الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
معلومات الكتاب

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين

مرتضى الزبيدي - محمد بن محمد الحسيني الزبيدي

جزء صفحة
إحياء علوم الدين وَأُخُوَّةُ الدِّينِ أَوْكَدُ مِنْ أُخُوَّةِ الْقَرَابَةِ . وَلِذَلِكَ قِيلَ لِحَكِيمٍ أَيُّمَا أَحَبُّ إِلَيْكَ أَخُوكَ أَوْ صَدِيقُكَ فَقَالَ : إِنَّمَا أُحِبُّ أَخِي إِذَا كَانَ صَدِيقًا لِي . وَكَانَ الْحَسَنُ يَقُولُ : كَمْ مِنْ أَخٍ لَمْ تَلِدْهُ أُمُّكَ وَلِذَلِكَ قِيلَ : الْقَرَابَةُ تَحْتَاجُ إِلَى مَوَدَّةٍ ، وَالْمَوَدَّةُ لَا تَحْتَاجُ إِلَى قَرَابَةٍ وَقَالَ جَعْفَرٌ الصَّادِقُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مَوَدَّةُ يَوْمٍ صِلَةٌ ، وَمَوَدَّةُ شَهْرٍ قَرَابَةٌ ، وَمَوَدَّةُ سَنَةٍ رَحِمٌ مَائِيَّةٌ مَنْ قَطَعَهَا قَطَعَهُ اللَّهُ . فَإِذَنِ الْوَفَاءُ بِعَقْدِ الْأُخُوَّةِ إِذَا سَبَقَ انْعِقَادُهَا وَاجِبٌ . وَهَذَا جَوَابُنَا عَنِ ابْتِدَاءِ الْمُؤَاخَاةِ مَعَ الْفَاسِقِ فَإِنَّهُ لَمْ يَتَقَدَّمْ لَهُ حَقٍّ فَإِنْ تَقَدَّمَتْ لَهُ قَرَابَةٌ فَلَا جَرَمَ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُقَاطَعَ بَلْ يُجَامِلَ . وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّ تَرْكَ الْمُؤَاخَاةِ وَالصُّحْبَةِ ابْتِدَاءٌ لَيْسَ مَذْمُومًا وَلَا مَكْرُوهًا بَلْ قَالَ قَائِلُونَ : الِانْفِرَادُ أَوْلَى فَأَمَّا قَطْعُ الْأُخُوَّةِ عَنْ دَوَامِهَا فَمَنْهِيٌّ عَنْهُ وَمَذْمُومٌ فِي نَفْسِهِ وَنِسْبَتِهِ إِلَى تَرْكِهَا ابْتِدَاءً كَنِسْبَةِ الطَّلَاقِ إِلَى تَرْكِ النِّكَاحِ وَالطَّلَاقُ أَبْغَضُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى مِنْ تَرْكِ النِّكَاحِ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " شِرَارُ عِبَادِ اللَّهِ الْمَشَّاءُونَ بِالنَّمِيمَةِ ، الْمُفَرِّقُونَ بَيْنَ الْأَحِبَّةِ . إتحاف السادة المتقين (وَأُخُوَّةُ الدِّينِ آكَدُ مِنْ أُخُوَّةِ الْقَرَابَةِ؛ وَلِذَلِكَ قِيلَ لِحَكِيمٍ) مَرَّةً (أَيُّهُمَا أَحَبُّ إِلَيْكَ أَخُوكَ) أَيْ: فِي النَّسَبِ (أَوْ صَدِيقُكَ) أَيْ: فِي الْمَحَبَّةِ (فَقَالَ: إِنَّمَا أُحِبُّ أَخِي إِذَا كَانَ صَدِيقًا لِي) كَذَا فِي الْقُوتِ، وَأَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى تَأْكِيدِ حَقِّ الصَّدَاقَةِ وَالْأُخُوَّةِ فِي اللَّهِ . (وَكَانَ الْحَسَنُ) الْبَصَرِيُّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- (يَقُولُ: كَمْ مِنْ أَخٍ لَمْ تَلِدْهُ أُمُّكَ) كَذَا فِي الْقُوتِ، وَقَدْ صَارَ هَذَا مَثَلًا فِي تَأْكِيدِ حَقِّ الصَّدَاقَةِ، وَأَوْرَدَهُ الْحَرِيرِيُّ فِي مَقَامَاتِهِ بِلَفْظِ: فَرُبَّ أَخٍ لَمْ تَلِدْهُ أُمُّكَ (وَلِذَلِكَ قِيلَ: الْقَرَابَةُ تَحْتَاجُ إِلَى مَوَدَّةٍ، وَالْمَوَدَّةُ لَا تَحْتَاجُ إِلَى قَرَابَةٍ) وَقَالَ أَكْثَمُ بْنُ صَيْفِيٍّ لِبَنِيهِ: يَا بَنِيَّ تَقَارَبُوا فِي الْمَوَدَّةِ وَلَا تَتَّكِلُوا عَلَى الْقَرَابَةِ، وَقَدْ قِيلَ لِأَبِي حَازِمٍ: مَا الْقَرَابَةُ؟ قَالَ: الْمَوَدَّةُ. كَذَا فِي الْقُوتِ، وَفِي هَذَا قَالَ الْعُتْبِيُّ: وَلَقَدْ بَلَوْتُ النَّاسَ ثُمَّ خَبَرْتُهُمْ وَوَصَلْتُ مَا قَطَعُوا مِنَ الْأَسْبَابِ فَإِذَا الْقَرَابَةُ لَا تُقَرِّبُ قَاطِعًا وَإِذَا الْمَوَدَّةُ أَقْرَبُ الْأَنْسَابِ (وَقَالَ جَعْفَرٌ الصَّادِقُ) - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- (مَوَدَّةُ يَوْمٍ صِلَةٌ، وَمَوَدَّةُ شَهْرٍ قَرَابَةٌ، وَمَوَدَّةُ سَنَةٍ رَحِمٌ مَاسَّةٌ مَنْ قَطَعَهَا قَطَعَهُ اللَّهُ) كَذَا فِي الْقُوتِ، وَمَعْنَى مَاسَّةٍ أَيْ: قَرِيبَةٌ (فَإِذَا الْوَفَاءُ بِعَقْدِ الْأُخُوَّةِ إِذَا سَبَقَ انْعِقَادُهَا وَاجِبٌ، وَهَذَا جَوَابُنَا فِي ابْتِدَاءِ الْمُوَاخَاةِ مَعَ الْفَاسِقِ فَإِنَّهُ لَمْ يَتَقَدَّمْ عَلَى حَقٍّ) يُرَاعَى لِأَجْلِهِ (فَإِنْ تَقَدَّمَتْ لَهُ قَرَابَةٌ) مِنَ النَّسَبِ (فَلَا جَرَمَ يَنْبَغِي أَنْ يُقَاطَعَ) وَيُهَاجَرَ (بَلْ يُحَامَلَ) وَيَتَحَمَّلَ (وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ تَرْكَ الْمُوَاخَاةِ وَالصُّحْبَةِ ابْتِدَاءٌ لَيْسَ بِمَذْمُومٍ وَلَا مَكْرُوهٍ بَلْ قَالَ قَائِلُونَ: الِانْفِرَادُ) عَنْهُ (أَوْلَى وَأَمَّا قَطْعُ الْأُخُوَّةِ عَنْ دَوَامِهَا فَنُهِيَ عَنْهُ) شَرْعًا (وَمَذْمُومٌ فِي نَفْسِهِ) وَحَدُّ ذَاتِهِ (وَنِسْبَتِهِ إِلَى تَرْكِهَا ابْتِدَاءً كَنِسْبَةِ الطَّلَاقِ إِلَيْهِ) تَرْكُ (النِّكَاحِ) وَقَدْ وَرَدَ فِي الْخَبَرِ: أَبْغَضُ الْحَلَالِ عِنْدَ اللَّهِ الطَّلَاقُ، وَتَقَدَّمَ فِي كِتَابِ أَسْرَارِ النِّكَاحِ . (وَقَالَ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "شِرَارُ عِبَادِ اللَّهِ الْمَشَّاءُونَ بِالنَّمِيمَةِ، الْمُفَرِّقُونَ بَيْنَ الْأَحِبَّةِ) الْبَاغُونَ الْبَذَاءَ وَالْعَنَتَ، هَكَذَا هُوَ فِي الْقُوتِ، قَالَ الْعِرَاقِيُّ: رَوَاهُ أَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ أَسْمَاءَ بِنْتِ يَزِيدَ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ. انْتَهَى . قُلْتُ: الْبَذَاءُ، جَمْعُ بِذِيءٍ وَهُوَ وَالْعَنَتُ مَنْصُوبَانِ مَفْعُولَانِ لَلْبَاغُونَ، وَالْعَنَتُ مُحَرِّكَةُ الْمَشَقَّةِ وَالْفَسَادِ وَالْهَلَاكِ وَالْإِثْمِ وَالْغَلَطِ وَالزِّنَا، وَالْبَاغُونَ: الطَّالِبُونَ، يُرْوَى هَذَا الْحَدِيثُ بِلَفْظِ: "خِيَارُ أُمَّتَيِ الَّذِينَ إِذَا رُؤُوا ذُكِرَ اللَّهُ، وَشِرَارُ أُمَّتِي الْمَشَّاءُونَ". إِلَخْ .وَهَكَذَا رَوَاهُ أَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ غُنَيْمٍ، قَالَ الْمُنْذِرِيُّ: فِيهِ شَهْرُ بْنُ حَوْشَبٍ، وُثِّقَ وَضُعِّفَ، وَبَقِيَّةُ إِسْنَادِهِ مُحْتَجٌّ بِهِمْ فِي الصَّحِيحِ، وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ مِنْ حَدِيثِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، قَالَ الْهَيْثَمِيُّ: فِيهِ يَزِيدُ بْنُ رَبِيعَةَ وَهُوَ مَتْرُوكٌ، قَالَ الْمُنْذِرِيُّ: وَحَدِيثُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَصَحُّ، وَيُقَالُ: لَهُ صُحْبَةٌ . وَأَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ فِي الشُّعَبِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ بِلَفْظِ: "خِيَارُكُمُ الَّذِينَ إِذَا رُؤُوا ذُكِرَ اللَّهُ بِهِمْ وَشِرَارُكُمُ الْمَشَّاءُونَ". إِلَخْ. وَفِيهِ ابْنُ لَهِيعَةَ وَابْنُ عَجْلَانَ ضَعِيفَانِ . وَأَخْرَجَهُ كَذَلِكَ الْحَاكِمُ وَأَبُو الشَّيْخِ فِي التَّوْبِيخِ، زَادَ الْأَخِيرُ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ: "يَحْشُرُهُمُ اللَّهُ فِي وُجُوهِ الْكِلَابِ" .

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية