَنْ نَسِيَ اللَّهَ أَنْسَاهُ اللَّهُ لَا مَحَالَةَ نَفْسَهُ، وَنَزَلَ إِلَى رُتْبَةِ الْبَهَائِمِ) وَامْتَنَعَ سُلُوكَهُ (وَتَرَكَ التَّرَقِّيَ إِلَى الْأُفُقِ الْأَعْلَى، وَخَانَ فِي الْأَمَانَةِ الَّتِي أَوْدَعَهُ اللَّهُ تَعَالَى) إِيَّاهُ، (وَأَنْعَمَ بِهَا عَلَيْهِ فَغَدَا بِذَلِكَ كَافِرًا بِنِعْمَتِهِ، وَمُتَعَرِّضًا لِنِقْمَتِهِ إِلَّا أَنَّهُ أَسْوَأُ حَالًا مِنَ الْبَهِيمَةِ فَإِنَّ الْبَهِيمَةَ تَتَخَلَّصُ بِالْمَوْتِ) ، وَتَصِيرُ هَبَاءً فَلَا تُحَاسَبُ وَلَا تُعَاقَبُ (وَأَمَّا هَذَا فَعِنْدَهُ أَمَانَةٌ سَتَرْجِعُ لَا مَحَالَةَ إِلَى مُودِعِهَا فَإِلَيْهِ مَرْجِعُ الْأَمَانَةِ، وَمَصِيرُهَا) أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ، (وَتِلْكَ الْأَمَانَةُ) الْمُودَعَةُ (كَالشَّمْسِ الزَّاهِرَةِ) أَيِ: الْمُضِيئَةِ الْمُشْرِقَةِ، (وَإِنَّمَا هَبَطَتْ) مِنَ الْأُفُقِ الْأَعْلَى (إِلَى هَذَا الْقَالَبِ) الْجُسْمَانِيِّ (الْفَانِي وَغَرَبَتْ فِيهِ) ، وَإِلَيْهِ أَشَارَ عَلِيُّ بْنُ سِينَا فِي عَيْنِيَّتِهِ: هَبَطَتْ إِلَيْكَ مِنَ الْمَحَلِّ الْأَرْفَعِ هَيْفَاءُ ذَاتُ تَحَجُّبٍ وَتَمَنُّعِ (وَسَتَطْلُعُ هَذِهِ الشَّمْسُ عِنْدَ خَرَابِ هَذَا الْقَالَبِ مِنْ مَغْرِبِهَا، وَتَعُودُ إِلَى بَارِئِهَا وَخَالِقِهَا، إِمَّا مُظْلِمَةً مُنْكَسِفَةً، وَإِمَّا زَاهِرَةً مُشْرِقَةً، وَالزَّاهِرَةُ الْمُشْرِقَةُ غَيْرُ الْمَحْجُوبَةِ عَنِ الْحَضْرَةِ الرُّبُوبِيَّةِ، وَالظُّلْمَةُ أَيْضًا رَاجِعَةٌ إِلَى الْحَضْرَةِ إِذِ الْمَرْجِعُ وَالْمَصِيرُ لِلْكُلِّ إِلَيْهِ إِلَّا أَنَّهَا نَاكِسَةٌ رَأْسُهَا عَنْ جِهَةِ أَعْلَى عِلِّيِّينَ إِلَى جِهَةِ أَسْفَلِ سَافِلِينَ، وَلِذَلِكَ قَالَ تَعَالَى: وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ ) أَيْ: حَيَاءً وَخَجَلًا وَذُلًّا وَحَقَارَةً (فَبَيَّنَ أَنَّهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِلَّا أَنَّهُمْ مَنْكُوسُونَ) مَنْجُوسُونَ (قَدِ انْقَلَبَتْ وُجُوهُهُمْ إِلَى أَقْفِيَتِهِمْ) أَيْ: إِلَى الْوَرَاءِ، وَقَدْ وُكِسَ بِهِمْ (وَانْتَكَسَتْ رُءُوسُهُمْ عَنْ جِهَةِ فَوْقٍ إِلَى جِهَةِ أَسْفَلَ، وَذَلِكَ حُكْمُ اللَّهِ) عَزَّ وَجَلَّ (فِيمَنْ حَرَمَهُ تَوْفِيقَهُ) أَيْ: مَنَعَهُ إِيَّاهُ (وَلَمْ يَهْدِهِ طَرِيقَهُ) أَيْ: لَمْ يُرِهِ إِيَّاهُ (فَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الضَّلَالِ وَالنُّزُولِ إِلَى مَنَازِلِ الْجَهْلِ، فَهَذَا حُكْمُ انْقِسَامِ مَنْ يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ) آخِرًا فَيَتَّمَنِي وَيَسْأَلُ (فَيُعْطَى مِثْلَ عَشَرَةٍ أَمْثَالِ الدُّنْيَا وَأَكْثَرَ، وَلَا يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ إِلَّا مُوَحِّدٌ، وَلَسْتُ أَعْنِي بِالتَّوْحِيدِ: أَنْ يَقُولَ بِلِسَانِهِ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَإِنَّ اللِّسَانَ مِنْ عَالَمِ الْمُلْكِ وَالشَّهَادَةِ فَلَا يَنْفَعُ) هَذَا التَّوْحِيدُ (إِلَّا فِي عَالَمِ الْمُلْكِ فَيُدْفَعُ السَّيْفُ عَنْ رَقَبَتِهِ) أَيْ: سَيْفُ الْمُجَاهِدِينَ، (وَ) تُدْفَعُ (أَيْدِي الْغَانِمِينَ عَنْ مَالِهِ) ، وَذَلِكَ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَإِذَا قَالُوهَا عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَعْرَاضَهُمْ، وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ"، (وَمُدَّةُ بَقَاءِ الرَّقَبَةِ وَالْمَالِ مُدَّةُ الْحَيَاةِ) فِي عَالَمِ الْمَلِكِ (فَحَيْثُ لَا تَبْقَى رَقَبَةٌ وَلَا مَالٌ لَهُ لَا يَنْفَعُ الْقَوْلُ بِاللِّسَانِ، وَإِنَّمَا الصِّدْقُ فِي التَّوْحِيدِ، وَكَمَالُ التَّوْحِيدِ أَنْ لَا يَرَى الْأُمُورَ كُلَّهَا إِلَّا مِنَ اللَّهِ) عَزَّ وَجَلَّ، قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ الْجَلَّاءِ: مَنِ اسْتَوَى عِنْدَهُ الْمَدْحُ وَالذَّمُّ فَهُوَ زَاهِدٌ، وَمَنْ حَافَظَ عَلَى الْفَرَائِضِ فِي أَوَّلِ مَوَاقِيتِهَا فَهُوَ عَابِدٌ، وَمَنْ رَأَى الْأَفْعَالَ كُلَّهَا مِنَ اللَّهِ فَهُوَ مُوَحِّدٌ، (وَعَلَامَتُهُ أَنْ لَا يَغْضَبَ عَلَى أَحَدٍ مِنْ خَلْقِهِ بِمَا يَجْرِي عَلَيْهِ) مِنَ الْمُقَدَّرَاتِ الْأَزَلِيَّةِ مَنْ خَيْرٍ أَوْ شَرٍّ (إِذْ لَا يَرَى الْوَسَائِطَ) لِأَنَّهَا تَضْمَحِلُّ عَنْ نَظَرِهِ (وَإِنَّمَا يَرَى مُسَبِّبَ الْأَسْبَابِ) ، وَهَذَا هُوَ مَرْتَبَةُ الْفَنَاءِ فِي اللَّهِ (كَمَا سَيَأْتِي تَحْقِيقُهُ) فِي كِتَابِ (التَّوَكُّلِ) إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، (وَهَذَا التَّوْحِيدُ مُتَفَاوِتٌ) بِتَفَاوُتِ الْمُوَحِّدِينَ (فَمِنَ النَّاسِ مَنْ لَهُ مِنَ التَّوْحِيدِ مِثْلُ الْجِبَالِ) ، وَهَؤُلَاءِ هُمُ الْأَنْبِيَاءُ وَالْمُقَرَّبُونَ وَالصِّدِّيقُونَ، (وَمِنْهُمْ مِثْقَالٌ) وَزْنُهُ دِرْهَمٌ وَثَلَاثَةُ أَسْبَاعِ دِرْهَمٍ، (وَمِنْهُمْ مَنْ لَهُ مِقْدَارُ خَرْدَلَةٍ) ، وَالْخَرْدَلَةُ مَعْرُوفَةٌ، (وَ) مِنْهُمْ مَنْ (لَهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ) ، وَهِيَ الْهَبَاءُ الَّذِي يَظْهَرُ فِي ضَوْءِ الشَّمْسِ مِنْ كُوَّةٍ (فَمَنْ) كَانَ (فِي قَلْبِهِ) مِنْهُ (مِثْقَالُ دِينَارٍ) أَيْ وَزْنُهُ (مِنْ إِيمَانٍ فَهُوَ أَوَّلُ النَّاسِ مَنْ يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ، وَفِي الْخَبَرِ يُقَالُ: أَخْرِجُوا مِنَ النَّارِ مَنْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ إِيمَانٍ) رَوَى الطَّيَالِسِيُّ، وَأَحْمَدُ، وَالشَّيْخَانِ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ، وَابْنُ حِبَّانَ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ: "يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَكَانَ فِي قَلْبِهِ مِنَ الْخَيْرِ مَا يَزِنُ شَعِيرَةً، ثُمَّ يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ مَنْ يَقُولُ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَكَانَ فِي قَلْبِهِ مِنَ الْخَيْرِ مَا يَزِنُ بُرَّةً، ثُمَّ يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَكَانَ فِي قَلْبِهِ مِنَ الْخَيْرِ مَا يَزِنُ ذَرَّةً"، وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ: "يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ مَنْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنَ الْإِيمَانِ، (وَمَا بَيْنَ الْمِثْقَالِ وَالذَّرَّةِ عَلَى قَدْرِ تَفَاوُتِ دَرَجَتِهِمْ يَخْرُجُونَ بَيْنَ طَبَقَةِ الْمِثْقَالِ وَبَيْنَ طَبَقَةِ الذَّرَّةِ) ، وَهَؤُلَاءِ آخِرُ الطَّبَقَاتِ خُرُوجًا إِلَى أَنْ يَبْدُوَ لِبَعْضِهِمْ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى مَا لَا يَحْتَسِبُهُ فَيَعْفُو عَنِ الْبَعْضِ، وَلَا يَجْعَلُ لِمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ الْوَعِيدُ مِمَّا سَبَقَ لَهُ مِنَ الْكَلِمَةِ الْحُسْنَى، وَيَتَجَاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ، (وَالْمُوَازَنَةُ بِالْمِثْقَالِ وَالذَّرَّةِ عَلَى سَبِيلِ ضَرْبِ الْمَثَلِ كَمَا ذَكَرْنَاهُ فِي الْمُوَازَنَةِ بَيْنَ أَعْيَانِ الْأَمْوَالِ وَبَيْنَ النُّقُودِ، وَأَكْثَرُ مَا يُدْخِلُ الْمُوَحِّدِينَ النَّارَ مَظَالِمُ الْعِبَادِ) يَتَحَمَّلُونَهَا عَلَى رِقَابِهِمْ فَتَكُونُ سَبَبًا لِدُخُولِهِمْ فِي النَّارِ (فِي دُيُونِ الْعِبَادِ هُوَ الدِّيوَانُ الَّذِي لَا يَتْرُكُ) كَمَا تَقَدَّمَ فِي ذِكْرِ الدَّوَاوِينِ الثَّلَاثَةِ فِي الْخَبَرِ السَّابِقِ; وَذَلِكَ لِأَنَّ حُقُوقَ الْعِبَادِ مَبْنِيَّةٌ عَلَى الْمُشَاحَّةِ، وَلَفْظُ الْقُوتِ: وَأَكْثَرُ مَا يُوبِقُ النَّاسَ مِنَ الْكَبَائِرِ الْمَظَالِمُ، وَأَكْثَرُ مَا يُدْخِلُهُمُ النَّارَ ذُنُوبُ غَيْرِهِمْ إِذَا طُرِحَتْ عَلَيْهِمْ، وَفِي الْخَبَرِ: ذَنْبٌ يُغْفَرُ وَذَنْبٌ لَا يُتْرَكُ، فَالَّذِي يُغْفَرُ ذَنْبُ نَفْسِكَ، وَالَّذِي لَا يُتْرَكُ مَظَالِمُ الْعِبَادِ (فَأَمَّا بَقِيَّةُ السَّيِّئَاتِ فَيَتَسَارَعُ الْعَفْوُ وَالتَّكْفِيرُ إِلَيْهَا، فَفِي الْأَثَرِ) ، وَالْمُرَادُ بِهِ هُنَا الْخَبَرُ كَمَا هُوَ نَصُّ الْقُوتِ فَإِنَّهُ قَالَ: وَقَدْ جَاءَ فِي الْخَبَرِ وَلَيْسَ مِنْ عَادَةِ الْمُصَنِّفِ أَنْ يَسْتَعْمِلَ لَفْظَ الْأَثَرِ إِلَّا فِي أَقْوَالِ الصَّحَابَةِ وَمَنْ بَعْدَهُمْ، وَلِذَلِكَ لَمْ يَتَعَرَّضْ لَهُ الْعِرَاقِيُّ: (إِنَّ الْعَبْدَ لَيُوقَفُ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَلَهُ مِنَ الْحَسَنَاتِ أَمْثَالُ الْجِبَالِ لَوْ سَلِمَتْ لَهُ لَكَانَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَيَقُومُ أَصْحَابُ الْمَظَالِمِ فَيَكُونُ) وَلَفْظُ الْقُوتِ فَيُوجَدُ (قَدْ سَبَّ عِرْضَ هَذَا وَأَخَذَ) ، وَلَفْظُ الْقُوتِ: وَأَكَلَ (مَالَ هَذَا فَتَنْقُصُ مِنْ حَسَنَاتِهِ حَتَّى لَا تَبْقَى لَهُ حَسَنَةٌ، فَتَقُولُ الْمَلَائِكَةُ: يَا رَبَّنَا هَذَا قَدْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ، وَبَقِيَ طَالِبُونَ كَثِيرٌ، فَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى) وَلَفْظُ الْقُوتِ: فَيُقَالُ: (أَلْقُوا مِنْ سَيِّئَاتِهِمْ عَلَى سَيِّئَاتِهِ، وَصُكُّوا لَهُ صَكًّا إِلَى النَّارِ) هَكَذَا فِي الْقُوتِ، وَرَوَى الْحَاكِمُ عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ عَنْ سَلْمَانَ وَسَعْدٍ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَغَيْرِهِمْ رَفَعُوهُ: "يُرْفَعُ لِلرَّجُلِ الصَّحِيفَةُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يَرَى أَنَّهُ نَاجٍ، فَمَا زَالَ مَظَالِمُ بَنِي آدَمَ تَتْبَعُهُ حَتَّى مَا بَقِيَ لَهُ حَسَنَةٌ، وَيَزْدَادُ عَلَيْهِ سَيِّئَاتُهُمْ، (وَكَمَا يَهْلَكُ هُوَ بِسَيِّئَةِ غَيْرِهِ بِطَرِيقِ الْقِصَاصِ، فَكَذَلِكَ يَنْجُو الْمَظْلُومُ بِحَسَنَةِ الظَّالِمِ، إِذْ تُنْقَلُ إِلَيْهِ عِوَضًا عَمَّا ظُلِمَ بِهِ) فَقَدْ رَوَى الْخَرَائِطِيُّ فِي مَسَاوِئِ الْأَخْلَاقِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ: "إِنَّ الْعَبْدَ لَيُعْطَى كِتَابَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَنْشُورًا فَيَرَى فِيهِ حَسَنَاتٍ لَمْ يَعْمَلْهَا، فَيَقُولُ: يَا رَبِّ لَمْ أَعْمَلْ هَذِهِ الْحَسَنَاتِ فَيَقُولُ: إِنَّهَا كُتِبَتْ بِاغْتِيَابِ النَّاسِ إِيَّاكَ وَإِنَّ الْعَبْدَ لَيُعْطَى كِتَابَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَنْشُورًا فَيَقُولُ يَا رَبِّ أَلَمْ أَعْمَلْ حَسَنَةً يَوْمَ كَذَا وَكَذَا، فَيُقَالُ لَهُ: مُحِيَتْ عَنْكَ بِاغْتِيَابِكَ النَّاسَ، وَفِي إِسْنَادِهِ الْحَسَنُ بْنُ دِينَارٍ عَنِ الْخَطِيبِ بْنِ جَحْدَرٍ، وَلَفْظُ الْقُوتِ: وَكَثِيرُونَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ بِحَسَنَاتِ غَيْرِهِمْ إِذَا طُرِحَتْ عَلَيْهِمْ; لِأَنَّهَا صَحِيحَةٌ ثَابِتَةٌ، وَقَدْ تَبْطُلُ حَسَنَاتُهُمْ لِدُخُولِ الْآفَاتِ عَلَيْهَا . (وَقَدْ حُكِيَ عَنْ) أَبِي عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى (ابْنِ الْجَلَّاءِ) الْبَغْدَادِيِّ أَقَامَ بِالرَّمَلَةِ وَدِمَشْقَ، صَحِبَ أَبَا تُرَابٍ النَّخْشَبِيَّ وَذَا النُّونِ وَأَبَا عُبَيْدٍ الْبُسْرِيَّ وَأَبَا يَحْيَى الْجَلَّاءَ، تَرْجَمَ لَهُ الْقُشَيْرِيُّ فِي الرِّسَالَةِ (أَنَّ بَعْضَ إِخْوَانِهِ اغْتَابَهُ) أَيْ: ذَكَرَهُ بِمَا يَكْرَهُ (ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَيْهِ) رَسُولًا (لِيَسْتَحِلَّهُ فَقَالَ: لَا أَفْعَلُ لَيْسَ فِي صَحِيفَتِي حَسَنَةٌ أَفْضَلُ مِنْهَا فَكَيْفَ أَمْحُوهَا) كَذَا فِي الْقُوتِ، (وَقَالَ هُوَ وَغَيْرُهُ: ذُنُوبُ إِخْوَانِي مِنْ حَسَنَاتِي أُرِيدُ أَنْ أُزَيِّنَ بِهَا صَحِيفَتِي) ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْقُوتِ مِنْ بَقِيَّةِ قَوْلِ ابْنِ الْجَلَّاءِ السَّابِقِ (فَهَذَا مَا أَرَدْنَا أَنْ نَذْكُرَهُ مِنِ اخْتِلَافِ الْعِبَادِ فِي الْمَعَادِ) أَيْ: فِي الْآخِرَةِ (فِي دَرَجَاتِ السَّعَادَةِ وَالشَّقَاوَةِ، وَكُلُّ ذَلِكَ حُكْمٌ بِظَاهِرِ أَسْبَابٍ يُضَاهِي حُكْمَ الطَّبِيبِ عَلَى مَرِيضٍ بِأَنَّهُ يَمُوتُ لَا مَحَالَةَ، وَلَا يَقْبَلُ الْعِلَاجَ) لِشِدَّةِ مَا عَرَضَ لَهُ مِنَ الْمَرَضِ، (وَعَلَى مَرِيضٍ آخَرَ بِأَنَّ عَارِضَهُ خَفِيفٌ، وَعِلَاجَهُ هَيِّنٌ) أَيْ: سَهْلٌ; (فَإِنَّ ذَلِكَ ظَنٌّ يُصِيبُ فِي أَكْثَرِ الْأَحْوَالِ وَلَكِنْ قَدْ تَثُوبُ) أَيْ تَرْجِعُ (إِلَى الْمُشْرِفِ عَلَى الْهَلَاكِ نَفْسُهُ) أَيْ: إِلَى الصِّحَّةِ (مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُ الطَّبِيبُ، وَقَدْ يُسَاقُ إِلَى ذِي الْعَرَضِ الْخَفِيفِ أَجَلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ، وَذَلِكَ لِأَسْرَارِ اللَّهِ الْخَفِيَّةِ فِي أَرْوَاحِ الْأَحْيَاءِ وَغُمُوضِ الْأَسْبَابِ الَّتِي رَتَّبَهَا مُسَبِّبُ الْأَسْبَابِ بِقَدْرٍ مَعْلُومٍ) لَا يَتَبَدَّلُ وَلَا يَتَغَيَّرُ (إِذْ لَيْسَ فِي قُوَّةِ الْبَشَرِ الْوُقُوفُ عَلَى كُنْهِهَا) أَيْ: حَقِيقَتِهَا (فَكَذَلِكَ النَّجَاةُ وَالْفَوْزُ فِي الْآخِرَةِ لَهُمَا أَسْبَابٌ خَفِيَّةٌ لَيْسَ فِي قُوَّةِ الْبَشَرِ الِاطِّلَاعُ عَلَيْهَا، يُعَبَّرُ عَنْ ذَلِكَ السَّبَبِ الْخَفِيِّ الْمُفْضِي إِلَى النَّجَاةِ بِالْعَفْوِ وَالرِّضَا، وَعَمَّا يُفْضِي إِلَى الْهَلَاكِ بِالْغَضَبِ وَالِانْتِقَامِ، وَوَرَاءَ ذَلِكَ سِرُّ الْمَشِيئَةِ) الْإِلَهِيَّةِ (الْأَزَلِيَّةِ الَّتِي لَا يَطَّلِعُ الْخَلْقُ عَلَيْهَا) فَهُمْ عَنْهُ مَحْجُوبُونَ، وَعَنْ إِدْرَاكِهِ غَافِلُونَ، (فَكَذَلِكَ يَجِبُ عَلَيْنَا أَنْ نُجَوِّزَ الْعَفْوَ عَنِ الْعَاصِي، وَإِنْ كَثُرَتْ سَيِّئَاتُهُ الظَّاهِرَةُ وَ) أَنْ نُجَوِّزَ (الْغَضَبَ عَلَى الْمُطِيعِ، وَإِنْ كَثُرَتْ طَاعَتُهُ الظَّاهِرَةُ، فَإِنَّ الِاعْتِمَادَ عَلَى التَّقْوَى وَالتَّقْوَى فِي الْقَلْبِ، وَهُوَ أَغْمَضُ مِنْ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِ صَاحِبُهُ فَكَيْفَ غَيْرُهُ، وَلَكِنْ قَدِ انْكَشَفَ لِأَرْبَابِ الْقُلُوبِ) وَالْبَصَائِرِ (أَنَّهُ لَا عَفْوَ عَنْ عَبْدٍ إِلَّا بِسَبَبٍ خَفِيٍّ فِيهِ يَقْتَضِي الْعَفْوَ) ، وَالْمُسَامَحَةَ، (وَلَا غَضَبَ إِلَّا بِسَبَبٍ بَاطِنٍ يَقْتَضِي الْبُعْدَ عَنِ اللَّهِ تَعَالَى، وَلَوْلَا ذَلِكَ لَمْ يَكُنِ الْعَفْوُ وَالْغَضَبُ جَزَاءً عَلَى الْأَعْمَالِ وَالْأَوْصَافِ) ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ، (وَلَوْ لَمْ يَكُنْ جَزَاءً لَمْ يَكُنْ عَدْلًا، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ عَدْلًا لَمْ يَصِحَّ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ ، وَلَا قَوْلُهُ تَعَالَى:) وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا ، وَلَا قَوْلُهُ تَعَالَى: ( إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ ، وَكُلُّ ذَلِكَ صَحِيحٌ) لَا خِلَافَ فِيهِ (فَإِنَّهُ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى، وَسَعْيُهُ هُوَ الَّذِي يُرَى) كَمَا قَالَ تَعَالَى: وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى ، (وَ) قَالَ تَعَالَى: ( كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ ) أَيْ: مَحْبُوسَةٌ، وَقَالَ تَعَالَى: ( فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ ) أَمَالَهَا عَنْ وَجْهِ الصَّوَابِ، (وَلَمَّا غَيَّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ غَيَّرَ اللَّهُ مَا بِهِمْ تَحْقِيقًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ ، وَهَذَا كُلُّهُ قَدِ انْكَشَفَ لِأَرْبَابِ الْقُلُوبِ) وَالْبَصَائِرِ (انْكِشَافًا أَوْضَحَ مِنَ الْمُشَاهَدَةِ بِالْبَصَرِ، إِذِ الْبَصَرُ يُمْكِنُ الْغَلَطُ فِيهِ; إِذْ قَدْ يَرَى الْبَعِيدَ قَرِيبًا وَالْكَبِيرَ صَغِيرًا) وَالسَّاكِنَ مُتَحَرِّكًا وَالْمُتَحَرِّكَ سَاكِنًا، وَيُبْصِرُ غَيْرَهُ وَلَا يُبْصِرُ نَفْسَهُ، وَلَا يُبْصِرُ مَا بَعُدَ عَنْهُ وَلَا مَا قَرُبَ مِنْهُ، وَلَا يُبْصِرُ مَا وَرَاءَ حِجَابٍ، وَيُبْصِرُ مِنَ الْأَشْيَاءِ ظَاهِرَهَا لَا بَاطِنَهَا، وَمِنَ الْمَوْجُودَاتِ بَعْضَهَا لَا كُلَّهَا، وَلَا يُبْصِرُ مَا لَا نِهَايَةَ لَهُ، فَهَذِهِ سَبْعُ نَقَائِصَ لَا تُفَارِقُ الْبَصَرَ، وَمَعْنَى كَوْنِهِ يُبْصِرُ الْكَبِيرَ صَغِيرًا أَيْ: لِأَنَّهُ يُبْصِرُ الشَّمْسَ فِي مِقْدَارِ مِجَنٍّ، وَالْكَوَاكِبَ فِي صُورَةِ دَنَانِيرَ مَنْثُورَةٍ عَلَى بِسَاطٍ أَزْرَقَ، وَيَرَى الْكَوَاكِبَ سَاكِنَةً، بَلْ يَرَى الظِّلَّ بَيْنَ يَدَيْهِ سَاكِنًا، وَيَرَى الصَّبِيَّ سَاكِنًا مَعَ أَنَّهُ يَتَحَرَّكُ فِي الرَّحِمِ عَلَى الدَّوَامِ، وَأَنْوَاعُ غَلَطِ الْبَصَرِ كَثِيرَةٌ، (وَمُشَاهَدَةُ الْقَلْبِ لَا يُمْكِنُ الْغَلَطُ فِيهَا) فَإِنْ قُلْتَ: نَرَى جَمَاعَةً مِنْ أَرْبَابِ الْعُقُولِ يَغْلَطُونَ فِي نَظَرِهِمْ، فَاعْلَمْ أَنَّ فِيهِمْ خَيَالَاتٍ وَأَوْهَامًا وَاعْتِقَادَاتٍ يَظُنُّونَ أَنَّ أَحْكَامَهَا أَحْكَامُ الْعَقْلِ، فَالْغَلَطُ مَنْسُوبٌ إِلَيْهَا، فَأَمَّا الْعَقْلُ إِذَا تَجَرَّدَ عَنْ غِشَاوَةِ الْوَهْمِ وَالْخَيَالِ لَمْ يُتَصَوَّرْ أَنْ يَغْلَطَ، بَلْ يَرَى الْأَشْيَاءَ عَلَى مَا هِيَ عَلَيْهِ، وَفِي تَجَرُّدِهِ عُسْرٌ، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ: (وَإِنَّمَا الشَّأْنُ فِي انْفِتَاحِ بَصِيرَةِ الْقَلْبِ، وَإِلَّا فَمَا تَرَى بِهَا بَعْدَ الِانْفِتَاحِ فَلَا يُتَصَوَّرُ فِيهِ الْكَذِبُ) ، وَالْغَلَطُ، وَالْوَهْمُ، (وَإِلَيْهِ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى فِي حَقِّ نَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى ) أَيْ: مِنْ عَجَائِبِ الْمَلَكُوتِ الْأَعْلَى; وَذَلِكَ لِأَنَّ الْبَصَرَ مِنْ عَالَمِ الشَّهَادَةِ وَالْحِسِّ وَالْبَصِيرَةَ مِنْ عَالَمِ الْمَلَكُوتِ، لَا تُرَى بِالْأَبْصَارِ، إِنَّمَا تُشَاهَدُ بِبَصِيرَةِ الْقَلْبِ، وَاللَّهُ الْمُوَفِّقُ .

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية