الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
معلومات الكتاب

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين

مرتضى الزبيدي - محمد بن محمد الحسيني الزبيدي

جزء صفحة
إحياء علوم الدين

بيان فضيلة الجوع وذم الشبع   .

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : جاهدوا أنفسكم بالجوع والعطش ، فإن الأجر في ذلك كأجر المجاهد في سبيل الله وأنه ، ليس من عمل أحب إلى الله من جوع وعطش وقال ابن عباس قال النبي صلى الله عليه وسلم : لا يدخل ملكوت السماء من ملأ بطنه وقيل : يا رسول الله ، أي الناس أفضل ? قال : من قل مطعمه وضحكه ، ورضي مما يستر به عورته وقال النبي صلى الله عليه وسلم : سيد الأعمال الجوع ، وذل النفس لباس الصوف وقال أبو سعيد الخدري قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : البسوا وكلوا واشربوا ، في أنصاف البطون ، فإنه جزء من النبوة وقال الحسن قال النبي صلى الله عليه وسلم الفكر نصف العبادة ، وقلة الطعام هي العبادة وقال الحسن أيضا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أفضلكم عند الله منزلة يوم القيامة أطولكم جوعا وتفكرا في الله سبحانه ، وأبغضكم عند الله عز وجل يوم القيامة كل نئوم أكول شروب وفي الخبر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يجوع من غير عوز ، أي : مختارا لذلك وقال صلى الله عليه وسلم : إن الله تعالى يباهي الملائكة بمن قل مطعمه ومشربه في الدنيا ، يقول الله تعالى : انظروا إلى عبدي ابتليته بالطعام والشراب في الدنيا ، فصبر وتركهما ، اشهدوا يا ملائكتي ، ما من أكلة يدعها إلا أبدلته بها درجات في الجنة وقال صلى الله عليه وسلم : لا تميتوا القلوب بكثرة الطعام والشراب ، فإن القلب كالزرع يموت إذا كثر عليه الماء وقال صلى الله عليه وسلم : ما ملأ ابن آدم وعاء شرا من بطنه ، حسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه ، وإن كان لا بد فاعلا ، فثلث لطعامه ، وثلث لشرابه ، وثلث لنفسه وفي حديث أسامة بن زيد وحديث أبي هريرة الطويل ذكر فضيلة الجوع ؛ إذ قال فيه : إن أقرب الناس من الله عز وجل يوم القيامة من طال جوعه وعطشه وحزنه في الدنيا ، الأحفياء الأتقياء الذين إن شهدوا لم يعرفوا وإن غابوا لم يفتقدوا تعرفهم بقاع الأرض ، وتحف بهم ملائكة السماء نعم الناس بالدنيا ونعموا بطاعة الله عز وجل افترش ، الناس الفرش الوثيرة وافترشوا الجباه والركب ، ضيع الناس فعل النبيين وأخلاقهم وحفظوها هم ، تبكي الأرض إذا فقدتهم ، ويسخط الجبار على كل بلدة ليس فيها منهم أحد ، لم يتكالبوا على الدنيا تكالب الكلاب على الجيف أكلوا العلق ولبسوا الخرق شعثا ، غبرا يراهم الناس فيظنون أن بهم داء وما بهم داء ، ويقال : قد خولطوا فذهبت ، عقولهم ، وما ذهبت عقولهم ولكن نظر القوم بقلوبهم إلى أمر الله الذي أذهب عنهم الدنيا فهم عند أهل الدنيا يمشون بلا عقول عقلوا حين ذهبت عقول الناس ، لهم الشرف في الآخرة يا أسامة ، إذا رأيتهم في بلدة ، فاعلم أنهم أمان لأهل تلك البلدة ، ولا يعذب الله قوما هم فيهم ، الأرض بهم فرحة ، والجبار عنهم راض ، اتخذهم لنفسك إخوانا ، عسى أن تنجو بهم ، وإن استطعت إن يأتيك الموت وبطنك جائع وكبدك ظمآن فافعل ، فإنك تدرك بذلك شرف المنازل ، وتحل مع النبيين ، وتفرح بقدوم روحك الملائكة ، ويصلي عليك الجبار .

روى الحسن عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : البسوا الصوف ، وشمروا ، وكلوا في أنصاف البطون ، تدخلوا في ملكوت السماء وقال عيسى عليه السلام : يا معشر الحواريين ، أجيعوا أكبادكم وأعروا أجسادكم ؛ لعل قلوبكم ترى الله عز وجل وروي ذلك أيضا عن نبينا صلى الله عليه وسلم ، رواه طاوس وقيل : مكتوب في التوراة إن الله ليبغض الحبر السمين لأن السمن يدل على الغفلة وكثرة الأكل ، وذلك قبيح خصوصا بالحبر ولأجل ذلك قال ابن مسعود رضي الله عنه إن الله تعالى يبغض القارئ السمين .

وفي خبر مرسل : إن الشيطان ليجري من ابن آدم مجرى الدم ، فضيقوا مجاريه بالجوع والعطش وفي الخبر : إن الأكل على الشبع يورث البرص وقال صلى الله عليه وسلم : المؤمن يأكل في معى واحد والمنافق يأكل في سبعة أمعاء أي : يأكل سبعة أضعاف ما يأكل المؤمن أو تكون شهوته سبعة أضعاف شهوته وذكر المعى كفاية عن الشهوة ; لأن الشهوة هي التي تقبل الطعام ، وتأخذه كما يأخذ المعى ، وليس المعنى زيادة عدد معى المنافق على معى المؤمن .

التالي السابق



الخدمات العلمية