الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
معلومات الكتاب

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين

مرتضى الزبيدي - محمد بن محمد الحسيني الزبيدي

جزء صفحة
إحياء علوم الدين حُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ وَالْوَلَدِ . لَا يَخْفَى أَنَّهُ إِذَا تَأَكَّدَ حَقُّ الْقَرَابَةِ وَالرَّحِمِ فَأَخَصُّ الْأَرْحَامِ وَأَمَسُّهَا الْوِلَادَةُ فَيَتَضَاعَفُ تَأَكُّدُ الْحَقِّ فِيهَا . وَقَدْ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَنْ يَجْزِيَ وَلَدٌ وَالِدَهُ حَتَّى يَجِدَهُ مَمْلُوكًا فَيَشْتَرِيَهُ فَيُعْتِقَهُ . إتحاف السادة المتقين (حُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ وَالْوَلَدِ) اعْلَمْ أَنَّهُ (لَا يَخْفَى) عَلَى أَحَدٍ (أَنَّهُ إِذَا تَأَكَّدَ حَقُّ الْقَرَابَةِ وَالرَّحِمِ فَأَلْصَقُ الْأَرْحَامِ وَأَمَسُّهَا الْوِلَادَةُ فَيَتَضَاعَفُ تَأَكُّدُ الْحَقِّ فِيهَا، وَقَدْ قَالَ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لَنْ يَجْزِيَ وَلَدٌ وَالِدَهُ) وَفِي لَفْظٍ: "لَا يَجْزِي وَلَدٌ وَالِدًا" وَالْمَعْنَى لَا يُكَافِئُهُ بِإِحْسَانِهِ وَقَضَاءِ حَقِّهِ وَالْأُمُّ مِثْلُهُ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى وَمِثْلُهُمَا الْأَجْدَادُ وَالْجَدَّاتُ مِنَ النَّسَبِ (حَتَّى يَجِدَهُ) وَفِي لَفْظٍ: "إِلَّا أَنْ يَجِدَهُ" (مَمْلُوكًا فَيَشْتَرِيَهُ فَيُعْتِقَهُ) أَيْ: يُخَلِّصُهُ مِنَ الرِّقِّ بِسَبَبِ شِرَاءٍ أَوْ نَحْوِهِ؛ لِأَنَّ الرَّقِيقَ كَالْمَعْدُومِ لِاسْتِحْقَاقِ غَيْرِهِ مَنَافِعَهُ وَنَقْصِهِ عَنِ الْمَنَاصِبِ الشَّرِيفَةِ فَيَتَسَبَّبُ فِي عِتْقِهِ الْمُخَلِّصِ لَهُ مِنْ ذَلِكَ كَأَنَّهُ أَوْجَدَهُ كَمَا كَانَ الْأَبُ سَبَبًا فِي إِيجَادِهِ فَهُوَ يَتَسَبَّبُ فِي إِيجَادٍ مَعْنَوِيٍّ فِي مُقَابَلَةِ الْإِيجَادِ الصُّورِيِّ . وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: الْمَعْنَى فِيهِ أَنَّ الْأَبَوَيْنِ أَخْرَجَا الْوَلَدَ مِنْ حَيِّزِ الْعَجْزِ إِلَى حَيِّزِ الْقُدْرَةِ، فَإِنَّهُ تَعَالَى أَخْرَجَ الْخَلْقَ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِهِمْ لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ كَمَا لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا، فَكَفَلَهُ الْوَالِدَانِ حَتَّى خَلَقَ اللَّهُ لَهُ الْقُدْرَةَ وَالْمَعْرِفَةَ وَاسْتَقَلَّ بِنَفْسِهِ بَعْدَ الْعَجْزِ فَكَفَاهُ بِفَضْلِ اللَّهِ وَقُوَّتِهِ لَا بِصُورَةِ الْأَمْرِ وَحَقِيقَتِهِ أَنْ يَجِدَ وَالِدَهُ فِي عَجْزِ الْمِلْكِ فَيُخْرِجُهُ إِلَى قُدْرَةِ الْحُرِّيَّةِ اهـ. لَكِنْ جَعَلَ الطَّيِّبِيُّ الْحَدِيثَ مِنْ قَبِيلِ التَّعْلِيقِ بِمُحَالٍ لِلْمُبَالَغَةِ يَعْنِي لَا يَجْزِي وَلَدٌ وَالِدَهُ إِلَّا أَنْ يَمْلِكَهُ فَيُعْتِقَهُ وَهُوَ مُحَالٌ؛ فَالْمُجَازَاةُ مُحَالٌ اهـ . وَتَبِعَهُ عَلَيْهِ بَعْضُهُمْ فَقَالَ: الْقَصْدُ بِالْخَبَرِ الْإِيذَانُ بِأَنَّ قَضَاءَ حَقِّهِ مُحَالٌ؛ لِأَنَّهُ حَصَرَ قَضَاءَ حَقِّهِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ وَهِيَ مُسْتَحِيلَةٌ؛ إِذِ الْعِتْقُ يُفَارِقُ الشِّرَاءَ، فَقَضَاءُ حَقِّهِ مُسْتَحِيلٌ . قَالَ الْعِرَاقِيُّ: رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ اهـ . قَالَ: رَوَاهُ فِي الْعِتْقِ بِلَفْظِ: "لَا يَجْزِي" وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنِّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَابْنُ حِبَّانَ، وَقَالَ التَّقِيُّ السُّبْكِيُّ فِي "النَّظَرِ الْمُصِيبِ فِي عِتْقِ الْقَرِيبِ" وَقَدْ رُوِيَ الْقَوْلُ "بِأَنَّ مَنْ مَلَكَ ذَا رَحِمٍ مُحَرَّمٍ فَهُوَ حُرٌّ" عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ نَقَلَهُ ابْنُ حَزْمٍ عَنْهُ وَحَكَاهُ غَيْرُهُ عَنِ ابْنِ شُبْرُمَةَ وَالْحُسْنِ وَجَابِرِ بْنِ زَيْدٍ وَإِبْرَاهِيمَ النَّخْعِيِّ وَعَطَاءٍ وَالْحَكَمِ وَحَمَّادٍ وَقَتَادَةَ وَالزُّهْرِيِّ وَاللَّيْثِ وَالثَّوْرِيِّ وَالْحَسَنِ بْنِ صَالِحٍ وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَحْمَدَ فِي الْمَشْهُورِ عَنْهُ، وَنَقَلَهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ وَهْبٍ، وَهِيَ رِوَايَةٌ عَنْ مَالِكٍ، وَصَحَّحَهَا ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ الْمَالِكِيُّ. وَشَرَطَ هَؤُلَاءِ شَيْئَيْنِ: أَحَدُهُمَا: الْقَرَابَةُ، وَهِيَ صِلَةُ الرَّحِمِ، وَالْأُخْرَى: الْمَحْرَمِيَّةُ، فَلَوْ وُجِدَ الرَّحِمُ بِلَا مَحْرَمِيَّةٍ لَمْ يُوجَبِ الْعِتْقُ كَابْنِ الْعَمِّ، وَلَوْ وُجِدَتِ الْمَحْرَمِيَّةُ بِلَا رَحِمٍ كَالرَّضَاعِ لَمْ يُوجَبِ الْعِتْقُ فَالرَّضَاعُ وَالْمُصَاهَرَةُ مَحَلُّ إِجْمَاعٍ لَا يُعْتَقُ عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ إِلَّا الْأَوْزَاعِيَّ فَإِنَّهُ قَالَ: "يُعْتَقُ كُلُّ ذِي رَحِمٍ مُحَرَّمٍ وَغَيْرِ مُحَرَّمٍ حَتَّى ابْنُ الْعَمِّ وَابْنُ الْخَالَةِ".

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية