الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
معلومات الكتاب

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين

مرتضى الزبيدي - محمد بن محمد الحسيني الزبيدي

جزء صفحة
إحياء علوم الدين الْحَقُّ السَّابِعُ : الْوَفَاءُ وَالْإِخْلَاصُ ، وَمَعْنَى الْوَفَاءِ الثَّبَاتُ عَلَى الْحُبِّ وَإِدَامَتُهُ إِلَى الْمَوْتِ مَعَهُ وَبَعْدَ الْمَوْتِ مَعَ أَوْلَادِهِ وَأَصْدِقَائِهِ فَإِنَّ الْحُبَّ إِنَّمَا يُرَادُ لِلْآخِرَةِ ، فَإِنِ انْقَطَعَ قَبْلَ الْمَوْتِ حَبِطَ الْعَمَلُ وَضَاعَ السَّعْيُ وَلِذَلِكَ قَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي السَّبْعَةِ الَّذِينَ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ وَرَجُلَانِ تَحَابَّا فِي اللَّهِ اجْتَمَعَا عَلَى ذَلِكَ وَتَفَرَّقَا عَلَيْهِ . وَقَالَ بَعْضُهُمْ : قَلِيلٌ الْوَفَاءِ بَعْدَ الْوَفَاءِ خَيْرٌ مِنْ كَثِيرِهِ فِي حَالِ الْحَيَاةِ وَلِذَلِكَ رُوِيَ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَكْرَمَ عَجُوزًا دَخَلَتْ عَلَيْهِ فَقِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ فَقَالَ : إِنَّهَا كَانَتْ تَأْتِينَا أَيَّامَ خَدِيجَةَ وَإِنَّ كَرَمَ الْعَهْدِ مِنَ الدِّينِ . إتحاف السادة المتقين (الْحَقُّ السَّابِعُ: الْوَفَاءُ وَالْإِخْلَاصُ ، وَمَعْنَى الْوَفَاءِ الثَّبَاتُ عَلَى الْحُبِّ وَالْإِقَامَةِ) عَلَيْهِ (إِلَى) نُزُولِ حَادِثَةِ (الْمَوْتِ) بِهِ (وَبَعْدَ الْمَوْتِ) أَيْضًا (مَعَ أَوْلَادِهِ) وَأَحْفَادِهِ (وَأَصْدِقَائِهِ) وَمُحِبِّيهِ وَمُلَازَمِيهِ (فَإِنَّ الْحُبَّ إِنَّمَا يُرَادُ لِلْآخِرَةِ، فَإِنِ انْقَطَعَ قَبْلَ الْمَوْتِ حَبِطَ الْعَمَلُ وَضَاعَ السَّعْيُ) وَلَفْظُ الْقُوتِ: فَقَدْ كَانُوا يَتَوَاخَوْنَ وَيَتَعَارَفُونَ لِمَنَافِعِ الْآخِرَةِ الْبَاقِيَةِ لَا لِمَرَافِقِ الدُّنْيَا الْفَانِيَةِ، وَأَفْضَلُ الْأُخُوَّةِ كَمَا قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: الْمَحَبَّةُ الدَّائِمَةُ وَالْأُلْفَةُ اللَّازِمَةُ مِنْ قِبَلِ أَنَّ الْأُخُوَّةَ وَالْمَحَبَّةَ عَمَلٌ، وَكُلَّ عَمَلٍ يَحْتَاجُ إِلَى حُسْنِ الْخَاتِمَةِ بِهِ لِيَتِمَّ الْعَمَلُ بِهِ فَيَكْمُلَ أَجْرُهُ، فَإِنْ لَمْ يُخْتَمْ لَهُ بِالْأُخُوَّةِ وَلَمْ يُحْسِنْ عَاقِبَةَ الصُّحْبَةِ وَالْمَحَبَّةِ فَقَدْ أَدْرَكَهُ سُوءُ الْخَاتِمَةِ وَبَطَلَ عَنْهُ مَا كَانَ قَبْلَ ذَلِكَ، فَقَدْ يَصْطَحِبُ الِاثْنَانِ وَيَتَوَاخَى الرَّجُلَانِ عِشْرِينَ سَنَةً ثُمَّ لَا يُخْتَمُ لَهُمَا بِحُسْنِ الْأُخُوَّةِ فَيَحْبِطُ بِذَلِكَ مَا سَلَفَ مِنَ الصُّحْبَةِ، فَلِذَلِكَ شَرَطَ الْعَالِمُ الْمَحَبَّةَ الدَّائِمَةَ وَالْأُلْفَةَ اللَّازِمَةَ إِلَى الْوَفَاةِ لِيُخْتَمَ لَهُ بِهِ . (وَلِذَلِكَ قَالَ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فِي السَّبْعَةِ الَّذِينَ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ) فَسَاقَ الْحَدِيثَ الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، وَفِيهِ: (وَرَجُلَانِ تَحَابَّا فِي اللَّهِ اجْتَمَعَا عَلَى ذَلِكَ وَتَفَرَّقَا عَلَيْهِ) وَفِي الْقُوتِ: وَقَالَ يَحْيَى بْنُ مُعَاذٍ: ثَلَاثٌ عَزِيزَةٌ فِي وَقْتِنَا هَذَا، ذَكَرَ مِنْهَا حُسْنَ الْإِخَاءِ مَعَ الْوَفَاءِ يَعْنِي بِالْوَفَاءِ أَنْ يَكُونَ لَهُ فِي غَيْبِهِ وَمِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُ وَلَا يَبْلُغُهُ مِثْلُ مَا يَكُونُ لَهُ فِي شُهُودِهِ وَمُعَاشَرَتِهِ وَيَكُونُ لَهُ بَعْدَ مَوْتِهِ وَلِأَهْلِهِ مِنْ بَعْدِهِ كَمَا كَانَ لَهُ فِي حَيَاتِهِ. فَهَذَا هُوَ الْوَفَاءُ وَهُوَ الْمَعْنَى الَّذِي شَرَطَهُ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لِلْمُؤَاخَاةِ فِي قَوْلِهِ: اجْتَمَعَا عَلَى ذَلِكَ وَتَفَرَّقَا عَلَيْهِ، وَجَعَلَ جَزَاءَهُ إِظْلَالَ الْعَرْشِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ . (وَ) لِذَلِكَ (قَالَ بَعْضُهُمْ: قَلِيلٌ) مِنَ (الْوَفَاءِ بَعْدَ الْوَفَاةِ خَيْرٌ مِنْ كَثِيرٍ فِي حَالِ الْحَيَاةِ) كَذَا فِي الْقُوتِ، قَالَ: وَكَذَلِكَ كَانَ السَّلَفُ فِيمَا ذَكَرَهُ الْحَسَنُ وَغَيْرُهُ (وَلِذَلِكَ رُوِيَ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَكْرَمَ عَجُوزًا) أَيِ: امْرَأَةٌ قَدْ طَعَنَتْ فِي سِنِّهَا وَلَا يُقَالُ امْرَأَةٌ عَجُوزٌ إِلَّا فِي لُغَةٍ قَلِيلَةٍ (دَخَلَتْ عَلَيْهِ فَقِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ) أَيْ: فِي إِكْرَامِهِ لَهَا وَالِاحْتِفَاظِ بِهَا (فَقَالَ: إِنَّهَا كَانَتْ تَأْتِينَا أَيَّامَ خَدِيجَةَ) أَيْ: بِنْتُ خُوَيْلِدٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا- (فَإِنَّ كَرَمَ الْعَهْدِ مِنَ الدِّينِ) كَذَا فِي نُسْخَتِنَا، وَفِي نُسْخَةِ الْعِرَاقِيِّ: وَإِنَّ حُسْنَ الْعَهْدِ مِنَ الْإِيمَانِ، وَقَالَ: رَوَاهُ الْحَاكِمُ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ، وَقَالَ: صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ وَلَيْسَ لَهُ عِلَّةٌ. اهـ . قُلْتُ: رَوَاهُ مِنْ طَرِيقِ الصَّغَانِيِّ عَنْ أَبِي عَاصِمٍ، حَدَّثَنَا صَالِحُ بْنُ رُسْتُمَ، عَنِ ابْنِ أَبِي مَلِيكَةَ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: جَاءَتْ عَجُوزٌ إِلَى النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَهُوَ عِنْدِي، فَقَالَ لَهَا: مَنْ أَنْتِ؟ فَقَالَتْ: أَنَا جَثَّامَةُ الْمُزَنِيَّةُ، قَالَ: أَنْتِ حَسَّانَةُ، كَيْفَ أَنْتُمْ؟ كَيْفَ حَالُكُمْ؟ كَيْفَ تِيكُمْ بَعْدَنَا؟ فَقَالَتْ: بِخَيْرٍ بِأَبِي، فَلَمَّا خَرَجَتْ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، تُقْبِلُ عَلَى هَذِهِ الْعَجُوزِ هَذَا الْإِقْبَالَ؟! قَالَ: إِنَّهَا كَانَتْ تَأْتِينَا زَمَنَ خَدِيجَةَ، وَإِنَّ حُسْنَ الْعَهْدِ مِنَ الْإِيمَانِ. وَهَكَذَا رَوَاهُ الدَّيْلَمِيُّ مِنْ طَرِيقِهِ إِلَّا أَنَّهُ قَالَ: "عَهْدٌ" بَدَلَ "زَمَنٍ" وَقَالَ: "إِنَّ أَكْرَمَ الْوُدِّ مِنَ الْإِيمَانِ" . وَرَوَى ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ مِنْ طَرِيقِ الْكَرِيمِيِّ عَنْ أَبِي عَاصِمٍ فَسَمَّى الْمَرْأَةَ الْحَوْلَاءَ، فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ وَصْفَهَا أَوْ لَقَبَهَا وَيُحْتَمَلُ التَّعَدُّدُ عَلَى بُعْدٍ لِاتِّحَادِ الطَّرِيقِ . وَرَوَى الْعَسْكَرِيُّ فِي الْأَمْثَالِ مِنْ طَرِيقِ الزُّبَيْرِ بْنِ بَكَّارٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ، ثَنَا إِبْرَاهِيمُ ابْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدِ بْنِ مُهَاجِرِ بْنِ قُنْفُذٍ: إِنْ عَجُوزًا سَوْدَاءَ دَخَلَتْ عَلَى النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَحَيَّاهَا، وَقَالَ لَهَا: كَيْفَ أَنْتِ؟ كَيْفَ حَالُكُمْ؟ فَلَمَّا خَرَجَتْ قَالَتْ عَائِشَةُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، أَلِهَذِهِ السَّوْدَاءِ تُحَيِّي وَتَصْنَعُ مَا أَرَى؟ فَقَالَ: إِنَّهَا كَانَتْ تَغْشَانَا فِي حَيَاةِ خَدِيجَةَ، وَإِنَّ حُسْنَ الْعَهْدِ مِنَ الْإِيمَانِ. قَالَ الزُّبَيْرُ: حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ شَيْخٍ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ هِيَ أُمُّ زُفَرَ مَاشِطَةُ خَدِيجَةَ، وَمِنْ حَدِيثِ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: كَانَتْ تَأْتِي النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- امْرَأَةٌ فَيُكْرِمُهَا فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَنْ هَذِهِ؟ فَقَالَ: هَذِهِ كَانَتْ تَأْتِينَا عَلَى زَمَنِ خَدِيجَةَ، وَإِنَّ حُسْنَ الْعَهْدِ مِنَ الْإِيمَانِ. وَهَذَا الْأَخِيرُ عِنْدَ الْبَيْهَقِيِّ فِي الشُّعَبِ، وَقَالَ: إِنَّهُ بِهَذَا السَّنَدِ غَرِيبٌ. اهـ . وَالْعَهْدُ يَنْصَرِفُ فِي اللُّغَةِ إِلَى وُجُوهٍ: أَحَدُهَا الْحِفْظُ وَالْمُرَاعَاةُ وَهُوَ الْمُرَادُ هُنَا، وَقَوْلُ الْحَاكِمِ: إِنَّهُ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ قَدْ أَقَرَّهُ عَلَى ذَلِكَ الذَّهَبِيُّ وَسَكَتَ عَلَيْهِ الْعِرَاقِيُّ فِي إِصْلَاحِ الْمُسْتَدْرَكِ، وَيَظْهَرُ مِمَّا تَقَدَّمُ أَنَّ قَوْلَ الْمُصَنِّفِ: فَإِنَّ كَرَمَ الْعَهْدِ مِنَ الْإِيمَانِ لَيْسَ فِي شَيْءٍ، مِنْ رِوَايَاتِهِ؛ وَإِنَّمَا هُوَ أَخْذٌ بِالْمَعْنَى، وَقَوْلُهُ: مِنَ الدِّينِ أَوْ مِنَ الْإِيمَانِ؛ أَيْ: مِنْ أُمُورِهِ أَوْ مِنْ خِصَالِهِ أَوْ مِنْ شُعَبِهِ .

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية