الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
معلومات الكتاب

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين

مرتضى الزبيدي - محمد بن محمد الحسيني الزبيدي

جزء صفحة
إحياء علوم الدين وَقَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : إِذَا شَرِبَ الْحَنَفِيُّ النَّبِيذَ حَدَدْتُهُ وَلَمْ أَرُدَّ شَهَادَتَهُ فَقَدْ جَعَلَهُ كَبِيرَةً بِإِيجَابِ الْحَدِّ ، وَلَمْ يَرُدَّ بِهِ الشَّهَادَةَ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الشَّهَادَةَ نَفْيًا وَإِثْبَاتًا لَا تَدُورُ عَلَى الصَّغَائِرِ وَالْكَبَائِرِ ، بَلْ كُلُّ الذُّنُوبِ تَقْدَحُ فِي الْعَدَالَةِ إِلَّا مَا لَا يَخْلُو الْإِنْسَانُ عَنْهُ غَالِبًا بِضَرُورَةِ مَجَارِي الْعَادَاتِ كَالْغِيبَةِ وَالتَّجَسُّسِ وَسُوءِ الظَّنِّ وَالْكَذِبِ فِي بَعْضِ الْأَقْوَالِ وَسَمَاعُ الْغِيبَةِ ، وَتَرْكُ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأَكْلُ الشُّبُهَاتِ وَسَبُّ الْوَلَدِ وَالْغُلَامِ وَضَرْبُهُمَا بِحُكْمِ الْغَضَبِ زَائِدًا عَلَى حَدِّ الْمَصْلَحَةِ وَإِكْرَامُ السَّلَاطِينِ الظَّلَمَةِ وَمُصَادَقَةُ الْفُجَّارِ وَالتَّكَاسُلُ عَنْ تَعْلِيمِ الْأَهْلِ وَالْوَلَدِ جَمِيعَ مَا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ مِنْ أَمْرِ الدِّينِ ، فَهَذِهِ ذُنُوبٌ لَا يُتَصَوَّرُ أَنْ يَنْفَكَّ الشَّاهِدُ عَنْ قَلِيلِهَا أَوْ كَثِيرِهَا إِلَّا بِأَنْ يَعْتَزِلَ النَّاسَ وَيَتَجَرَّدَ لِأُمُورِ الْآخِرَةِ ، وَيُجَاهِدَ نَفْسَهُ مُدَّةً بِحَيْثُ يُبْقِي عَلَى سُمْعَتِهِ مَعَ الْمُخَالَفَةِ بَعْدَ ذَلِكَ ، وَلَوْ لَمْ يَقْبَلْ إِلَّا قَوْلَ مِثْلِهِ لَعَزَّ وُجُودُهُ وَبَطَلَتِ الْأَحْكَامُ وَالشَّهَادَاتُ ، وَلَيْسَ لُبْسُ الْحَرِيرِ وَسَمَاعُ الْمَلَاهِي وَاللَّعِبُ بِالنَّرْدِ وَمُجَالَسَةُ أَهْلِ الشَّرْبِ فِي وَقْتِ الشُّرْبِ ، وَالْخَلْوَةُ بِالْأَجْنَبِيَّاتِ وَأَمْثَالُ هَذِهِ الصَّغَائِرِ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ فَإِلَى مِثْلِ هَذَا الْمِنْهَاجِ يَنْبَغِي أَنْ يَنْظُرَ فِي قَبُولِ الشَّهَادَةِ وَرَدِّهَا لَا إِلَى الْكَبِيرَةِ وَالصَّغِيرَةِ ، ثُمَّ آحَادُ هَذِهِ الصَّغَائِرِ الَّتِي لَا تُرَدُّ الشَّهَادَةُ بِهَا ، لَوْ وَاظَبَ عَلَيْهَا لَأَثَّرَ فِي رَدِّ الشَّهَادَةِ كَمَنِ اتَّخَذَ الْغِيبَةَ وَثَلْبَ النَّاسِ عَادَةً وَكَذَلِكَ مُجَالَسَةُ الْفُجَّارِ وَمُصَادَقَتُهُمْ وَالصَّغِيرَةُ تَكْبُرُ بِالْمُوَاظَبَةِ كَمَا أَنَّ الْمُبَاحَ يَصِيرُ صَغِيرَةً بِالْمُوَاظَبَةِ كَاللَّعِبِ بِالشَّطْرَنْجِ وَالتَّرَنُّمِ بِالْغِنَاءِ عَلَى الدَّوَامِ وَغَيْرِهِ ، فَهَذَا بَيَانُ حُكْمِ الصَّغَائِرِ وَالْكَبَائِرِ . إتحاف السادة المتقين (وَقَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: إِذَا شَرِبَ الْحَنَفِيُّ النَّبِيذَ حَدَدْتُهُ) أَيْ: أَقَمْتُ عَلَيْهِ الْحَدَّ، (وَلَمْ أَرُدَّ شَهَادَتَهُ) ; لِأَنَّهُ يَعْتَقِدُ حِلِّيَّتَهُ (فَقَدْ جَعَلَهُ كَبِيرَةً بِإِيجَابِ الْحَدِّ، وَلَمْ يَرُدَّ بِهِ الشَّهَادَةَ) ، وَفِي الْخَادِمِ لِلزَّرْكَشِيِّ، وَمِنَ النَّبِيذِ الْمُخْتَلَفِ فِيهِ إِذَا شَرِبَ الْيَسِيرَ مِنْهُ مُعْتَقِدًا تَحْرِيمَهُ فَفِي كَوْنِهِ كَبِيرَةً خِلَافٌ مِنْ أَجْلِ اخْتِلَافِ الْعُلَمَاءِ فِيهِ، وَلِهَذَا صَرَّحَ الرَّافِعِيُّ بِأَنَّهُ عَلَى وَجْهَيْنِ، وَأَنَّ الْأَكْثَرِينَ عَلَى الرَّدِّ أَيْ: رَدِّ الشَّهَادَةِ بِهِ; لِأَنَّهُ فِسْقٌ، وَلَوِ اسْتُعْمِلَتْ لِلتَّدَاوِي عَلَى الْقَوْلِ بِالتَّحْرِيمِ، فَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ لَيْسَ بِكَبِيرَةٍ إِذَا قُلْنَا: لَا يَجِبُ فِيهِ الْحَدُّ كَمَا صَحَّحَهُ النَّوَوِيُّ، وَيُحْتَمَلُ خِلَافُهُ لِلْجُرْأَةِ انْتَهَى، وَقَالَ غَيْرُهُ: الْأَوْجَهُ الْأَوَّلُ، (فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الشَّهَادَةَ نَفْيًا وَإِثْبَاتًا لَا تَدُورُ عَلَى الصَّغَائِرِ وَالْكَبَائِرِ، بَلْ كُلُّ الذُّنُوبِ تَقْدَحُ فِي الْعَدَالَةِ) أَيِ: الصَّغَائِرُ وَالْكَبَائِرُ، أَمَّا الْكَبَائِرُ فَبِمُجَرِّدِهَا يَخْرُجُ عَنِ الْعَدَالَةِ، وَأَمَّا الصَّغَائِرُ فَبِوُقُوعِهَا مِنْهُ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ (إِلَّا مَا لَا يَخْلُو الْإِنْسَانُ عَنْهُ غَالِبًا بِضَرُورَةِ مَجَارِي الْعَادَاتِ كَالْغِيبَةِ وَالتَّجَسُّسِ وَسُوءِ الظَّنِّ وَالْكَذِبِ) الَّذِي لَا حَدَّ فِيهِ وَلَا ضَرَرَ (فِي بَعْضِ الْأَقْوَالِ) وَلَوْ تَعَمَّدُوا (وَسَمَاعُ الْغِيبَةِ وَالْإِصْغَاءُ إِلَيْهَا، وَالسُّكُوتُ عَلَيْهَا، وَتَرْكُ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ) وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ مَعَ عَدَمِ الْقُدْرَةِ عَلَيْهَا، (وَأَكْلُ الشُّبُهَاتِ) وَعَدَمُ التَّحَرِّي فِيهَا، (وَسَبُّ الْوَلَدِ وَالْغُلَامِ وَضَرْبُهُمَا بِحُكْمِ الْغَضَبِ) الطَّبْعِيِّ (زَائِدًا عَلَى حَدِّ الْمَصْلَحَةِ) الشَّرْعِيَّةِ، (وَإِكْرَامُ السَّلَاطِينِ الظَّلَمَةِ) وَأَعْوَانِهِمْ، (وَمُصَادَقَةُ الْفُجَّارِ) ، وَمُجَالَسَتُهُمْ إِينَاسًا لَهُمْ، (وَالتَّكَاسُلُ عَنْ تَعْلِيمِ الْأَهْلِ وَالْوَلَدِ جَمِيعَ مَا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ مِنْ أَمْرِ الدِّينِ، فَهَذِهِ ذُنُوبٌ لَا يُتَصَوَّرُ أَنْ يَنْفَكَّ الشَّاهِدُ عَنْ قَلِيلِهَا وَكَثِيرِهَا) لَا سِيَّمَا فِي بَعْضِ مَا ذُكِرَ مَا قِيلَ إِنَّهُ مِنَ الْكَبَائِرِ (إِلَّا بِأَنْ يَعْتَزِلَ النَّاسَ) مُدَّةً، (وَيَتَجَرَّدَ لِأُمُورِ الْآخِرَةِ، وَيُجَاهِدَ نَفْسَهُ مُدَّةً) مَدِيدَةً (بِحَيْثُ يَبْقَى عَلَى سِمَتِهِ مَعَ الْمُخَالَطَةِ بَعْدَ ذَلِكَ، وَلَوْ لَمْ يَقْبَلْ إِلَّا قَوْلَ مِثْلِهِ لَعَزَّ وُجُودُهُ) أَيْ: قَلَّ (وَبَطَلَتِ الْأَحْكَامُ وَالشَّهَادَاتُ، وَلَيْسَ لُبْسُ الْحَرِيرِ) وَالدِّيبَاجِ، (وَسَمَاعُ الْمَلَاهِي) وَالْأَوْتَارِ، (وَاللَّعِبُ بِالنَّرْدِ) ، وَمَا فِي مَعْنَاهُ مِنَ الْمُنَقِّلَةِ، وَالْكَنْجَفَةِ وَالْأَرْبَعَةَ عَشَرَ وَغَيْرِهَا، (وَمُجَالَسَةُ أَهْلِ الشَّرْبِ) بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ جَمْعُ شَارِبٍ كَرَكْبٍ وَرَاكِبٍ (فِي وَقْتِ الشُّرْبِ، وَالْخَلْوَةُ بِالْأَجْنَبِيَّاتِ) ، وَكَذَا مُبَاشَرَتُهُنَّ بِغَيْرِ الْجِمَاعِ، (وَأَمْثَالُ هَذِهِ الصَّغَائِرِ) كَالنَّظَرِ إِلَى مَا لَا يَجُوزُ وَهَجْرِ الْمُسْلِمِ فَوْقَ ثَلَاثٍ لِغَيْرِ عُذْرٍ شَرْعِيٍّ، وَكَثْرَةِ الْخُصُومَاتِ، وَإِنْ كَانَ مُحِقًّا، وَالتَّبَخْتُرِ فِي الْمَشْيِ، وَالْعَبَثِ فِي الصَّلَاةِ، وَكَشْفِ الْعَوْرَةِ فِي الْحَمَّامِ، وَكَذَا فِي الْخَلْوَةِ لِغَيْرِ حَاجَةٍ فِي الْأَصَحِّ، وَإِرْسَالِ الرِّيحِ بِحَضْرَةِ النَّاسِ، وَمَدِّ الرِّجْلَيْنِ فِي الْمَجَالِسِ، وَالْإِكْثَارِ مِنَ الْحِكَايَاتِ الْمُضْحِكَةِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ (مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ) ، أَمَّا مُجَالَسَةُ أَهْلِ الشَّرْبِ فَقَدْ نَقَلَ الْأَذْرَعِيُّ عَنْ صَاحِبِ الْعُدَّةِ: إِنَّهُ مِنَ الصَّغَائِرِ، وَأَقَرَّهُ الشَّيْخَانِ: الرَّافِعِيُّ وَالنَّوَوِيُّ، وَتَقْيِيدُ الْمُصَنِّفِ بِكَوْنِهِ وَقْتَ الشُّرْبِ دَالٌّ عَلَى أَنَّ مُجَالَسَتَهُمْ فِي غَيْرِ هَذَا الْوَقْتِ مُبَاحَةٌ، فَإِنَّ قَصْدَ إِينَاسِهِمْ مِنْ حَيْثُ كَوْنِهِمْ فَسَقَةً فَلَا شَكَّ فِي حُرْمَةِ ذَلِكَ، وَأَمَّا لُبْسُ الْحَرِيرِ فَقِيلَ: إِنَّهُ كَبِيرَةٌ، وَأَمَّا سَمَاعُ الْمَلَاهِي وَالْأَوْتَارِ فَقَدْ نَقَلَ الْإِمَامُ عَنِ الشَّيْخِ أَبِي مُحَمَّدٍ أَنَّ سَمَاعَ الْأَوْتَارِ مَرَّةً وَاحِدَةً لَا يُوجِبُ رَدَّ الشَّهَادَةِ، وَإِنَّمَا تُرَدُّ بِالْإِصْرَارِ، وَتَبِعَهُ الْمُصَنِّفُ فَقَالَ: وَمَا ذَكَرْنَاهُ فِي سَمَاعِ الْأَوْتَارِ مَفْرُوضٌ فِيمَا إِذَا لَمْ يَكُنِ الْإِقْدَامُ عَلَيْهِ مَرَّةً يُشْعِرُ بِالِانْحِلَالِ، وَإِلَّا فَالْمَرَّةُ الْوَاحِدَةُ لَا تُرَدُّ بِهَا الشَّهَادَةُ، وَأَمَّا اللَّعِبُ بِالنَّرْدِ فَفِيهِ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ: أَحَدُهَا أَنَّهُ مَكْرُوهٌ كَرَاهَةَ تَنْزِيهٍ، وَبِهِ قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيُّ، وَالْإِسْفَرَايِينِيُّ، وَحَكَاهُ ابْنُ خَيْرَانَ، وَاخْتَارَهُ أَبُو الطَّيِّبِ، وَهُوَ غَلَطٌ لَيْسَ بِشَيْءٍ لِمُخَالَفَتِهِ الْمَنْقُولَ وَالدَّلِيلَ، وَقَوْلُ جَمَاعَةٍ: إِنَّهُ مَنْصُوصٌ عَلَيْهِ فِي الْأُمِّ وَغَيْرِهِ مَرْدُودٌ، وَلِهَذَا قَالَ صَاحِبُ الْبَيَانِ: إِنَّ الْمَنْصُوصَ عَلَيْهِ فِي الْأُمِّ التَّحْرِيمُ، وَبِهِ قَالَ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ . الثَّانِي: أَنَّهُ حَرَامٌ صَغِيرَةٌ وَعَلَيْهِ مَشَى الْمُصَنِّفُ هُنَا، وَرَجَّحَهُ الرَّافِعِيُّ. الثَّالِثُ أَنَّهُ حَرَامٌ كَبِيرَةٌ، وَهُوَ الَّذِي عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُهُ، أَشَارَ إِلَيْهِ الرُّويَانِيُّ فِي الْحِلْيَةِ، وَنَقَلَ الْقُرْطُبِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ الْإِجْمَاعَ عَلَيْهِ، وَكَذَا الْمُوَفَّقُ الْحَنْبَلِيُّ فِي الْمُغْنِي نَقَلَ الْإِجْمَاعَ عَلَيْهِ . الرَّابِعُ التَّفْصِيلُ بَيْنَ بَلَدٍ يَسْتَعْظِمُونَ اللَّعِبَ بِهِ فَتُرَدُّ بِهِ الشَّهَادَةُ، وَبَلَدٍ لَيْسَ كَذَلِكَ فَلَا تُرَدُّ بِهِ، وَهَذِهِ التَّفْرِقَةُ ضَعِيفَةٌ كَمَا قَالَهُ الْبُلْقِينِيُّ، وَعَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهُ صَغِيرَةٌ كَمَا مَشَى عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ هُنَا فَمَحَلُّهُ حَيْثُ خَلَا عَنِ الْقِمَارِ، وَإِلَّا فَهُوَ كَبِيرَةٌ بِلَا نِزَاعٍ كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ الزَّرْكَشِيُّ، وَهُوَ وَاضِحٌ . (فَإِلَى مِثْلِ هَذَا الْمِنْهَاجِ يَنْبَغِي أَنْ يَنْظُرَ فِي قَبُولِ الشَّهَادَةِ وَرَدِّهَا لَا إِلَى الْكَبِيرَةِ وَالصَّغِيرَةِ، ثُمَّ آحَادُ هَذِهِ الصَّغَائِرِ الَّتِي لَا تُرَدُّ الشَّهَادَةُ بِهَا، لَوْ وَاظَبَ عَلَيْهَا لَأَثَّرَ فِي رَدِّ الشَّهَادَةِ) ، وَالْمُرَادُ بِالْمُوَاظَبَةِ هُنَا الْمُدَاوَمَةُ عَلَى نَوْعٍ مِنْهَا، وَهَذَا هُوَ الْإِصْرَارُ السَّالِبُ لِلْعَدَالَةِ، وَبِهِ قَالَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْأَصْحَابِ، (كَمَنِ اتَّخَذَ الْغِيبَةَ وَثَلْبَ النَّاسِ) أَعْرَاضَهُمْ (عَادَةً) لَهُ، وَمِنْهُمْ مَنْ فَسَّرَ الْمُوَاظَبَةَ بِالْإِكْثَارِ عَلَى الصَّغَائِرِ سَوَاءٌ كَانَتْ مِنْ نَوْعٍ أَوْ أَنْوَاعٍ مُخْتَلِفَةٍ، وَبِهِ فَسَّرُوا الْإِصْرَارَ السَّالِبَ لِلْعَدَالَةِ، وَنَقَلَ الرَّافِعِيُّ الْقَوْلَيْنِ، قَالَ: وَيُوَافِقُ الثَّانِي قَوْلُ الْجُمْهُورِ أَنَّ مَنْ تَغْلُبَ طَاعَتُهُ مَعَاصِيَهُ كَانَ عَدْلًا، وَمَنْ تَغْلُبُ مَعَاصِيهِ طَاعَتَهُ كَانَ مَرْدُودَ الشَّهَادَةِ، وَذَا قُلْنَا بِهِ لَمْ تَضُرَّ الْمُدَاوَمَةُ عَلَى نَوْعٍ وَاحِدٍ مِنَ الصَّغَائِرِ إِذَا غَلَبَتِ الطَّاعَاتُ، وَعَلَى الِاحْتِمَالِ الْأَوَّلِ تَضُرُّ. انْتَهَى . وَتَبِعَهُ النَّوَوِيُّ فِي الرَّوْضَةِ، وَقَضِيَّةُ كَلَامِهِمَا تَرْجِيحُ الثَّانِي، وَبِهِ صَرَّحَ ابْنُ سُرَاقَةَ وَغَيْرُهُ . (وَكَذَلِكَ مُجَالَسَةُ الْفُجَّارِ وَمُصَادَقَتُهُمْ) ، وَلَوْ فِي حَالِ فُجُورِهِمْ، وَكَلَامُ بَعْضِ الْأَصْحَابِ صَرِيحٌ فِي أَنَّ مُجَرَّدَ مُصَادَقَتِهِمْ حَرَامٌ، وَإِنْ لَمْ يُجَالِسْهُمْ، وَكَلَامُ بَعْضِهِمْ أَنَّ مُجَرَّدَ الْمُجَالَسَةِ مِنْ غَيْرِ مُصَادَقَةٍ وَلَا قَصْدِ إِينَاسٍ لَا إِثْمَ فِيهَا، وَكَلَامُ الْمُصَنِّفِ صَرِيحٌ فِي أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يَأْثَمُ بِهِ، (وَالصَّغِيرَةُ تَكْبُرُ) أَيْ: تَصِيرُ كَبِيرَةً (بِالْمُوَاظَبَةِ) عَلَيْهَا أَيْ: تَصِيرُ مِثْلَهَا فِي رَدِّ الشَّهَادَةِ (كَمَا أَنَّ الْمُبَاحَ يَصِيرُ كَبِيرَةً بِالْمُوَاظَبَةِ عَلَيْهِ) ، وَهَذَا بِنَاءً عَلَى الْقَوْلِ الضَّعِيفِ; فَإِنَّ الْمُعْتَمَدَ أَنَّهُ لَا تَضُرُّ الْمُدَاوَمَةُ عَلَى نَوْعٍ مِنَ الصَّغَائِرِ، أَوْ أَنْوَاعٍ سَوَاءٌ كَانَ مُقِيمًا عَلَى الصَّغِيرَةِ أَوِ الصَّغَائِرِ، أَوْ مُكْثِرًا مُكَرِّرًا مِنْ فِعْلِ ذَلِكَ، حَيْثُ غَلَبَتِ الطَّاعَاتُ الْمَعَاصِيَ، هَكَذَا نَقَلَهُ الْأَذْرَعِيُّ، وَالْبُلْقِينِيُّ، وَالزَّرْكَشِيُّ، وَابْنُ الْعِمَادِ، وَغَيْرُهُمْ. وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُ الْجُمْهُورِ: مَنْ غَلَبَتْ مَعَاصِيهِ طَاعَاتِهِ رُدَّتْ شَهَادَتُهُ سَوَاءٌ كَانَتِ الْمَعَاصِي مَنْ نَوْعٍ أَوْ أَنْوَاعٍ، وَمِنْ ثَمَّ قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: الْمَذْهَبُ وَقَوْلُ الْجُمْهُورِ وَمَا تَضَمَّنَتْهُ النُّصُوصُ أَنَّ مَنْ كَانَ الْأَغْلَبُ عَلَيْهِ الطَّاعَةَ وَالْمُرُوءَةَ قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ، أَوِ الْمَعْصِيَةُ وَخِلَافُ الْمُرُوءَةِ رُدَّتْ شَهَادَتُهُ، وَهَذَا الْقَوْلُ الَّذِي اعْتَمَدَهُ الْمُصَنِّفُ مَشَى عَلَيْهِ الرَّافِعِيُّ وَالنَّوَوِيُّ، حَيْثُ قَالَا: الْمُدَاوَمَةُ عَلَى الصَّغِيرَةِ تُصَيِّرُهَا كَبِيرَةً، لَكِنْ إِنِ انْضَمَّ إِلَيْهِ كَوْنُ طَاعَاتِهِ لَمْ تَغْلِبْ مَعَاصِيَهُ، ثُمَّ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ مِنْ أَنَّ مُطْلَقَ الْإِصْرَارِ عَلَى الصَّغِيرَةِ يُصَيِّرُهَا كَبِيرَةً يَحْتَاجُ لِمَعْرِفَةِ ضَبْطِ الْإِصْرَارِ; قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ: الْإِصْرَارُ هُوَ التَّلَبُّسُ بِضِدِّ التَّوْبَةِ بِاسْتِمْرَارِ النَّوْعِ عَلَى الْمُعَاوَدَةِ وَاسْتِدَامَةِ الْفِعْلِ بِحَيْثُ يَدْخُلُ بِهِ فِي حَيِّزِ مَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ الْوَصْفُ بِصَيْرُورَتِهِ كَبِيرَةً، وَقَالَ الْعِزُّ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: الْإِصْرَارُ أَنْ تَتَكَرَّرَ مِنْهُ الصَّغِيرَةُ تَكْرَارًا يُشْعِرُ بِقِلَّةِ مُبَالَاتِهِ بِدِينِهِ إِشْعَارَ ارْتِكَابِ الْكَبِيرَةِ بِذَلِكَ، قَالَ: وَكَذَلِكَ إِذَا اجْتَمَعَتْ صَغَائِرُ مُخْتَلِفَةُ الْأَنْوَاعِ بِحَيْثُ يُشْعِرُ مَجْمُوعُهَا بِمَا يُشْعِرُ بِهِ أَصْغَرُ الْكَبَائِرِ، انْتَهَى. هَذَا ضَبْطُ الْإِصْرَارِ . وَأَمَّا عَلَى الْقَوْلِ الْمُعْتَمَدِ السَّابِقِ فَالْمَدَارُ عَلَى غَلَبَةِ الطَّاعَاتِ وَالْمَعَاصِي، وَعَلَى هَذَا الْمُعْتَمَدِ كَانَ يَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ: شَرْطُ الْعَدَالَةِ اجْتِنَابُ الْكَبَائِرِ وَعَدَمُ غَلَبَةِ الصَّغَائِرِ عَلَى الطَّاعَةِ، وَقَدْ أَشَارَ إِلَى ذَلِكَ الْبُلْقِينِيُّ (كَاللَّعِبِ بِالشَّطْرَنْجِ وَالتَّرَنُّمِ بِالْغِنَاءِ عَلَى الدَّوَامِ، وَغَيْرِهِمَا) ، وَقَوْلُهُ: عَلَى الدَّوَامِ مُتَعَلِّقٌ بِالْقَوْلَيْنِ; فَاللَّعِبُ بِالشَّطْرَنْجِ مَكْرُوهٌ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ، حَرَامٌ عِنْدَ غَيْرِهِ بِشُرُوطٍ; قَالَ النَّوَوِيُّ فِي فَتَاوِيهِ: الشَّطْرَنْجُ حَرَامٌ عِنْدَ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ إِنْ فُوِّتَ بِهِ صَلَاةٌ عَنْ وَقْتِهَا، أَوْ لَعِبَ بِهِ عَلَى عِوَضٍ، فَإِنِ انْتَفَى ذَلِكَ كُرِهَ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ، وَحُرِّمَ عِنْدَ غَيْرِهِ ، انْتَهَى . وَفِي كَلَامِ ابْنِ الْعِمَادِ أَنَّ اللَّعِبَ بِهِ مِنَ الرَّذَائِلِ الْمُبَاحَةِ مَعَ الْكَرَاهَةِ، فَالْإِكْبَابُ عَلَيْهِ وَالْمُلَازَمَةُ لَهُ يُصَيِّرُهُ صَغِيرَةً، وَكَذَا التَّرَنُّمُ بِالْغَنَاءِ مَعَ نَفْسِهِ، إِذَا كَانَ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ لِإِزَالَةِ الْوَحْشَةِ عَنْ نَفْسِهِ، لَا بَأْسَ بِهِ، فَإِنْ دَاوَمَ عَلَيْهِ حَتَّى اتَّخَذَهُ عَادَةً يَصِيرُ صَغِيرَةً، (فَهَذَا بَيَانُ حُكْمِ الصَّغَائِرِ وَالْكَبَائِرِ) .

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية