الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
معلومات الكتاب

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين

مرتضى الزبيدي - محمد بن محمد الحسيني الزبيدي

جزء صفحة
إحياء علوم الدين

الرابع : الرياء بالعمل ،  كمراءاة المصلي بطول القيام ومد الظهر وطول السجود والركوع ، وإطراق الرأس ، وترك الالتفات وإظهار الهدوء والسكون وتسوية القدمين واليدين وكذلك بالصوم والغزو والحج وبالصدقة وبإطعام الطعام وبالإخبات ، في المشي عند اللقاء ، كإرخاء الجفون ، وتنكيس الرأس ، والوقار في الكلام ، حتى إن المرائي قد يسرع في المشي إلى حاجته فإذا اطلع عليه أحد من أهل الدين رجع إلى الوقار وإطراق الرأس ؛ خوفا من أن ينسبه إلى العجلة وقلة الوقار ، فإن غاب الرجل عاد إلى عجلته فإذا ، رآه عاد إلى خشوعه ، ولم يحضره ذكر الله حتى يكون يجدد الخشوع له ، بل هو لاطلاع إنسان عليه ، يخشى أن لا يعتقد فيه أنه من العباد والصلحاء ومنهم من إذا سمع هذا استحيا من أن تخالف مشيته في الخلوة مشيته بمرأى من الناس ، فيكلف نفسه المشية الحسنة في الخلوة حتى إذا رآه الناس لم يفتقر إلى التغيير ، ويظن أنه يتخلص به عن الرياء وقد ، تضاعف به رياؤه ؛ فإنه صار في خلوته أيضا مرائيا ، فإنه إنما يحسن مشيته في الخلوة ليكون كذلك في الملإ لا لخوف من الله وحياء منه .

وأما أهل الدنيا فمراءاتهم بالتبختر والاختيال ، وتحريك اليدين وتقريب الخطا ، والأخذ بأطراف الذيل وإدارة العطفين ؛ ليدلوا بذلك على الجاه والحشمة .

الخامس : المراءاة بالأصحاب والزائرين والمخالطين كالذي يتكلف أن يستزير عالما من العلماء ليقال : إن فلانا قد زار فلانا ، أو عابدا من العباد ليقال : إن أهل الدين يتبركون بزيارته ، ويترددون إليه ، أو ملكا من الملوك أو عاملا من عمال السلطان ؛ ليقال ؛ إنهم يتبركون به لعظم رتبته في الدين .

وكالذي يكثر ذكر الشيوخ ليري أنه لقي شيوخا كثيرة ، واستفاد منهم فيباهي بشيوخه ومباهاته ومراءاته تترشح منه عند مخاصمته ، فيقول لغيره ومن : لقيت من الشيوخ ? وأنا قد لقيت فلانا وفلانا ودرت البلاد وخدمت الشيوخ وما يجري مجراه فهذه مجامع ما يرائي به المراءون ، وكلهم يطلبون بذلك الجاه والمنزلة في قلوب العباد .

ومنهم من يقنع بحسن الاعتقادات فيه ، فكم من راهب انزوى إلى ديره سنين كثيرة ! وكم من عابد اعتزل إلى قلة جبل مدة مديدة ! وإنما خبأته من حيث علمه بقيام جاهه في قلوب الخلق ، ولو عرف أنهم نسبوه إلى جريمة في ديره أو صومعته لتشوش قلبه ولم يقنع بعلم الله ببراءة ساحته بل يشتد لذلك غمه ، ويسعى بكل حيلة في إزالة ذلك من قلوبهم ، مع أنه قد قطع طمعه من أموالهم ولكنه يحب مجرد الجاه ؛ فإنه لذيذ ، كما ذكرناه في أسبابه فإنه نوع قدرة وكمال في الحال ، وإن كان سريع الزوال ، لا يغتر به إلا الجهال ، ولكن أكثر الناس جهال .

التالي السابق



الخدمات العلمية