الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
معلومات الكتاب

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين

مرتضى الزبيدي - محمد بن محمد الحسيني الزبيدي

جزء صفحة
إحياء علوم الدين

الآثار .

قال ابن عباس رضي الله عنهما : لما خلق الله جنة عدن قال لها : تزيني ، فتزينت ، ثم قال لها : أظهري أنهارك ، فأظهرت عين السلسبيل ، وعين الكافور ، وعين التسنيم ، فتفجر منها في الجنان أنهار الخمر ، وأنهار العسل واللبن ، ثم قال لها : أظهري سررك ، وحجالك وكراسيك ، وحليك وحللك ، وحور عينك ، فأظهرت ، فنظر إليها ، فقال تكلمي ، فقالت : طوبى لمن دخلني ، فقال الله تعالى : وعزتي لا أسكنك بخيلا .

وقالت أم البنين أخت عمر بن عبد العزيز أف للبخيل ; لو كان البخل قميصا ما لبسته ، ولو كان طريقا ما سلكته .

وقال طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه إنا لنجد بأموالنا ما يجد البخلاء لكننا ، نتصبر .

وقال محمد بن المنكدر كان يقال : إذا أراد الله بقوم شرا أمر الله عليهم شرارهم ، وجعل أرزاقهم بأيدي بخلائهم .

وقال علي كرم الله وجهه في خطبته : إنه سيأتي على الناس زمان عضوض يعض الموسر على ما في يده ولم يؤمر بذلك ، قال الله تعالى : ولا تنسوا الفضل بينكم وقال عبد الله بن عمرو الشح أشد من البخل ; لأن الشحيح هو الذي يشح على ما في يد غيره حتى يأخذه ،  ويشح بما في يده فيحبسه والبخيل هو الذي يبخل بما في يده .

وقال الشعبي لا أدري أيهما أبعد غورا في نار جهنم : البخل ، أو الكذب وقيل : ورد على أنوشروان حكيم الهند ، وفيلسوف الروم فقال للهندي : تكلم ، فقال : خير الناس من ألفى سخيا ، وعند الغضب وقورا وفي القول متأنيا وفي الرفعة متواضعا ، وعلى كل ذي رحم مشفقا .

وقام الرومي ، فقال : من كان بخيلا ورث عدوه ماله  ، ومن قل شكره لم ينل النجح وأهل الكذب مذمومون ، وأهل النميمة يموتون فقراء ، ومن لم يرحم سلط عليه من لا يرحمه .

وقال الضحاك في قوله تعالى : إنا جعلنا في أعناقهم أغلالا ، قال : البخل ; أمسك الله تعالى أيديهم عن النفقة في سبيل الله ، فهم لا يبصرون الهدى .

وقال كعب ما من صباح إلا وقد وكل به ملكان يناديان اللهم عجل لممسك تلفا .

وعجل لمنفق ، خلفا .

وقال الأصمعي سمعت أعرابيا وقد وصف رجلا ، فقال : لقد صغر فلان في عيني لعظم الدنيا في عينه ، وكأنما يرى السائل ملك الموت إذا أتاه .

وقال أبو حنيفة رحمه الله لا أرى أن أعدل بخيلا لأن البخل ; يحمله على الاستقصاء فيأخذ فوق حقه خيفة من أن يغبن ، فمن كان هكذا لا يكون مأمون الأمانة .

وقال علي كرم الله وجهه : والله ما استقصى كريم قط حقه .

قال الله تعالى : عرف بعضه وأعرض عن بعض وقال الجاحظ ما بقي من اللذات إلا ثلاث ذم : البخلاء ، وأكل القديد ، وحك الجرب .

وقال بشر بن الحارث البخيل لا غيبة له قال النبي صلى الله عليه وسلم إنك إذا لبخيل ومدحت امرأة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقالوا : صوامة قوامة إلا أن فيها بخلا ، قال : فما خيرها إذا .

وقال بشر النظر إلى البخيل يقسي القلب ولقاء ، البخلاء كرب على قلوب المؤمنين .

وقال يحيى بن معاذ ما في القلب للأسخياء إلا حب ، ولو كانوا فجارا ، وللبخلاء إلا بغض ولو كانوا أبرارا .

وقال ابن المعتز أبخل الناس بماله أجودهم بعرضه .

ولقي يحيى بن زكريا عليهما السلام .

إبليس في صورته فقال له : يا إبليس ، أخبرني بأحب الناس إليك ، وأبغض الناس إليك قال : أحب الناس إلي المؤمن البخيل ، وأبغض الناس إلي الفاسق السخي ، قال له : لم ? قال : لأن البخيل قد كفاني بخله ، والفاسق السخي أتخوف أن يطلع الله عليه في سخائه ، فيقبله ، ثم ولى وهو يقول : لولا أنك يحيى لما أخبرتك .

حكايات البخلاء .

قيل : كان بالبصرة رجل موسر بخيل ، فدعاه بعض جيرانه ، وقدم إليه طباهجة ببيض ، فأكل منه فأكثر ، وجعل يشرب الماء ، فانتفخ بطنه ، ونزل به الكرب والموت ، فجعل يتلوى فلما جهده الأمر ، وصف حاله للطبيب ، فقال : لا بأس عليك ، تقيأ ما أكلت فقال : هاه ! أتقيأ طباهجة ببيض الموت ؟ ولا ذلك .

وقيل : أقبل أعرابي يطلب رجلا وبين يديه تين فغطى التين بكسائه فجلس الأعرابي ، فقال له الرجل : هل تحسن من القرآن شيئا ، قال : نعم فقرأ ، والزيتون ، وطور سينين ، فقال وأين التين قال : هو تحت كسائك .

ودعا بعضهم أخا له ، ولم يطعمه شيئا فحبسه إلى العصر حتى اشتد جوعه ، وأخذه مثل الجنون فأخذ صاحب البيت العود وقال له : بحياتي ، أي صوت تشتهي أن أسمعك قال : صوت المقلى .

ويحكى أن محمد بن يحيى بن خالد بن برمك كان بخيلا قبيح البخل فسئل نسيب له كان يعرفه عنه فقال ، له قائل : صف لي مائدته ، فقال : هي فتر في فتر وصحافه منقورة من حب الخشخاش قيل : فمن يحضرها ? قال : الكرام الكاتبون قال : فما يأكل معه أحد ? قال : بلى ; الذباب فقال سوأتك بدت وأنت خاص به وثوبك مخرق قال أنا : والله ما أقدر على إبرة أخيطه بها ، ولو ملك محمد بيتا من بغداد إلى النوبة مملوءا إبرا ، ثم جاءه جبريل ، وميكائيل ، ومعهما يعقوب النبي عليه السلام يطلبون منه إبرة ويسألونه إعارتهم : إياها ليخيط بها قميص يوسف الذي قد من دبر ما فعل ويقال : كان مروان بن أبي حفصة لا يأكل اللحم بخلا حتى يقرم إليه فإذا قرم إليه أرسل غلامه فاشترى له رأسا فأكله ، فقيل له : نراك لا تأكل إلا الرءوس في الصيف ، والشتاء ، فلم تختار ذلك قال : نعم الرأس ! أعرف سعره فآمن ، خيانة الغلام ولا يستطيع أن يغبنني فيه ، وليس بلحم يطبخه الغلام ، فيقدر أن يأكل منه إن مس عينا ، أو أذنا ، أو خدا ، وقفت على ذلك وآكل منه ألوانا : عينه لونا وأذنه ، لونا ، ولسانه لونا ، وغلصمته لونا ، ودماغه لونا وأكفى مؤنة طبخه ، فقد اجتمعت لي فيه مرافق .

وخرج يوما يريد الخليفة المهدي فقالت له امرأة من أهله مالي : عليك إن رجعت بالجائزة ? فقال : إن أعطيت مائة ألف أعطيتك درهما ، فأعطي ستين ألفا فأعطاها أربعة دوانق .

واشترى مرة لحما بدرهم فدعاه صديق له فرد اللحم إلى القصاب بنقصان دانق ، وقال : أكره الإسراف .

وكان للأعمش جار ، وكان لا يزال يعرض عليه المنزل ويقول : لو دخلت فأكلت كسرة وملحا ، فيأبى عليه الأعمش فعرض عليه ذات يوم فوافق جوع الأعمش ، فقال : سر بنا ، فدخل منزله ، فقرب إليه كسرة ، وملحا فجاء سائل ، فقال له رب المنزل : بورك فيك ، فأعاد عليه المسألة ، فقال له : بورك فيك ، فلما سأل الثالثة قال له اذهب والله وإلا خرجت إليك بالعصا ، قال : فناداه الأعمش ، وقال : اذهب ويحك ، فلا والله ما رأيت أحدا أصدق مواعيد منه هو ; منذ مدة يدعوني على كسرة وملح فوالله ، ما زادني عليهما .

التالي السابق



الخدمات العلمية