الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
معلومات الكتاب

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين

مرتضى الزبيدي - محمد بن محمد الحسيني الزبيدي

جزء صفحة
إحياء علوم الدين بَيَانُ الْفَرْقِ بَيْنَ الْمَقَامَيْنِ بِمِثَالٍ مَحْسُوسٍ . اعْلَمْ أَنَّ عَجَائِبَ الْقَلْبِ خَارِجَةٌ عَنْ مُدْرَكَاتِ الْحَوَاسِّ لِأَنَّ الْقَلْبَ أَيْضًا خَارِجٌ عَنْ إِدْرَاكِ الْحِسِّ ، وَمَا لَيْسَ مُدْرَكًا بِالْحَوَاسِّ تَضْعُفُ الْأَفْهَامُ عَنْ دَرْكِهِ إِلَّا بِمِثَالٍ مَحْسُوسٍ وَنَحْنُ نُقَرِّبُ ذَلِكَ إِلَى الْأَفْهَامِ الضَّعِيفَةِ بِمِثَالَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنَّهُ : لَوْ فَرَضْنَا حَوْضًا مَحْفُورًا فِي الْأَرْضِ احْتَمَلَ أَنْ يُسَاقَ الْمَاءُ مِنْ فَوْقِهِ بِأَنْهَارٍ تُفْتَحُ فِيهِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُحْفَرَ أَسْفَلَ الْحَوْضِ وَيُرْفَعَ مِنْهُ التُّرَابُ إِلَى أَنْ يَقْرُبَ مِنْ مُسْتَقَرِّ الْمَاءِ الصَّافِي فَيَنْفَجِرُ الْمَاءُ مِنْ أَسْفَلِ الْحَوْضِ وَيَكُونُ ذَلِكَ الْمَاءُ أَصْفَى وَأَدْوَمُ وَقَدْ يَكُونُ أَغْزَرَ وَأَكْثَرَ فَذَلِكَ ، الْقَلْبُ مِثْلُ الْحَوْضِ ، وَالْعِلْمُ مِثْلُ الْمَاءِ وَتَكُونُ الْحَوَاسُّ الْخَمْسُ مِثَالَ الْأَنْهَارِ وَقَدْ يُمْكِنُ أَنْ تُسَاقَ الْعُلُومُ إِلَى الْقَلْبِ بِوَاسِطَةِ أَنْهَارِ الْحَوَّاسِ وَالِاعْتِبَارُ بِالْمُشَاهَدَاتِ حَتَّى يَمْتَلِئَ عِلْمًا وَيُمْكِنَ أَنْ تُسَدَّ هَذِهِ الْأَنْهَارُ بِالْخَلْوَةِ وَالْعُزْلَةِ وَغَضِّ الْبَصَرِ وَيَعْمِدُ إِلَى عُمْقِ الْقَلْبِ بِتَطْهِيرِهِ وَرَفَعِ طَبَقَاتِ الْحُجُبِ عَنْهُ حَتَّى تَنْفَجِرَ يَنَابِيعُ الْعِلْمِ مِنْ دَاخِلِهِ . فَإِنْ قُلْتَ فَكَيْفَ يَتَفَجَّرُ : الْعِلْمُ مِنْ ذَاتِ الْقَلْبِ وَهُوَ خَالٍ عَنْهُ فَاعْلَمْ أَنَّ هَذَا مِنْ عَجَائِبِ أَسْرَارِ الْقَلْبِ ، وَلَا يُسْمَحُ بِذِكْرِهِ فِي عِلْمِ الْمُعَامَلَةِ بَلِ الْقَدْرُ الَّذِي يُمْكِنُ ذِكْرُهُ أَنَّ حَقَائِقَ الْأَشْيَاءِ مَسْطُورَةٌ فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ بَلْ فِي قُلُوبِ الْمَلَائِكَةِ الْمُقَرَّبِينَ فَكَمَا أَنَّ الْمُهَنْدِسَ يُصَوِّرُ أَبْنِيَةَ الدَّارِ فِي بَيَاضٍ ثُمَّ يُخْرِجُهَا إِلَى الْوُجُودِ عَلَى وَفْقٍ تِلْكَ النُّسْخَةِ ، فَكَذَلِكَ فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كَتَبَ نُسْخَةَ الْعَالِمِ مِنْ أَوَّلِهِ إِلَى آخِرِهِ فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ ثُمَّ أَخْرَجَهُ إِلَى الْوُجُودِ عَلَى وَفْقِ تِلْكَ النُّسْخَةِ ، وَالْعَالَمُ الَّذِي خَرَجَ إِلَى الْوُجُودِ بِصُورَتِهِ تَتَأَدَّى مِنْهُ صُورَةٌ أُخْرَى إِلَى الْحِسِّ وَالْخَيَالِ ، فَإِنَّ مَنْ يَنْظُرُ إِلَى السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ثُمَّ يَغُضُّ بَصَرَهُ يَرَى صُورَةَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ فِي خَيَالِهِ حَتَّى كَأَنَّهُ يَنْظُرُ إِلَيْهَا وَلَوِ انْعَدَمَتِ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَبَقِيَ هُوَ فِي نَفْسِهِ لَوَجَدَ صُورَةَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ فِي نَفْسِهِ كَأَنَّهُ يُشَاهِدُهُمَا وَيَنْظُرُ إِلَيْهِمَا ، ثُمَّ يَتَأَدَّى مِنْ خَيَالِهِ أَثَرٌ إِلَى الْقَلْبِ فَيَحْصُلُ فِيهِ حَقَائِقُ الْأَشْيَاءِ الَّتِي دَخَلَتْ فِي الْحِسِّ وَالْخَيَالِ وَالْحَاصِلُ ، فِي الْقَلْبِ مُوَافِقٌ لِلْعَالَمِ الْحَاصِلِ فِي الْخَيَالِ ، وَالْحَاصِلُ فِي الْخَيَالِ مُوَافِقٌ لِلْعَالَمِ الْمَوْجُودِ فِي نَفْسِهِ خَارِجًا مِنْ خَيَالِ الْإِنْسَانِ وَقَلْبِهِ ، وَالْعَالَمُ الْمَوْجُودُ مُوَافِقٌ لِلنُّسْخَةِ الْمَوْجُودَةِ فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ . فَكَأَنَّ ، لِلْعَالَمِ أَرْبَعُ دَرَجَاتٍ فِي الْوُجُودِ : وُجُودٌ فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ وَهُوَ سَابِقٌ عَلَى وُجُودِهِ الْجُسْمَانِيِّ ، وَيَتْبَعُهُ وَجُودُهُ الْحَقِيقِيُّ ، وَيَتْبَعُ وَجُودُهُ الْحَقِيقِيُّ وُجُودَهُ الْخَيَالِيَّ ، أَعْنِي وُجُودَ صُورَتِهِ فِي الْخَيَالِ وَيَتْبَعُ وُجُودُهُ الْخَيَالِيُّ وُجُودَهُ الْعَقْلِيَّ أَعْنِي وُجُودَ صُورَتِهِ فِي الْقَلْبِ . وَبَعْضُ هَذِهِ الْمَوْجُودَاتِ رُوحَانِيَّةٌ وَبَعْضُهَا جُسْمَانِيَّةٌ وَالرُّوحَانِيَّةُ بَعْضُهَا أَشَدُّ رُوحَانِيَّةً مِنَ الْبَعْضِ وَهَذَا اللُّطْفُ مِنَ الْحِكْمَةِ الْإِلَهِيَّةِ ؛ إِذْ جَعَلَ حَدَقَتَكَ عَلَى صِغَرِ حَجْمِهَا بِحَيْثُ تَنْطَبِعُ صُورَةُ الْعَالَمِ وَالسَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضُ عَلَى اتِّسَاعِ أَكْنَافِهَا فِيهَا ثُمَّ يَسْرِي مِنْ وُجُودِهَا فِي الْحِسِّ وُجُودٌ إِلَى الْخَيَالِ ، ثُمَّ مِنْهُ وُجُودٌ فِي الْقَلْبِ فَإِنَّكَ أَبَدًا لَا تُدْرِكُ إِلَّا مَا هُوَ وَاصِلٌ إِلَيْكَ ، فَلَوْ لَمْ يُجْعَلْ لِلْعَالَمِ كُلِّهِ مِثَالًا فِي ذَاتِكَ لِمَا كَانَ لَكَ خَبَرٌ مِمَّا يُبَايِنُ ذَاتَكَ ، فَسُبْحَانَ مَنْ دَبَّرَ هَذِهِ الْعَجَائِبِ فِي الْقُلُوبِ وَالْأَبْصَارِ ، ثُمَّ أَعْمَى عَنْ دَرْكِهَا الْقُلُوبَ وَالْأَبْصَارَ ، حَتَّى صَارَتْ قُلُوبُ أَكْثَرِ الْخَلْقِ جَاهِلَةً بِأَنْفُسِهَا وَبِعَجَائِبِهَا . وَلْنَرْجِعْ إِلَى الْغَرَضِ الْمَقْصُودِ فَنَقُولُ : الْقَلْبُ قَدْ يَتَصَوَّرُ أَنْ يَحْصُلَ فِيهِ حَقِيقَةُ الْعَالَمِ وَصَوَّرْتُهُ تَارَةً مِنَ الْحَوَاسِّ ، وَتَارَةً مِنَ اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ كَمَا أَنَّ الْعَيْنَ يَتَصَوَّرُ أَنْ يَحْصُلَ فِيهَا صُورَةُ الشَّمْسِ تَارَةً مِنَ النَّظَرِ إِلَيْهَا ، وَتَارَةً مِنَ النَّظَرِ إِلَى الْمَاءِ الَّذِي يُقَابِلُ الشَّمْسَ وَيَحْكِي صُورَتَهَا ، فَمَهْمَا ارْتَفَعَ الْحِجَابُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ رَأَى الْأَشْيَاءَ فِيهِ وَتَفَجَّرَ إِلَيْهِ الْعِلْمُ مِنْهُ فَاسْتَغْنَى عَنِ الِاقْتِبَاسِ مِنْ دَاخِلِ الْحَوَاسِّ ، فَيَكُونُ ذَلِكَ كَتَفَجُّرِ الْمَاءِ مِنْ عُمْقِ الْأَرْضِ وَمَهْمَا أَقْبَلَ عَلَى الْخَيَالَاتِ الْحَاصِلَةِ مِنْ الْمَحْسُوسَاتِ كَانَ ذَلِكَ حِجَابًا لَهُ عَنْ مُطَالَعَةِ اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ كَمَا أَنَّ الْمَاءَ إِذَا اجْتَمَعَ فِي الْأَنْهَارِ ، مَنَعَ ذَلِكَ مِنَ التَّفَجُّرِ فِي الْأَرْضِ وَكَمَا أَنَّ مَنْ نَظَرَ إِلَى الْمَاءِ الَّذِي يَحْكِي صُورَةَ الشَّمْسِ لَا يَكُونُ نَاظِرًا إِلَى نَفْسِ الشَّمْسِ فَإِذَنْ لِلْقَلْبِ بَابَانِ : بَابٌ مَفْتُوحٌ إِلَى عَالَمِ الْمَلَكُوتِ وَهُوَ اللَّوْحُ الْمَحْفُوظُ وَعَالَمُ الْمَلَائِكَةِ ، وَبَابٌ مَفْتُوحٌ إِلَى الْحَوَاسِّ الْخَمْسِ الْمُتَمَسِّكَةِ بِعَالَمِ الْمُلْكِ وَالشَّهَادَةِ ، وَعَالِمُ الشَّهَادَةِ وَالْمُلْكِ أَيْضًا يُحَاكِي عَالَمَ الْمَلَكُوتِ نَوْعًا مِنَ الْمُحَاكَاةِ . إتحاف السادة المتقين (بَيَانُ الْفَرْقِ بَيْنَ الْمَقَامَيْنِ بِمِثَالٍ مَحْسُوسٍ) (اعْلَمْ أَنَّ عَجَائِبَ الْقَلْبِ خَارِجَةٌ عَنْ مُدْرَكَاتِ الْحَوَاسِّ) الظَّاهِرَةِ ( لِأَنَّ الْقَلْبَ أَيْضًا خَارِجٌ عَنْ إِدْرَاكِ الْحِسِّ، وَمَا لَيْسَ مُدْرَكًا بِالْحَوَاسِّ) الظَّاهِرَةِ (تَضْعُفُ الْأَفْهَامُ عَنْ دَرْكِهِ إِلَّا بِمِثَالٍ مَحْسُوسٍ) فِي الْخَارِجِ (وَنَحْنُ نُقَرِّبُ ذَلِكَ إِلَى أَفْهَامِ الضُّعَفَاءِ بِمِثَالَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَا لَوْ فَرَضْنَا حَوْضًا) وَهُوَ مَجْمَعُ الْمَاءِ (مَحْفُورًا فِي الْأَرْضِ احْتَمَلَ أَنْ يُسَاقَ الْمَاءُ إِلَيْهِ مِنْ فَوْقِهِ بِأَنْهَارٍ تُفْتَحُ إِلَيْهِ) مِنْ نَوَاحِيهِ (وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُحْفَرَ أَسْفَلَ الْحَوْضِ وَيُرْفَعَ مِنْهُ التُّرَابُ إِلَى أَنْ يَقْرُبَ مِنْ مُسْتَقَرِّ الْمَاءِ الصَّافِي) مِنَ الْكَدَرِ (فَيَنْفَجِرُ الْمَاءُ مِنْ أَسْفَلِ الْحَوْضِ وَيَكُونُ ذَلِكَ الْمَاءُ أَصْفَى) مِنَ الْمَاءِ الَّذِي يَأْتِي مِنْ فَوْقٍ بِوَاسِطَةِ الْأَنْهَارِ، (وَأَدْوَمُ) أَيْ: أَثْبَتُ فِي الدَّوَامِ (وَقَدْ يَكُونُ أَغْزَرَ وَأَكْثَرَ ، فَكَذَلِكَ الْقَلْبُ مِثْلُ الْحَوْضِ، وَالْعِلْمُ مِثْلُ الْمَاءِ) الْوَارِدِ عَلَيْهِ (وَالْحَوَاسُّ الْخَمْسَةُ) الظَّاهِرَةُ (مِثْلُ الْأَنْهَارِ وَيُمْكِنُ أَنْ تُسَاقَ الْعُلُومُ) الْمُخْتَلِفَةُ الْأَنْوَاعِ (إِلَى الْقَلْبِ بِوَاسِطَةِ أَنْهَارِ الْحَوَّاسِ وَالِاعْتِبَارُ بِالْمُشَاهَدَاتِ) فِي عَالَمِ الْمُلْكِ (حَتَّى يَمْتَلِئَ عِلْمًا) جَمًّا (وَيُمْكِنَ أَنْ تُسَدَّ عَنْهُ هَذِهِ الْأَنْهَارُ بِالْخَلْوَةِ وَالْعُزْلَةِ وَغَضِّ الْبَصَرِ) وَمَنْعِ السَّمْعِ مِنْ أَنْ يَتَطَرَّقَ إِلَيْهِ شَيْءٌ مِنَ الْأَخْبَارِ (وَيَعْمِدُ إِلَى عُمْقِ الْقَلْبِ) أَيْ: بَاطِنِهِ (بِتَطْهِيرِهِ) مِنَ الْوَسَاوِسِ وَالْأَرْجَاسِ (وَرَفَعِ طَبَقَاتِ الْحُجُبِ عَنْهُ حَتَّى يَتَفَجَّرَ يَنْبُوعُ الْعِلْمِ) الْإِلَهِيِّ (مِنْ دَاخِلِهِ) فَيَسْتَغْنِي عَنْ مَدَدِ الْمَعَارِفِ مِنْ فَوْقٍ . (فَإِنْ قُلْتَ: وَكَيْفَ يَنْفَجِرُ الْعِلْمُ مِنْ ذَاتِ الْقَلْبِ وَهُوَ خَالٍ عَنْهُ) وَالْأَرْضُ مِنْ شَأْنِهَا إِذَا حُفِرَتْ نَبَعَ مِنْهَا الْمَاءُ لِكَوْنِهِ مَوْجُودًا فِي عُرُوقِهَا الْبَاطِنَةِ ، وَعِنْدَ الِاسْتِنْبَاطِ يَحْصُلُ لَهُ الظُّهُورُ ، وَكَيْفَ يُتَصَوَّرُ هَذَا فِي الْقَلْبِ وَلَيْسَ فِيهِ مِنَ الْمَعَارِفِ مَا هُوَ كَامِنٌ فِيهِ حَتَّى إِذَا صَفَا عَنْ كَدَوْرَاتٍ ظَهَرَتْ تِلْكَ الْمَعَارِفُ ظُهُورَ الْمَاءِ مِنَ الْأَرْضِ؟ (فَاعْلَمْ أَنَّ هَذَا مِنْ عَجَائِبِ أَسْرَارِ الْقَلْبِ، وَلَا يُسْمَحُ بِذِكْرِهِ فِي عِلْمِ الْمُعَامَلَةِ) ؛ لِأَنَّهُ مِنْ وَرَاءِ طَوْرِ الْعَقْلِ، (وَالْقَدْرُ الَّذِي لَا يُمْكِنُ ذِكْرُهُ) الْآنَ هُوَ (أَنَّ حَقَائِقَ الْأَشْيَاءِ) بِأَسْرِهَا (مَسْطُورَةٌ) بِالْقَلَمِ الْأَعْلَى (فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ) عِنْدَهُ، (بَلْ) أَزِيدُ عَلَى ذَلِكَ، وَأَقُولُ هِي مَسْطُورَةٌ أَيْضًا (فِي قُلُوبِ الْمَلَائِكَةِ الْمُقَرَّبِينَ) ، وَبَيَانُ لَكَ أَنَّ الْأَنْوَارَ السَّمَائِيَّةِ الَّتِي تُقْتَبَسُ مِنْهَا الْأَنْوَارُ الْأَرْضِيَّةُ مَرْتَبَةٌ بِحَيْثُ يُقْتَبَسُ بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ ، فَالْأَقْرَبُ مِنَ الْمَنْبَعِ الْأَوَّلِ أَعْلَى مَرْتَبَةً ، وَهَكَذَا تَرْتِيبٌ فِي عَالِمِ الشَّهَادَةِ ، وَلَا يُفْهِمُ ذَلِكَ إِلَّا بِمِثَالٍ وَهُوَ أَنْ يُفْرَضَ ضَوْءُ الْقَمَرِ دَاخِلًا فِي كُوَّةِ بَيْتٍ وَاقِعًا عَلَى مِرْآةٍ مَنْصُوبَةٍ عَلَى حَائِطٍ وَمُنْعَكِسًا مِنْهَا إِلَى حَائِطٍ آخَرَ فِي مُقَابَلَتِهَا ثُمَّ مُنْعَطِفًا مِنْهَا إِلَى الْأَرْضِ بِحَيْثُ تَسْتَنِيرُ مِنْهُ الْأَرْضُ ، فَأَنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ مَا عَلَى الْأَرْضِ مِنَ النُّورِ تَابِعٌ لِمَا عَلَى الْحَائِطِ ، وَمَا عَلَى الْحَائِطِ تَابِعٌ لِمَا عَلَى الْمِرْآةِ ، وَمَا عَلَى الْمِرْآةِ تَابِعٌ لِلْقَمَرِ ، وَمَا فِي الْقَمَرِ تَابِعٌ، لِمَا فِي الشَّمْسِ إِذْ مِنْهَا يُشْرِقُ النُّورُ عَلَى الْقَمَرِ ، وَهَذِهِ الْأَنْوَارُ الْأَرْبَعَةُ مَرْتَبَةٌ بَعْضُهَا أَعْلَى مِنْ بَعْضٍ وَأَكْمَلُ مِنْ بَعْضٍ ، وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مَقَامٌ مَعْلُومٌ وَدَرَجَةٌ خَاصَّةٌ لَا تَتَعَدَّاهُ ، فَاعْلَمْ أَنَّهُ قَدِ انْكَشَفَ لِأَرْبَابِ الْبَصَائِرِ أَنَّ الْأَنْوَارَ الْمَلَكُوتِيَّةَ إِنَّمَا وُجِدَتْ عَلَى تَرْتِيبٍ كَذَلِكَ ، وَأَنَّ الْقُرْبَ هُوَ الْأَقْرَبُ إِلَى النُّورِ الْأَقْصَى، فَلَا يَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ مَا فِي اللَّوْحِ مُنْتَقِشًا فِي قُلُوبِ الْمُقَرَّبِينَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ لِقُرْبِ دَرَجَاتِهِمْ مِنْ حَضْرَةِ الرُّبُوبِيَّةِ الَّتِي هِيَ مَنْبَعُ الْأَنْوَارِ وَالْأَسْرَارِ (وَكَمَا أَنَّ الْمُهَنْدِسَ) وَهُوَ مُقَدِّرٌ مَجَارِيَ الْقُنِيِّ وَالْآثَارِ (يُسَطِّرُ صُورَةَ أَبْنِيَةِ الدَّارِ فِي بَيَاضٍ) أَوَّلًا فَيَجْعَلُهَا نُسْخَةً وَهُوَ الْوُجُودُ الذِّهْنِيُّ، (ثُمَّ يُخْرِجُهَا إِلَى الْوُجُودِ) الْخَارِجِيِّ (عَلَى وَفْقٍ تِلْكَ النُّسْخَةِ، فَكَذَلِكَ فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) أَيْ: مُبْدِعُهُمَا بِلَا مِثَالٍ سَابِقٍ (كَتَبَ نُسْخَةَ الْعَالِمِ) وَهُوَ مَا سِوَى اللَّهِ (مِنْ أَوَّلِهِ إِلَى آخِرِهِ فِي اللَّوْحِ) كَمَا قَالَ تَعَالَى: بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ فَالْإِبْدَاعُ أَوَّلُ مَرَاتِبِ الْكَتَبَةِ ، وَقَوْلُهُ: إِيجَادُهُ وَإِبْدَاعُهُ وَكَتَبَتْهُ قَوْلُهُ ، فَإِذَا صَدَرَ الْإِبْدَاعُ عَنْ أَمْرٍ يَكُونُ قَوْلًا ، فَإِذَا وَصَلَ إِلَى الْمَحَلِّ وَظَهَرَ الْمُبْدِعُ يَكُونُ كِتَابَةُ وَحُرُوفُ الْمَكْتُوبِ أَشْخَاصَ الْأَمْلَاكِ ، وَكَلِمَاتُ الْمَكْتُوبَاتِ أَجْسَامُ الْأَفْلَاكِ ، فَالْعَالَمُ إِذًا كِتَابَةٌ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ لَا حَقِيقَةَ قَوْلِهِ ، لِأَنَّ قَوْلَهُ إِظْهَارُ كَلَامِهِ وَكَلَامُهُ صِفَةُ ذَاتِهِ وَصِفَاتُهُ قَدِيمَةٌ وَكَلَامُهُ قَدِيمٌ ، وَقَوْلُهُ قَدِيمٌ وَالْعَالَمُ لَيْسَ بِقَدِيمٍ فَهُوَ مُحْدَثٌ ، وَالْكِتَابَةُ أَمْرٌ ظَهَرَ مِنَ الْقَوْلِ وَهِيَ حَادِثَةٌ ، وَالْعَالَمُ مَعَ أَنَّهُ مَكْتُوبٌ بِخَطِّ صُنِعِ الْإِلَهِ عَنْ يَدِ قُدْرَتِهِ حَادِثٌ مُبْدِعٌ مَحْدُودٌ مُتَنَاهٍ ، فَإِذًا أَوَّلُ مَرْتَبَةٍ مِنْ مَرَاتِبِ كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ الْإِبْدَاعُ، (ثُمَّ أَخْرَجَهُ إِلَى الْوُجُودِ عَلَى وَفْقِ تِلْكَ النُّسْخَةِ، وَالْعَالَمُ الَّذِي خَرَجَ إِلَى الْوُجُودِ بِصُورَتِهِ تَتَأَدَّى مِنْهُ صُورَةٌ أُخْرَى إِلَى الْحَوَاسِّ وَالْخَيَالِ ، فَإِنَّ مَنْ يَنْظُرُ إِلَى السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَبَقِيَ هُوَ فِي نَفْسِهِ لَوَجَدَ صُورَةَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ فِي نَفْسِهِ كَأَنَّهُ يُشَاهِدُهُمَا وَيَنْظُرُ إِلَيْهِمَا ، ثُمَّ يَتَأَدَّى مِنْ خَيَالِهِ أَثَرٌ فِي الْقَلْبِ فَتَحْصُلُ فِيهِ حَقَائِقُ الْأَشْيَاءِ الَّتِي دَخَلَتْ فِي الْحِسِّ وَالْخَيَالِ ، فَالْحَاصِلُ فِي الْقَلْبِ مُوَافِقٌ لِلْعَالَمِ الْحَاصِلِ فِي الْخَيَالِ ، وَالْحَاصِلُ فِي الْخَيَالِ مُوَافِقٌ لِلْعَالَمِ الْمَوْجُودِ فِي نَفْسِهِ خَارِجًا عَنْ خَيَالِ الْإِنْسَانِ وَقَلْبِهِ ، وَالْعَالَمُ الْمَوْجُودُ مُوَافِقٌ لِلنُّسْخَةِ الْمَوْجُودَةِ فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ، فَكَانَ لِلْعَالَمِ أَرْبَعُ دَرَجَاتٍ فِي الْوُجُودِ : وُجُودٌ فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ وَهُوَ سَابِقٌ عَلَى وُجُودِهِ الْجُسْمَانِيِّ ، وَيَتْبَعُهُ وَجُودُهُ الْحَقِيقِيُّ ، وَيَتْبَعُ وَجُودُهُ الْحَقِيقِيُّ وُجُودَهُ الْخَيَالِيَّ ، أَعْنِي وُجُودَ صُورَتِهِ فِي الْخَيَالِ) أَيِ: الْعَالَمِ بِصُورَتِهِ وَحَقِيقَتِهِ، (وَيَتْبَعُ وُجُودُهُ الْخَيَالِيُّ وُجُودَهُ الْعَقْلِيَّ أَعْنِي وُجُودَ صُورَتِهِ فِي الْقَلْبِ) فَإِطْلَاقُ الْوُجُودِ عَلَى مَا فِي الذِّهْنِ وَالْخَيَالِ لَا عَلَى الْحَقِيقَةِ، لَكِنْ عَلَى مَعْنَى أَنَّهُ صُورَةٌ مُحَاكِيَةٌ لِذَلِكَ الْوُجُودِ الْحَقِيقِيِّ كَمَا أَنَّ مَا يُرَى فِي الْمِرْآةِ يُسَمَّى إِنْسَانًا لَا بِالْحَقِيقَةِ، لَكِنْ عَلَى مَعْنَى أَنَّهُ صُورَةٌ مُحَاكِيَةٌ لِلْإِنْسَانِ الْحَقِيقِيِّ ، وَكَذَلِكَ كَلُّ شَيْءٍ فَلَهُ فِي الْوُجُودِ أَرْبَعِ مَرَاتِبَ: وُجُودٌ فِي الْأَعْيَانِ ، وَوُجُودٌ فِي الْأَذْهَانِ ، وَوُجُودٌ فِي اللِّسَانِ ، وَوُجُودٌ فِي الْبَيَاضِ الْمَكْتُوبِ عَلَيْهِ، (وَبَعْضُ هَذِهِ الْمَوْجُودَاتِ رُوحَانِيَّةٌ وَبَعْضُهَا جُسْمَانِيَّةٌ) فَالْوُجُودُ الْأَوَّلُ وَالثَّانِي جُسْمَانِيَّانِ ، وَالثَّالِثُ وَالرَّابِعُ رُوحَانِيَّانِ (وَالرُّوحَانِيَّاتُ بَعْضُهَا أَشَدُّ رُوحَانِيَّةً مِنْ الْبَعْضِ) كَالْوُجُودِ الْعَقْلِيِّ أَصْفَى رُوحَانِيَّةً مِنَ الْوُجُودِ الْخَيَالِيِّ، (وَهَذَا لُطْفٌ مِنَ الْحِكْمَةِ الْإِلَهِيَّةِ؛ إِذْ جَعَلَ حَدَقَتَكَ عَلَى صِغَرِ حَجْمِهَا بِحَيْثُ تَنْطَبِعُ فِيهَا صُورَةُ الْعَالَمِ وَ) مِنْ جُمْلَتِهِ (السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ عَلَى اتِّسَاعِ أَكْنَافِهَا) أَيْ: جَوَانِبِهَا (ثُمَّ سَرَى مِنْ وُجُودِهِ فِي الْحِسِّ وَجُودُهُ فِي الْخَيَالِ ، ثُمَّ مِنْهُ وُجُودٌ فِي الْقَلْبِ) وَهَذَا الْوُجُودُ أَقْوَى ، وَإِنَّمَا يُحْجَبُ مِنْهُ مَا يُحْجَبُ بِسَبَبِ صِفَاتِ بَيْنٍ مُقَارِنَةٍ لَهُ تُضَاهِي لِحِجَابِ الْعَيْنِ عَنْ نَفْسِهِ عِنْدَ تَغْمِيضِ الْأَجْفَانِ (فَإِنَّكَ أَبَدًا لَا تُدْرِكُ إِلَّا مَا هُوَ وَاصِلٌ إِلَيْكَ ، فَلَوْ لَمْ يُجْعَلْ لِلْعَالَمِ كُلِّهِ مَكَانًا فِي ذَاتِكَ لِمَا كَانَ لَكَ خَبَرٌ مِمَّا يُبَايِنُ ذَاتَكَ ، فَسُبْحَانَ مَنْ دَبَّرَ هَذِهِ الْعَجَائِبِ فِي الْقُلُوبِ وَالْأَبْصَارِ ، ثُمَّ أَعْمَى عَنْ دَرْكِهَا الْقُلُوبَ وَالْأَبْصَارَ ، حَتَّى صَارَتْ قُلُوبُ أَكْثَرِ الْخَلْقِ جَاهِلَةً بِأَنْفُسِهَا) وَمِنْ جُمْلَةِ هَذِهِ الْعَجَائِبِ الصُّورَةُ الْإِنْسَانِيَّةُ الْمُرَتَّبَةُ بِمُوجِبِ الْمُشَاكَلَةِ الَّتِي بَيْنَ عَالَمَيِ الْمُلْكِ وَالْمَلَكُوتِ عَلَى صُورَةِ الرَّحْمَنِ ، وَفَرْقٌ بَيْنَ أَنْ يُقَالَ عَلَى صُورَةِ الرَّحْمَنِ ، وَبَيْنَ أَنْ يُقَالَ عَلَى صُورَةِ اللَّهِ ؛ لِأَنَّ الرَّحْمَةَ الْإِلَهِيَّةَ هِيَ الَّتِي صَوَّرَتِ الْحَضْرَةَ الْإِلَهِيَّةَ بِهَذِهِ الصُّورَةِ، ثُمَّ أَنْعَمَ عَلَى آدَمَ فَأَعْطَاهُ صُورَةً مُخْتَصَرَةً جَامِعَةً لِجَمِيعِ أَصْنَافٍ مَا فِي الْعَالَمِ ، لِأَنَّ كُلَّ مَا فِي الْعَالَمِ هُوَ نُسْخَةٌ مِنَ الْعَالِمِ مُخْتَصَرَةٌ ، وَصُورَةُ آدَمَ أَعْنِي هَذِهِ الصُّورَةَ الْمَكْتُوبَةَ بِخَطِّ اللَّهِ فَهُوَ الْخَطُّ الْإِلَهِيُّ الْمُنَزَّهُ مِنْ أَنَّ يَكُونَ رَقْمَ حُرُوفٍ ، وَلَوْلَا هَذِهِ الرَّحْمَةُ لِعَجَزَ الْآدَمِيُّ عَنْ مَعْرِفَةِ رَبِّهِ؛ إِذْ لَا يَعْرِفُ رَبَّهُ إِلَّا مِنْ عَرَفَ نَفْسَهُ ، فَلَمَّا كَانَ هَذَا مِنْ آثَارِ الرَّحْمَةِ صَارَ عَلَى صُورَةِ الرَّحْمَنِ لَا عَلَى صُورَةِ اللَّهِ ، فَإِنَّ حَضْرَةَ الْإِلَهِيَّةِ غَيْرُ حَضْرَةِ الرَّحْمَةِ ، وَلَوْلَا هَذَا الْمَعْنَى لَكَانَ قَوْلُهُ: إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ عَلَى صُورَةِ الرَّحْمَنِ كَمَا هُوَ لَفْظُ الصَّحِيحِ غَيْرُ مَنْظُومٍ لَفْظًا ، وَهَذَا الْأُنْمُوذَجُ يَهْدِيكَ إِلَى أَنَّ غَالِبَ الْخَلْقِ قَدْ جَهِلَتْ أَنْفُسَهَا كَمَا جَهِلَتِ الْآفَاقِ ، وَهَذَا وَأَمْثَالُهُ بَحْرٌ لَا سَاحِلَ لَهُ، (فَلْنَرْجِعْ إِلَى الْمَقْصُودِ فَنَقُولُ: الْقَلْبُ يَتَصَوَّرُ أَنْ تَحْصُلَ فِيهِ حَقِيقَةُ الْعَالَمِ وَصَوَّرْتُهُ تَارَةً مِنَ الْحَوَاسِّ، وَتَارَةً مِنَ اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ كَمَا يَتَصَوَّرُ أَنْ يَحْصُلَ فِيهَا صُورَةُ الشَّمْسِ تَارَةً مِنَ النَّظَرِ إِلَيْهَا، وَتَارَةً مِنَ النَّظَرِ إِلَى الْمَاءِ الَّذِي يُقَابِلُ الشَّمْسَ ، فَمَهْمَا ارْتَفَعَ الْحِجَابُ) لِلْعَارِضِ بِسَبَبِ صِفَاتِ بَيْنٍ مُقَارَنَةٍ لَهُ (بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ رَأَى الْأَشْيَاءَ فِيهِ) بِحَقَائِقِهَا الْأَصْلِيَّةِ (وَتَفَجَّرَ إِلَيْهِ الْعِلْمُ مِنْهُ فَاسْتَغْنَى عَنِ الِاقْتِبَاسِ مِنْ مَدَاخِلَ الْحَوَاسِّ ، فَيَكُونُ ذَلِكَ كَتَفَجُّرِ الْمَاءِ مِنْ عُمْقِ الْأَرْضِ)مُسْتَغْنِيًا بِهِ عَنْ وُصُولِهِ مِنَ الْجَدَاوِلِ (وَمَهْمَا أَقْبَلَ عَلَى الْخَيَالَاتِ الْحَاصِلَةِ الْمَحْسُوسَاتِ كَانَ ذَلِكَ حِجَابًا لَهُ عَنْ مُطَالَعَةِ اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ) ، وَإِنَّمَا حِجَابُهُ حَيْثُ يُحْجَبُ، فَمِنْ نَفْسِهِ لِنَفْسِهِ بِسَبَبِ تِلْكَ الصِّفَاتِ (كَمَا أَنَّ الْمَاءَ إِذَا اجْتَمَعَ مِنَ الْأَنْهَارِ فِي الْحَوْضِ، مَنَعَ ذَلِكَ عَنِ التَّفَجُّرِ مِنَ الْأَرْضِ) لِاسْتِغْنَائِهِ بِهِ (فَكَمَا أَنَّ مَنْ نَظَرَ إِلَى الْمَاءِ الَّذِي يَحْكِي صُورَةَ الشَّمْسِ لَا يَكُونُ نَاظِرًا إِلَى نَفْسِ الشَّمْسِ) وَبَيَانُ ذَلِكَ إِجْمَالًا أَنَّ الْعَالِمَ الْمَلَكُوتِيَّ عَالَمُ غَيْبٍ ، وَالْعَالَمُ الْحِسِّيُّ عَالَمُ شَهَادَةٍ ، وَهُوَ مِرْقَاةٌ إِلَى الْعَالَمِ الْعَقْلِيِّ ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا اتِّصَالٌ وَمُنَاسِبَةٌ لَانْسَدَّ طَرِيقُ التَّرَقِّي إِلَى حَضْرَةِ الرُّبُوبِيَّةِ وَالْقُرْبِ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى ، فَلَنْ يَقْرُبَ مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ مَا لَمْ يَطَأْ بُحْبُوحَةَ حَظِيرَةِ الْقُدْسِ ، وَالْعَالَمُ الْمُرْتَفِعُ عَنِ الْحِسِّ وَالْخَيَالِ هُوَ الَّذِي نَعْنِيهِ بِعَالَمِ الْقُدْسِ ، ثُمَّ جُعِلَتِ الرَّحْمَةُ الْإِلَهِيَّةُ عَالَمَ الشَّهَادَةِ عَلَى الْمُوَازَنَةِ عَالَمِ الْمَلَكُوتِ ، فَمَا مِنْ شَيْءٍ مِنْ هَذَا الْعَالَمِ إِلَّا وَهُوَ مِثَالُ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ الْعَالَمِ ، وَلَا بُدَّ مِنْ نَوْعِ مُمَاثَلَةٍ وَمُطَابَقَةٍ بَيْنِهِمَا ، فَإِنْ كَانَ تِلْكَ الْمَوْجُودَاتُ مَا هُوَ ثَابِتٌ لَا يَتَغَيَّرُ وَعَظِيمٌ يُسْتَصْغَرُ ، وَمِنْهُ تَنْفَجِرُ إِلَى أَوْدِيَةِ الْقُلُوبِ الْبَشَرِيَّةِ مِيَاهُ الْمَعَارِفِ وَنَفَائِسُ الْمُكَاشَفَاتِ ، فَمِثَالُهُ الطُّورُ وَإِنْ كَانَ ثَمَّ مَوْجُودَاتٌ تَتَلَقَّى تِلْكَ النَّفَائِسِ بَعْدَ اتِّصَالِهَا بِالْقُلُوبِ الْبَشَرِيَّةِ تَجْرِي مِنْ قَلْبٍ إِلَى قَلْبٍ ، فَهَذِهِ الْقُلُوبُ أَيْضًا وَمُفْتَتَحُ الْوَادِي قُلُوبُ الْأَنْبِيَاءِ وَالْأَوْلِيَاءِ وَالْعُلَمَاءِ ، ثُمَّ مَنْ بَعْدَهُمْ (فَإِنَّ لِلْقَلْبِ بَابَيْنِ: بَابٌ مَفْتُوحٌ إِلَى عَالَمِ الْمَلَكُوتِ وَهُوَ اللَّوْحُ الْمَحْفُوظُ وَعَالَمُ الْمَلَائِكَةِ ، وَبَابٌ مَفْتُوحٌ إِلَى الْحَوَاسِّ الْخَمْسِ الْمُتَمَسِّكَةِ بِعَالَمِ الشَّهَادَةِ وَالْمُلْكِ ، وَعَالِمُ الشَّهَادَةِ وَالْمُلْكِ أَيْضًا يُحَاكِي عَالَمَ الْمَلَكُوتِ نَوْعًا مِنَ الْمُحَاكَاةِ) لِأَنَّهُ عَلَى مُوَازَنَتِهِ ، فَمَا مِنْ شَيْءٍ مِنْ عَالَمِ الْمُلْكِ إِلَّا وَهُوَ مَثَّالُ شَيْءٍ مِنْ عَالَمِ الْمَلَكُوتِ كَمَا ذَكَرْنَا ، وَرُبَّمَا كَانَ الشَّيْءُ الْوَاحِدُ مِثَالًا لِأَشْيَاءَ مِنْ عَالِمِ الْمَلَكُوتِ، وَرُبَّمَا كَانَ لِلشَّيْءِ الْوَاحِدِ مِنْ عَالَمِ الْمَلَكُوتِ أَمْثِلَةٌ كَثِيرَةٌ مِنْ عَالَمِ الْمُلْكِ ، وَإِنَّمَا يَكُونُ مِثَالًا إِذَا مَاثَلَهُ نَوْعًا مِنَ الْمُمَاثَلَةِ وَطَابَقَهُ نَوْعًا مِنَ الْمُطَابَقَةِ وَاسْتِيفَاءُ ذَلِكَ عَسِيرُ الضَّبْطِ قَدْ أَشَرْنَا إِلَى بَعْضِهَا قَرِيبًا ، وَعِلْمُ التَّفْسِيرِ يُعَرِّفُكَ مِنْهَاجَ ضَرْبِ الْمِثَالِ لِأَنَّ الرُّؤْيَا جُزْءٌ مِنَ النُّبُوَّةِ ، أَمَا تَرَى أَنَّ الشَّمْسَ فِي الرُّؤْيَا تَعْبِيرُهَا السُّلْطَانُ لِمَا بَيْنَهُمَا مِنَ الْمُشَارَكَةِ وَالْمُمَاثَلَةِ فِي مَعْنًى رُوحَانِيٍّ وَهُوَ الِاسْتِيلَاءُ عَلَى الْكَافِ مَعَ فَيَضَانِ الْأَنْوَارِ عَلَى الْجَمِيعِ ، وَالْقَمَرُ تَعْبِيرُهُ الْوَزِيرُ لِإِفَاضَةِ الشَّمْسِ نُورَهَا بِوَاسِطَةِ الْقَمَرِ عَلَى الْعَالَمِ عِنْدَ غَيْبَتِهَا كَمَا يُفِيضُ السُّلْطَانُ بِآثَارِهِ بِوَاسِطَةِ الْوَزِيرِ عَلَى مَنْ يَغِيبُ عَنْ حَضْرَةِ السُّلْطَانِ ، وَإِنَّ مَنْ يَرَى أَنَّ بِيَدِهِ خَاتَمًا يُخْتَمُ بِهِ أَفْوَاهُ الرِّجَالِ وَفُرُوجُ النِّسَاءِ ، فَإِنَّهُ يُعَبَّرُ بِهِ أَنَّهُ مُؤَذِّنٌ يُؤَذِّنُ قَبْلَ الصُّبْحِ فِي رَمَضَانَ ، وَمَنْ رَأَى أَنَّهُ يَصُبُّ الزَّيْتَ فِي الزَّيْتُونِ تَعْبِيرُهُ أَنَّهُ يَطَأُ جَارِيَةً هِيَ أُمُّهُ وَهُوَ لَا يَعْرِفُ ، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا يَزِيدُ أُنْسًا بِهَذَا الْجِنْسِ .

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية