الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
معلومات الكتاب

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين

مرتضى الزبيدي - محمد بن محمد الحسيني الزبيدي

جزء صفحة
إحياء علوم الدين

وقصة يوسف عليه السلام وامتناعه من زليخا مع القدرة ومع رغبتها  ، معروفة وقد أثنى الله تعالى عليه بذلك في كتابه العزيز وهو إمام لكل من وفق لمجاهدة الشيطان في هذه الشهوة العظيمة .

وروي أن سليمان بن يسار كان من أحسن الناس وجها ، فدخلت عليه امرأة ، فسألته نفسه ، فامتنع عليها ، وخرج هاربا من منزله وتركها فيه قال سليمان : فرأيت تلك الليلة في المنام يوسف عليه السلام ، وكأني أقول له : أنت يوسف ؟ قال نعم : أنا يوسف الذي هممت ، وأنت سليمان الذي لم تهم أشار . إلى قوله تعالى : ولقد همت به وهم بها لولا أن رأى برهان ربه وعنه أيضا ما هو أعجب من هذا ، وذلك أنه خرج من المدينة حاجا ومعه رفيق له حتى نزلا بالأبواء فقام رفيقه وأخذ السفرة وانطلق إلى السوق ؛ ليبتاع شيئا وجلس سليمان في الخيمة وكان من أجمل الناس وجها وأورعهم فبصرت به أعرابية من قلة الجبل وانحدرت إليه ، حتى وقفت بين يديه وعليها البرقع والقفازان فأسفرت عن وجه لها كأنه فلقة قمر وقالت : أهنئني . فظن أنها تريد طعاما ، فقام إلى فضلة السفرة ليعطيها ، فقالت : لست أريد هذا ، إنما أريد ما يكون من الرجل إلى أهله . فقال : جهزك إلي إبليس ؟ ثم وضع رأسه بين ركبتيه وأخذ في النحيب فلم يزل يبكي ، فلما رأت منه ذلك سدلت البرقع على وجهها وانصرفت راجعة حتى بلغت أهلها ، وجاء رفيقه فرآه وقد انتفخت عيناه من البكاء ، وانقطع حلقه فقال : ما يبكيك ؟ قال : خير ، ذكرت صبيتي . قال : لا ، والله إلا أن لك قصة ؛ إنما عهدك بصبيتك منذ ثلاث أو نحوها . فلم يزل به حتى أخبره خبر الأعرابية ، فوضع رفيقه السفرة ، وجعل يبكي بكاء شديدا ، فقال سليمان : وأنت ما يبكيك ؟ قال : أنا أحق بالبكاء منك لأني أخشى أن لو كنت مكانك لما صبرت عنها . فلم يزالا يبكيان ، فلما انتهى سليمان إلى مكة فسعى وطاف ثم أتى الحجر فاحتبى بثوبه فأخذته عينه ، فنام ، وإذا رجل وسيم طوال له شارة حسنة ورائحة طيبة ، فقال له سليمان : رحمك الله ، من أنت ؟ قال له : أنا يوسف قال يوسف الصديق ؟ قال : نعم . قال : إن في شأنك وشأن امرأة العزيز لعجبا فقال له يوسف : شأنك وشأن صاحبة الأبواء أعجب .

وروي عن عبد الله بن عمر قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : انطلق ثلاثة نفر مما كان قبلكم حتى آواهم المبيت إلى غار فدخلوا ، فانحدرت صخرة من الجبل ، فسدت عليهم الغار ، فقالوا : إنه لا ينجيكم من هذه الصخرة إلى أن تدعوا الله تعالى بصالح أعمالكم فقال رجل منهم : اللهم إنك تعلم أنه كان لي أبوان شيخان كبيران ، وكنت لا أغبق قبلهما أهلا ولا مالا فنأى بي طلب الشجر يوما ، فلم أرح عليهما حتى ناما فحلبت لهما غبوقهما .

فوجدتهما نائمين ، فكرهت أن أغبق قبلها أهلا ومالا فلبثت والقدح في يدي أنتظر استيقاظهما حتى طلع الفجر والصبية يتضاغون حول قدمي ، فاستيقظا فشربا غبوقهما ، اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك ، ففرج عنا ما نحن فيه من هذه الصخرة . فانفرجت شيئا لا يستطيعون الخروج منه وقال الآخر : اللهم إنك تعلم أنه كان لي ابنة عم من أحب الناس إلي فراودتها ، عن نفسها ، فامتنعت مني حتى ألمت بي سنة من السنين ، فجاءتني فأعطيتها مائة وعشرين دينارا على أن تخلي بيني وبين نفسها ، ففعلت ، حتى إذا قدرت عليها قالت : اتق الله ولا تفض الخاتم إلا بحقه فتحرجت من الوقوع عليها ، فانصرفت عنها ، وهي من أحب الناس إلي ، وتركت الذهب الذي أعطيتها اللهم إن كنت فعلته ابتغاء وجهك ، ففرج عنا ما نحن فيه ، فانفرجت الصخرة عنهم حتى ، إنهم لا يستطيعون الخروج منها وقال الثالث : اللهم إني استأجرت أجراء وأعطيتهم أجورهم غير رجل واحد ؛ فإنه ترك الأجر الذي له وذهب فنميت له أجره حتى كثرت منه الأموال ، فجاءني بعد حين فقال يا عبد الله ، أعطني أجري . فقلت كل ما ترى من أجرك من الإبل والبقر والغنم والرقيق . فقال يا عبد الله أتهزأ بي ؟ فقلت لا أستهزئ بك فخذه . فاستاقه وأخذه كله ، ولم يترك منه شيئا ، اللهم ، إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك ، ففرج عنا ما نحن فيه ، فانفرجت الصخرة فخرجوا يمشون .


فهذا فضل من تمكن من قضاء هذه الشهوة فعف  وقريب منه من تمكن من قضاء شهوة العين ؛ فإن العين مبدأ الزنا فحفظها مهم وهو عسر من حيث إنه قد يستهان به ولا يعظم الخوف منه ، والآفات كلها منه تنشأ .

التالي السابق



الخدمات العلمية