الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
معلومات الكتاب

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين

مرتضى الزبيدي - محمد بن محمد الحسيني الزبيدي

جزء صفحة
إحياء علوم الدين وَأَمَّا الْآثَارُ فَقَدْ قَالَ : سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ أَنْزَلَ قَوْلَهُ تَعَالَى : فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا فِي الرَّجُلِ يُذْنِبُ ، ثُمَّ يَتُوبُ ثُمَّ يُذْنِبُ ثُمَّ يَتُوبُ . وَقَالَ الْفُضَيْلُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : بَشِّرِ الْمُذْنِبِينَ بِأَنَّهُمْ إِنْ تَابُوا قَبِلْتُ مِنْهُمْ وَحَذِّرِ الصِّدِّيقِينَ أَنِّي : إِنْ وَضَعْتُ عَلَيْهِمْ عَدْلِي عَذَّبْتُهُمْ . وَقَالَ طَلْقُ بْنُ حَبِيبٍ إِنَّ حُقُوقَ اللَّهِ أَعْظَمُ مِنْ أَنْ يَقُومَ بِهَا الْعَبْدُ ، وَلَكِنْ أَصْبَحُوا تَائِبِينَ ، وَأَمْسَوْا تَائِبِينَ . وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا مَنْ ذَكَرَ خَطِيئَةً أَلَمَّ بِهَا فَوَجِلَ مِنْهَا قَلْبُهُ مُحِيَتْ عَنْهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ . وَيُرْوَى أَنَّ نَبِيَّنَا مِنْ أَنْبِيَاءِ بَنَى إِسْرِائِيلَ أَذْنَبَ فَأَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إِلَيْهِ : وَعِزَّتِي لَئِنْ عُدْتَ لَأُعَذِّبَنَّكَ ، فَقَالَ : يَا رَبِّ أَنْتَ أَنْتَ وَأَنَا أَنَا وَعِزَّتِكَ إِنْ لَمْ تَعْصِمْنِي لَأَعُودَنَّ ، فَعَصَمَهُ اللَّهُ تَعَالَى . وَقَالَ بَعْضُهُمْ : إِنَّ الْعَبْدَ لَيُذْنِبُ الذَّنْبَ فَلَا يَزَالُ نَادِمًا حَتَّى يَدْخُلَ الْجَنَّةَ فَيَقُولُ إِبْلِيسُ : لَيْتَنِي لَمْ أُوقِعْهُ فِي الذَّنْبِ . وَقَالَ حَبِيبُ بْنُ ثَابِتٍ تُعْرَضُ عَلَى الرَّجُلِ ذُنُوبُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيَمُرُّ بِالذَّنْبِ فَيَقُولُ : أَمَا إِنِّي قَدْ كُنْتُ مُشْفِقًا مِنْهُ : فَيَغْفِرُ لَهُ . وَيُرْوَى أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ ابْنَ مَسْعُودٍ عَنْ ذَنْبٍ أَلَمَّ بِهِ هَلْ لَهُ مِنْ تَوْبَةٍ ? فَأَعْرَضَ عَنْهُ ابْنُ مَسْعُودٍ ، ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَيْهِ فَرَأَى عَيْنَيْهِ تَذْرِفَانِ فَقَالَ لَهُ : إِنَّ لِلْجَنَّةِ ثَمَانِيَةَ أَبْوَابٍ كُلُّهَا تُفْتَحُ وَتُغْلَقُ إِلَّا بَابَ التَّوْبَةِ فَإِنَّ عَلَيْهِ مَلَكًا مُوَكَّلًا بِهِ لَا يُغْلِقُ فَاعْمَلْ ، وَلَا تَيْأَسْ . وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي الْقَاسِمِ : تَذَاكَرْنَا مَعَ عَبْدِ الرَّحِيمِ تَوْبَةَ الْكَافِرِ ، وَقَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى : إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ فَقَالَ : إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ يَكُونَ الْمُسْلِمُ عِنْدَ اللَّهِ أَحْسَنَ حَالًا وَلَقَدْ بَلَغَنِي أَنَّ تَوْبَةَ الْمُسْلِمِ كَإِسْلَامٍ بَعْدَ إِسْلَامٍ . وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ لَا أُحَدِّثُكُمْ إِلَّا عَنْ نَبِيٍّ مُرْسَلٍ أَوْ كِتَابٍ مُنَزَّلٍ : إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا عَمِلَ ذَنْبًا ، ثُمَّ نَدِمَ عَلَيْهِ طَرْفَةَ عَيْنٍ سَقَطَ عَنْهُ أَسْرَعَ مِنْ طَرْفَةِ عَيْنٍ . قَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : اجْلِسُوا إِلَى التَّوَّابِينَ فَإِنَّهُمْ أَرَقُّ أَفْئِدَةً . وَقَالَ بَعْضُهُمْ : أَنَا أَعْلَمُ مَتَى يَغْفِرُ اللَّهُ لِي قِيلَ : وَمَتَى ? قَالَ : إِذَا تَابَ عَلَيَّ . وَقَالَ آخَرُ : أَنَا مِنْ أَنْ أُحْرَمَ التَّوْبَةَ أَخْوَفُ مِنْ أَنْ أُحْرَمَ الْمَغْفِرَةَ أَيِ الْمَغْفِرَةُ مِنْ لَوَازِمِ التَّوْبَةِ وَتَوَابِعِهَا لَا مَحَالَةَ . وَيُرْوَى أَنَّهُ كَانَ فِي بَنِي إِسْرِائِيلَ شَابٌّ عَبَدَ اللَّهَ تَعَالَى عِشْرِينَ سَنَةً ، ثُمَّ عَصَاهُ عِشْرِينَ سَنَةً ، ثُمَّ نَظَرَ فِي الْمِرْآةِ ، فَرَأَى الشَّيْبَ فِي لِحْيَتِهِ ، فَسَاءَهُ ذَلِكَ فَقَالَ إِلَهِي : أَطَعْتُكَ عِشْرِينَ سَنَةً ، ثُمَّ عَصَيْتُكَ عِشْرِينَ سَنَةً ، فَإِنْ رَجَعْتُ إِلَيْكَ أَتَقْبَلُنِي ? فَسَمِعَ قَائِلًا يَقُولُ وَلَا يَرَى شَخْصًا : أَحْبَبْتَنَا فَأَحْبَبْنَاكَ ، وَتَرَكْتَنَا فَتَرَكْنَاكَ ، وَعَصَيْتَنَا فَأَمْهَلْنَاكَ ، وَإِنْ رَجَعْتَ إِلَيْنَا قَبِلْنَاكَ . وَقَالَ ذُو النُّونِ الْمِصْرِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى إِنَّ لِلَّهِ عِبَادًا نَصَبُوا أَشْجَارَ الْخَطَايَا نَصْبَ رَوَامِقِ الْقُلُوبِ وَسَقَوْهَا بِمَاءِ التَّوْبَةِ فَأَثْمَرَتْ نَدَمًا وَحُزْنًا ، فَجَنَوْا مِنْ غَيْرِ جُنُونٍ وَتَبَلَّدُوا مِنْ غَيْرِ عِيٍّ وَلَا بَكَمٍ وَإِنَّهُمْ ، هُمُ الْبُلَغَاءُ الْفُصَحَاءُ الْعَارِفُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ شَرِبُوا بِكَأْسِ الصَّفَاءِ فَوَرِثُوا الصَّبْرَ عَلَى طُولِ الْبَلَاءِ ، ثُمَّ تَوَلَّهَتْ قُلُوبُهُمْ فِي الْمَلَكُوتِ وَجَالَتْ أَفْكَارُهُمْ بَيْنَ سَرَايَا حُجُبِ الْجَبَرُوتِ وَاسْتَظَلُّوا تَحْتَ رِوَاقِ النَّدَمِ ، وَقَرَءُوا صَحِيفَةَ الْخَطَايَا فَأَوْرَثُوا أَنْفُسَهُمُ الْجَزَعَ حَتَّى وَصَلُوا إِلَى عُلُوِّ الزُّهْدِ بِسُلَّمِ الْوَرَعِ فَاسْتَعْذَبُوا مَرَارَةَ التَّرْكِ لِلدُّنْيَا وَاسْتَلَانُوا خُشُونَةَ الْمَضْجَعِ حَتَّى ظَفِرُوا بِحَبْلِ النَّجَاةِ ، وَعُرْوَةِ السَّلَامَةِ ، وَسَرَحَتْ أَرْوَاحُهُمْ فِي الْعُلَا حَتَّى أَنَاخُوا فِي رِيَاضِ النَّعِيمِ ، وَخَاضُوا فِي بَحْرِ الْحَيَاةِ ، وَرَدَمُوا خَنَادِقَ الْجَزَعِ وَعَبَرُوا جُسُورَ الْهَوَى حَتَّى نَزَلُوا بِفِنَاءِ الْعِلْمِ وَاسْتَقَوْا مِنْ غَدِيرِ الْحِكْمَةِ ، وَرَكِبُوا سَفِينَةَ الْفَطِنَةِ وَأَقْلَعُوا بِرِيحِ النَّجَاةِ فِي بَحْرِ السَّلَامَةِ حَتَّى وَصَلُوا إِلَى رِيَاضِ الرَّاحَةِ وَمَعْدِنِ الْعِزِّ وَالْكَرَامَةِ فَهَذَا الْقَدْرُ كَافٍ فِي بَيَانِ أَنَّ كُلَّ تَوْبَةٍ صَحِيحَةٌ مَقْبُولَةٌ لَا مَحَالَةَ . فَإِنْ قُلْتَ أَفَتَقُولُ مَا قَالَتْهُ الْمُعْتَزِلَةُ مِنْ أَنَّ قَبُولَ التَّوْبَةِ وَاجِبٌ عَلَى اللَّهِ فَأَقُولُ : لَا أَعْنِي بِمَا ذَكَرْتُهُ مِنْ وُجُوبِ قَبُولِ التَّوْبَةِ عَلَى اللَّهِ إِلَّا مَا يُرِيدُهُ الْقَائِلُ بِقَوْلِهِ : إِنَّ الثَّوْبَ إِذَا غُسِلَ بِالصَّابُونِ وَجَبَ زَوَالُ الْوَسَخِ وَإِنَّ الْعَطْشَانَ إِذَا شَرِبَ الْمَاءَ وَجَبَ زَوَالُ الْعَطَشِ وَأَنَّهُ إِذَا مَنَعَ الْمَاءَ مُدَّةً وَجَبَ الْعَطَشُ ، وَأَنَّهُ إِذَا دَامَ الْعَطَشُ وَجَبَ الْمَوْتُ وَلَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ مَا يُرِيدُهُ الْمُعْتَزِلَةُ بِالْإِيجَابِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى ، بَلْ أَقُولُ : خَلَقَ اللَّهُ تَعَالَى الطَّاعَةَ مُكَفِّرَةً لِلْمَعْصِيَةِ ، وَالْحَسَنَةَ مَاحِيَةً لِلسَّيِّئَةِ ، كَمَا خَلَقَ الْمَاءَ مُزِيلًا لِلْعَطَشِ ، وَالْقُدْرَةَ مُتَّسِعَةً بِخِلَافِهِ لَوْ سَبَقَتْ بِهِ الْمَشِيئَةُ ، فَلَا وَاجِبَ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى وَلَكِنْ مَا سَبَقَتْ بِهِ إِرَادَتُهُ الْأَزَلِيَّةُ فَوَاجِبٌ كَوْنُهُ لَا مَحَالَةَ . فَإِنْ قُلْتَ : فَمَا مِنْ تَائِبٍ إِلَّا وَهُوَ شَاكٌّ فِي قَبُولِ تَوْبَتِهِ وَالشَّارِبُ لِلْمَاءِ لَا يَشُكُّ فِي زَوَالِ عَطَشِهِ فَلِمَ يَشُكُّ فِيهِ ? فَأَقُولُ : شَكُّهُ فِي الْقَبُولِ كَشَكِّهِ فِي وُجُودِ شَرَائِطِ الصِّحَّةِ ; فَإِنَّ لِلتَّوْبَةِ أَرْكَانًا ، وَشُرُوطًا دَقِيقَةً كَمَا سَيَأْتِي وَلَيْسَ يَتَحَقَّقُ وُجُودُ جَمِيعِ شُرُوطِهَا كَالَّذِي يَشُكُّ فِي دَوَاءٍ شَرِبَهُ لِلْإِسْهَالِ فَإِنَّهُ هَلْ يُسْهِلُ وَذَلِكَ لِشَكِّهِ فِي حُصُولِ شُرُوطِ الْإِسْهَالِ فِي الدَّوَاءِ بِاعْتِبَارِ الْحَالِ وَالْوَقْتِ وَكَيْفِيَّةِ خَلْطِ الدَّوَاءِ ، وَطَبْخِهِ ، وَجَوْدَةِ عَقَاقِيرِهِ ، وَأَدْوِيَتِهِ ، فَهَذَا وَأَمْثَالُهُ مُوجِبٌ لِلْخَوْفِ بَعْدَ التَّوْبَةِ ، وَمُوجِبٌ لِلشَّكِّ فِي قَبُولِهَا لَا مَحَالَةَ عَلَى مَا سَيَأْتِي فِي شُرُوطِهَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . إتحاف السادة المتقين (وَأَمَّا الْآثَارُ فَقَدْ قَالَ: سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ) رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى (أَنْزَلَ قَوْلَهُ تَعَالَى: فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا فِي الرَّجُلِ يُذْنِبُ، ثُمَّ يَتُوبُ ثُمَّ يُذْنِبُ ثُمَّ يَتُوبُ) ، وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ لِلْأَوَّابِينَ الرَّجَّاعِينَ إِلَى الْخَيْرِ. أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا فِي التَّوْبَةِ، وَقَالَ الضَّحَّاكُ: نَزَلَتْ فِي الرَّاجِعِينَ مِنَ الذَّنْبِ إِلَى التَّوْبَةِ، وَمِنَ السَّيِّئَاتِ إِلَى الْحَسَنَاتِ. أَخْرَجَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي الشُّعَبِ، (وَقَالَ الْفُضَيْلُ) ابْنُ عِيَاضٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: (قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: بَشِّرِ الْمُذْنِبِينَ بِأَنَّهُمْ إِنْ تَابُوا) إِلَيَّ (قَبِلْتُ مِنْهُمْ) تَوْبَتَهُمْ، (وَحَذِّرِ الصِّدِّيقِينَ: إِنِّي إِنْ وَضَعْتُ عَلَيْهِمْ عَدْلِي عَذَّبْتُهُمْ. وَقَالَ طَلْقُ بْنُ حَبِيبٍ) الْعَنَزِيُّ الْبَصْرِيُّ الْعَابِدُ. قَالَ أَبُو حَاتِمٍ: صَدُوقٌ فِي الْحَدِيثِ، وَقَالَ طَاوُسٌ: هُوَ مِمَّنْ يَخْشَى اللَّهَ، وَقَالَ مَالِكٌ: بَلَغَنِي أَنَّ طَلْقًا كَانَ مِنَ الْعُبَّادِ، كَانَ بَرًّا بِأَبِيهِ، وَكَانَ مِمَّنْ دَخَلَ الْكَعْبَةَ فِي نَفَرٍ كَانَ الْحَجَّاجُ طَلَبَهُمْ، فَأَخَذَهُمْ وَقَتَلَهُمْ . وَرَوَى لَهُ الْجَمَاعَةُ إِلَّا الْبُخَارِيُّ (إِنَّ حُقُوقَ اللَّهِ أَعْظَمُ مِنْ أَنْ يَقُومَ بِهَا الْعَبْدُ، وَلَكِنْ أَصْبَحُوا تَائِبِينَ، وَأَمْسَوْا تَائِبِينَ) أَخْرَجَهُ الْمُزَنِيُّ فِي التَّهْذِيبِ إِلَّا أَنَّهُ قَالَ: أَنْ تَقُومَ بِهَا الْعِبَادُ، وَزَادَ بَعْدَهُ: وَإِنَّ نِعَمَهُ أَكْثَرُ مِنْ أَنْ تُحْصَى. وَالْبَاقِي سَوَاءٌ، (وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ) بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا (مَنْ ذَكَرَ خَطِيئَةً أَلَمَّ بِهَا) أَيْ: فَعَلَهَا وَوَقَعَ فِيهَا، (فَوَجِلَ مِنْهَا قَلْبُهُ مُحِيَتْ عَنْهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ) أَيِ: اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ; وَذَلِكَ لِأَنَّ الْوَجَلَ إِنَّمَا يَحْصُلُ مِنَ النَّدَمِ، وَالنَّدَمُ أَعْظَمُ أَرْكَانِ التَّوْبَةِ فَهُوَ أَحْرَى بِأَنْ تُحَقَّقَ بِهِ تَوْبَتُهُ، وَتُمْحَى بِذَلِكَ خَطِيئَتُهُ . (وَيُرْوَى) فِي بَعْضِ الْأَخْبَارِ (أَنَّ نَبِيًّا مِنْ أَنْبِيَاءِ بَنِي إِسْرِائِيلَ أَذْنَبَ) ذَنْبًا (فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ: وَعِزَّتِي لَئِنْ عُدْتَ لَأُعَذِّبَنَّكَ، فَقَالَ: يَا رَبِّ أَنْتَ أَنْتَ) فِي رُبُوبِيَّتِكَ، (وَأَنَا أَنَا) فِي عُبُودِيَّتِي، (وَعِزَّتِكَ إِنْ لَمْ تَعْصِمْنِي لَأَعُودَنَّ، فَعَصَمَهُ اللَّهُ تَعَالَى. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّ الْعَبْدَ لَيُذْنِبُ الذَّنْبَ) أَيْ: لَيَفْعَلُهُ (فَلَا يَزَالُ نَادِمًا) أَيْ: مُتَحَسِّرًا عَلَى مَا صَدَرَ مِنْهُ (حَتَّى يَدْخُلَ الْجَنَّةَ) بِسَبَبِ حُزْنِهِ عَلَيْهِ، (فَيَقُولُ إِبْلِيسُ: لَيْتَنِي لَمْ أُوقِعْهُ فِي الذَّنْبِ) ، وَشَاهِدُهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ أَبِي نُعَيْمٍ، وَابْنِ عَسَاكِرَ قَرِيبًا، (وَقَالَ حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ) الْأَسَدِيُّ مَوْلَاهُمْ أَبُو يَحْيَى الْكُوفِيُّ ثِقَةٌ فَقِيهٌ جَلِيلٌ مَاتَ سَنَةَ تِسْعَ عَشْرَةَ وَمِائَةٍ، رَوَى لَهُ الْجَمَاعَةُ، وَأَبُو ثَابِتٍ اسْمُهُ قَيْسُ بْنُ دِينَارٍ، وَقِيلَ: هِنْدٌ (تُعْرَضُ عَلَى رَجُلٍ ذُنُوبُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيَمُرُّ بِالذَّنْبِ فَيَقُولُ: أَمَا إِنِّي قَدْ كُنْتُ مُشْفِقًا مِنْهُ) أَيْ: خَائِفًا، (قَالَ: فَيَغْفِرُ لَهُ) أَيْ: بِسَبَبِ إِشْفَاقِهِ مِنْهُ فِي الدُّنْيَا، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى قَبُولِ التَّوْبَةِ، (وَيُرْوَى أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ ابْنَ مَسْعُودٍ) رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ (عَنْ ذَنْبٍ أَلَمَّ بِهِ هَلْ لَهُ مِنْ تَوْبَةٍ؟ فَأَعْرَضَ عَنْهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَيْهِ فَرَأَى عَيْنَيْهِ تَذْرِفَانِ) أَيْ: تَسِيلَانِ بِالدُّمُوعِ (فَقَالَ لَهُ: إِنَّ لِلْجَنَّةِ ثَمَانِيَةَ أَبْوَابٍ كُلُّهَا تُفْتَحُ وَتُغْلَقُ إِلَّا بَابَ التَّوْبَةِ فَإِنَّهُ عَلَيْهِ مَلَكٌ مُوَكَّلٌ بِهِ لَا يُغْلِقُهُ) أَبَدًا (فَاعْمَلْ، وَلَا تَيْأَسْ) ، وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ مِنْ حَدِيثِ صَفْوَانَ بْنِ عَسَّالٍ: إِنَّ لِلتَّوْبَةِ بَابًا عَرْضُ مَا بَيْنَ مِصْرَاعَيْهِ مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ، لَا يُغْلَقُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا، وَلِابْنِ حِبَّانَ إِنَّ مِنْ قِبَلِ الْمَغْرِبِ بَابًا فَتَحَهُ اللَّهُ لِلتَّوْبَةِ مَسِيرَةَ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ، فَلَا يُغْلِقُهُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، وَلِابْنِ مَاجَهْ أَنَّ مِنْ قِبَلِ الْمَغْرِبِ بَابًا مَفْتُوحًا عَرْضُهُ سَبْعُونَ سَنَةً، فَلَا يَزَالُ ذَلِكَ الْبَابُ مَفْتُوحًا حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ نَحْوَهُ، فَإِذَا طَلَعَتْ مِنْ نَحْوِهِ لَمْ يَنْفَعْ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ، أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا. وَلِابْنِ زَنْجُوَيْهِ: إِنَّ اللَّهَ جَعَلَ بِالْمَغْرِبِ بَابًا مَسِيرَةُ عَرْضِهِ سَبْعُونَ عَامًا لِلتَّوْبَةِ لَا يُغْلَقُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ قِبَلِهِ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا ، وَقَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ السَّابِقُ قَدْ رُوِيَ مَرْفُوعًا بِلَفْظِ: "لِلْجَنَّةِ ثَمَانِيَةُ أَبْوَابٍ سَبْعَةٌ مُغْلَقَةٌ وَبَابٌ مَفْتُوحٌ لِلتَّوْبَةِ لَا يُغْلَقُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ" مِنْ نَحْوِهِ أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا فِي صِفَةِ الْجَنَّةِ، وَأَبُو يَعْلَى، وَالطَّبَرَانِيُّ، وَالْحَاكِمُ. (وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي الْقَاسِمِ: تَذَاكَرْنَا مَعَ عَبْدِ الرَّحِيمِ) بْنِ يَحْيَى الدِّمَشْقِيِّ الْمَعْرُوفِ بِالْأَسْوَدِ: (تَوْبَةَ الْكَافِرِ، وَقَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى: إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ فَقَالَ: إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ يَكُونَ الْمُسْلِمُ عِنْدَ اللَّهِ أَحْسَنَ حَالًا) مِنَ الْكَافِرِ، وَلَقَدْ بَلَغَنِي أَنَّ تَوْبَةَ الْمُسْلِمِ كَإِسْلَامٍ بَعْدَ إِسْلَامٍ. (وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ) بِالتَّخْفِيفِ الْإِسْرَائِيلِيِّ أَبُو يُوسُفَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حَلِيفُ الْأَنْصَارِ قِيلَ: كَانَ اسْمُهُ الْحُصَيْنَ فَسَمَّاهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَبْدَ اللَّهِ مَشْهُورٌ لَهُ أَحَادِيثُ وَفَضْلٌ، مَاتَ بِالْمَدِينَةِ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَأَرْبَعِينَ، (لَا أُحَدِّثُكُمْ إِلَّا عَنْ نَبِيٍّ مُرْسَلٍ أَوْ كِتَابٍ مُنَزَّلٍ: إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا عَمِلَ ذَنْبًا، ثُمَّ نَدِمَ عَلَيْهِ طَرْفَةَ عَيْنٍ سَقَطَ عَنْهُ)ذَلِكَ الذَّنْبُ (أَسْرَعَ مِنْ طَرْفَةِ عَيْنٍ) ، وَشَاهِدُهُ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ السَّابِقُ ذَكَرَهُ عِنْدَ أَبِي نُعَيْمٍ. فَإِذَا نَظَرَ اللَّهُ إِلَيْهِ أَنَّهُ أَحْزَنَهُ غَفَرَ لَهُ مَا صَنَعَ . (وَقَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: اجْلِسُوا إِلَى التَّوَّابِينَ فَإِنَّهُمْ أَرَقُّ أَفْئِدَةً) ، وَلَفْظُ الْقُوتِ فِي الْخَبَرِ: جَالِسُوا التَّوَّابِينَ فَإِنَّهُمْ أَرَقُّ أَفْئِدَةً، وَسَيَأْتِي لِلْمُصَنِّفِ قَرِيبًا، (وَقَالَ بَعْضُهُمْ: أَنَا أَعْلَمُ مَتَى يَغْفِرُ اللَّهُ لِي قِيلَ: وَمَتَى؟ قَالَ: إِذَا تَابَ عَلَيَّ) نَقَلَهُ صَاحِبُ الْقُوتِ بِلَفْظِ: وَكَانَ بَعْضُهُمْ يَقُولُ: قَدْ عَلِمْتُ، وَالْبَاقِي سَوَاءٌ . (وَقَالَ آخَرُ: أَنَا مِنْ أَنْ أُحْرَمَ التَّوْبَةَ أَخْوَفُ مِنْ أَنْ أُحْرَمَ الْمَغْفِرَةَ) . نَقَلَهُ صَاحِبُ الْقُوتِ (أَيِ الْمَغْفِرَةُ مِنْ لَوَازِمِ التَّوْبَةِ وَتَوَابِعِهَا لَا مَحَالَةَ) ، فَإِذَا حُرِمَ التَّوْبَةَ حُرِمَ الْمَغْفِرَةَ، فَلِذَلِكَ مِنْ حِرْمَانِ التَّوْبَةِ كَانَ أَخْوَفَ . (وَيُرْوَى أَنَّهُ كَانَ فِي بَنِي إِسْرِائِيلَ شَابٌّ عَبَدَ اللَّهَ تَعَالَى عِشْرِينَ سَنَةً، ثُمَّ عَصَاهُ عِشْرِينَ سَنَةً، ثُمَّ نَظَرَ) ، وَجْهَهُ يَوْمًا (فِي الْمِرْآةِ، فَرَأَى الشَّيْبَ فِي لِحْيَتِهِ، فَسَاءَهُ ذَلِكَ) أَيْ: أَحْزَنَهُ (فَقَالَ: إِلَهِي أَطَعْتُكَ عِشْرِينَ سَنَةً، ثُمَّ عَصَيْتُكَ عِشْرِينَ سَنَةً، فَإِنْ رَجَعْتُ إِلَيْكَ أَتَقْبَلُنِي؟ فَسَمِعَ قَائِلًا يَقُولُ - وَلَا يَرَى شَخْصَهُ -: أَحْبَبْتَنَا فَأَحْبَبْنَاكَ، وَتَرَكْتَنَا فَتَرَكْنَاكَ، وَعَصَيْتَنَا فَأَمْهَلْنَاكَ، وَإِنْ رَجَعْتَ إِلَيْنَا قَبِلْنَاكَ) ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا ، وَفِي الْخَبَرِ: "مَا أَصَرَّ مَنِ اسْتَغْفَرَ، وَلَوْ عَادَ فِي الْيَوْمِ سَبْعِينَ مَرَّةً". (وَقَالَ) أَبُو الْفَيْضِ (ذُو النُّونِ الْمِصْرِيُّ) رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: (إِنَّ لِلَّهِ عِبَادًا نَصَبُوا أَشْجَارًا لِخَطَايَا نَصْبَ رَوَامِقِ الْقُلُوبِ) أَيْ: نَصَبُوهَا بَيْنَ أَعْيُنِهِمْ حَيْثُ تَرْمُقُهَا الْقُلُوبُ، (وَسَقَوْهَا بِمَاءِ التَّوْبَةِ) فَتَفَرَّعَتْ (فَأَثْمَرَتْ نَدَمًا وَحُزْنًا، فَجَنَوْا مِنْ غَيْرِ جُنُونٍ) ، وَفِيهِمْ قِيلَ: مَجَانِينُ إِلَّا أَنَّ سِرَّ فُنُونِهِمْ عَزِيزٌ لَدَى إِبْدَائِهِ يَسْجُدُ الْعَقْلُ (وَتَبَلَّدُوا مِنْ غَيْرِ عِيٍّ) أَيْ: حَصْرِ لِسَانٍ (وَلَا بَكَمٍ، وَأَنَّهُمْ هُمُ الْبُلَغَاءُ الْفُصَحَاءُ الْعَارِفُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ) فَجُنُونُهُمْ وَتَبَلُّدُهُمْ إِنَّمَا هُوَ عَلَى ظَهْرِ مَا يُرَى مِنْهُمْ، (ثُمَّ شَرِبُوا بِكَأْسِ الصَّفَاءِ) فَتَصَفَّتْ بَوَاطِنُهُمْ عَنِ الْجَفَاءِ، (فَوَرِثُوا الصَّبْرَ عَلَى طُولِ الْبَلَاءِ، ثُمَّ تَوَلَّهَتْ قُلُوبُهُمْ فِي الْمَلَكُوتِ) الْأَعْلَى، (وَجَالَتْ أَفْكَارُهُمْ بَيْنَ سَرَايَا حُجُبِ الْجَبَرُوتِ) ، وَهُمْ عَالَمُ الْمَلَائِكَةِ الْمُقَرَّبِينَ، (وَاسْتَظَلُّوا تَحْتَ رِوَاقِ النَّدَمِ، وَقَرَءُوا صَحِيفَةَ الْخَطَايَا فَأَوْرَثُوا أَنْفُسَهُمُ الْجَزَعَ حَتَّى وَصَلُوا إِلَى عُلُوِّ) مَقَامِ (الزُّهْدِ بِسُلَّمِ الْوَرَعِ) وَالتَّقْوَى، (فَاسْتَعْذَبُوا مَرَارَةَ التَّرْكِ لِلدُّنْيَا) ، وَفَطَمُوا نُفُوسَهُمْ عَنْهَا، (وَاسْتَلْأَنُوا خُشُونَةَ الْمَضْجَعِ حَتَّى ظَفِرُوا بِحَبْلِ النَّجَاةِ، وَعُرْوَةِ السَّلَامَةِ، وَسَرَحَتْ أَرْوَاحُهُمْ فِي الْعُلَا) ، وَالْمَلَأِ الْأَعْلَى (حَتَّى أَنَاخُوا فِي رِيَاضِ النَّعِيمِ، وَخَاضُوا فِي بَحْرِ الْحَيَاةِ، وَرَدَمُوا خَنَادِقَ الْجَزَعِ) أَيْ: سَدُّوهَا، (وَعَبَرُوا جُسُورَ الْهَوَى حَتَّى نَزَلُوا بِفِنَاءِ الْعِلْمِ) الْحَقِيقِيِّ أَيْ: بِسَاحَتِهِ، (وَاسْتَقَوْا مِنْ غَدِيرِ الْحِكْمَةِ، وَرَكِبُوا سَفِينَةَ الْفَطِنَةِ وَأَقْلَعُوا) أَيْ: رَفَعُوا شِرَاعَهَا (بِرِيحِ النَّجَاةِ) مِنَ الْخَوْفِ (فِي بَحْرِ السَّلَامَةِ) مِنَ الْكَدَرِ (حَتَّى وَصَلُوا إِلَى رِيَاضِ الْجَنَّةِ) مِنَ التَّعَبِ، (وَمَعْدِنِ الْعِزِّ وَالْكَرَامَةِ) فِي حَظِيرَةِ الْقُدْسِ الْأَقْدَسِ، أَوْرَدَهُ ابْنُ خَمِيسٍ فِي مَنَاقِبِ الْأَبْرَارِ فِي تَرْجَمَةِ ذِي النُّونِ مِنْ طَرِيقِ يُوسُفَ بْنِ الْحُسَيْنِ قَالَ: سَمِعْتُ ذَا النُّونِ الْمِصْرِيَّ فَذَكَرَ نَحْوَهُ بِطُولِهِ، (فَهَذَا الْقَدْرُ كَافٍ فِي بَيَانِ أَنَّ كُلَّ تَوْبَةٍ صَحِيحَةٌ) بِشُرُوطِهَا (فَمَقْبُولَةٌ لَا مَحَالَةَ . فَإِنْ قُلْتَ أَفَتَقُولُ مَا قَالَتِ الْمُعْتَزِلَةُ مِنْ أَنَّ قَبُولَ التَّوْبَةِ وَاجِبٌ عَلَى اللَّهِ) تَعَالَى بِنَاءً عَلَى قَاعِدَةِ مَذْهَبِهِمْ مِنْ رِعَايَةِ الصَّالِحِ وَالْأَصْلَحِ (فَأَقُولُ: لَا أَعْنِي بِمَا ذَكَرْتُهُ مِنْ وُجُوبِ قَبُولِ التَّوْبَةِ عَلَى اللَّهِ) تَعَالَى (إِلَّا مَا يُرِيدُهُ الْقَائِلُ بِقَوْلِهِ: إِنَّ الثَّوْبَ إِذَا غُسِلَ بِالصَّابُونِ) مَثَلًا (وَجَبَ زَوَالُ الْوَسَخِ) عَنْهُ، (وَإِنَّ الْعَطْشَانَ إِذَا شَرِبَ الْمَاءَ وَجَبَ زَوَالُ الْعَطَشِ) عَنْهُ، (وَأَنَّهُ إِذَا مَنَعَ الْمَاءَ مُدَّةً وَجَبَ الْعَطَشُ، وَأَنَّهُ إِذَا دَامَ الْعَطَشُ وَجَبَ الْمَوْتُ) بِيُبْسِ الْعُرُوقِ وَنَفَادِ الرُّطُوبَةِ الْغَرِيزِيَّةِ، (وَلَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ مَا يُرِيدُهُ الْمُعْتَزِلَةُ بِالْإِيجَابِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى، بَلْ أَقُولُ: خَلَقَ اللَّهُ تَعَالَى الطَّاعَةَ مُكَفِّرَةً لِلْمَعْصِيَةِ، وَالْحَسَنَةَ مَاحِيَةً لِلسَّيِّئَةِ، كَمَا خَلَقَ الْمَاءَ مُزِيلًا لِلْعَطَشِ، وَالْقُدْرَةَ مُتَّسِعَةً بِخِلَافِهِ لَوْ سَبَقَتْ بِهِ الْمَشِيئَةُ، فَلَا وَاجِبَ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى وَلَكِنْ مَا سَبَقَتْ بِهِ الْإِرَادَةُ الْأَزَلِيَّةُ فَوَاجِبٌ كَوْنُهُ لَا مَحَالَةَ) ، وَقَدْ سَبَقَ تَقْرِيرُ ذَلِكَ مَعَ بَيَانِ قَاعِدَةِ مَذْهَبِهِمْ، وَمَا فَرَّعُوا عَلَيْهَا فِي كِتَابِ قَوَاعِدِ الْعَقَائِدِ فَأَغْنَانَا عَنِ الْإِعَادَةِ; (فَإِنْ قُلْتَ: فَمَا مِنْ تَائِبٍ إِلَّا وَهُوَ شَاكٌّ فِي قَبُولِ تَوْبَتِهِ) لَيْسَ عَلَى يَقِينٍ مِنْهُ، (وَالشَّارِبُ لِلْمَاءِ لَا يَشُكُّ فِي زَوَالِ عَطَشِهِ) ، بَلْ هُوَ عَلَى يَقِينٍ مِنْهُ، وَقَدْ شُبِّهَتْ فِي وُجُوبِهِ بِوُجُوبِهِ، (فَلِمَ يَشُكُّ فِيهِ؟ فَأَقُولُ: شَكُّهُ فِي الْقَبُولِ كَشَكِّهِ فِي وُجُودِ شَرَائِطِ الصِّحَّةِ; فَإِنَّ لِلتَّوْبَةِ أَرْكَانًا، وَشُرُوطًا دَقِيقَةً) لَا بُدَّ مِنْ مُرَاعَاتِهَا فِي وُجُودِهَا وَصِحَّتِهَا وَكَمَالِهَا (كَمَا سَيَأْتِي) ذِكْرُ ذَلِكَ قَرِيبًا، (وَلَيْسَ يَتَحَقَّقُ وُجُودُ جَمِيعِ شَرَائِطِهَا) بِخِلَافِ شُرْبِ الْمَاءِ، وَهَذَا (كَالَّذِي يَشُكُّ فِي دَوَاءٍ شَرِبَهُ لِلْإِسْهَالِ فِي أَنَّهُ هَلْ يُسْهِلُ) أَمْ لَا، (وَذَلِكَ لِشَكِّهِ فِي حُصُولِ شُرُوطِ الْإِسْهَالِ فِي الدَّوَاءِ بِاعْتِبَارِ الْحَالِ) وَالْمِزَاجِ، (وَالْوَقْتِ وَ) بِاعْتِبَارِ (كَيْفِيَّةِ خَلْطِ الدَّوَاءِ، وَطَبْخِهِ، وَجَوْدَةِ عَقَاقِيرِهِ، وَأَدْوِيَتِهِ، فَهَذَا وَأَمْثَالُهُ مُوجِبٌ لِلْخَوْفِ بَعْدَ التَّوْبَةِ، وَمُوجِبٌ لِلشَّكِّ فِي قَبُولِهَا لَا مَحَالَةَ عَلَى مَا سَيَأْتِي فِي شُرُوطِهَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى) قَرِيبًا، وَاللَّهُ الْمُوَفِّقُ، وَبِهِ تَمَّ الرُّكْنُ الْأَوَّلُ .

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية