الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
معلومات الكتاب

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين

مرتضى الزبيدي - محمد بن محمد الحسيني الزبيدي

جزء صفحة
إحياء علوم الدين بَيَانِ ذَمِّ الْمَالِ ، وَكَرَاهَةِ حُبِّهِ . قَالَ اللَّهُ تَعَالَى يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ وَقَالَ تَعَالَى : إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ فَمَنِ اخْتَارَ مَالَهُ وَوَلَدَهُ عَلَى مَا عِنْدَ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ وَغُبِنَ خُسْرَانًا عَظِيمًا وَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ : مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا الْآيَةَ وَقَالَ تَعَالَى إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى فَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ وَقَالَ تَعَالَى : أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : حُبُّ الْمَالِ ، وَالشَّرَفُ يُنْبِتَانِ النِّفَاقَ فِي الْقَلْبِ كَمَا يُنْبِتُ الْمَاءُ الْبَقْلَ . وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَا ذِئْبَانِ ضَارِيَانِ أُرْسِلَا فِي زَرِيبَةِ غَنَمٍ بِأَكْثَرَ إِفْسَادًا فِيهَا مِنْ حُبِّ الشَّرَفِ وَالْمَالِ ، وَالْجَاهِ فِي دِينِ الرَّجُلِ الْمُسْلِمِ . وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : هَلَكَ الْمُكْثِرُونَ إِلَّا مَنْ قَالَ بِهِ فِي عِبَادِ اللَّهِ هَكَذَا ، وَهَكَذَا ، وَقَلِيلٌ مَا هُمْ . وَقِيلَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَيُّ أُمَّتِكَ شَرٌّ ؟ قَالَ : الْأَغْنِيَاءُ . وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : سَيَأْتِي بَعْدَكُمْ قَوْمٌ يَأْكُلُونَ أَطَايِبَ الدُّنْيَا ، وَأَلْوَانَهَا وَيَرْكَبُونَ فَرِهَ الْخَيْلِ وَأَلْوَانَهَا ، وَيَنْكِحُونَ أَجْمَلَ النِّسَاءِ وَأَلْوَانَهَا ، وَيَلْبَسُونَ أَجْمَلَ الثِّيَابِ وَأَلْوَانَهَا ، لَهُمْ بُطُونٌ مِنَ الْقَلِيلِ لَا تَشَبَعُ ، وَأَنْفُسٌ بِالْكَثِيرِ لَا تَقْنَعُ عَاكِفُونَ عَلَى الدُّنْيَا يَغْدُونَ وَيَرُوحُونَ إِلَيْهَا ، اتَّخَذُوهَا آلِهَةً مِنْ دُونِ إِلَهِهِمْ ، وَرَبًّا دُونَ رَبِّهِمْ ، إِلَى أَمْرِهَا يَنْتَهُونَ وَلِهَوَاهُمْ يَتَّبِعُونَ ، فَعَزِيمَةٌ مِنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ لِمَنْ أَدْرَكَهُ ذَلِكَ الزَّمَانُ مَنْ عَقِبِ عَقِبِكُمْ ، وَخَلَفِ خَلَفِكُمْ أَنْ لَا يُسَلِّمَ عَلَيْهِمْ ، وَلَا يَعُودُ مَرْضَاهُمْ ، وَلَا يَتْبَعُ جَنَائِزَهُمْ ، وَلَا يُوَقِّرُ كَبِيرَهُمْ ، فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ ، فَقَدْ أَعَانَ عَلَى هَدْمِ الْإِسْلَامِ . وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : دَعُوا الدُّنْيَا لِأَهْلِهَا مَنْ أَخَذَ مِنَ الدُّنْيَا فَوْقَ مَا يَكْفِيهِ ، أَخَذَ حَتْفَهُ وَهُوَ لَا يَشْعُرُ . وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يَقُولُ ابْنُ آدَمَ : مَالِي مَالِي ، وَهَلْ لَكَ مِنْ مَالِكَ إِلَّا مَا أَكَلْتَ فَأَفْنَيْتَ ، أَوْ لَبِسْتَ فَأَبْلَيْتَ ، أَوْ تَصَدَّقْتَ فَأَمْضَيْتَ . وَقَالَ رَجُلٌ : يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا لِي ، لَا أُحِبُّ الْمَوْتَ ? فَقَالَ : هَلْ مَعَكَ مِنْ مَالٍ ? قَالَ : نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، قَالَ : قَدِّمْ مَالَكَ فَإِنَّ قَلْبَ الْمُؤْمِنِ مَعَ مَالِهِ إِنْ قَدَّمَهُ . أَحَبَّ أَنْ يَلْحَقَهُ ، وَإِنْ خَلَّفَهُ أَحَبَّ أَنْ يَتَخَلَّفَ مَعَهُ . وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَخِلَّاءُ ابْنِ آدَمَ ثَلَاثَةٌ : وَاحِدٌ يَتْبَعُهُ إِلَى قَبْضِ رُوحِهِ ، وَالثَّانِي : إِلَى قَبْرِهِ ، وَالثَّالِثُ : إِلَى مَحْشَرِهِ ، فَالَّذِي يَتْبَعُهُ إِلَى قَبْضِ رُوحِهِ ، فَهُوَ مَالُهُ ، وَالَّذِي يَتْبَعُهُ إِلَى قَبْرِهِ فَهُوَ أَهْلُهُ ، وَالَّذِي يَتْبَعُهُ إِلَى مَحْشَرِهِ فَهُوَ عَمَلُهُ . وَقَالَ الْحَوَارِيُّونَ لِعِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ مَا لَكَ تَمْشِي عَلَى الْمَاءِ ، وَلَا نَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ ، فَقَالَ لَهُمْ : مَا مَنْزِلَةُ الدِّينَارِ وَالدِّرْهَمِ عِنْدَكُمْ ? قَالُوا : حَسَنَةً ، قَالَ لَكِنَّهُمَا : وَالْمَدَرُ عِنْدِي سَوَاءٌ وَكَتَبَ سَلْمَانُ الْفَارِسِيُّ إِلَى أَبِي الدَّرْدَاءِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا يَا أَخِي إِيَّاكَ أَنْ تَجْمَعَ مِنَ الدُّنْيَا مَا لَا تُؤَدِّي شُكْرَهُ ، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : يُجَاءُ بِصَاحِبِ الدُّنْيَا الَّذِي أَطَاعَ اللَّهَ فِيهَا ، وَمَالُهُ بَيْنَ يَدَيْهِ كُلَّمَا تَكَفَّأَ بِهِ الصِّرَاطُ قَالَ لَهُ مَالُهُ امْضِ فَقَدْ أَدَّيْتَ حَقَّ اللَّهِ فِيَّ ثُمَّ يُجَاءُ بِصَاحِبِ الدُّنْيَا الَّذِي لَمْ يُطِعِ اللَّهَ فِيهَا وَمَالُهُ بَيْنَ كَتِفَيْهِ كُلَّمَا تَكَفَّأَ بِهِ الصِّرَاطُ قَالَ لَهُ مَالُهُ : وَيْلَكَ أَلَا أَدَّيْتَ حَقَّ اللَّهِ فِيَّ ، فَمَا يَزَالُ كَذَلِكَ حَتَّى يَدْعُوَ بِالْوَيْلِ وَالثُّبُورِ . وَكُلُّ مَا أَوْرَدْنَاهُ فِي كِتَابِ الزُّهْدِ وَالْفَقْرِ فِي ذَمِّ الْغِنَى ، وَمَدْحِ الْفَقْرِ يَرْجِعُ جَمِيعُهُ إِلَى ذَمِّ الْمَالِ ، فَلَا نُطَوِّلُ بِتَكْرِيرِهِ ، وَكَذَا كُلُّ مَا ذَكَرْنَاهُ فِي ذَمِّ الدُّنْيَا فَيَتَنَاوَلُ ذَمَّ الْمَالِ بِحُكْمِ الْعُمُومِ ; لِأَنَّ الْمَالَ أَعْظَمُ أَرْكَانِ الدُّنْيَا ، وَإِنَّمَا نَذْكُرُ الْآنَ مَا وَرَدَ فِي الْمَالِ خَاصَّةً . قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِذَا مَاتَ الْعَبْدُ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ : مَا قَدَّمَ ? وَقَالَ النَّاسُ : مَا خَلَّفَ وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: : لَا تَتَّخِذُوا الضَّيْعَةَ فَتُحِبُّوا الدُّنْيَا . إتحاف السادة المتقين (الْفَصْلُ الْأَوَّلُ: فِي بَيَانِ ذَمِّ الْمَالِ، وَكَرَاهَةِ حُبِّهِ) (قَالَ اللَّهُ تَعَالَى) فِي كِتَابِهِ الْعَزِيزِ: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ ) ، أَيْ: لَا تَشْغَلُكُمْ ( أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ) ، أَيْ: إِلْهَاءُ أَحَدِهِمَا عَنْهُ ( فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ ) فِي تِجَارَتِهِمْ، الْمُتَنَغِّصُونَ فِي حُظُوظِهِمْ، وَأَصْلُ الْإِلْهَاءِ الصَّرْفُ; لِأَنَّ اللَّهْوَ مَنْقُولٌ مَنْ لَهَى إِذَا غَفَلَ . (وَقَالَ تَعَالَى: إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ ) ، أَيْ: تَفْتِنُكُمْ عَنْ أُمُورِ الدِّينِ، وَتُوقِعُكُمْ فِي الْمَهَالِكِ، وَقَدَّمَ الْأَمْوَالَ فِي الْآيَتَيْنِ تَنْبِيهًا عَلَى أَنَّهَا أَعْظَمُ أَسْبَابِ الْفِتْنَةِ . (وَقَالَ تَعَالَى: مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا الْآيَةَ) ، أَيْ: إِلَى آخِرِهَا . (وَقَالَ تَعَالَى: إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى ) ، أَيْ: رَأَى نَفْسَهُ، وَاسْتَغْنَى مَفْعُولُهُ الثَّانِي; لِأَنَّهُ بِمَعْنَى عَلِمَ; وَلِذَلِكَ جَازَ أَنْ يَكُونَ فَاعِلُهُ وَمَفْعُولُهُ ضَمِيرَيْنِ لِوَاحِدٍ . (وَقَالَ تَعَالَى: أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ ) ، أَيْ: التَّبَاهِي بِالْكَثْرَةِ فِي الْأَمْوَالِ، وَالْأَوْلَادِ حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ ، أَيْ: حَتَّى مُتُّمْ، وَقُبِرْتُمْ مُضَيِّعِينَ أَعْمَارَكُمْ فِي طَلَبِ الدُّنْيَا عَمَّا هُوَ أَهَمُّ لَكُمْ، وَهُوَ السَّعْيُ لَأُخْرَاكُمْ، وَهَذَا أَحَدُ الْوُجُوهِ فِي تَفْسِيرِ الْآيَةِ . (وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: حُبُّ الْمَالِ، وَالشَّرَفُ يُنْبِتَانِ النِّفَاقَ فِي الْقَلْبِ كَمَا يُنْبِتُ الْمَاءُ الْبَقْلَ) . قَالَ الْعِرَاقِيُّ: لَمْ أَجِدْهُ بِهَذَا اللَّفْظِ، وَذَكَرَهُ بَعْدَ هَذَا بِلَفْظِ: الْجَاهُ بَدَلَ الشَّرَفِ. ا ه . قُلْتُ: وَرَوَى أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْحِلْيَةِ، وَالدَّيْلَمِيُّ: حُبُّ الْغِنَى يُنْبِتُ النِّفَاقَ فِي الْقَلْبِ كَمَا يُنْبِتُ الْمَاءُ الْعُشْبَ. وَاخْتُلِفَ فِي الْمُرَادِ بِهِ هَلْ هُوَ الْغِنَى الْمُقَابِلُ لِلْفَقْرِ، أَوْ هُوَ الْمَمْدُودُ بِمَعْنَى غِنَاءِ الشِّعْرِ . وَرَوَى الدَّيْلَمِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ: الْغِنَاءُ وَاللَّهْوُ يُنْبِتَانِ النِّفَاقَ فِي الْقَلْبِ كَمَا يُنْبِتُ الْمَاءُ الْعُشْبَ. وَقَدْ تَقَدَّمَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ فِي كِتَابِ آدَابِ السَّمَاعِ . (وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَا ذِئْبَانِ) مُثَنَّى ذِئْبُ، وَمَا بِمَعْنَى لَيْسَ، وَذِئْبَانِ اسْمُهَا، وَقَوْلُهُ: (ضَارِيَانِ) صِفَةٌ لَهُ، أَيْ: لَهِجَانِ، وَفِي رِوَايَةٍ: جَائِعَانِ، وَفِي أُخْرَى عَادِيَّانِ (أُرْسِلَا فِي زَرِيبَةِ غَنَمٍ) ، أَيْ: مَأْوَاهَا، وَالْجُمْلَةُ فِي مَحَلِّ رَفْعِ صِفَةٌ (بِأَكْثَرَ فَسَادًا) خَبَرُ مَا وَالْبَاءُ زَائِدَةٌ (فِيهَا) ، أَيْ: فِي الزَّرِيبَةِ، وَفِي رِوَايَةٍ: لَهَا، وَالضَّمِيرُ لِلْغَنَمِ وَاعْتُبِرَ فِيهِ الْجِنْسِيَّةُ; فَلِذَا أَنْتَ (مِنْ حُبِّ الْمَالِ، وَالْجَاهِ) هُوَ الْمُفَضَّلُ عَلَيْهِ لِاسْمِ التَّفْضِيلِ (فِي دِينِ الرَّجُلِ الْمُسْلِمِ) ، وَمَقْصُودُ الْحَدِيثِ أَنَّ حُبَّ الْمَالِ وَالْجَاهَ أَكْثَرُ فَسَادًا لِلدِّينِ مِنْ إِفْسَادِ الذِّئْبَيْنِ لِلْغَنَمِ; لِأَنَّ ذَلِكَ يَسْتَجِرُّ صَاحِبَهُ إِلَى مَا هُوَ مَذْمُومٌ شَرْعًا . قَالَ الْعِرَاقِيُّ: رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ فِي الْكُبْرَى مِنْ حَدِيثِ كَعْبَ بْنِ مَالِكٍ، وَقَالَ: جَائِعَانِ مَكَانَ: ضَارِيَانِ، وَلَمْ يَقُولَا: فِي زَرِيبَةٍ، وَقَالَ: الشَّرَفُ بَعْدَ الْجَاهِ، قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَلِلطَّبَرَانِيِّ فِي الْأَوْسَطِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ: مَا ذِئْبَانِ ضَارِيَانِ فِي زَرِيبَةِ غَنَمٍ... الْحَدِيثَ، وَلَهُ، وَلِلْبَزَّارِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: ضَارِيَانِ جَائِعَانِ . وَإِسْنَادُ الطَّبَرَانِيِّ فِيهِمَا ضَعِيفٌ. ا ه . قُلْتُ: وَكَذَلِكَ رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو يَعْلَى فِي مَسْنَدَيْهِمَا، قَالَ التَّمِيمِيُّ: رِجَالُهُمَا رِجَالُ الصَّحِيحِ; غَيْرُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَنْجَوَيْهِ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ، وَقَدْ وُثِّقَا، وَقَالَ الْمُنْذِرِيُّ: إِسْنَادُ التِّرْمِذِيِّ جَيِّدٌ، وَلَفْظُهُمْ جَمِيعًا: مَا ذِئْبَانِ جَائِعَانِ أُرْسِلَا فِي غَنَمٍ بِأَفْسَدَ لَهَا مِنْ حِرْصِ الْمَرْءِ عَلَى الْمَالِ وَالشَّرَفِ لِدِينِهِ. وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ، وَالضِّيَاءُ فِي الْمُخْتَارِ مِنْ حَدِيثِ عَاصِمِ بْنِ عُدَيٍّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، قَالَ: اشْتَرَيْتُ أَنَا وَأَخِي مِائَةَ سَهْمٍ مِنْ خَيْبَرَ، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: مَا ذِئْبَانِ عَادِيَّانِ أَصَابَا غَنَمًا أَضَاعَهَا رَبُّهَا بِأَفْسَدَ لَهَا مِنْ حُبِّ الْمَالِ وَالشَّرَفِ لِدِينِهِ. وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ مِنْ حَدِيثِ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ بِلَفْظِ: مَا ذِئْبَانِ ضَارِيَانِ بَاتَا فِي حَظِيرَةٍ فِيهَا غَنَمٌ يَفْتَرِسَانِ، وَيَأْكُلَانِ بِأَسْرَعَ فَسَادًا مِنْ طَلَبِ الْمَالِ وَالشَّرَفِ فِي دِينِ الْمُسْلِمِ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ الضِّيَاءُ كَذَلِكَ . (وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: هَلَكَ الْأَكْثَرُونَ إِلَّا مَنْ قَالَ بِهِ) ، أَيْ: بِالْمَالِ، أَطْلَقَ الْقَوْلَ وَأَرَادَ الْعَمَلَ بِهِ (فِي عِبَادِ اللَّهِ) ، أَيْ: الْمُسْتَحِقِّينَ مِنَ الْفُقَرَاءِ (هَكَذَا، وَهَكَذَا) ، وَأَشَارَ (بِيَدِهِ، وَقَلِيلٌ مَا هُمْ) . قَالَ الْعِرَاقِيُّ: رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ بِلَفْظِ: الْمُكْثِرُونَ . وَهُوَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ بِلَفْظِ: هُمُ الْأَخْسَرُونَ، فَقَالَ أَبُو ذَرٍّ: مَنْ هُمْ، فَقَالَ: هُمُ الْأَكْثَرُونَ مَالًا إِلَّا مَنْ قَالَ هَكَذَا... الْحَدِيثَ. ا ه . قُلْتُ: رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَهَنَّادٌ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وَأَبُو يَعْلَى مِنْ حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ، فَهُوَ أَنَّ الْمُكْثِرِينَ هُمِ الْمُقِلُّونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَّا مَنْ أَعْطَاهُ اللَّهُ خَيْرًا ، فَتَحَ فِيهِ يَمِينَهُ، وَشَمَالَهُ، وَبَيْنَ يَدَيْهِ وَوَرَاءَهُ، وَعَمِلَ فِيهِ خَيْرًا، وَفِي رِوَايَةٍ: إِنَّ الْأَكْثَرِينَ هُمُ الْأَقَلُّونَ. (وَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ أُمَّتِكَ أَشَرٌّ؟ قَالَ: الْأَغْنِيَاءُ) . قَالَ الْعِرَاقِيُّ: غَرِيبٌ لَمْ أَجِدْهُ بِهَذَا اللَّفْظِ، وَلِلطَّبَرَانِيِّ فِي الْأَوْسَطِ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ: شِرَارُ أُمَّتِي الَّذِينَ وُلِدُوا فِي النَّعِيمِ، وَغُذُّوا بِهِ، يَأْكُلُونَ مِنَ الطَّعَامِ أَلْوَانًا. وَفِيهِ أَصْرَمُ بْنُ حَوْشَبَ ضَعِيفٌ، وَرَوَاهُ هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ فِي الزُّهْدِ، لَهُ مِنْ رِوَايَةِ عُرْوَةَ بْنِ رُوَيْمٍ مُرْسَلًا، وَلِلْبَزَّارِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ: إِنَّ مِنْ شَرَارِ أُمَّتِي الَّذِينَ غُذُّوا بِالنَّعِيمِ، وَنَبَتَتْ عَلَيْهِ أَجْسَامُهُمْ. ا ه . قُلْتُ: وَحَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ هَذَا قَدْ تَقَدَّمَ فِي آفَاتِ اللِّسَانِ، وَلَهُ بَقِيَّةٌ: وَيَرْكَبُونَ الدَّوَابَّ أَلْوَانًا، وَيَتَشَدَّقُونَ فِي الْكَلَامِ. وَقَدْ رَوَاهُ كَذَلِكَ الْحَاكِمُ، وَصَحَّحَهُ، وَتُعُقِّبَ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي الشُّعَبِ، وَمُرْسَلُ عُرْوَةَ بْنِ رُوَيْمٍ رَوَاهُ هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ فِي الزُّهْدِ، وَمِنْ طَرِيقِهِ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْحِلْيَةِ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا الْأَوْزَاعِيُّ عَنْهُ رَفَعَهُ: خِيَارُ أُمَّتِي الَّذِينَ... الْحَدِيثَ، وَفِيهِ: وَشِرَارُ أُمَّتِي الَّذِينَ وُلِدُوا فِي النَّعِيمِ، وَغُذُّوا بِهِ، وَإِنَّمَا نَهْمَتُهُمْ أَلْوَانُ الطَّعَامِ وَالثِّيَابِ، وَيَتَشَدَّقُونَ فِي الْكَلَامِ. وَرُوِيَ مِثْلُهُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِلَفْظِ: شِرَارُ أُمَّتِي الَّذِينَ وُلِدُوا فِي النَّعِيمِ، وَغُذُّوا فِيهَا، الَّذِينَ يَأْكُلُونَ طَيِّبَ الطَّعَامِ، وَيَلْبَسُونَ لَيِّنَ الثِّيَابِ، هُمْ شِرَارُ أُمَّتِي حَقًّا حَقًّا... الْحَدِيثَ . رَوَاهُ الدَّيْلَمِيُّ، وَرُوِيَ مِثْلُهُ مِنْ حَدِيثِ فَاطِمَةَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . رَوَاهُ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا، وَابْنُ عَدِيٍّ ، وَالْبَيْهَقِيُّ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي ذَمِّ الْغِيبَةِ . (وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: سَيَأْتِي بِعَدَكُمْ قَوْمٌ يَأْكُلُونَ أَطَايِبَ الدُّنْيَا، وَأَلْوَانَهَا، وَيَنْكِحُونَ أَجْمَلَ النِّسَاءِ وَأَلْوَانَهَا، وَيَلْبَسُونَ أَلْيَنَ الثِّيَابِ وَأَلْوَانَهَا ، وَيَرْكَبُونَ فَرِهَ الْخَيْلِ وَأَلْوَانَهَا، لَهُمْ بُطُونٌ مِنَ الْقَلِيلِ لَا تَشَبَعُ، وَأَنْفُسٌ بِالْقَلِيلِ لَا تَقْنَعُ، عَاكِفِينَ عَلَى الدُّنْيَا يَغْدُونَ وَيَرُوحُونَ إِلَيْهَا، اتَّخَذُوهَا آلِهَةً مِنْ دُونِ إِلَهِهِمْ، وَرَبًّا دُونَ رَبِّهِمْ، إِلَى أَمْرِهَا يَنْتَهُونَ، وَهَوَاهُمْ يَتَّبِعُونَ، فَعَزِيمَةٌ مِنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ لِمَنْ أَدْرَكَ ذَلِكَ الزَّمَانَ مَنْ عَقِبِ عَقِبِكُمْ، وَخَلْفِ خَلْفِكُمْ أَنْ لَا يُسَلِّمَ عَلَيْهِمْ، وَلَا يَعُودُ مَرْضَاهُمْ، وَلَا يَتْبَعُ جَنَائِزَهُمْ، وَلَا يُوَقِّرُ كَبِيرَهُمْ، فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ، فَقَدْ أَعَانَ عَلَى هَدْمِ الْإِسْلَامِ) . قَالَ الْعِرَاقِيُّ: وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ وَالْأَوْسَطِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ: سَتَكُونُ بَعْدِي رِجَالٌ مِنْ أُمَّتِي يَأْكُلُونَ أَلْوَانَ الطَّعَامِ، وَيَشْرَبُونَ أَلْوَانَ الشَّرَابِ، وَيَلْبَسُونَ أَنْوَاعَ الثِّيَابِ، يَتَشَدَّقُونَ فِي الْكَلَامِ، أُولَئِكَ شِرَارُ أُمَّتِي. وَسَنَدُهُ ضَعِيفٌ، وَلَمْ أَجِدْ لِبَاقِيهِ أَصْلًا. ا ه . قُلْتُ: وَحَدِيثُ أَبِي أُمَامَةَ هَذَا أَخْرَجَهُ أَيْضًا أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْحِلْيَةِ، وَفِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ الَّذِي ذُكِرَ قَبْلَ هَذَا، وَفِيهِ: يَرْكَبُونَ الدَّوَابَّ أَلْوَانًا. وَرَوَى تَمَّامٌ فِي جُزْءٍ مِنْ حَدِيثِهِ مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ: شِرَارُ أُمَّتِي وَأَوَّلُ مَنْ يُسَاقُ إِلَى النَّارِ الْأَقْمَاعُ مِنْ أُمَّتِي الَّذِينَ إِذَا أَكَلُوا لَمْ يَشْبَعُوا، وَإِذَا جَمَعُوا لَمْ يَسْتَغْنُوا. (وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: دَعُوا الد فَتُلْهِيكُمْ عَنْ ذِكُّْنْيَا لِأَهْلِهَا) ، أَيْ: اتْرُكُوهَا لَهُمْ (مَنْ أَخَذَ مِنَ الدُّنْيَا فَوْقَ مَا يَكْفِيهِ لِنَفْسِهِ، وَمَنْ تَلْزَمُهُ مُؤْنَتُهُ أَخَذَ حَتْفَهُ) ، أَيْ: هَلَاكُهُ (وَهُوَ لَا يَشْعُرُ) بِأَنَّ الْمَأْخُوذَ فِيهِ هَلَاكُهُ; إِذْ هِيَ السُّمُّ الْقَاتِلُ . قَالَ الْعِرَاقِيُّ: رَوَاهُ الْبَزَّارُ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ، وَفِيهِ هَانِئُ بْنُ الْمُتَوَكِّلِ، ضَعَّفَهُ ابْنُ حِبَّانَ. ا ه . قُلْتُ: وَرَوَاهُ كَذَلِكَ ابْنُ لَالٍ فِي مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ . (وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يَقُولُ ابْنُ آدَمَ: مَالِي مَالِي، وَهَلْ لَكَ) يَا ابْنَ آدَمَ، (مِنْ مَالِكَ إِلَّا مَا أَكَلْتَ فَأَفْنَيْتَ، أَوْ لَبِسْتَ فَأَبْلَيْتَ، أَوْ تَصَدَّقْتَ فَأَمْضَيْتَ) . رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشِّخِّيرِ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْكِتَابِ الَّذِي قَبْلَهُ . (وَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا لِي لَا أُحِبُّ الْمَوْتَ؟ فَقَالَ: هَلْ مَعَكَ مِنْ مَالٍ؟ قَالَ: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: قَدِّمْ مَالَكَ) بَيْنَ يَدَيْكَ (فَإِنَّ قَلْبَ الْمُؤْمِنِ مَعَ مَالِهِ إِنْ قَدَّمَهُ أَحَبَّ أَنْ يَلْحَقَهُ، وَإِنْ أَخْلَفَهُ أَحَبَّ أَنْ يَتَخَلَّفَ مَعَهُ) . قَالَ الْعِرَاقِيُّ: لَمْ أَقِفْ عَلَيْهِ، بَلْ رَوَاهُ ابْنُ الْمُبَارَكِ فِي الزُّهْدِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدٍ، قَالَ: قَالَ رَجُلٌ، فَذَكَرَهُ . وَفِيهِ: هَلْ لَكَ مَالٌ، فَقَدِّمْ مَالَكَ بَيْنَ يَدَيْكَ... الْبَاقِي سَوَاءٌ . ثُمَّ رَأَيْتُ بِخَطِّ الْمُحَدِّثِ الشَّمْسِ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ عَلِيٍّ الدَّاوُدِيِّ تِلْمِيذ الحَافِظِ السُّيُوطِيِّ عَلَى هَامِشِ الْمُغْنِي مَا رَوَاهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْحِلْيَةِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَفِيهِ طَلْحَةُ بْنُ عَمْرٍو، ضَعِيفٌ . وَأَخْرَجَهُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ أَقْوَى مِنْهُ، لَكِنْ مُرْسَلًا. ا ه . قُلْتُ: وَكَأَنَّهُ يُشِيرُ إِلَى الَّذِي قَدَّمْنَاهُ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ اللَّيْثِيُّ الْمَكِّيُّ، تَابِعِيٌّ ثِقَةٌ . (وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَخِلَّاءُ ابْنِ آدَمَ) جَمْعُ خَلِيلٍ، أَيْ: أَصْحَابُهُ (ثَلَاثَةٌ: وَاحِدٌ يَتْبَعُهُ إِلَى قَبْضِ رُوحِهِ، وَالثَّانِي: إِلَى قَبْرِهِ، وَالثَّالِثُ: إِلَى مَحْشَرِهِ، فَالَّذِي يَتْبَعُهُ إِلَى قَبْضِ رُوحِهِ، فَهُوَ مَالُهُ، وَالَّذِي يَتْبَعُهُ إِلَى قَبْرِهِ هُوَ أَهْلُهُ، وَالَّذِي يَتْبَعُهُ إِلَى مَحْشَرِهِ هُوَ عَمَلُهُ) . قَالَ الْعِرَاقِيُّ: رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ وَالْأَوْسَطِ مِنْ حَدِيثِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ نَحْوَهُ، وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالطَّيَالِسِيُّ، وَأَبُو الشَّيْخِ فِي كِتَابِ الثَّوَابِ، وَالطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ أَيْضًا، وَفِي الْكَبِيرِ مِنْ حَدِيثِ سَمْرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ، وَلِلشَّيْخَيْنِ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ: يَتْبَعُ الْمَيِّتُ ثَلَاثَةٌ، فَيَرْجِعُ اثْنَانِ، وَيَبْقَى وَاحِدٌ... الْحَدِيثَ. ا ه . قُلْتُ: لَفْظُ حَدِيثِ: يَتْبَعُ الْمَيِّتُ ثَلَاثَةٌ: أَهْلُهُ، وَمَالُهُ، وَعَمَلُهُ، فَيَرْجِعُ اثْنَانِ، وَيَبْقَى وَاحِدٌ; يَرْجِعُ أَهْلُهُ وَمَالُهُ، وَيَبْقَى مَعَهُ عَمَلُهُ. هَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ الْمُبَارَكِ وَأَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَالنَّسَائِيُّ. (وَقَالَ الْحَوَارِيُّونَ) ، وَهُمْ أَصْحَابُ عِيسَى - عَلَيْهِ السَّلَامُ - (لِعِيسَى بْنِ مَرْيَمَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - مَا لَكَ تَمْشِي عَلَى الْمَاءِ، وَلَا تَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ، فَقَالَ لَهُمْ: مَا مَنْزِلَةُ الدِّينَارِ وَالدِّرْهَمِ عِنْدَكُمْ؟ قَالُوا: حَسَنَةً، قَالَ: لَكِنَّهَا عِنْدِي وَالْمَدَرُ سَوَاءٌ) نَقَلَهُ صَاحِبُ الْقُوتِ . (وَكَتَبَ سَلْمَانُ الْفَارِسِيُّ إِلَى أَبِي الدَّرْدَاءِ) - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - (يَا أَخِي إِيَّاكَ أَنْ تَجْمَعَ مِنَ الدُّنْيَا مَا لَا تُؤَدِّي شُكْرَهُ، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: يُجَاءُ بِصَاحِبِ الدُّنْيَا الَّذِي أَطَاعَ اللَّهَ فِيهَا، وَمَالُهُ بَيْنَ يَدَيْهِ كُلَّمَا تَكَفَّأَ بِهِ الصِّرَاطُ قَالَ لَهُ مَالُهُ: وَيْلَكَ إِلَّا أَدَّيْتَ حَقَّ اللَّهِ فِيَّ، فَمَا يَزَالُ كَذَلِكَ حَتَّى يَدْعُوَ بِالْوَيْلِ وَالثُّبُورِ) . قَالَ الْعِرَاقِيُّ: لَيْسَ هُوَ مِنْ حَدِيثِ سَلْمَانَ إِنَّمَا هُوَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي الدَّرْدَاءِ أَنَّهُ كَتَبَ إِلَى سَلْمَانَ كَذَا . رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي الشُّعَبِ، وَقَالَ بَدَلَ الدُّنْيَا الْمَالَ، وَهُوَ مُنْقَطِعٌ. ا ه . قُلْتُ: وَكَذَلِكَ رَوَاهُ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ، وَابْنُ عَسَاكِرَ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ وَاسِعٍ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ رَفَعَهُ: يُجَاءُ بِصَاحِبِ الْمَالِ الَّذِي أَطَاعَ اللَّهَ فِيهِ، وَمَالُهُ بَيْنَ يَدَيْهِ... الْحَدِيثَ، وَقَالَ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْحِلْيَةِ: وَحَدَّثَنَا أَبُو عُمَرَ بْنُ حَمْدَانَ، حَدَّثْنَا الْحَسَنُ بْنُ سُفْيَانَ، حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ الْحَكَمِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، حَدَّثَنَا مَعْمَرُ، عَنْ صَاحِبٍ لَهُ: أَنَّ أَبَا الدَّرْدَاءِ كَتَبَ إِلَى سَلْمَانَ: أَخِي اغْتَنِمْ صِحَّتَكَ وَفَرَاغَكَ... الْحَدِيثَ، وَفِيهِ: يَا أَخِي لَا تَجْمَعْ مَا لَا تَسْتَطِيعُ شُكْرَهُ، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: يُجَاءُ بِصَاحِبِ الدُّنْيَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ الَّذِي أَطَاعَ اللَّهَ فِيهَا، وَهُوَ بَيْنُ يَدَيِ اللَّهِ، وَمَالُهُ خَلْفُهُ... الْحَدِيثَ، وَفِيهِ بَعْدَ قَوْلِهِ: وَمَالُهُ بَيْنَ كَتِفَيْهِ: فَيُعِيرُهُ مَالُهُ، وَيَقُولُ لَهُ: وَيْلُكَ; هَلَّا عَمِلْتَ بِطَاعَةِ اللَّهِ فِيَّ؟... الْحَدِيثَ بِطُولِهِ، ثُمَّ قَالَ: وَرَوَاهُ ابْنُ جَابِرٍ، وَالْمُطْعَمُ بْنُ الْمِقْدَامِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ وَاسِعٍ أَنَّ أَبَا الدَّرْدَاءِ كَتَبَ إِلَى سَلْمَانَ مِثْلَهُ . (وَكُلُّ مَا أَوْرَدْنَاهُ فِي كِتَابِ الزُّهْدِ وَالْفَقْرِ فِي ذَمِّ الْغِنَى، وَمَدْحِ الْفَقْرِ يَرْجِعُ جَمِيعُهُ إِلَى ذَمِّ الْمَالِ، فَلَا نُطَوِّلُ بِتَكْرِيرِهِ، وَكَذَا كُلُّ مَا ذَكَرْنَاهُ فِي ذَمِّ الدُّنْيَا فَيَتَنَاوَلُ ذَمَّ الْمَالِ بِحُكْمِ الْعُمُومِ; لِأَنَّ الْمَالَ أَعْظَمُ أَرْكَانِ الدُّنْيَا، وَإِنَّمَا نَذْكُرُ الْآنَ مَا وَرَدَ فِي الْمَالِ خَاصَّةً، قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِذَا مَاتَ الْعَبْدُ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ: مَا قَدَّمَ؟ وَقَالَ النَّاسُ: مَا خَلَّفَ) . رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي الشُّعَبِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ يَبْلُغُ بِهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي كِتَابِ آدَابِ الصُّحْبَةِ . وَفِي بَعْضِ خُطَبِ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: إِنَّ الْمَرْءَ إِذَا هَلَكَ، قَالَ النَّاسَ: مَا تَرَكَ؟ وَقَالَتِ الْمَلَائِكَةُ: مَا قَدَّمَ لِلَّهِ آبَاؤُكُمْ؟ فَقَدِّمُوا بَعْضًا يَكُنْ لَكُمْ قَرْضًا، وَلَا تَخْلُفُوا كُلًّا فَيَكُونُ عَلَيْكُمْ كُلًّا. (وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَا تَتَّخِذُوا الضَّيْعَةَ) ، أَيْ: الْعَقَارُ، وَهِيَ الْأَرْضُ الَّتِي تُزْرَعُ يُسْتَغَلُّ مِنْهَا (فَتُحِبُّوا الدُّنْيَا) ، أَيْ: تَمِيلُوا إِلَيْهَا، فَتُلْهِيكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ، وَمِنْ هُنَا قَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ: الضِّيَاعُ مَدَارِجُ الْهُمُومِ، وَكُتُبُ الْوُكَلَاءِ مَفَاتِيحُ الْغُمُومِ، وَقَالَ أَيْضًا: الضَّيْعَةُ إِنْ تَعَهَّدَتْهَا ضِعْتَ، وَإِنْ لَمْ تَتَعَهَّدْهَا ضَاعَتْ . وَوَهَبَ هِشَامٌ لِلْأَبْرَشِ ضَيْعَةً، فَسَأَلَهُ عَنْهَا، فَقَالَ: لَا عَهْدَ لِي بِهَا، فَقَالَ: لَوْلَا أَنَّ الرَّاجِعَ فِي هِبَتِهِ كَالرَّاجِعِ فِي قَيْئِهِ لِأَخْذَتُهَا مِنْكَ; أَمَّا عَلِمْتَ أَنَّهَا إِنَّمَا سُمِّيَتْ ضَيْعَةٌ; لِأَنَّهَا تَضِيعُ إِذَا تُرِكَتْ؟ وَسَيَأْتِي لِلْمُصَنِّفِ كَلَامٌ فِي هَذَا . وَحَاصِلُهُ أَنَّ اتِّخَاذَ الضِّيَاعِ مِمَّا يُسَوِّدُ الْقَلْبَ، وَيُلْهِي عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى، وَمَنِ انْتَفَى فِي حَقِّهِ ذَلِكَ جَازَ لَهُ الِاتِّخَاذُ . قَالَ الْعِرَاقِيُّ: رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَالْحَاكِمُ، وَصَحَّحَ إِسْنَادُهُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ بِلَفْظِ: فَتَرْغَبُوا. ا ه . قُلْتُ: أَيْ: فَتَرْغَبُوا فِي الدُّنْيَا، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ ابْنُ الْمُبَارَكِ، وَهَنَّادٌ كِلَاهُمَا فِي الزُّهْدِ، وَابْنُ جَرِيرٍ فِي تَهْذِيبِهِ، وَفِي سَنَدِ التِّرْمِذِيِّ، وَالْحَاكِمُ عَنْ شَمْرِ بْنِ عَطِيَّةَ، عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ سَعْدِ بْنِ الْأَخْرَمِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَلَمْ يُخْرِجِ السِّتَّةُ عَنْ هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةِ غَيْرُ التِّرْمِذِيَّ، وَقَدْ وُثِّقُوا .

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية