إحياء علوم الدين
ولعل حد البخل هو إمساك المال عن غرض ، ذلك الغرض هو أهم من حفظ المال فإن صيانة الدين أهم من حفظ المال فمانع الزكاة والنفقة بخيل .
وصيانة المروءة أهم من حفظ المال والمضايق في الدقائق مع من لا تحسن المضايقة معه هاتك ستر المروءة لحب المال ، فهو بخيل .
ثم تبقى درجة أخرى وهو ، أن يكون الرجل ممن يؤدي الواجب ويحفظ المروءة ، ولكن معه مال كثير قد جمعه ليس ، يصرفه إلى الصدقات ، وإلى المحتاجين ، فقد تقابل غرض حفظ المال ليكون له عدة على نوائب الزمان ، وغرض الثواب ليكون رافعا لدرجاته في الآخرة وإمساك ، المال عن هذا الغرض بخل عند الأكياس ، وليس ببخل عند عوام الخلق وذلك لأن نظر العوام مقصور على حظوظ الدنيا ، فيرون إمساكه لدفع نوائب الزمان مهما وربما يظهر عند العوام أيضا سمة البخل عليه إن كان في جواره محتاج ، فمنعه ، وقال : قد أديت الزكاة الواجبة وليس علي غيرها .
ويختلف استقباح ذلك باختلاف مقدار ماله ، وباختلاف شدة حاجة المحتاج وصلاح دينه ، واستحقاقه .
فمن أدى واجب الشرع ، وواجب المروءة اللائقة به ، فقد تبرأ من البخل .
نعم ، لا يتصف بصفة الجود والسخاء ما لم يبذل زيادة على ذلك لطلب الفضيلة ونيل الدرجات فإذا اتسعت نفسه لبذل المال حيث لا يوجبه الشرع ، ولا تتوجه إليه الملامة في العادة ، فهو جواد بقدر ما تتسع له نفسه من قليل ، أو كثير .
ودرجات ذلك لا تحصر ، وبعض الناس أجود من بعض فاصطناع المعروف وراء ما توجبه العادة والمروءة هو الجود ، ولكن بشرط أن يكون عن طيب نفس ولا يكون طمع ، ورجاء خدمة ، أو مكافأة ، أو شكر ، أو ثناء ، فإن من طمع في الشكر والثناء فهو بياع ، وليس بجواد ، فإنه يشتري المدح بماله ، والمدح لذيذ وهو مقصود في نفسه والجود هو بذل الشيء من غير عوض .
هذا هو الحقيقة ولا يتصور ذلك إلا من الله تعالى أما الآدمي فاسم الجود عليه مجاز إذ لا يبذل الشيء إلا لغرض ولكنه إذا لم يكن غرضه إلا الثواب في الآخرة ، أو اكتساب فضيلة الجود ، وتطهير النفس عن رذالة البخل فيسمى جوادا ، فإن كان الباعث عليه الخوف من الهجاء مثلا ، أو من ملامة الخلق ، أو ما يتوقعه من نفع يناله من المنعم عليه ، فكل ذلك ليس من الجود ; لأنه مضطر إليه بهذه البواعث ، وهي أعواض معجلة له عليه ، فهو معتاض لا جواد كما روي عن بعض المتعبدات أنها وقفت على حبان بن هلال وهو جالس مع أصحابه ، فقالت : هل فيكم من أسأله عن مسألة ? فقالوا لها : سلي عما شئت ، وأشاروا إلى حبان بن هلال ، فقالت : ما السخاء عندكم ? قالوا : العطاء ، والبذل ، والإيثار . قالت : هذا السخاء في الدنيا ، فما السخاء في الدين ? قالوا أن : نعبد الله سبحانه سخية بها أنفسنا غير مكرهة قالت : فتريدون على ذلك أجرا ? قالوا : نعم . قالت : ولم ? قالوا : لأن الله تعالى وعدنا بالحسنة عشر أمثالها . قالت : سبحان الله ! فإذا أعطيتم واحدة ، وأخذتم عشرة فبأي شيء تسخيتم عليه ? قالوا لها : فما السخاء عندك يرحمك الله ? قالت : السخاء عندي أن تعبدوا الله متنعمين متلذذين بطاعته ، غير كارهين ، لا تريدون على ذلك أجرا حتى يكون مولاكم يفعل بكم ما يشاء ; ألا تستحيون من الله أن يطلع على قلوبكم فيعلم منها أنكم تريدون شيئا بشيء ? إن هذا في الدنيا لقبيح وقالت بعض المتعبدات أتحسبون : أن السخاء في الدرهم والدينار فقط ? قيل ففيم ? قالت : السخاء عندي في المهج .
وقال المحاسبي السخاء في الدين أن تسخو بنفسك تتلفها لله عز وجل ، ويسخو قلبك ببذل مهجتك ، وإهراق دمك لله تعالى بسماحة من غير إكراه ولا ، تريد بذلك ثوابا عاجلا ، ولا آجلا ، وإن كنت غير مستغن عن الثواب ، ولكن يغلب على ظنك حسن كمال السخاء بترك الاختيار على الله حتى يكون مولاك هو الذي يفعل لك ما لا تحسن أن تختار لنفسك .


