الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
معلومات الكتاب

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين

مرتضى الزبيدي - محمد بن محمد الحسيني الزبيدي

جزء صفحة
إحياء علوم الدين الْبَابُ الثَّالِثُ فِي حَقِّ الْمُسْلِمِ وَالرَّحِمِ وَالْجِوَارِ وَالْمِلْكِ وَكَيْفِيَّةِ الْمُعَاشَرَةِ مَعَ . مَنْ يُدْلِي بِهَذِهِ الْأَسْبَابِ . . اعْلَمْ أَنَّ الْإِنْسَانَ إِمَّا أَنْ يَكُونَ وَحْدَهُ أَوْ مَعَ غَيْرِهِ ، وَإِذَا تَعَذَّرَ عَيْشُ الْإِنْسَانِ إِلَّا بِمُخَالَطَةِ مَنْ هُوَ مِنْ جِنْسِهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ بُدٌّ مِنْ تَعَلُّمِ آدَابِ الْمُخَالَطَةِ . وَكُلُّ مُخَالِطٍ فَفِي مُخَالَطَتِهِ أَدَبٌ وَالْأَدَبُ عَلَى قَدْرِ حَقِّهِ وَحَقُّهُ عَلَى قَدْرِ رَابِطَتِهِ الَّتِي بِهَا وَقَعَتِ الْمُخَالَطَةُ . وَالرَّابِطَةُ إِمَّا الْقَرَابَةُ وَهِيَ أَخَصُّهَا أَوْ أُخُوَّةُ الْإِسْلَامِ وَهِيَ أَعَمُّهَا وَيَنْطَوِي فِي مَعْنَى الْأُخُوَّةِ الصَّدَاقَةُ وَالصُّحْبَةُ وَإِمَّا الْجِوَارُ وَإِمَّا صُحْبَةُ السَّفَرِ وَالْمَكْتَبِ وَالدَّرْسِ وَإِمَّا الصَّدَاقَةُ أَوِ الْأُخُوَّةُ . وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الرَّوَابِطِ دَرَجَاتٌ . فَالْقَرَابَةُ لَهَا حَقٌّ وَلَكِنَّ حَقَّ الرَّحِمِ الْمُحَرَّمِ آكَدُ وَلِلْمُحَرَّمِ حَقٌّ وَلَكِنَّ حَقَّ الْوَالِدَيْنِ آكَدُ . وَكَذَلِكَ حَقُّ الْجَارِ وَلَكِنْ يَخْتَلِفُ بِحَسَبِ قُرْبِهِ مِنَ الدَّارِ وَبُعْدِهِ وَيَظْهَرُ التَّفَاوُتُ عِنْدَ النِّسْبَةِ حَتَّى إِنَّ الْبَلَدِيَّ فِي بِلَادِ الْغُرْبَةِ يَجْرِي مَجْرَى الْقَرِيبِ فِي الْوَطَنِ لِاخْتِصَاصِهِ بِحَقِّ الْجِوَارِ فِي الْبَلَدِ . وَكَذَلِكَ حَقُّ الْمُسْلِمِ يَتَأَكَّدُ بِتَأَكُّدِ الْمَعْرِفَةِ . وَلِلْمَعَارِفِ دَرَجَاتٌ فَلَيْسَ حَقُّ الَّذِي عُرِفَ بِالْمُشَاهَدَةِ كَحَقِّ الَّذِي عُرِفَ بِالسَّمَاعِ بَلْ آكَدُ مِنْهُ ، وَالْمَعْرِفَةُ بَعْدَ وُقُوعِهَا تَتَأَكَّدُ بِالِاخْتِلَاطِ . وَكَذَلِكَ الصُّحْبَةُ تَتَفَاوَتُ دَرَجَاتُهَا فَحَقُّ الصُّحْبَةِ فِي الدَّرْسِ وَالْمَكْتَبِ آكَدُ مِنْ حَقِّ صُحْبَةِ السَّفَرِ . إتحاف السادة المتقين (الْبَابُ الثَّالِثُ: فِي حَقِّ الْمُسْلِمِ وَالرَّحِمِ وَالْجِوَارِ وَالْمِلْكِ) بِكَسْرِ الْمِيمِ (وَكَيْفِيَّةِ الْمُعَاشَرَةِ مَعَ مَنْ يُدْلِي) أَيْ: يَتَقَرَّبُ (بِهَذِهِ الْأَسْبَابِ . اعْلَمْ أَنَّ الْإِنْسَانَ إِمَّا أَنْ يَكُونَ وَحْدَهُ) أَيْ: مُنْفَرِدًا بِنَفْسِهِ (أَوْ) يَكُونَ (مَعَ غَيْرِهِ، وَإِذَا تَعَذَّرَ عَيْشُ الْإِنْسَانِ وَحْدَهُ إِلَّا بِمُخَالَطَةِ مَنْ هُوَ مِنْ جِنْسِهِ) وَمِنْ شَكْلِهِ (لَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِنْ تَعَلُّمِ آدَابِ الْمُخَالَطَةِ فَكُلُّ مُخَالِطٍ) لِخَلِيطِهِ (فَفِي مُخَالَطَتِهِ) مَعَهُ (أَدَبٌ وَالْأَدَبُ عَلَى قَدْرِ حَقِّهِ) أَيْ: عَلَى قَدْرِ مَا يَسْتَحِقُّهُ (وَحَقُّهُ عَلَى قَدْرِ رَابِطَتِهِ الَّتِي بِهَا وَقَعَتِ الْمُخَالَطَةُ) وَأَصْلُ الرَّابِطَةِ مَا يُرْبَطُ بِهِ الشَّيْءُ وَيُضْبَطُ (وَ) تِلْكَ (الرَّابِطَةُ إِمَّا الْقَرَابَةُ وَهِيَ أَخَصُّهَا) لَهَا دَرَجَاتٌ: قَرَابَةُ قُرْبَى، وَقَرَابَةٌ قَرِيبَةٌ، وَقَرَابَةٌ بَعِيدَةٌ (أَوْ أُخُوَّةُ الْإِسْلَامِ وَهِيَ أَعَمُّهَا) وَيَنْطَوِي مَعْنَى الْأُخُوَّةِ عَلَى الصَّدَاقَةِ وَالصُّحْبَةِ . (وَأَمَّا الْجِوَارُ) أَيِ: الْمُجَاوَرَةُ فِي الْمَنْزِلِ (أَوْ صُحْبَةُ السَّفَرِ أَوِ الْمَكْتَبِ أَوِ الدَّرْسِ أَوِ الصَّدَاقَةِ أَوِ الْأُخُوَّةِ وَلِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْ هَذِهِ الرَّوَابِطِ دَرَجَاتٌ فَلِلْقَرَابَةِ حَقٌّ وَلَكِنَّ حَقَّ الرَّحِمِ الْمُحَرَّمِ آكَدُ وَلِلْمُحَرَّمِ حَقٌّ وَلَكِنَّ حَقَّ الْوَالِدَيْنِ آكَدُ، وَكَذَلِكَ حَقُّ الْجِوَارِ يَخْتَلِفُ بِحَسَبِ قُرْبِهِ مِنَ الدَّارِ أَوْ بُعْدِهِ) فَإِنَّ الْجَارَ الْمُلَاصِقَ حَقُّهُ آكَدُ مِنَ الْجَارِ الَّذِي بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ حَائِلٌ (وَيَظْهَرُ التَّفَاوُتُ عِنْدَ النِّسْبَةِ حَتَّى إِنَّ الْبَلَدِيَّ) الَّذِي هُوَ مِنْ نَفْسِ بَلَدِهِ إِذَا وُجِدَ (فِي بِلَادِ الْغُرْبَةِ) فَإِنَّهُ (يَجْرِي مَجْرَى الْقَرِيبِ فِي الْوَطَنِ لِاخْتِصَاصِهِ بِحَقِّ الْجِوَارِ فِي الْبَلَدِ) حَتَّى كَادَ أَنْ يَكُونَ أَوْلَى بِهِ مِنْ غَيْرِهِ . (وَكَذَلِكَ حَقُّ الْمُسْلِمِ يَتَأَكَّدُ بِتَأَكُّدِ الْمَعْرِفَةِ، وَلِلْمَعَارِفِ دَرَجَاتٌ) مُتَفَاوِتَةٌ (فَلَيْسَ حَقُّ الَّذِي عُرِفَ بِالْمُشَاهَدَةِ) وَالنَّظَرِ كَحَقِّ الَّذِي عُرِفَ بِالسَّمَاعِ مِنْ أَفْوَاهِ النَّاسِ (بَلْ آكَدُ مِنْهُ، وَالْمَعْرِفَةُ بَعْدَ وُقُوعِهَا تَتَأَكَّدُ بِالِاخْتِلَاطِ) وَالِاصْطِحَابِ (وَكَذَلِكَ الصُّحْبَةُ تَتَفَاوَتُ دَرَجَاتُهَا فَحَقُّ الصُّحْبَةِ فِي الْمَدْرَسَةِ وَالْمَكْتَبِ آكَدُ مِنْ حَقِّ صُحْبَةِ السَّفَرِ) فَإِنَّ الصَّاحِبَ فِي السَّفَرِ يُفَارِقُ عَنْ قُرْبٍ وَتَنْتَهِي صُحْبَتُهُ بِانْتِهَاءِ السَّفَرِ، وَعُمْرُ السَّفَرِ قَصِيرٌ بِخِلَافِ صُحْبَةِ الْمَكْتَبِ وَصُحْبَةِ الْمَدْرَسَةِ فَإِنَّهَا تَسْتَدْعِي طُولَ الزَّمَنِ .

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية