الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
معلومات الكتاب

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين

مرتضى الزبيدي - محمد بن محمد الحسيني الزبيدي

جزء صفحة
إحياء علوم الدين وَقَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : إِذَا شَرِبَ الْحَنَفِيُّ النَّبِيذَ حَدَدْتُهُ وَلَمْ أَرُدَّ شَهَادَتَهُ فَقَدْ جَعَلَهُ كَبِيرَةً بِإِيجَابِ الْحَدِّ ، وَلَمْ يَرُدَّ بِهِ الشَّهَادَةَ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الشَّهَادَةَ نَفْيًا وَإِثْبَاتًا لَا تَدُورُ عَلَى الصَّغَائِرِ وَالْكَبَائِرِ ، بَلْ كُلُّ الذُّنُوبِ تَقْدَحُ فِي الْعَدَالَةِ إِلَّا مَا لَا يَخْلُو الْإِنْسَانُ عَنْهُ غَالِبًا بِضَرُورَةِ مَجَارِي الْعَادَاتِ كَالْغِيبَةِ وَالتَّجَسُّسِ وَسُوءِ الظَّنِّ وَالْكَذِبِ فِي بَعْضِ الْأَقْوَالِ وَسَمَاعُ الْغِيبَةِ ، وَتَرْكُ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأَكْلُ الشُّبُهَاتِ وَسَبُّ الْوَلَدِ وَالْغُلَامِ وَضَرْبُهُمَا بِحُكْمِ الْغَضَبِ زَائِدًا عَلَى حَدِّ الْمَصْلَحَةِ وَإِكْرَامُ السَّلَاطِينِ الظَّلَمَةِ وَمُصَادَقَةُ الْفُجَّارِ وَالتَّكَاسُلُ عَنْ تَعْلِيمِ الْأَهْلِ وَالْوَلَدِ جَمِيعَ مَا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ مِنْ أَمْرِ الدِّينِ ، فَهَذِهِ ذُنُوبٌ لَا يُتَصَوَّرُ أَنْ يَنْفَكَّ الشَّاهِدُ عَنْ قَلِيلِهَا أَوْ كَثِيرِهَا إِلَّا بِأَنْ يَعْتَزِلَ النَّاسَ وَيَتَجَرَّدَ لِأُمُورِ الْآخِرَةِ ، وَيُجَاهِدَ نَفْسَهُ مُدَّةً بِحَيْثُ يُبْقِي عَلَى سُمْعَتِهِ مَعَ الْمُخَالَفَةِ بَعْدَ ذَلِكَ ، وَلَوْ لَمْ يَقْبَلْ إِلَّا قَوْلَ مِثْلِهِ لَعَزَّ وُجُودُهُ وَبَطَلَتِ الْأَحْكَامُ وَالشَّهَادَاتُ ، وَلَيْسَ لُبْسُ الْحَرِيرِ وَسَمَاعُ الْمَلَاهِي وَاللَّعِبُ بِالنَّرْدِ وَمُجَالَسَةُ أَهْلِ الشَّرْبِ فِي وَقْتِ الشُّرْبِ ، وَالْخَلْوَةُ بِالْأَجْنَبِيَّاتِ وَأَمْثَالُ هَذِهِ الصَّغَائِرِ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ فَإِلَى مِثْلِ هَذَا الْمِنْهَاجِ يَنْبَغِي أَنْ يَنْظُرَ فِي قَبُولِ الشَّهَادَةِ وَرَدِّهَا لَا إِلَى الْكَبِيرَةِ وَالصَّغِيرَةِ ، ثُمَّ آحَادُ هَذِهِ الصَّغَائِرِ الَّتِي لَا تُرَدُّ الشَّهَادَةُ بِهَا ، لَوْ وَاظَبَ عَلَيْهَا لَأَثَّرَ فِي رَدِّ الشَّهَادَةِ كَمَنِ اتَّخَذَ الْغِيبَةَ وَثَلْبَ النَّاسِ عَادَةً وَكَذَلِكَ مُجَالَسَةُ الْفُجَّارِ وَمُصَادَقَتُهُمْ وَالصَّغِيرَةُ تَكْبُرُ بِالْمُوَاظَبَةِ كَمَا أَنَّ الْمُبَاحَ يَصِيرُ صَغِيرَةً بِالْمُوَاظَبَةِ كَاللَّعِبِ بِالشَّطْرَنْجِ وَالتَّرَنُّمِ بِالْغِنَاءِ عَلَى الدَّوَامِ وَغَيْرِهِ ، فَهَذَا بَيَانُ حُكْمِ الصَّغَائِرِ وَالْكَبَائِرِ . (فَصْلٌ) وَقَالَ أَصْحَابُنَا: الصَّحِيحُ فِي حَدِّ الْعَدَالَةِ الْمُعْتَبَرَةِ فِي الشَّهَادَاتِ اجْتِنَابُ الْكَبَائِرِ، وَعَدَمُ الْإِصْرَارِ عَلَى الصَّغَائِرِ، وَغَلَبَةُ صَوَابِهِ عَلَى خَطَئِهِ، وَصِدْقِهِ عَلَى كَذِبِهِ وَإِنْ أَلَمَّ بِمَعْصِيَةٍ لِأَنَّ فِي اعْتِبَارِ اجْتِنَابِهِ الْكُلُّ سَدُّ بَابٍ وَهُوَ مَفْتُوحٌ إِحْيَاءً لِلْعُقُوقِ . وَالْكَبِيرَةُ كُلُّ مَا يُسَمَّى فَاحِشَةً كِاللِّوَاطَةِ، وَنِكَاحِ مَنْكُوحَةِ الْأَبِ، أَوْ ثَبَتَ لَهَا بِنَصٍّ قَاطِعٍ عُقُوبَةٌ فِي الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ، وَقَالَ الشَّمْسُ الْحُلْوَانِيُّ: كُلُّ مَا كَانَ شَنِيعًا بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، وَفِيهِ هَتْكُ حُرْمَةِ اللَّهِ وَالدِّينِ فَهُوَ كَبِيرَةٌ، وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ مُخَنَّثٍ وَنَائِحَةٍ وَمُغْنِيَةٍ وَمُدْمِنٍ عَلَى الشُّرْبِ، وَمَنْ يَلْعَبُ بِالطُّيُورِ وَالطُّنْبُورِ، وَمَنْ يَفْعَلُ كَبِيرَةً تُوجِبُ الْحَدَّ، وَمَنْ يَأْكُلُ الرِّبَا، أَوْ يُقَامِرُ بِالشَّطْرَنْجِ، أَوْ تَفُوتُهُ الصَّلَاةُ بِسَبَبِهِ أَوْ يَدْخُلُ الْحَمَّامَ بِغَيْرِ إِزَارٍ، أَوْ يَفْعَلُ فِعْلًا مُسْتَخِفًّا كَالْبَوْلِ وَالْأَكْلِ عَلَى الطَّرِيقِ، وَمَنْ يُظْهِرُ سَبَّ السَّلَفِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية