الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
معلومات الكتاب

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين

مرتضى الزبيدي - محمد بن محمد الحسيني الزبيدي

جزء صفحة
إحياء علوم الدين

وبلغنا أن عبد الرحمن بن عوف قدمت عليه عير من اليمن فضجت المدينة ضجة واحدة ، فقالت عائشة رضي الله عنها ما هذا ؟ قيل : عير قدمت لعبد الرحمن ، قالت : صدق الله ورسوله صلى الله عليه وسلم ، فبلغ ذلك عبد الرحمن ، فسألها ، فقالت : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : « إني رأيت الجنة فرأيت فقراء المهاجرين والمسلمين يدخلون سعيا ، ولم أر أحدا من الأغنياء يدخلها معهم إلا عبد الرحمن بن عوف ، يدخلها معهم حبوا ،  فقال عبد الرحمن : إن العير وما عليها في سبيل الله ، وإن أرقاءها أحرار ؛ لعلي أدخلها معهم سعيا وبلغنا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعبد الرحمن بن عوف « أما إنك أول من يدخل الجنة من أغنياء أمتي ، وما كدت أن تدخلها إلا حبوا   .

ويحك أيها المفتون ! فما احتجاجك بالمال وهذا عبد الرحمن في فضله ، وتقواه ، وصنائعه المعروف ، وبذله الأموال في سبيل الله مع صحبته لرسول الله صلى الله عليه وسلم وبشراه بالجنة أيضا .

يوقف في عرصات القيامة وأهوالها بسبب ماله كسبه من حلال للتعفف ولصنائع المعروف ، وأنفق منه قصدا وأعطى في سبيل الله سمحا .

منع من السعي إلى الجنة مع الفقراء المهاجرين ، وصار يحبو في آثارهم حبوا فما ظنك بأمثالنا الغرقى في فتن الدنيا ؟! وبعد ، فالعجب كل العجب لك يا مفتون تتمرغ في تخاليط الشبهات والسحت وتتكالب ، على أوساخ الناس وتتقلب ، في الشهوات والزينة والمباهاة وتتقلب ، في فتن الدنيا ، ثم تحتج بعبد الرحمن وتزعم أنك إن جمعت المال فقد جمعه الصحابة كأنك أشبهت السلف ، وفعلهم ، ويحك ! إن هذا من قياس إبليس ومن فتياه لأوليائه وسأصف لك أحوالك ، وأحوال السلف ؛ لتعرف فضائحك ، وفضل الصحابة .

ولعمري لقد كان لبعض الصحابة أموال أرادوها للتعفف والبذل في سبيل الله ، فكسبوا حلالا ، وأكلوا طيبا ، وأنفقوا قصدا ، وقدموا فضلا  ولم يمنعوا منها حقا ولم يبخلوا بها لكنهم ، جادوا لله بأكثرها ، وجاد بعضهم بجميعها ، وفي الشدة آثروا الله على أنفسهم كثيرا ، فبالله أكذلك أنت ؟! والله إنك لبعيد الشبه بالقوم .

وبعد ، فإن أخيار الصحابة كانوا للمسكنة محبين ، ومن خوف الفقر آمنين ، وبالله في أرزاقهم واثقين ، وبمقادير الله مسرورين ، وفي البلاء راضين ، وفي الرخاء شاكرين ، وفي الضراء صابرين ، وفي السراء حامدين ، وكانوا لله متواضعين ، وعن حب العلو والتكاثر ورعين .

لم ينالوا من الدنيا إلا المباح لهم بالبلغة منها وزجوا الدنيا وصبروا على مكارهها ، وتجرعوا مرارتها ، وزهدوا في نعيمها وزهرتها .

، فبالله أكذلك أنت؟! .

التالي السابق



الخدمات العلمية